الفصل التاسع يونس سألت عقلي فأصغى وقال: لا لن تراها. وقال قلبي: أراها ولن أحب سواها. دلفت روضة مركز الشرطة، ثم نزعت عنها الوشاح ونظارتها الشمسية وتوجهت إلى مكتب الرائد عدي. وقفت أمام العسكري وسألته: -الرائد عدي جوه! أجابها العسكري بجفاف: أيوة، أقوله مين! تنحنحت وقالت: روضة الشُهدي. تفحصها جيدًا ثم توجه إلى الداخل. ثوانٍ ثم عاد وقال لها: -اتفضلي. أومأت برأسها ثم دلفت وعلى وجهها ابتسامة. لينهض عدي ما أن أبصرها
وقال بابتسامة واسعة: -اتفضلي يا آنسة روضة. -مرسيه. ثم جلست وجلس هو. أمسك الهاتف وتشدق: -تحبي تشربي إيه؟ أشارت بيدها نافية وهتفت: لأ مش هقدر يا سيادة الرائد، أنا مينفعش أتأخر. وضع سماعة الهاتف وقال بجدية: اتفضلي سامعك. فتحت حقيبتها وأخرجت بطاقة ذاكرة صغيرة وأعطته إياها، ثم تشدقت بهدوء: -كارت الميموري دا فيه كل حاجة قالها سيف إمبارح، ممكن تكون ملهاش لازمة بس قولت يمكن تنفعك. أخذ
منها بطاقة الذاكرة وتحدث: أي حاجة لو تافهه، بالنسبة لي هتكون مهمة. ابتسمت ونهضت من مكانها وقالت: -أنا لازم أمشي دلوقتي، ولو فيه أي جديد أكيد هكلم حضرتك. نهض وتشدق: ممكن أسألك سؤال؟ -اتفضل. أخذ نفسًا عميقًا ثم سألها: ليه بتعملي كل دا؟! جيتي من فترة وعرضتي مساعدتك، فـ ليه؟ نظرت له مطولًا وقد مر بعقلها ذكرى جاهدت كثيرًا أن تدفنها. أخرجها صوت عدي المتسائل: -سؤالي ضايقك؟
ابتسمت ببهوت وقالت: لأ أبدًا بس بحاول أصلح اللي أخويا بوظه. -اللي هو! ابتلعت ريقها وقالت: صدقني مش عاوزة أحكي، بعد إذنك. ورحلت سريعًا من أمامه. أما هو فضرب مكتبه بقبضته، ثم جلس على مكتبه بغضب وهو يقول: -أوووف، هقدر أقرب منك أمتى يا روضة! يا ترى هقدر أعرف مالك وتحبيني زي ما بحبك؟ وكان للعقل رأيًا آخر، فكيف له أن يعشق فتاة تعشق آخر؟!
لا يعلم من ولكنه سعيد الحظ بها. وكيف له أن يتجاوز دقات فؤاده الصاخبة التي تُنادي باسمها؟ ************************************* فتحت هي باب المرحاض ودلفت خارجة لتجده يجلس منتظرًا إياها، فسألته وهي تعقد حاجبيها: -ليه منزلتش! نهض وهو يبتسم ثم قال بمرح: مستنيكي ترفعيلي الضغط. نظرت له بنصف عين ولم ترد عليه. ليقترب هو منها بهدوء وقال بابتسامة عذبة: -يلا ننزل الناس مستنينا تحت. ردت هي بفتور: بس أنا مش عاوزة آكل. زفر بصوتٍ
خفيض وقال بهدوء ليحتويها: وأنا مبقولكيش تعالي افطري، تعالي اقعدي معانا بس، هما قلقانين من اللي حصل إمبارح لما تعبتي. فقالت بتردد طفيف: بس آآآ.. قاطعها هو بصرامة: مفيش بس، يلا.
ثم مد كفه لها. وزعت نظراتها ما بين بنيته التي تحثانها على الموافقة والوثوق به وبين يده التي لا تقل عن عينيه بل تكاد تتوسلها. مدت يدها بتردد لتضعه في كفه الكبير، ليبتسم هو بارتياح قابضًا على كفها برقة. ولكن أكثر ما أثار حفيظته هو أنها لا تزال تحتفظ بخاتم خطبتها منه، لا يزال يشوه بنصر يُمناها. أغمض عينيه بغضب وأخذ يسب ويلعن ذلك القذر في سره. شعرت هي بتصلب يده، لتنظر له بتساؤل، ثم تشدقت برقة: -مالك يا يونس!
منذ متى وهو يتذوق حلاوة اسمه! الآن بات يعشق حروف اسمه المعزوفة من بين شفتيها. نظر لها في محاولة يائسة في إخفاء طوفان مشاعره، ثم هتف بهدوء لا يشعر منه مثقال ذرة: -مليش يا بتول، أنا كويس، بس يلا ننزل عشان اتأخرنا ع الناس. هزت كتفيها وقالت: طيب. وتحركا إلى الأسفل. كان يونس يتحرك ببطء متعمد حتى يشعر بقربها منه، وكأن الثواني التي ينعم بها معها، تكفيه مدى الحياة. **************************************
وفي الأسفل كان الجميع يجلس على طاولة الطعام على الطريقة البدوية، وأبو عواد يترأس هذا المجلس. نظر عواد له وتساءل: -بوي! نظر له والده وقال: إيش بدك يا عواد؟ -عِرس الحاج ناصر أبو فراس، راح يتم هون! -إي يا ولدي. هز عواد رأسه بموافقة ولم يرد. وفي تلك الأثناء نزل يونس وهو يمسك يد بتول، ليبتسم عواد بخبث وكأنه قرأ ما يدور. تقدما الثنائي منهما لتسأل أم عواد بلهفة حقيقية: -كيفيك يا بنيتي؟ إن شاء الله صرتي بخير!
أومأت بتول برأسها وقالت بابتسامة صغيرة: الحمد لله. ليقول أبو عواد بابتسامة واسعة: الحمد لله، يلا اقعدوا، خير الله كثير. جلس يونس وقال بامتنان: تسلم يا أبو عواد. وجلست بتول أيضًا وشرعوا في تناول الطعام وسط أحاديث خفيفة، ولم تُشارك منها بتول إلا لمامًا. وكان يونس يختلس النظرات لها من وقت لآخر دون الحديث معها، فهو يعلم ما يدور بخلدها. وجه عواد حديثه إلى يونس قائلًا:
-إي صحيح، راح يكون اليوم عِرس حدا من معارفنا، وبدنا تشرفونا اليوم يا صقر، إيش تجول! نظر يونس إلى بتول ثم عاد بنظره إلى عواد وهتف بهدوء: -والله لو بتول موافقة، أنا ما عنديش مشكلة. نظرت له بتول بصدمة ثم مالت عليه وهمست: وأنت بتدخلني ليه! مش عاوزة أحضر حاجة. حدق بها يونس طويلًا دون أن ينبس حرف جعلها تتوجس من سكونه، ليبتعد عنها ونظر في اتجاه عواد قائلًا بخبث: -خلاص مفيش مشاكل، بتول هتقدر تحضر.
كتمت شهقتها حتى لا تقوم بإحراج الجميع وفضلت الصمت ولكنها رمقت يونس بغضب ليُقابلها بأخرى مُتسلية. لتهتف أم عواد بحبور وقد حصلت على انتباه بتول: -وأنا راح أجول للبنيات إيساعدوكي تلبسي ملابسك. لتتساءل بتول بتعجب: طب ليه! ما أنا لابسة أهو. تولى يونس الحديث وأوضح لها: مينفعش تحضري الفرح كدا، هما عندهم مينفعش تطلعي أصلًا كدا قدام راجل. تلوى شدقها بضيق ولكنها لم تظهره. التفتت إلى السيدة العجوز وقالت بابتسامة باهتة:
-طيب يا طنط. ابتسمت أم عواد وقالت بسعادة: ربنا يطيبلك خاطرك يا بنيتي. -يا رب. خرجت من يونس برجاء حار، وتشدق بمرح: -ادعي لي يا أم عواد أنا كمان، أحسن أنا محتاج دعاكي جوي جوي. قال الأخيرة وهو يرمق بتول بنظرات لم تفهمها هي، لتضحك أم عواد وقد فهمت ما يرمي إليه لترفع كفيها إلى السماء وهتفت بتضرع: -ربنا يكتبلك ويقدملك كل خير يا صقر يا ولدي. -يا رب. واكتمل الطعام في جو يسوده المرح والحب، ولكن بتول هي في عالم آخر.
************************************** كان جالسًا على تلك الصخرة التي اعتاد القدوم إليها ليختلي بنفسه ويصفي ذهنه ولكن أتاه اتصال على هاتف مُؤمن قد أعطاه له عدي في زيارته الأخيرة، ليُخرجه من جيب بنطاله، ووضع الهاتف على أُذنه ثم قال: -عدي باشا إزيك! أتاه صوت عدي: بخير يا حضرة المقدم، أنت إيه أخبارك! تنهد يونس وقال بفتور: كويس زي ما أنت شايف. -مالك يا يونس! تجاهل يونس سؤاله والذي لا يعي إجابته بالفعل،
ثم سأله هو باهتمام: -إيه أخبار أبوك وأمك! تفهم عدي تغييره للحديث ليقول: كويسين، أنا لسه مقولتش لأمك ولا عرفتها إني شوفتك. رد عليه يونس بجدية: ودا أحسن، ومتقولهاش إلا لما أسافر السويد. ليقول عدي بتذكر: آه صحيح، جهز نفسك بكرة ع الساعة واحدة بالليل عشان تسافر، أنا كلمت واحد من طرف العقيد سعد وهو اتصرف لي في طيار والموضوع هيتم في الخباثة.
انقبض قلب يونس ليس خوفًا من السفر، بل لأنه سيتركها. هو تعلق بها بقوة، يشعر بسريانها في جسده وكأنها سُم يأبى الخروج من جسده. فاق من شروده على صوت أخيه وهو يهتف: -روحت فين يا يونس! مسح يونس على وجهه بحزن ثم قال: معاك، هـ.. هكون مستعد بكرة في المعاد. أحس عدي بأن أخيه حزين، فسأله بتوجس: -خير يا يونس! حاسس إن فيه حاجة؟ أخرج يونس زفيرًا حارًا من فمه ثم قال بيأس: مش عارف يا عدي، تعبان، تعبان وبس. -أنت بتحبها يا يونس!
قالها عدي بجمود، ليتفاجأ يونس بافتضاح مشاعره حتى دون مواجهة شقيقه. وضع يده في خُصلاته القصيرة وتشدق بتقرير: -مش بس بحبها، أنا بعشقها. هتف عدي بذهول: أنت بتهزر صح! قولي إنك بتهزر؟ أنت تعرفها من يومين بس، لحقت تحبها أمتى! نفى يونس برأسه وقال: لأ مش من يومين، أنا أعرفها من سنتين. -إزاي يعني؟
حك طرف أنفه وقال: لما كنت براقب عز الدين، شوفتها مرة واحدة بس، بنت بريئة ودمها خفيف، ضحكتها وعينيها، كل دول أول أما شوفتهم عشقت صاحبتهم، بس مكنتش عارف... صمت قليلًا يأخذ أنفاسه ويُرتب حديثه المُبعثر ثم أكمل وهو يبتسم: -مكنتش محتاج غير إني اشوفها تاني عشان أثبت لنفسي إني بحبها من أول لحظة شوفتها، صحت الحب اللي كان نايم من سنتين وأنا مش عارف... أتاه رد عدي: بس هي بتحب واحد تاني.
تقلصت عضلات وجهه إلى الغضب، وضغط على فكيه بقوة، ومن ثم هتف وهو يكز على أسنانه: -المشكلة إن قلبها مش ملكها ولا ملكي. -يبقى تبعد عنها يا يونس عشان متتوجعش، هي مصرة إن عز الدين راجل نزيه. رد يونس بسرعة: هي عرفت كل حاجة. ردد عدي خلفه بذهول: عرفت!! أنت قولتلها! -لأ هي بس شافت، حاجة من ضمن الحاجات اللي عملها، الحمد لله إني لحقتها قبل أما تكمل. عقد عدي ما بين حاجبيه وتساءل بعدم تصديق: وأنت مبسوط عشان معرفتش كل حاجة!
المفروض تسيبها تشوف كل وساخته وتعرف كل حاجة. هز رأسه بنفي عدة مرات هاتفًا بقوة: مش بالطريقة دي يا عدي. إذا كان أنا ولسه بخاف من الليلة دي.. هواجسها بتطاردني.. بيجيلي كوابيس بسبب ليلة ملعونة زي دي.. أجي أنا وأعيشهالها.. لأ يا عدي. صمت عدي ولم يرد ليستمع إلى باقي حديث يونس والذي التمس به الحزن.
-حتى لو بحبها مينفعش أعيشها وجع.. مينفعش تتألم لمجرد إني عاوزها تكره واحد.. أنا قابل أكون ضل وبس.. أكون جنبها.. مش عاوز حبها.. اللي بيحب حد ميطقش وجعه أبدًا. -ابتسم عدي وهتف: ما أنت هتكون جنبها تخفف وجعها. -وابتسم يونس بسخرية متألمة ثم تشدق: مينفعش أوجعها وأفضل جنبها أواسيها.. بتول بريئة ونقية جدًا وهشة جدًا جدًا.. لمجرد إنها شافت جزء من اللي عمله كانت هتروح فيها ولو تشوفها دلوقتي يا عدي.. ااااه. أخرجها
بألم حقيقي ومن ثم أكمل: -فقدت كل حاجة.. روحها.. لسانها السليط.. تصرفاتها اللي تجيب جلطة.. وللأسف اكتشفت إني مشتاق لكل ده... لم يجد عدي ما يرد به فـ يبدو أن شقيقه يعاني مما يعانيه هو.. كلاهما يكتويان بنار العشق.. كان يونس أول من شق هذا الصمت ليقول بهدوء: -أنا لازم أقفل دلوقتي عشان عندي حاجة مهمة.. -طيب.. هكون موجود بكرة قبل ما تمشي. -أوكيه مفيش مشاكل.. بس خد بالك من نفسك.
-ابتسم عدي وقال: متقلقش يا عم يونس.. أنا تلميذك.. -تمام يا تلميذ.. يلا مع السلامة. وهم أن يغلق هاتفه إلا أن صوت عدي وهو يهتف اسمه على عجالة أوقفه فـ هتف بضجر: -إيه يا عدي! -هو أنت ليه صحيح قولتلها اسمك الحقيقي.. ليه مقولتلهاش صقر أو أي اسم حركي ليك؟ -ابتسم يونس وقال بحيرة: مش عارف.. بس مسير الأيام توضحلي.. يلا بقى مع السلامة... ثم أغلق هاتفه وصمت قليلًا يفكر في إجابة لهذا السؤال.. لما أخبرها بهويتها الحقيقية؟ ***
في المساء انتهت الفتيات من وضع الزينة لبتول والتي ارتدت الزي التقليدي لهذه البلدة.. نظرت إلى نفسها في المرآة.. رغم بهوت ملامحها إلا أنها لا تزال تحتفظ بلمحة الجمال الإلهي.. شكرتهم بابتسامة لترحل الفتيات وهن يتحدثن عن جمالها الفتان والذي أبرزه ذلك الزي... قابل يونس الفتيات وسألهن: -خلصتوا؟! -إي.. وراح يطير عجلك (عقلك) فيها يا رجال..
ثم ضحكت الفتيات وركضن من أمامه.. نظر يونس في إثرهن بتعجب ودلف إلى الحجرة وهو يعدل من زيه هو الآخر حيث ارتدى زي الرجال الخاص بهم ولكم أظهرت جاذبية ذلك الشاب الثلاثيني.. كاد أن يهتف باسمها ولكن ظل فاه معلق عند أول حروف اسمها وهو يرى تلك الجنية في ثوب بدوي.. تقدم منها مسحورًا بطلتها ولم ينبس بحرف واحد...
لم تنتبه على وجوده وأخذت تعدل من هندامها.. وما كادت أن تلتفت إلا وأطلقت شهقة مفزوعة.. فقد كان يقف خلفها على بعد خطوات.. وقبل أن تتفوه بحروف معاتبة.. كان هو يسبقها في الحديث قائلًا وعيناه تلتهم جمالها الأخاذ: -مفيش حرف واحد يوصف الجمال اللي قدامي دلوقتي. -أخفضت رأسها بخجل وردت بتلعثم: شـ.. شكرًا... أغمض يونس عيناه عنها وقد لمح ذلك الخجل الذي سافر على وجنتيها.. ليبتعد عنها خطوات كثيرة وقال بهدوء عكس
البراكين الثائرة داخله: -طب مش يلا ننزل.. الحفلة بدأت تحت وأنا كنت طالع أناديلك. -تفادت النظر إليه وقالت بخفوت: طيب.. يلا. ولم يمد يده ليمسك خاصتها حتى لا تخجل أكثر.. سمع صوتها وهو يقول بصوت خجل خفيض: -وآآ.. أنت طالع.. حلو فـ.. فـ هدومك دي. -ضحك يونس ملء فيه وقال بتسلية: حلو!! -ردت ببراءة: أه حلو. -نظر لها وهو يتراقص بحاجبيه: ده أنت اللي حلو يا حلو أنت. شهقت بخجل وتحركت من أمامه بخطى متعجلة وهو يضحك باستمتاع خلفها...
*** دلفت إلى مجلس النساء وهي توزع نظراتها عليهن جميعًا.. جلست بجانب أم عواد والتي أخذت تمطرها بوابل من الكلمات التي تصف مدى جمالها.. وهي تبتسم على استحياء.. ومر بعض الوقت فتساءلت بتول وهي تميل عليها: -أومال فين العروسة! -نظرت لها أم عواد بدهشة وقالت وهي تشير إلى العروس: هذه يا بنيتي.. نظرت في اتجاه إشارتها.. لتجحظ عيناها من أن أبصرتها.. ونهضت كـ من لدغتها أفعى وبصوت عال هتفت باستنكار: -دي إزاي يعني!!
.. دي عروسة إزاي يعني؟ توقفت النسوة عن النساء على إثر صوت بتول الغاضب.. لتنهض أم عواد وتسألها بتوجس وهي عاقدة حاجبيها: -إيش فيه يا بتول! -نظرت لها بتول بتقطيبة عميقة وهي تقول: بتسأليني ليه .. بجد يعني. خطت نحو العروس وأمسكت يدها وقالت بهتاف أجفل الجميع: -طفلة!! .. العروسة طفلة شكلها ميجبش تلاتشر سنة!! .. أنتوا واعيين لـ اللي بتعملوه.. -تقدمت منها إحدى السيدات وهتفت: هذه عاداتنا وتجاليدنا (تقاليدنا) -أشاحت
بتول بيدها في وجهها وصرخت: عادات إيه وزفت إيه!! .. أنتوا بترموا بناتكوا فـ النار وتقولولي عادات وزفت. تقدمت منها أم عواد وهتفت بخجل مما يحدث: -عيب يا بنيتي.. هيك يا ما يصير.. هذه مثل ما قالت.. عادات وتجاليد.. إيش فيه! .. ليش أنتي غضبانة هيك؟ لم تعي بتول ما تقول تلك السيدة ليزداد اهتياجها: -غضبانة ليه؟ .. ده حرام البنت بتقتلوا طفولتها.. بتحرموها تعيش طفولتها وحياتها.. أنتوا بتدفنوها بالحياة.. الظلم ده ميتسكتش عليه...
وفي تلك الأثناء دلف عجوز ما ومعه أبو عواد وولده وكذلك يونس.. ومن خلفهم شخصان آخران.. ليتفاجأ الجميع من توتر الأجواء.. ليهتف أبو عواد بتساؤل: -إيش عم يصير هون! -تقدمت منه بتول وهي تقول بغضب: في إن بيحصل جريمة هنا ومينفعش يتسكت عليها. توجس يونس من غضبها وتساءل بقلق: -في إيه يا بتول! -نظرت له بتول وهي لا تزال على غضبها وقالت: في إنهم بيقتلوا طفلة هنا.. زادت عقدة جبين يونس ولم يختلف عنه الرجال الآخرين.. لتكمل حديثها:
-بيجوزوا بنت لسه مبلغتش.. تصور يا يونس!! وقبل أن يرد يونس والذي استنكر ما يحدث هنا فـ قد ظن أنها فتاة في ريعان شبابها.. ليرد عليها ناصر "العريس": -وإيش فيكي بـ مرتي!! .. تتجوز وهي طفلة ولا تتجوز.. إيش غاضبك هيك! -جحظت عينا بتول وهي تقول بصدمة: أنت عريس الغفلة! -ليقول أبو عواد بتعجب: إي هو.. إيش يا بنيتي ! .. إيش فيكي؟ ضربت بتول كفًا على آخر ونظرت إلى الجميع بغضب عاصف ومن ثم هدرت:
-ولا أي حاجة.. طفلة لسه مشافتش الحياة تتجوز واحد رجله والقبر.. وتبقى ليلة دخلتها هي وخارجته هو بإذن الله. -هتف ناصر بغضب: لمي لسانك جوات خاشمك يا حرمة. -أشاحت بيدها في وجهه وهتفت: يا راجل اتلهي.. مش مكسوف من نفسك وأنت ساحب عيالك وجاي تتجوز واحدة قد حفيدتك عشان ترضي رغباتك القذرة! .. يا أخي حس على دمك. كان يونس يتابع ما يحدث في صمت ولكنه متأهب إذا حدث تطاول.. ولكن يبدو أن الجميع يحترم وجود أبو عواد.. تقدمت
بتول منه وقالت بتوسل: -يا عم أبو عواد.. دي جريمة.. ده زواج قاصرات.. حرام تضيعوا مستقبل بنت عشان واحد يومين وهياخد استمارة ستة. -هرولت سيدة وقالت بحدة: بقولك إيه.. إحنا ناس على قد حالنا ولا تخربي دارنا عاد.. الحاج ناصر الله يبارك بـ عمره.. قال يساعدنا وبيتجوز بنيتي.. وهلا روحي من هون.. لا تخربي عرسنا. -اشمئزت منها بتول
وهتفت وهي تنظر إلى الجميع: بنتك مش صفقة عشان تتباع مقابل حاجة.. وبدل أما تقتليها كده خليها تكمل تعليمها يمكن تطلع حاجة وتساعدك.. محدش بيموت من الجوع.. ليكي رب يدبرلك أمرك.. مش هو اللي هيرحمك من الفقر.. وهو لو حابب يساعد هيعمل كده من غير مقابل.. اعمل حاجة حلوة تقابل بيها ربك.. قالت جملتها الأخيرة وهي ترمقه شزرًا.. تجاهلت بتول بعض الهمهمات والسباب الذي انهال عليها.. تجاهلت تشاجر ناصر وولديه مع أبو عواد.. ومن ثم هتفت
بصوت عال لتخرس الجميع: -بس بطّلوا كلكم.. كلمة ربنا هيحاسبني عليها... نظرت إلى أبو عواد وقالت: -معلش يا عم أبو عواد أنا لازم أرضي ضميري. أومأ برأسه بهدوء وثغره يرتسم عليه ابتسامة راضية وكذلك يونس أخذ يشجعها ويرسل لها نظرات بثت الطمأنينة بنفسها.. أخذت بتول نفس عميق ثم زفرته وقالت:
-الرسول عليه الصلاة والسلام قال "من رأى منكم منكرًا فليغيره".. وأنا مقدرش أشوف حاجة زي دي وأسكت عليها.. أنتوا هتتحاسبوا على اللي بتعملوه فـ بناتكوا ده.. الضنا غالي وأنتوا بترموهم رمية الكلاب لواحد مريض زي الأخ.. يرضي رغباته وحقارته بيها.. وبعدين شهرين ترجعلكوا ما هو خلاص أخد اللي عاوزه.. ده مش عدل ده زي قتلكم ليها حية.. مذنبهاش حاجة تخسر طفولتها عشان خاطر حاجات تافهة.. فقر!! .. يعني إيه فقر!
.. الفقر الحقيقي فـ عقولنا وتفكيرنا.. الفقر فـ إننا يبقى عندنا القدرة نحارب ونختار الأسهل ونقعد نلطم بعدها.. الفقر إن يبقى فـ إيدك تتغلب على الفقر بس بتستسهل تمد إيدك للناس.. صمتت قليلًا تتابع تعبيرات وجوه المحيطين بها ما بين راض وناقم.. لتكمل حديثها:
-البنت دي جايز ربنا يكتبلها تكون حاجة فعلًا وتغير حياتكوا.. بدل ما يجي اليوم اللي بنتك تبصلك فيه وتقولك مش مسمحاكي.. لأ ده تيجي وتبوس إيدك عشان حاميتيها.. بلاش ترموا الغلط على العادات والتقاليد.. وبلاش جهل.. مش فـ التعليم لأ ده فـ الأخلاق والدين اللي بقى بيتفسر على مزاجنا.. خافوا من ربنا.. خافوا على ولادكم وراعوا ربنا فيهم.. لو مش خايفين من عقاب الدولة والقانون خافوا من عقاب ربنا... أنهت حديثها ثم جست أمام الطفلة
وابتسمت بحنو وسألتها: -أنتِ عاوزة تتجوزي!! نفت الطفلة بوجهها.. لتنهض بتول واتجهت إلى أبو عواد وقالت بتوسل: -عم أبو عواد.. الناس كلها بتحترمك وبتعتبرك كبيرهم.. البنت رافضة المهزلة دي.. فـ أرجوك قول كلمة الحق وأنا واثقة أنك مش هتظلم حد....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!