الفصل السابع يونس قمة الخذلان، أن أحفظ عهدك، وأصون ودك، وأذكر نفسي بأنني يجب أن أراعي ما بيني وبينك، وفجأة يضيع في لحظة كل شيء. التفت يونس وبتول على ذلك الصوت ليتفاجأ بشقيقه عدي. ترك يونس يدها واتجه ناحية عدي واحتضنه بقوة وكذلك الأخير بادله الاحتضان. ابتعد يونس عنه وتساءل: -عرفت إني هنا إزاي! ابتسم عدي بمكر وقال: -تلميذك يا معلمي. ربت يونس على كتفه وأكمل: -عامل إيه وسيادة العقيد وأمك؟ تنهد عدي بأسى وتشدق:
-أمك بتموت يا يونس لازم تروح تشوفها. أخفض يونس وجهه وارتسمت علامات الألم على وجهه ولم يرد. وعلى الجانب الآخر وجهت وداد سؤالها إلى بتول: -مين هاذا؟ مطت بتول شفتيها وقالت بجهل: -علمي علمك يا شابة. التفتت إلى الخلف فوجدت ذلك "اللطخ" كما لقبته الآن، ينظر لهم بنفاذ صبر. لتربت على ظهر وداد قائلة بسخرية: -روحي يا شابة لجوزك الناس كلت وشه جوه. ده حتى بقى أد اللقمة. خشي يا ضنايا.
كانت وداد تستمع لها فارغة فاها لما تقول تلك المجنونة التي أمامها، لتعود بتول وتكمل: -خشي يا ست جوزك هيطق. نظرت وداد إلى زوجها ثم عادت بنظرها إلى بتول وتشدقت: -طيب.. أنا راح أدخل مع عايد.. وأنتم لا تتأخرون. -طيب يا ماما يلا وإحنا هنحصلك. دلفت وداد ثم اتجهت بتول بنظرها إلى يونس وذاك الشخص الغريب الذي يقف جانبه بالنسبة لها، وعزمت على التوجه إليهم. -طيب هتعمل إيه يا يونس! حك يونس مؤخرة عنقه وقال بحيرة:
-مش عارف.. بس حاليًا مش هعرف أجي أشوف أمي.. أكيد عز الكلب مراقب الدنيا وأكيد مراقبينك وبالكدا مش هعرف أتحرك وهى معايا. تحرك عدي بنظره إليها لتمتعض ملامحه سريعًا وهتف بضجر: -وليه واخدها معاك! زفر يونس بضيق ثم قال: -محتاجها عشان أخرج بره مصر.. بس والله ابتلاء. جاءه صوتها الممتعض: -مين دي اللي ابتلاء يا عنيا! وضع يونس يده على عينيه ولم يرد. بينما عدي قد ارتسم على ملامحه التعجب وبامتياض أكبر تشدق: -بقى دي خطيبة وزير!
وجهت نظراتها لذلك الشخص وقالت بحدة: -ومكنش خطيبة وزير ليه مشبهش ولا مشبهش؟ تحدث عدي بسخرية: -من ناحية كده فأنتي فعلًا متشبهيش. كادت أن تنفعل أكثر وترد بحدة، إلا أن يونس التفت لها على حين غرة وأمسك رسغها قائلًا بتحذير: -كلمة تانية يا بتول الكلب.. وهدفنك مكانك. لوت شدقها بضيق ثم قالت بصوت خفيض: -هو اللي بدأ.. وبعدين مين الكائن ده؟ كز على أسنانه بغيظ ثم قال: -أخويا.
ارتفع كلا حاجبيها بذهول، ثم نظرت إلى عدي نظرات ضيقة. عادت بنظرها مرة أخرى إلى يونس وأكملت بتبرم: -أنا قولت كده برضه.. سبحان الله نفس السماجة. انفجر في وجهها قائلًا بصوت عال: -ياااارب. عادت برأسها إلى الخلف ورفت بعينيها خوفًا. تركها يونس والتفت إلى عدي هاتفًا بجدية: -عدي يلا ندخل عندنا شغل جوه. أومأ برأسه وتوجه خلف يونس الذي رحل. رمقت بتول عدي بنظرات ضيقة وهو يمر بجانبها، ليضرب عدي كفًا على آخر من تلك المجنونة.
************************************* جلس عز الدين على مقعد حديدي بنفاذ صبر، فقد تأخر ذلك السيف كثيرًا. نظر إلى ساعته للمرة التي لا يعلم عددها وهو في الانتظار. وضع يده على رأسه يدلكها من ذاك الصداع الذي داهمه. ليسمع صوت انفتاح الباب وانغلاقه بهدوء، وبعدها صدح صوت سيف الساخر: -باشا! وأنا أقول البار منور ليه! تلفت حوله ثم قال بمرح: -لأ ومفضي المكان.. أحسن برضه عشان نبقى براحتنا. أشار له عز الدين متجاهلًا حديثه:
-تعالى يا سيف نقعد مفيش وقت. -أوي أوي. قالها سيف وهو يسحب أحد المقاعد ثم جلس عليه أمام عز الدين، ليقول الأول بجدية: -سامعك يا باشا. أخرج عز الدين صورة من جيب سترته ثم وضعها أمامه. أخذها سيف وحدق بها ليقول الأول بجدية: -يونس. رفع سيف نظراته المذهولة ثم قال: -لسه عايش؟ أومأ برأسه ببطء، ليهتف سيف بعدم تصديق: -طب إزاي؟ تجاهل سؤاله وأكمل:
-تراقب لي أي حاجة تخصه.. أخوه.. أبوه.. أمه.. أي حد. وتعرف لي هو فين.. يعني من الآخر عاوز رقبته تحت رجلي ويكون ف نفس الوقت قدام عيني. وضع سيف الصورة في جيب بنطاله وتشدق بعدما أزيلت صدمته: -يعني من الآخر.. تلوي دراعه عشان يرجعلك خطيبتك.. عاوز تخنقه. -بالظبط كده.. بحيث يكون مجبر يرجعها من غير أما أظهر ف الصورة. حك سيف طرف ذقنه بطرف إبهامه وقال: -محلولة.. بس لازم تديني خيط أبدأ منه.. متحطنيش وسط صحرا وتسيبني.
اعتدل عز الدين في جلسته ثم مط شفتاه بجهل قائلًا: -معنديش فكرة.. أنتو كنتوا ف فرقة واحدة وأكيد عارف خطواته. ابتسم من جانب فاه وقال: -أكيد! جايب الثقة دي منين يا باشا؟ يونس محدش يعرف عنه أي حاجة.. لا بيقول ولا بيعمل.. عامل زي الشبح.. يظهر فجأة ويختفي فجأة. تنهد عز الدين بنفاذ صبر: -مليش دعوة.. اتصرف. نظر له سيف شزرًا ولم يرد. بينما نهض عز الدين وأغلق زر حلته وتشدق بهدوء: -ممكن تبدأ من فيلتي.. من غير أما حد يعرف. -ماشي.
أكد عليه عز الدين قائلًا: -الموضوع ده ينتهي بسرعة.. ومن غير شوشرة. أشار له سيف بيده وكأنه يوافقه على حديثه. بينما رحل عز الدين. *************************************
كانت بتول تشاهد ما يحدث في الداخل فارغة الفاه. لا تصدق أن تلك الأماكن المشبوهة والبدائية لا تزال موجودة. نظرت إلى تلك الراقصات والفتيات التي يتدللن على الرجال من أجل المال أو الرغبة.. والرجال تسيل لعابها بطريقة تقشعر لها الأبدان. كان يجلس بجانبها عدي يراقب دهشتها. مال على أذنها وهمس بسخرية: -هو البيه المحروس مدخلكيش أماكن زي دي ولا إيه! التفتت إليه فجأة وتشدقت بعدم فهم: -قصدك إيه! رد عليها بلا مبالاة: -ولا حاجة.
إلا أنها لم تتحمل ذلك الحديث الغامض والذي يتلوى بمعانٍ جعلت عروقها تنفر، فهتفت بعصبية: -هو إيه الشغل ده! أنت وأخوك عمالين تتهموا عز الدين بحاجات غريبة بدون وجه حق.. ولا حتى عندكوا دليل.. عز الدين أشرف راجل عرفته ولا هتتهز ثقتي فيه باللي بتقولوه. أمسكها من رسغها وأجلسها عنوة وهتف من بين أسنانه: -صوتك والناس. أشاحت بيدها في وجهه وقالت: -أنا مالي ومال الناس.. أنا مش عارفة أنتو ليه كارهين عز الدين!
واحد مفيش زيه وبني آدم محترم. تلوى شدقه بتهكم ثم قال: -محترم؟ لأ وسعت منك دي. وقبل أن ترد أكمل عدي حديثه بحدة: -بصي أنا مش هقولك هو عمل إيه.. عشان مخك الصغير ده مش هيستوعبه. قال العبارة الأخيرة وهو يشير إلى رأسها ثم هتف مرة أخرى: -ثم أنك هترجعي لحبيب القلب بعد أما يونس يقدر يسافر بره مصر وخلاص فضت الحكاية.. بس أنا هكون أكتر من مبسوط وأنا بشوف رد فعلك وهو بيتقبض عليه.. وساعتها هتعرفي هو محترم قد إيه.
وأشاح وجهه عنها. وهى نظرت أمامها دون رد. تركته وتحركت من جانبه إلى أحد الزوايا علها تصفي ذهنها. ومن بعيد كان أحد الرجال الثملين يراقب تلك المشاحنة بين رجل ما وفتاة جميلة. صور له عقله أنه يريد تلك الفتاة ولكن بسعر بخس وهى تريد أكثر. التوى فمه بشهوة وهو يتأمل جسدها برغبة فتاكة. ترك الكأس من يده وتوجه إليها بخطوات مترنحة.
كانت تضع كلتا يديها على وجهها وتبكي بصمت. ذاك الشخصان يضربان خطيبها في سمعته ونزاهته. وقلبها لا يصدق ويعميها عن حقائق جمة. وفي خضم أفكارها وحزنها، شعرت بيده تسير على طول ظهرها، لتنتفض بفزع وهى تلتفت إلى ذلك الثمل الذي ينظر لها نظرات دبت الرعب في أنحاء جسدها. هتفت بحدة مهزوزة: -عاوز إيه يا راجل أنت! ابتسم بخبث ثم قال بثمالة: -عاوز اللي هو كان عاوزه. نظرت له بعدم فهم وقالت بتوتر: -مش.. مش.. فـ.. فاهمة.
اتسعت ابتسامته لتظهر أسنانه الصفراء وهو يقول: -وماله.. نفهمك. من هيأته يبدو أنه ليس من البدو، وهذا ما جعلها تتشنج خوفًا أكثر. ضمت يديها إلى صدرها برعب وعيناها تتحرك هنا وهناك علها تجد من ينقذها من براثن ذلك القذر. ولكن لم تجد. سلطت نظراتها عليه لتجد يده تمتد إليها أغلقت عيناها بهلع وهى تدعو الله أن ينجدها أحد.
امتدت يده إليها وعلى وجهه ابتسامة خبيثة. وكاد أن يتلمس وجنتها إلا أن يد صلبة كالحديد أعاقت وصوله إليها. ومن ثم باغتته بلكمة أطاحت بالرجل أرضًا متأوهًا من شدة اللكمة. فتحت عيناها على صوت تأوه ذاك الرجل وصوته الغاضب يسبه بأقذع الشتائم: -متفكرش للحظة يا *** إنك تمد إيدك النجسة دي عليها. رفعت نظراتها لتجده يقف أمامها كالسد المنيع بجسده العريض. اختبأت خلفه بخوف. بينما أكمل يونس وهو يضرب الرجل في معدته بقدمه:
-لو شفت خلقة أمك دي بتتعرض لها تاني ****. ارتعب الرجل من نظرات يونس القاتمة وحروفه التي تخرج من جوفه تقتله وتبث فيه الرعب، لينهض سريعًا راكضًا من أمامه. التفت يونس إليها ليجدها تنكمش على نفسها بخوف. ليضع يده على منكبيها، فانتفضت فزعة. ليقول بحنو مهدئًا إياها: -هش متخافيش محدش هيقرب منك. رفعت أنظارها لعينيه وهى تتنفس بسرعة ثم قالت بخوف: -هو.. هو مشي؟ تنفس بعمق وقال بهدوء: -مشي.. وبعدين فين عدي سبتيه ليه!
لم ترد عليه ولكن اكتفت بتنكيس رأسها إلى أسفل. أبعد يده عن منكبيها وقال بهدوء ظاهري: -يلا نخرج من المكان ده. أومأت برأسها واتجها إلى الخارج، ليجدا عدي يتحدث في هاتفه. أغلق عدي هاتفه ما أن لاحظ دلوفهما إلى الخارج. سلط أنظاره على بتول لينعقد ما بين حاجبيه وهو يقول: -مالها يا يونس.. وشها أصفر ليه! مسح يونس على وجهه وقال معنفًا إياه: -أنت إزاي تسيبها ف مكان زي ده وتخرج! افرض كان جرالها حاجة وأنا ملحقتهاش؟ تشدق عدي ببرود:
-وأديها صاح سليم ولا حصلها حاجة. كاد يونس أن يتحدث ولكن بتول منعته بقولها المرهق: -عاوزة أروح. التفت لها يونس وقال: -حاضر هروحك أهو. التفت إلى أخيه الذي ينظر لهما بضجر وقال بصرامة: -هروح أوصلها وأجيلك هنا.. متتحركش. -طيب. أمسك يدها الباردة وقال بابتسامة وهدوء لأول مرة يخاطبها به: -يلا. -وجف يا صقر. التفت يونس على صوت عواد. ليتساءل يونس: -في حاجة يا عواد؟ ابتسم وهو يقول: -لاه.. روح أنت ويا خوك.. وأنا باخذها معي.
نظر لها وتساءل: -إيه رأيك! نظرت إلى عواد ثم إلى يونس وقالت بخفوت: -طيب. هز رأسه ثم قال: -معلش يا عواد. -عيب تقول هيك يا صقر.. والله بزعل يا ابن العم. ابتسم يونس بامتنان. تحركت بتول بصمت غير معتادة عليه. وخلفها عواد. وما أن مر بجانب يونس سأله الأخير بصوت خفيض: -الحاجة وديتها! أومأ عواد برأسه وقال: -أيوة يا صقر.. لا تقلق. -مش قلقان.. ويلا روحوا. وتحرك كلاهما بصمت. *************************************
-يا حبيبتي يا بنتي رحتي فين يا ضنايا! هتفت بها بدرية وهى تنتحب على ابنتها الضائعة. في نفس الوقت دلف ابنها وزوجها لتهرع إليهم تسألهم في تلهف: -وصلتوا لحاجة! نكسا رأسهما ولم يجب أحدهم، لتعود وصلة النواح من جديد. ليحاوط إسلام والدته هاتفًا بترجي: -أبوس إيدك يا ماما خلاص متعمليش كده.. لازم تبقي قوية عشان نقدر نواصل. ثم سحبها معه ليجلسوا جميعًا على الأريكة في الصالة. جلس إسماعيل بجانب زوجته التي سألته بتوجس باكي:
-طب عملتوا إيه ف القسم! تنهد إسماعيل وهو يقول بإنهاك: -تابعنا مع كذا ظابط.. وكلهم بيدوروا عليها. ردت عليه بنشيج: -طب وبعدين؟ بنتي هتفضل تحت رحمة قاتل؟ تأفف إسماعيل وهو ينهرها: -يا ستي صلي ع النبي وادعي لها ربنا يسترها معاها. -وهو أنا مبدعي ليهاش.. أنا والله ليل نهار بدعي ربنا يرجعهالي بالسلامة. -يا رب. صمت الجميع ليقول إسلام بعدها: -طب متكلم حد من معارفك يا بابا؟ -عملت وكلهم نفس المجهود ومحدش قصر.
نهض إسلام بعصبية وتشدق: -كله من تحت راسه. نهره والده: -إسلاااام! ملوش لزوم الكلام ده. هز رأسه بنفي وقال: -لأ.. لو جرالها حاجة مش هرحمه. صرخت بدرية بقوة، وهتفت بغضب: -فال الله ولا فالك.. أختك هترجع صاح سليم إن شاء الله. ليردد بقوة: -إن شاء الله.. بس لما ترجع هنفسخ الخطوبة دي ومش هترجع له.. وده آخر ما عندي. ثم تركهم في حالة ذهول ورحل. **************************************
-خلاص يا عدي.. حاول تتصرف لي كمان يومين ف حاجة تودينا السويد. -وإشمعنى السويد! رد عليه يونس بجدية: -الضابط اللي هنديله المعلومات هناك.. وهنتصرف هناك ع أنه مشتري.. يعني أنا ببيع البلد عشان مستكشفش. أكمل عدي حديثه وهو يحك طرف ذقنه: -وبكده هتعرفوا باقي الجواسيس اللي جوه مصر وباقي الدول العربية! أومأ يونس برأسه وقال: -أيوة.. عشان كده لازم نتحرك بسرعة وهدوء عشان أي غلطة هتودينا السودان. ضحك عدي ونهض
ثم قال وهو ينظر في ساعته: -حيث كده أنا لازم أرجع وأكلم العقيد سعد يظبط الأمور ف الديرا. ربت على كتفه وقال: -طب كويس.. روح وخلي بالك من نفسك. احتضنه عدي ثم ابتعد عنه وقال بجدية: -متقلقش ع أخوك.. خلي بالك أنت من نفسك وحرص من البت دي. ربت مجددًا على كتفه ثم قال: -متقلقش أنت.. خلي بالك من أمك وأبوك.. وفرح قلبها وقولها ابنك عايش وهيرجع لك. ابتسم عدي ثم رحل. انتظره يونس حتى رحيله وأكمل هو طريقه إلى منزل أبو عواد.
وعلى الجانب الآخر كانت بتول تنظر إلى تلك الأشياء الموضوعة الخاصة بيونس والتي جلبها عواد ونسي نقلها إلى غرفته قبل دلوف بتول. كان فضولها يدفعها إلى معرفة ذلك الغموض الذي يحيط به. نهضت وقالت بعزيمة: -أنا لازم أفهم كل حاجة مش هقعد زي الأطرش ف الزفة. توجهت إلى تلك الحقيبة وتلك القلادة التي يحتفظ بها كعينيه. أخذت تتلاعب بها لتنفتح من بين يديها وتظهر على هيئة: -فلاشة؟
هتفت بها بتعجب وهى تحدق بها. ثم توجهت إلى الحقيبة وفتحتها لتجد صندوق مغلق. بحثت عن مفتاحه ولكنها لم تجده. تأففت بضيق ولكنها أيضًا لم تتوقف. أخرجت ذلك الحاسوب المحمول، وقررت أن تعرف ما تحتويه هذه الـ "فلاشة". جلست على الأرض وفتحت الحاسوب ومن ثم أوصلتها به. كانت تعطي ظهرها إلى الباب. وبدأت في تشغيل ما تحتويه من مشاهد، جعلتها تتصلب في جلستها وكأنها على وشك فقدان روحها.
في تلك الأثناء صعد يونس بهدوء فكان الجميع نيام. فتح باب غرفته ببطء وهدوء ظنًا منه أنها نائمة. ولكنه ما أن فتح الباب وجدها جالسة ولكنه لاحظ تصلب جسدها وتشنجه. اقترب منها فوجدها تحمل الحاسوب وتشاهد تلك المقاطع. هتف بجزع: -بتووول! ثم هرع إليها يضع يده على عينيها ليمنعها من مشاهدة المزيد. شعر ببرودة جسدها وارتجافاته. أزاح الحاسوب أرضًا ثم أوقفها وأدارها إليه. ليجد وجهها قد شحب كشحوب الموتى وعيناها مثبتتان على الفراغ.
هتف باسمها بتوجس: -بتول! رفعت أنظارها الضائعة إليه وهى تقول بشرود: -هو اللي شوفته ده حقيقة! ولم تنتظر جوابه إذ سقطت بين يديه فاقدة الوعي معلنة استسلامها لتلك الهوة العميقة حالكة الظلام. هذا الجزء 2 من 2 من الفصل. “ممكن أفهم بقى إيه اللي بيحصل ده؟ قالها يونس وهو بيشاور على البنت اللي فاقدة الوعي. “دي يا سيدي واحدة كانت بتحاول تنتحر من فوق الكوبري.” رد عليه الظابط. “تنتحر؟ وليه مقبضتوش عليها؟ “مقبضناش عليها إزاي؟
ما هي مرمية قدامك أهي.” “طب ممكن أفهم إشمعنى أنا اللي أجي، ومين اللي بلغني أصلًا؟ “يا سيدي اللي بلغنا قال إنك أنت اللي طلبت كده، وإحنا بصراحة لولا إننا عارفين إنك راجل مهم ما كناش صدقناه، وكمان لقينا معاها الكارنيه ده.” قالها الظابط وطلع كارنيه من جيبه، ادَّاه ليونس. يونس مسك الكارنيه واتفاجئ لما لقى فيه صورة سارة. “سارة؟ قالها يونس بصدمة. “أنت تعرفها؟ “أيوة، دي سارة أختي.” “أختك! طب إزاي مقولتليش إنك تعرفها؟
“مكنتش أعرف إنها هي.” “طب دلوقتي إيه العمل؟ “أنا هتصرف.” قالها يونس وهو شايل سارة ورايح بيها على عربيته. “استنى بس يا يونس باشا، أنت رايح فين؟ “رايح على المستشفى.” “طب ما تخلينا نبعت معاك عسكري.” “لا ملوش لزوم، أنا هتصرف.” قالها يونس وركب عربيته وساق بسرعة. وصل يونس المستشفى ودخل سارة الطوارئ، وبعد شوية دكتور خرج من عندها. “خير يا دكتور، طمني.”
“الحمد لله قدرنا ننقذها، بس هي دلوقتي محتاجة راحة تامة، وممنوع عنها أي زيارات.” “طب ممكن أشوفها؟ “للأسف لأ، هي دلوقتي في العناية المركزة، وهنبلغك أول ما حالتها تستقر.” “تمام يا دكتور، شكرًا.”
خرج يونس من المستشفى وهو حاسس إن دماغه هتنفجر من التفكير، رجع البيت ودخل أوضته، نام على السرير وهو بيفتكر كل اللي حصل، بيفتكر لما سارة كانت بتلعب معاه وهي صغيرة، وبتضحك بصوت عالي، بيفتكر لما كانت بتيجي عنده وتشتكي من أي حاجة مضايقاها، بيفتكر ضحكتها اللي كانت بتنور البيت كله، كل دي ذكريات كانت بتيجي في باله وهو مش عارف إيه اللي وصلها لكده، وفجأة سمع صوت خبط على الباب. “ادخل.” دخلت والدته وهي شكلها قلقان.
“مالك يا يونس، شكلك تعبان.” “مفيش يا ماما، بس مرهق شوية.” “طب كنت فين كل ده؟ “كنت في الشغل.” “طب ليه مردتش على تليفونك؟ “مكنتش ماسكه.” “طب دلوقتي إيه اللي حصل؟ “مفيش يا ماما، بس سارة عملت حادثة صغيرة.” “حادثة! سارة مين؟ “سارة أختي.” “أختك مين؟ “سارة، بنت عمي.” “يا حبيبتي، مالها؟ “مفيش يا ماما، بس رجليها اتكسرت، وهتكون كويسة إن شاء الله.” “يا حبيبتي، طب هي فين دلوقتي؟ “في المستشفى.” “طب أنا هروح أزورها.”
“لا يا ماما، الدكتور قال إنها محتاجة راحة تامة، وممنوع عنها أي زيارات.” “طب أنا هعمل إيه دلوقتي؟ “متقلقيش يا ماما، أنا هتصرف.” قالها يونس وهو بيقوم من السرير. “أنت رايح فين؟ “رايح أشوفها.” “بس أنت قولت إن الدكتور قال ممنوع الزيارات.” “أنا هشوفها من بعيد.” قالها يونس وخرج من الأوضة.
وصل يونس المستشفى ودخل العناية المركزة، وقف قدام أوضة سارة وهو بيبص عليها من ورا الزجاج، كانت نايمة على السرير وجنبها أجهزة كتير، حاسس بوجع في قلبه وهو شايفها بالمنظر ده، فضل واقف فترة طويلة وهو بيبص عليها، وبعدين رجع البيت وهو حاسس إن قلبه بيتقطع. مرت الأيام وسارة حالتها بتتحسن، ويونس كان بيروح يزورها كل يوم، بس مكنش بيقدر يكلمها، لحد ما في يوم الدكتور سمح له يدخلها. “أزيك يا سارة؟ قالها يونس وهو مبتسم.
سارة بصت له وهي مبتسمة. “الحمد لله، أحسن بكتير.” “ألف سلامة عليكي.” “الله يسلمك.” “أنت عاملة إيه دلوقتي؟ “الحمد لله، بس لسه تعبانة شوية.” “معلش، هتبقي كويسة إن شاء الله.” “إن شاء الله.” “طب إيه اللي حصل؟ سألها يونس وهو بيحاول يعرف منها أي حاجة. سارة سكتت شوية وبعدين قالت: “مفيش، أنا كنت ماشية على الكوبري، وبعدين حسيت بدوخة، ووقعت.” “طب إزاي؟ “مش عارفة.” “طب أنت فاكرة أي حاجة قبل ما يحصل ده؟
“لأ، أنا مش فاكرة أي حاجة.” يونس حس إنها بتكذب، بس مكنش عايز يضغط عليها. “تمام، المهم إنك كويسة دلوقتي.” “أيوة الحمد لله.” “طب أنا هسيبك تستريحي دلوقتي، وهبقى أجيلك تاني.” “تمام.” خرج يونس من الأوضة وهو حاسس إن في حاجة غلط، سارة بتخبي حاجة، بس هو مش عارف إيه هي، رجع البيت وهو بيفكر في كل اللي حصل. في اليوم التالي، يونس كان قاعد في مكتبه، ودخل عليه عسكري. “يونس باشا، في حد عايز يقابلك.” “مين؟ “الظابط أحمد.”
“خليه يدخل.” دخل الظابط أحمد وهو مبتسم. “أزيك يا يونس باشا؟ “الحمد لله، خير؟ “خير، أنا جيت عشان أقولك إننا لقينا الشخص اللي كان عايز ينتحر.” “بجد؟ ومين هو؟ “واحد اسمه حسام.” “حسام؟ “أيوة، هو ده اللي كان عايز ينتحر.” “طب إيه اللي حصل؟ “هو كان بيحاول ينتحر عشان كان عليه ديون كتير، ومكنش قادر يسددها.” “طب وإيه علاقته بسارة؟ “ملوش علاقة بيها، هو بس كان عايز ينتحر في نفس المكان اللي كانت فيه سارة.” “تمام، شكرًا يا ظابط.”
“العفو يا يونس باشا.” قالها الظابط وخرج من المكتب. يونس فضل قاعد وهو بيفكر في كلام الظابط، حس إن في حاجة غلط، سارة كانت بتحاول تنتحر، مش مجرد دوخة، بس ليه بتخبي؟ وليه بتكذب؟ مرت الأيام وسارة خرجت من المستشفى، ورجعت البيت، بس كانت لسه تعبانة، يونس كان بيحاول يهتم بيها، ويخلي باله منها، بس مكنش قادر ينسى اللي حصل. في يوم من الأيام، يونس كان قاعد مع سارة في أوضتها. “سارة، ممكن نتكلم بصراحة؟ “في إيه؟
“أنت ليه كنتي بتحاولي تنتحري؟ سارة بصت له بصدمة. “أنت بتقول إيه؟ “أنا عارف إنك كنتي بتحاولي تنتحري، مش مجرد دوخة.” سارة سكتت شوية وبعدين قالت: “أنا كنت تعبانة، ومكنتش قادرة أتحمل أي حاجة.” “طب ليه مكلمتنيش؟ “مكنتش عايزة أضايقك.” “أنت أختي، ومفيش أي حاجة ممكن تضايقني منك.” “أنا آسفة.” “مش عايز أسمع آسفة، عايز أعرف إيه اللي خلاكي تعملي كده؟ سارة بدأت تعيط.
“أنا كنت بحب واحد، وكان بيضحك عليا، وبعدين سابني، ومقدرتش أتحمل ده.” يونس حضنها. “أنا آسف إني مكنتش جنبك، بس أنا دلوقتي جنبك، ومش هسيبك أبدًا.” “أنت أحسن أخ في الدنيا.” قالتها سارة وهي بتبتسم. “وأنت أحسن أخت في الدنيا.” بعد فترة، سارة رجعت لحياتها الطبيعية، ورجعت تضحك وتلعب زي الأول، ويونس كان سعيد بيها، وحاسس إنه قدر يرجع أخته للحياة مرة تانية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!