أكثر ما يعذبني في حبك.. أنني لا أستطيع أن أحبك أكثر.. وأكثر ما يضايقني في حواسي الخمس.. أنها بقيت خمسا.. لا أكثر.. إن امرأة استثنائية مثلك تحتاج إلى أحاسيس استثنائية.. وأشواق استثنائية.. ودموع استثنائية..
ودعت بتول السيدة صفوة ثم رحلت وعلى وجهها ابتسامة.. ولم لا وهي باتت تعلم كل شيء عن يونس.. طفولته المفعمة بالبراءة والرجولة في آن واحد.. شبابه وحياته الجامعية.. الحب الذي لم يطرق بابه فكانت هي أول قصة عشق جامح يعيشها.. تنهدت بسعادة وهي تشعر بفراشات ذات ألوان مبهمة تحلق حولها.. ولكنها اختفت وحلت مكانها الجراد ما أن أبصرت عدي.. لوت شدقها بضيق وقالت بصوت خفيض يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم يارب...
كان عدي يصعد الدرج وهو يتمتم بسخرية وأدي أخرتك يا عدي لما تكلم روضة الصبح وتقولك وحشتني... ضحك بتهكم ثم أكمل هى هتبقى كل مرة كدا.. أنسى موبايلي وورق شغلي المهم... رفع بصره ليجد بتول تقف أمامه وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتنظر له بسخط.. عض على شفتيه بسخط ومن ثم هتف بسم الله الرحمن الرحيم.. بيطلعوا أمتى دول! حركت رأسها بحركات دائرية وهتفت بتهكم: لما اللي زيك ينكشحوا يا خفيف...
أغمض عينيه يكبح غضبه منها.. سليطة اللسان.. بل لسانها يفوقها بالطول أمتارا.. تغاضى عن قولها الذي يحثه على تحطيم فكها ثم تشدق من بين أسنانه بتعملي إيه هنا!! قرصت أنفه بخفة ثم قالت وتدفعه من منكبه حتى تمر جاية أغير الأنبوبة يا ظابط نص كم... مذهول.. صدمة تعقد اللسان بل وتجبرك على إبتلاعه.. هي كائن لا يمكن للمرء تحمله.. وقفت قليلا ثم استدارت له وقالت بنبرة تهكمية هو أنت هتفضل نص كم!! يعني ربنا مش هيكرمك وتبقى كم!!
دا حتى الجو برد... كور المفاتيح بيده وأوهمها بقذفها بها.. لتصرخ بتخوف ثم هبطت الدرج سريعا ومن أسفل هتفت بصوت عال يا ظابط نص كم... اه يا بنت المجانين.. أقسم بالله أنتي محتاجة لك مستشفى لوحدك مش عنبر مجانين بس... ثم أكمل طريقه إلى أعلى... ****************************************
انتهى يونس من تضميد جراحه مرة أخرى بذهن غائب.. فكل فكره ينصب على القادم.. وعلى لقاء بتوله.. بتول.. ذاك الاسم المتكون من أربعة حروف والتس سلبت لبه بابتسامة واحدة ثم نظرة واحدة ليخر صريعا بعدها... استفاق من نشوة فكره بها على ألم بصدري.. نظر ليجد يده تشتد على جراحه وتفاجأ بتلك المضخة أسفل يده.. بمجرد التفكير بها يكون هذا حال قلبه! .. فماذا إن لمسها! .. تنهد أكثر من مرة ثم قال بمرح خلاص جايلك يا رحاب...
أنهى تطهير جرحه وأعاد تضميده.. ثم أمسك هاتفه واتصل بأحدهم.. ثوان وأتاه الرد من الطرف الآخر أيوة يا سيادة المقدم... وضع يونس الهاتف ما بين رأسه ومنكبه وشرع في ارتداء ثيابه ثم تشدق أيوة يا محمد.. إيه الأخبار؟ البيه عامل حفلة بمناسبة رجوعها وهي هتروح تحضرها توقف يونس عن ارتداء ثيابه وقد اشتدت عضلات فكه بغضب.. ثم تساءل بصوته الملغم غضبا وبعدين!! توجس محمد من نبرته تلك ولكنه تغاضى عنها.. ليـتنحنح ثم أكمل
الحفلة هتبدأ ع عشرة كدا.. يعني بالظبط فـ معاد رجوعك... كمل بس كدا تساءل يونس بنبرة ذات مغزى: يعني مش شفتها امبارح! ولكن صمت محمد ولم يستطع الحديث.. كز يونس على أسنانه بقوة كادت تهشمها.. وقد كور يده بغضب شديد حتى ابيضت مفاصله.. وبصوت لم يخلو من العتاب والحنق بقى هى دي الأمانة يا عدي! ماشي ثم وجه حديثه إلى محمد وأكمل بجدية... عاوزك تجيب لي مأذون من تحت الأرض.. الساعة عشرة تستناني ومعاك المأذون.. فاهم!!!
ولم يترك له المساحة للرد فأغلق الهاتف.. قذفه بعنف على الفراش وأكمل إرتداء ثيابه بعصبية... دق جرس الباب ليتجه إليه يونس وفتحه فوجد محمود أمامه وبلا أي مقدمات يلا الطيارة جاهزة... أومأ يونس برأسه ثم تركه واتجه إلى الداخل.. جمع حاجياته ودلف إلى الخارج... هبطا سويًا الدرج فـ تشدق محمود بهدوء سيف لسه هنا توقف يونس عن الهبوط ثانية ثم عاد وأكمل.. ليقول ببرود امتهنه مش مهم عندي سيف دلوقتي.. دوره جاي تمام.. أنا حبيت أقولك
هز يونس رأسه وقال بزرانة: كويس إنك عرفتني.. ارميله العضمة وخليه ينزل مصر... ضحك محمود وأكمل طريقه مع يونس... **************************************** وقفت أمام منزل عز الدين وهي تقبض على يدها بقوة.. تشعر بنفور حاد منه ومن دخول منزله.. ولكن بالأخير ضغطت على نفسها وتقدمت منه.. لم يعترض أفراد الحراسة معرفة هويتها أو التحقق منها.. فهي خط أحمر بالنسبة للجميع..
دَلفت إلى حديقة المنزل فوجدت الجميع في حالة استنفار.. الخدم تعمل على قدم وساق.. والعمال ترهق نفسها عملا.. زفرت باختناق وكادت أن تعود أدراجها.. إلا أن صوت عز الدين جمدها مكانها حبيبتي!! رايحة فين! كزت على أسنانها بشراسة.. وفي ثوان أخفت اشمئزازها ثم التفتت إليه ببطء وقالت مش رايحة المكان هنا زحمة وكنت هقف فـ الجنينة اللي ورا تقدم منها ثم قال بحنو: طب تعالي متخافيش.. أنا محضر لك السويت بتاعك...
كاد أن يمسك يدها اليمنى ولكنها أبعدتها بذعر.. عقد ما بين حاجبيه وتساءل بتعجب مالك يا بتول؟ ليه مش عايزاني أمسك إيدك! أجابته بتلثم: مـ.. مفيش ولكنه رد بإصرار: لأ فيه ثم جذب يدها اليمنى بغتة.. وحدق بها فوجد بنصرها خاليا من خاتم خطبتها وحل مكانه حلقة نحاسية غريبة.. ظل يحدق بها بجمود وبتول دقات قلبها تتصارع وبدأ تنفسها يعلو.. رفع أنظاره لها وتشدق بنبرة جامدة فين الخاتم يا بتول! أغمضت عيناها وقالت بذعر: معـ.. معرفش
رغم عنه صرخ بوجهها: متعرفيش إزاي!! وعلى إثر صراخه التفت الجميع وقد توقفوا عن العمل.. أجفلت بتول من صراخه وظلت ترف بعينيها عدة مرات لتزيح تلك العبرات التي كادت تهطل.. أغمض عينيه بغضب وسب نفسه ما أن رأى خوفها وعيناها التي لمعت.. فتح عينيه مرة أخرى وتشدق بابتسامة أسف يا حبيبتي مش قصدي أزعق... لم ترد عليه بتول.. ليتقدم خطوة أخرى وأمسك يدها مرة أخرى.. ليرتجف بدنها.. وقد زاغت عيناها بتوتر.. عاد عز الدين يتحدث بنبرة حنونة
متزعليش.. أنا بس زعلت لما ما لقيتش الخاتم.. أكيد ضاع منك صح! هزت رأسها بنعم وجذبت يدها منه بقوة.. بالرغم من رفضه لتركها إلا أنه لم يرد أن يخيفها فتركها.. وبتهدج نطقت فـ.. فين السويت بتاعي.. عشان أجهز... هخلي حد من الخدم يوصلك... ثم أشار إلى إحدى الخادمات التي أوصلتها الجناح الخاص بتجهيزها... دَلفت إلى الداخل تتأمل ما فيه.. أثاث كلاسيكي ممزوج بحضارة العصر.. ألوان نبيذية مختلطة مع اللون الفضي...
نظرت إلى الفراش فوجدت ثوب أسود من خامة الشيفون مبطنة.. لامسته بيدها وتأملته كان النصف العلوي من خامة لامعة مزينة بفصوص الألماس اللامعة وما فوق الصدر والأذرع ملتفان بنوع من القماش الشفاف من نفس اللون.. والجزء السفلي من طبقات التل.. فكان أشبه بثوب سيندريلا... لو اختلفت الظروف.. لو بقت عاشقة له.. لو لم تتقابل مع يونس.. لكانت قفزت من السعادة والإنبهار.. ولكن ما دار بها هو النفور والكره...
استمعت إلى دقات وصوت أنثوي من الخارج.. لتتنهد وتقول أتفضلي.. ودلفت سيدة جميلة الملامح.. تبدأ من وجهها الأبيض وعيناها الملونتان بلون العسل.. إلى حجابها الرقيق الذي زادها جمالا.. وبعدها دلف عدة فتيات أخرى.. تحدثت الفتاة بابتسامة أنتي خطيبة مستر عز.. مو (أليس كذلك) أومأت برأسها وقالت بفتور: أيوه.. حضرتك مين! تقدمت منها السيدة ووضعت يدها على ذقنها ثم قالت بابتسامة بشوشة لك ما شالله... ما شالله.. أديشك (كم أنتِ)
چميلة.. عنجد (حقاً) أنتي ما راح تحتاجي لشي.. لك هل جمال شو يؤبرني... ضحكت بتول بقوة ثم قالت بمرح مع أني مش فاهمة انتي بتقولي إيه.. بس دا أكيد مدح فيا.. صح! ضحكت السيدة وقالت: إيي (بلى) .. صح.. يلا نبدأ دفعتها لتجلس على مقعد ما وبدأت رحلتها في وضع مستحضرات التجميل... ***************************************** كان يونس يجلس بالطائرة التي أقلعت منذ فترة طويلة وقد بدا عليه التوتر.. انتبه له محمود وتساءل بعقدة حاجب
مالك يا سيادة المقدم! .. متوتر ليه كدا؟ رد يونس باقتضاب: مفيش.. لأ فيه.. أكيد مش من الطيارة.. دي مش أول مرة... زفر يونس باختناق ثم تحدث وقد سمح لنفسه بالحديث لعله يجد الراحة خايف ملحقهاش هى مين! وبلا تردد أجاب: مراتي عقد محمود ما بين حاجبيه بدهشة وقال بشيء من الدهشة هو حضرتك متجوز! .. أنا أول مرة أعرف هز رأسه بنفي ثم قال: دا باعتبار ما سيكون...
بدى على وجه محمود الحيرة بدرجة أكبر.. ولكن هز كتفيه بقلة حيلة ثم قال بهدوء وكأنه أراد مواساته إن شاء الله هتلحقها.. متقلقش سأل يونس بتوتر: قدامنا أد إيه ونوصل؟ نظر محمود إلى ساعته.. ثم نظر إلى يونس وقال مفضلش كتير.. كلها أربع ساعات ونوصل.. ضرب يونس المقعد بعنف وقال بحدة لسه فاضل كتير ربت محمود على منكبه وقال: لو تحب نزود السرعة.. مفيش مانع رد عليه يونس بلهفة: ياريت...
أومأ محمود وهو يبتسم.. ثم انحنى بجسده إلى الأمام وهمس لسائق الطائرة بكلمات مقتضبة.. أومأ الطيار بطاعة.. عاد إلى مكانه وقد شعر يونس بإسراع الطائرة.. نظر إلى محمود بامتنان وقال شكرًا يا محمود العفو ع إيه بس.. إحنا فـ الخدمة... أخرج يونس هاتفه واتصل بمحمد الذي رد بسرعة أيوة يا يونس.. في حاجة؟ أجابه يونس بصوته الرخيم: قدرت تتصرف لي بـ مأذون! ضحك محمد على كلمته "تتصرف لي".. ثم همس في نفسه هو بنطلون!
تنحنح محمد ثم قال بجدية أيوه.. وإحنا جايين نستقبلك حلو.. أنا كمان ساعتين وهكون عندك تمام وكاد أن يغلق ولكن هتاف يونس أوقفه ليسأله بهدوء في حاجة! فكرت لي هدخل الحفلة إزاي؟ نظر محمد إلى الحقيبة بالمقعد الخلفي ثم تشدق بغرور عيب عليك يا معلم.. تمام أوي.. متتأخرش يا محمد متخافش.. أنت وراك رجالة... ثم أغلق الهاتف.. وما كاد أن يضعه حتى صدح مرة أخرى.. تناوله فوجد صديقه عدي.. رد عليه بهدوء أيوة يا عدي محمد!! أنت فين؟
رايح ليونس دلوقتي.. أنت اللي فين! أنا وراك أهو... قالها وهو يبعث أضواء بسيارته لينتبه محمد إليها.. فـ بادله لكي يشير إليه أنها قد وصلته ثم قال خلاص شوفتك.. هو لسه مصمم يروح لعز! تنهد محمد بقلة حيلة وقال: أنت عارف أخوك منا عشان عارفه.. وخايف من اللي هيعمله.. عاوز أمنعه بأي طريقة ابتلع محمد ريقه بتوتر وقال بصوت لا يقل عن توتر جسده هو أنت عرفت التقيلة! عقد ما بين حاجبيه وقال: اللي هو!
طب بلاش.. أنت كدا كدا هتعرف كمان شوية.. يعني.. آآآ... ولم يسمح له بأن يكمل حديثه إذ أغلق الهاتف بوجهه.. فـ علم عدي أن يونس يدبر لشيء ما.. وبالطبع ستحدث كارثة... ***************************************** وبعد عمل دام ساعات.. كانت بتول شبه جاهزة.. ولم يتبق سوى الثوب.. لملمت السيدة حاجيتها وقالت بابتسامتها التي لم تفارقها الله يسعدك يا حبيبتي...
ابتسمت بتول ببهوت ولم ترد.. فـ خرجت السيدة ومعها الفتيات الأخرى اللاتي ساعدنها في العمل.. نهضت بتول عن المقعد وأخذت تتأمل الثوب تارة والحلقة النحاسية تارة أخرى.. قربتها من فمها ثم قبلتها برقة ثم همست بحبك يا يونس...
ثم أزالت عنها بقايا أحمر الشفاه ذو اللون النبيذي الداكن.. نظرت إلى هيئتها البسيطة في المرآة تبدأ من خصلاتها المصففة بعناية والذي وضع أعلى رأسها تاج ألماسي رقيق.. وقد تركت خصلاتها حرة تنسدل على منكبه الأيمن.. ثم إلى زينتها البسيطة وجيدها المزينة بعقد ماسي آخر يشبه التاج...
تنهدت بتول بثقل ثم اتجهت إلى الثوب وأمسكته ثم دلفت إلى المرحاض.. ارتدت الثوب ودلفت إلى الخارج.. عادت تتأمل هيئتها الفاتنة.. ذاك الثوب والذي صمم خصيصا لها أظهر نحافة جسدها الرائعة.. برزت عظمتي الترقوة من أسفل تلك الطبقة الشفافة.. مما أضفى عليها فتنة... ثوان وسمعت طرقات هادئة على باب الغرفة.. التفتت بتول إلى الباب وقد شددت قبضتها على الثوب.. وارتفع وجيب قلبها...
دلف عز الدين.. والذي بقى دقائق يحدق بها وقد فتن بها.. هيئتها الناعمة.. ثوبها الذي أضفى عليها جاذبية وإثارة رغم احتشامه.. ولكن لم يستطع منع عينيه من تأملها وكأنها اللحظة الأخيرة.. تقدم منها بخطى بطيئة عيناه لا تحيد عنها حتى وقف أمامها.. ثم قال بانبهار ما شاء الله.. ربنا يحميكي يا حبيبتي هتفت بتوتر: شـ.. شكرًا ابتسم عز الدين وقال: بس لسه حاجة ناقصة...
ثم التفت خلفها وهي تعقد حاجبيها بغرابة.. شعرت بشيء ما يوضع على جزء وجهها العلوي.. فأيقنت أنه قناع... كان من اللون الأسود وعلى طرفاه العلويان ريش نعام رمادي اللون.. والجزء الأيمن السفلي يمتد على جانب وجهها ليخفي وجنتها اليمنى... شعرت بأنفاسه تقترب من عنقها بعدما أحكم ربط القناع.. ليدب الرعب في أوصالها.. لم تستطع أن تنتظر قبلته التي ستدنس عفتها فابتعدت على الفور.. امتقع وجهها خجلًا ثم قالت بتلثم
ميـ.. مينفعش.. ممكن.. حد يدخل... ضحك عز الدين وهو يحك مؤخرة رأسه.. ثم قال بمزاح بالرغم إن محدش هيدخل.. بس دا كسوف... تقدم منها ثم مد يده إليها وقال بابتسامته الجذابة مش يلا ننزل.. الناس مستنية! أومأت بخفوت وقالت: طيب...
وقبل أن يدلفا إلى الخارج ارتدى عز الدين القناع الخاص به والذي كان من نفس اللون ولكنه يخفي عينيه فقط.. كان يرتدي حلة من اللون الرمادي اللامع يتماشى مع لون القناع.. أمسك عز الدين يدها.. وقد كابحت بتول حتى لا تتقيأ أو تبكي من فرط خوفها... ****************************************
وصل يونس في زمن قياسي إلى أرض وطنه الحبيب.. ثم استقل السيارة مع محمد بالطبع لم يستطع استقلالها مع شقيقه والذي نال عتابا لاذعا لأنه ترك عز الدين يرى محبوبته بل وأوصله إلى تلك الحفلة.. وكم يشعر بانقباضة في قلبه أنبأته أنها تعاني الرعب... جلس يونس في المقعد الخلفي وبصوت صارم قال بـ أسرع سرعة عندك يا محمد اطلع.. بص عاوزك تطير أنت تؤمر يا سيادة المقدم...
نظر يونس إلى المأذون الذي ظهرت عليه علامات السأم.. ليقول يونس بجدية.. يلا ابدأ يا شيخنا نظر إليه ذاك الشيخ وقال: ابدأ إيه يا بني! تأفف يونس وقال: مراسم الزواج يا شيخنا.. هو أنت بتشتغل حداد! رد عليه المأذون بعصبية: تحشم يا ولد.. وبعدين فين العروسة!! هنكتب الكتاب إزاي؟ ضيق يونس عينيه وقال: مبتتكشفش على رجالة.. اكتب أنت بس.. أين الشهود؟ نهض يونس من مكانه ثم أطل برأسه إلى الأمام.. وبخبث تشدق
هتكتب الكتاب يا شيخنا ولا تشرفنا فـ أمن الدولة!! توتر الرجل وقال بسرعة: فين بطاقتك وبطاقة العروسة!! أخرجهما يونس من جيب بنطاله وقد حصل على البطاقة الشخصية الخاصة ببتول بمساعدة محمد.. وبدأ الشيخ في مراسم عقد القرآن فـ قال بالأخير فاضل بس إمضة العروس وبصمتها... ثم تساءل هي قاصر!! لأ.. يعني تقدر تجوز نفسها...
وشرع يونس في تبديل ملابسه وارتداء تلك التي تخوله إلى الدخول.. وفي غضون خمس وأربعين دقيقة.. كانوا أمام المنزل.. دلف يونس إلى المنزل بخفة ولم يلحظه أحد من الحرس... ***************************************
هبطا الدرج تزامنًا مع خفوت الأضواء.. استقبلهما ذاك الحشد بتصفيق حار وبعض الكلمات لعودة خطيبته سالمة.. توقفا في منتصف القاعة.. أمسك أطراف أصابعها ثم فرقع بأصابعه لتصدح موسيقى الأوبرا.. جذبها إليه ثم أحاط خصرها ولم يشعر بارتجافة جسدها أسفل يده.. هتف بأذنها عارف إنك بتحبي الأوبرا.. عشان كدا رقصتنا هتكون عليها...
تمايلا على تلك الألحان بمشاعر متناقضة.. إحداها عاشقة والأخرى نافرة.. كانا يتحركان بإنسيابية وخطوات مدروسة.. وأفلت أصابعها فـ أخذت تدور في حلقات حتى التقطتها يد غليظة قبضت على خاصتها بقوة مهلكة.. وبيده الأخرى التفت حول خصرها كما تلتف الأفعى حول فريستها.. رفعت عيناها لتجابه بنيته فـ تعرفت على هويته بصمت.. تراقصا وهي لا ترى سوى عينيه وهو يرتدي زي المحارب الأسطوري "زورو" وقناعه يخفي جزء كبير من ملامحه ولكن نابضها تعرف عليه فقد استشعر ذبذبات أرسلها خاصته لتصيبها في منتصف روحها.. وحدقيه لا تتزحزحان عن خاصتها.. تمايلا على ألحان الأوبرا وها قد سرق منها تلك الرقصة الأرستقراطية.. انتهت الرقصة ليهمس بأذنها بهمس عاذب
وأديني وفيت بوعدي وسرقت رقصتي.. سنيوريتا... واستغل انطفاء الأضواء ليقبل نحرها النابض بقلبة رقيقة ليختفي في جوف الظلام كما ظهر تماما... وتوقفت الرقصة.. أضيئت الأضواء وظلت بتول تبحث عنه بحدقيتيها التي لمعت بقوة وازداد وجهها بريقا...
تقدم منها عز الدين والذي كان الشرر يتطاير من عينيه.. من ذاك الذي يجرؤ على اختطاف الرقصة التي طالما حلم بها.. أمسك يدها وكادت أن تشهق باسم يونس.. إلا أنها ابتلعتها وهي تراه بهيئته الغاضبة.. وقبل أن يهذي كانت هي ترد على عجالة أنا معرفش إيه اللي حصل.. بس أنت اللي سبته يرقص معايا.. لو كنت منعته كنت هستحمل عصبيتك.. بس أنت سبته... ثم رفعت ثوبها وقالت بقوة أنا داخلة الحمام.. بعد إذنك...
وتحركت من أمامه ونبضات قلبها كادت تصم أذنيها.. دلفت إلى الداخل وقد خلا من رواده.. أغلقت الباب واستندت على الحائط خلفها.. ابتسمت بسعادة بل قفزت ثم هتفت بحماس يونس جه... ثم اتجهت إلى المرآة المعلقة على طول الحائط.. وأخذت تتأمل وجنتها والتي قد تحولا إلى اللون الوردي.. لم تشعر بذاك الذي دلف خلفها ثم أحاط خصرها.. شهقت بتول ولكن ما أن أبصرته.. حتى هتفت بعدم تصديق يونس!!!
ولم يتركها تكمل حديثها إذ أدارها وجذبها في أحضانه.. أحاطها بين يديه بقوة حتى بدت كإحدى ضلوعه.. وهي لم تقل عنه بل ازدادت وهمست بصوت متحشرج وحشتني أوي.. أوي أبعدها عنه وأحاط وجهها: وأنتي وحشتيني أكتر يا قلبي يونس من جوة ثم أخرج من جيب بنطاله ورقة وقال بجدية بصي معندناش وقت.. إمضي هنا ابصمي عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت بتوجس: إيه دا! سألها بحنو: مش أنت بتثقي فيا!! أومأت برأسها دون تردد.. فابتسم بعذوبة وقال
خلاص ثقي فيا وأمضي... وبثوان جذبت الورقة ومضت ثم بصمت كما طلب.. أخذ الورقة وطواها.. ثم اقترب منها وطبع قبلة سريعة على شفتيها.. تشدق وهو يتحرك إلى الخارج سلام مؤقت يا مراتي... ثم خرج وتركها تحدق به ببلاهة وصدمة عقب ما قال... ***************************************** وخرج يونس كما دلف وأبدل ملابسه وكاد أن يدلف مرة أخرى إلا أن عدي أوقفه قائلا بحدة اللي بتعمله دا غلط
أزاح يونس يده وقال بغلظة: الغلط لما وثقت فيك.. اللي جوه دي مراتي وأنا مش هسيبها عنده ثانية... ثم دلف بخطى سريعة.. لم ينطفأ شوقه لها ما أن أبصرها في هذا الثوب والذي جعلها كحورية هربت من الجنة.. فما أن رآها بهذا الثوب حتى هوى قلبه من فرط جمالها الفتاك...
تلك المرة دلف يونس من البوابة بكل هيبة ووقار.. ضرب كل حارس حاول أن يمنعه من الدخول.. وقد ساعده محمد وعدي.. وفي غضون دقائق.. وصلوا أمام باب المنزل.. ركله يونس بعنف ووقف يطالع ما حوله بازدراء... عم الأجواء الصمت.. وكل الأبصار توجهت إلى يونس.. تطلع إليه عز بعينان جاحظتان.. وقبل أن تحرك من مكانه حتى وجد من يندفع خلفه بأقصى سرعة.. لتستقر في أحضان يونس...
تراجع يونس إثر الاصطدام ولكنه حاوطها بيدها الصلبة.. التفت يداه حولها بتملك.. ثم رفع أبصاره إلى عز الدين الذي شحب كالموتى.. كان يقف كمن سكب عليه دلو ماء قارص البرودة.. جسده قد تصلب من المفاجأة... كانت عينا يونس تنظر إلى عز الدين بحدة كحدة الصقر.. نظرات تبث السموم كأفعى.. عيناه ضيقة بغضب حارق يحرق الأخضر واليابس.. عينان تهتفت بوعيد أسود قاتم كهوة جهنم.. نظرات تخترق جسده وعيناه حتى كادت أن تحرقها...
نظراته أخبرته ببساطة بتملكه لها.. أنها ملكه وليست لغيره.. أنها باتت له وليست لأحد آخر.. نظراته كانت أبلغ من أي حديث.. نظرات تحكي ألف قصة وقصة بداية من الانتقام وحتى النهاية انتقام لاذع.. مر المذاق.. فيونس المحارب قد حظى بأميرته وانتزعها من بين يديه...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!