الفصل العاشر يونس مشيت وياكي للآخر... وأتاري وأولك أخر... عنيكي خدتني للحلم اللي ما بيكملش، كلام خلى أحلامي تشوفني وأشوفها قدامي... ارتفعت الهمهمات من الجميع، وبتول توزع أنظارها على أبو عواد وناصر. احتضنت الفتاة بقوة خشية أن يأخذها أحد. ظل أبو عواد صامتًا يستشف ردود فعل الناس، وفجأة ضرب بعصاه الأرض ليسود الصمت. تشدق أبو عواد وهو يرمق بتول:
"بتول يا بنيتي، أنا رجال علامي على قدي، لكن أعرف ربي كيف ما بأعرف كفي. وأنا ما أرضاش الظلم لأي صبية في قبيلتي." نظر إلى ناصر وهو يستند بعصاه وهتف بجدية: "ما في جواز. الله الغني يا أبو عبد الله. لا تزعل ولكن الصبية صغيرة وما بأقدر أرد لبتول بنيتي كلمة. ما في." زمجر ناصر بغضب وقال: "هذه الحرمة حديثها بيصير سيف على رقابنا. لا يا أبو عواد، لا أنا راح أتجوز هذه الصبية وما راح أفوتكم من دونها." تقدم منه يونس ووضع
يده على منكبيه ثم تشدق: "يلا يا جدي من هنا. ما فيش بنات عندنا للجواز. خلاص جبرنا." وابتعد عنه ليقف بجانب بتول يؤازرها، بينما نظر له ناصر بنارية ولكنه قابلها بتحدٍ صريح وكأنه يخبره إن تجرأت على الرفض سيكون قبرك أسفل قدماك. شق السكون صوت أبو عواد يقول بصرامة: "فوت هذه الدار يا أبو عبد الله. ما في جواز الله يرضى عليك." أشار إلى ولدي ناصر وهتف: "خذوا أبوكم الدار. وعجلوه... ثم التفت إلى السيدة والدة
الطفلة ثم قال بصوت آمر: "هذه الصبية راح تكمل علامها إذا أرادت. مصاريها علي. أنا بأساعدها لله وما بأقبل شيء مقابيله. هذا شيء لله. ولا حدا من هذه القبيلة يفكر في عرس لصبية لساها قاصر. وهون وانجفل الحديث. ما راح نحكي عاد بهذه الحكاية مرة ثانية... يلا فوتوا على داركم... والتفت ليرحل ومعه الباقين. نظر لها ناصر بغضب قبل أن يرحل، لتقول في محاولة لاستفزازه: "يلا يا راجل من هنا ده لو عطست في وشك هتموتك."
ليبتسم يونس على لسانها السليط الذي لا يرحم عدوًا كان أو حبيب. وانفض الزفاف وانتهت ليلة قد حكم بها على فتاة بالموت. انحنت بتول قبل أن ترحل وتشدقت بحنو: "دلوقتي هتكملي تعليمك وعوزاكي تكوني دكتورة ترفعي راسك لفوق ديما. خليكي عارفة إن ربنا هيعوضك وهيقف جنبك... أومأت الفتاة برأسها بقوة وهي تبتسم بسعادة. لتقبل جبينها بحب ثم نهضت لتجد يونس يحدق بها بنظرات أغرقتها في بحر الخجل. همست بصوت خفيض وقالت: "أحم... مش...
مش يلا إحنا كمان." ابتسم وقال: "يلا إحنا كمان... أفسح لها المجال لكي تخطو إلى الخارج وهو يتبعها. ليسرع في خطواته ووقف أمامها مما جعلها تتعجب من تصرفه. وسألته: "خير فيه حاجة! أومأ برأسه وقال بابتسامة: "ممكن تسمحي لي أخطفك لمكان ونتكلم لوحدنا شوية؟! ضحكت وقالت: "على أساس إنك مش خاطفني مثلًا! ضحك وقال بمزاح: "ممكن أخطفك تاني! أومأت برأسها وهتفت برقة: "ممكن جدًا... **************************************
وقف بسيارته أمام منزلها وأغلق محرك السيارة ولكنه لم يسمح لها بالنزول. تعجبت روضة منه ولكنه أمسك يدها ومن ثم تشدق بهدوء: "اتأخرتي النهاردة الصبح ليه؟ أنا ما عرفتش أسألك عشان الشغل والناس اللي كانوا موجودين." رفت بعينيها عدة مرات وهتفت بذهول: "ما اتأخرتش غير خمس دقايق بس." فقال هو ببساطة: "بس اتأخرتي." ابتسمت وقالت: "خلاص اتأخرت... أخذ يحرك يده على ظاهر كفها وتساءل بحنان: "ها اتأخرتي ليه؟!
كانت تعلم أنه سيسألها وأنه لن يرتاح إلا أن ينال إجابة يرضاها. أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بثبات ظاهري: "كنت في القسم." سألها بقلق: "ليه في حاجة حصلت! طب ليه ما قلتيش!!! نفت برأسها وقالت بهدوء: "ما فيش حاجة صدقني. الموضوع كله إن كان في واحدة خبطت في عربيتها وحبت نعمل محضر وكنا بنخلصه." وضع يده على وجنتها وسألها: "طب ليه ما اتصلتيش بيا عشان أجيلك! هزت كتفيها وقالت:
"ما كانش له لزوم الموضوع خلص بسرعة. والست محترمة وحليناها ودي." سألها مجددًا بتأكيد: "يعني ما فيش حاجة حصلت؟! أمسكت يده التي على وجنتها وقالت: "لأ. ما تقلقش." ابتسم لها سيف بدفء ثم قال بتذكر: "بصي يا حبيبتي أنا هاغيب كام يوم عشان أخلص موضوع عز." شحب وجهها وتشدقت بتساؤل: "يـ... يعني إيه؟ طمأنها سريعًا: "ما تخافيش الموضوع مش هياخد في إيدي يومين. بس عاوز أربي عز على مزاجي."
ابتلعت ريقها بصعوبة. ولم ترد عليه وقد ظنه إن صمتها خوفًا عليه أو ربما قلق. أمسك يدها مجددًا بقوة حانية: "ما تخافيش يا روضة. الموضوع سهل وما فيهوش قلق." هتفت برجاء: "من فضلك ما تأذيش البنت." ابتسم وقال: "عشان خاطرك." ثم ترك يدها وحدثها بجدية: "يلا انزلي ما ينفعش تفضلي معايا في العربية كتير." "طيب." قالتها ثم حلت عنها حزام أمانها وقبل أن تترجل من السيارة هتف بحب: "هتوحشيني."
نظرت له بابتسامة وسرعان ما تلاشت عندما أدارت ظهرها له. دلفت إلى داخل البناية ثم استدارت له ولوحت ليبادلها وتحرك بسيارته. هتفت في نفسها وهي تصعد درجات السلم: "يجب أن أكون أكثر حذرًا معه." أخرجت مفاتيح منزلها وفتحت الباب ثم دلفت. أضاءت الأنوار ليأتيها صوت خلفها: "نورتي بيتك... **************************************
كانا جالسان على تلك الصخرة التي جلس عليها صباحًا وهي بجانبه. تنظر إلى القمر الذي استحال بدرًا وهي صامتة. غير واعية إلى نظراته التي تلتهمها التهامًا. لكم العشق مؤلم! هتف يونس بخفوت يكرر اسمها: "بـ... تـ... و... ل." نظرت له بتول بدهشة وقالت بعفوية: "هو أنت حاطط موس في بوقك؟! هز رأسه بيأس وقال: "ما فيش فايدة في لسانك اللي عاوز يتقص منه حتت مش حتة." رفعت حاجبيها بدهشة وقالت: "الله!
مش أنت اللي مش عارف تقول اسمي وعمال تستهجاه." أجبرته على اللطم على وجهه كالنسوة. ماذا يقول لها! أيقول أنه كان يتذوق اسمها في فمه! أيقول أنه لأول مرة يستشعر لذة في نطق اسم فتاة ما! بل والأنكى أنه يشعر بمذاقه بين شفتيه. تعجبت من صمته فتشدقت بحيرة: "مالك يا يونس؟ ساكت ليه! رد عليها ساخرًا: "وبالنسبة لللطمة اللي لطمتها من شوية دي إيه نظامها! -مش هتسأليني لطمت ليه؟ رفعت منكبيها وأجابت:
-أنت حر تلطم ما تلطمش دي حاجة ترجعلك. وما كان منه أن سبها في نفسه، يعلم أنها مصابة. رفع يديه وهتف بتضرع: -يا رب ارفع مقتك وغضبك عنا يا رب. أمنت على دعائه دون أن تفهم: -يا رب. نظر لها بنصف عين وصمت، ليعود ويهتف بجدية: -عارفة أنا مبسوط باللي عملتيه من شوية، فخور بيكي يا بتول. أي حد غيرك كان هيقول وأنا مالي، لكن أنتِ مش أي حد. ابتسمت بخجل ثم قالت:
-شكرًا، بس الموضوع أن بابا علمني إني مشوفش غلط وأسكت، حتى لو مش هغير حاجة بس مقدرش أشوف غلط وأغمي عيني. عارف نص مشاكلنا بسبب أننا شايفين الغلط وساكتين. صمتت قليلًا ثم أكملت بتنهيدة: -عارفين الغلط والحرام وبنروحلهم، ونروح نكتب ع السوشيال ميديا الناس بقت وحشة وقمة النفاق يعني. اللي مخلينا في القاع إننا مبنحاولش نغير نفسنا ولا نصلح عيوبنا، لأ الأسهل إننا نرمي الغلط ع ناس تانية.
نظر لها يونس بعمق ونظرات طفرت بعشقه لها، ربما هي عفوية مرحة وذات لسان سليط لم يرَ مثله، ولكنها ذو عقلية ناضجة وفكر واسع، تعي الخطأ والصواب وتسير في الطريق وهي تعلم عواقبه ولكنها تموت دفاعًا عما تؤمن به. أخرجها من صمتها وتأملها القمر، نظراته التي تخترق روحها وتقتلعها من جذورها. التفتت له لتأسر بنيته غابات الزيتون خاصتها بها. يعلم أنه يُسحب إلى تيار وأنه لن ينجو منه أبدًا. تسللت يداه تُمسك يدها وهتف بصوت أجش:
-عينيكي لوحدها فتنة. ازدردت ريقها بتوتر وقد أخذ وجيب قلبها يعلو بصورة أصمتها. رفع كفها ولثمه برقة كنسيم رقيق يُداعب أنوثتها وأكمل حديثه: -روحك أسرتني يا بنت السلطان. أغمضت عينيها وهتفت بتلعثم: -يـ.. يو.. نس. ابتسم وهو يسمع لحن اسمه منها وكأنه معزوفة بيت هوفن. وقرر كسر تلك اللحظة حتى لا يُخيفها أكثر. نظر لها بعمق قبل أن يترك يدها وينظر أمامه، وهي سحبت يدها إلى صدرها الذي كاد أن يُحطم ضلوعها، تشعر بسخونة ألهبت وجنتيها.
تمنى يونس في داخله أن تعي مقدار واحد بالمائة مما يشعر به نحوها، عشقها اقتحمه كإعصار وضربه بقوة جعلته يخر صريعًا. وضع يده على وجهه وقرر مصارحتها بما جاء من أجله. التفت لها ثم قال بجمود مُصطنع: -أنا مسافر بكرة. ************************************** كادت أن تصرخ من هول الفزع الذي انتاب جميع خلايا جسدها، إلا أنه أسرع وكمم فاها وتشدق بهدوء: -اهدي يا آنسة روضة، أنا الرائد عدي.
ازدردت ريقها بخوف وأومأت برأسها عدة مرات ليقول وهو ينزع يده عن فاها: -أنا آسف إذا كنت خضيتك! رفعت حاجبيها وهتفت: -إذا!! حضرتك أنا قطعت الخلف. ضحك عدي ملء فاه وهي أخذت تتأمل ملامحه الرجولية البحتة. سكنت ضحكات الأول ولاحظ تحديقها به. ابتسم عدي ولم يُعلق، لن يرد كسر تلك اللحظة. وساد الصمت حتى قطعته روضة باستفاقتها من تلك الغفوة، وهتفت بحرج ما أن لاحظت نظراته العميقة لها: -أحم.. آسفة. اتسعت ابتسامته وقال:
-لا أبدًا مفيش حاجة. وضعت حقيبتها وتوجهت إليه، ثم قالت: -تحب تشرب إيه! -ولا أي حاجة، أصلًا مش هطول عشان لازم أسافر الواحات كمان كام ساعة. هزت كتفيها ولم تصر كثيرًا فهي مُنهكة من كثرة العمل اليوم. جلست وأشارت له بالجلوس وتشدقت: -اتفضل يا سيادة الرائد، هو حضرتك دخلت شقتي إزاي؟ جلس عدي وهو يبتسم ثم قال بمرح: -مينفعش تسألي ظابط هو دخل بيت إزاي، عيبة في حقه. ابتسمت مجددًا ولم تُعلق، ليقول هو بهدوء:
-أكيد بتسألي أنا جيت ليه! حركت رأسها إلى اليسار وقالت: -يعني حاجة زي كدا. حك جبهته وقال بحيرة: -وأنا بدور في ملفات قديمة عن شركة الكردي اللي الورق اديتيه لمحمد، لقيت اسم كريم الشَهْدي، أعتقد إن دا اسم عيلتك. شحب وجهها بالتدريج وأخذت تتنفس بسرعة، جعلته يتوجس مما يحدث. نهض من مقعده واتجه لها ثم سألها بتقطيبة: -مالك في إيه!! أنا قولت حاجة غلط، تحبي أجيبلك مايه؟ هزت رأسها بنفي. ليسألها بانفعال: -طيب ليه حالتك دي!!
-هقولك. ثم أخذت تتنفس بعمق، ليعود ويجلس. نظر لها وحواسه مُتأهبة لما ستقول. مالت بجذعها العلوي إلى الأمام وقالت بحزن: -كريم دا يبقى أخويا. ردد خليها بذهول: -أخوكي!! أومأت برأسها وقالت: -أيوة، هو كان بيشتغل مع سيادة الوزير عز الدين، تهريب أسلحة وغيره، وفي مرة حصل مشكلة وأخويا اتقبض عليه وعشان ميعترفش قتلوه. تهدج صوتها وبدأت قطرات ملحية تُبلل ساقيها، أما عدي فكانت عضلات وجهه تقلصت إلى غضب. أكملت حديثها بصوت مبحوح:
-بعدها بابا مات من اللي حصل، وأمي مستحملتش وتعبت جامد، ولما خفت طلبت مني إني أصلح اللي كريم بوظه لأنها مش مسمحاه، وكمان قالتلي أحطها في دار رعاية، هي مكانتش عاوزة تشوف حد يفكرها ببابا. أكمل هو حديثها: -عشان كدا اشتغلتي معانا. أومأت برأسها وتشدقت: -مكنش قدامي غير إني أخاطر، الناس دي مش سهلة ولما دورت أكتر عرفت إني هكون في أمان لما أشتغل مع سيف.
أشعلت جمرات الغضب والغيرة لدى عدي ليقبض على كفه بقوة كابحًا غضبًا أسود من الانطلاق. سألها بصوت حاول إخفاء الحدة: -طب وعرفتي دا كله منين!! -كريم حب يأمن نفسه لو غدروا بيه، وأي حاجة كانت بتحصل سجلها، وكله طبعًا كان بعيد عن عز الدين، هو آه عارف وكتب الكلام دا، بس بدون أي دليل، ومكنش حد هيصدقه ولا هيصدقني إن وديته لحد مش موثوق فيه. -وجيتي لي أنا بالذات ليه! تشدقت بجدية:
-سيف لما قربت منه قالي شوية معلومات، وكنت أنت بداية شغلي مع البوليس، مقدرتش أثق غير فيك بعد اللي هو قاله. هم عدي بالرد إلا أن صوت طرقات على باب منزلها جعلها تنتفض. أشار لها عدي أن تهدأ وترد. أومأت برأسها ولكن رُغمًا عنها خرج صوتها مُرتعش: -مـ.. مين!! -أنا سيف. شهقة مُنعت بواسطة يد عدي وحذرها بعيناه، وهتف بهمسٍ آمر: -ردي عليه وشوفيه عاوز إيه. أومأت برأسها عدة مرات ثم توجهت إلى الباب وفتحته فتحة ضيقة، وقالت بحدة زائفة:
-سيف مينفعش تجيلي هنا في وقت زي دا. رد هو عليها بهدوء: -عارف، بس أنتِ نسيتي موبايلك وكان لازم أديهولك. أخذته منه وابتسمت باصفرار: -شكرًا، بس اعذرني مش هينفع أدخلك الوقت اتأخر. ابتسم هو وقال بتفهم: -أنا عارف، وكدا كدا مينفعش أدخل. يلا عشان وقفتي غلط، تصبحي على خير يا قلبي.
ثم رحل، لتُغلق هي الباب. تنفست الصعداء وبحثت عن عدي لتجده اختفى. انعقد ما بين حاجبيها ولكنها وجدت ورقة كُتب فيها "أنا لازم أمشي وهنكمل كلامنا لما أرجع، خدي بالك من نفسك". ابتسمت بسعادة ثم طوت الورقة ووضعتها في جيب بنطالها ودلفت لكي تنعم بنوم هانئ. ************************************* -يا بتول ردي عليا، من إمبارح وأنتِ مبتكلمنيش.
نظرت له بنارية ولم ترد عليه. زفر هو باستياء، وكاد أن يخطو خطوة في اتجاهها إلا أنها باغتته بقذف الوسادة ليتفاداها وهو يقول باستنكار: -يا بنت المجنونة. وقفت أعلى الفراش وصرخت بحدة: -أنا فعلًا مجنونة إني صدقت واحد زيك، صدقت أنك مش زيه. نطقت الأخيرة وقد تهدج صوتها وسقطت عبارتها. أشفق يونس على حالها ولما يُسببه من ألم لها. جلست هي وبدأت تنتحب وهي تقول بشهقات: -أنت وعدتني أنك هتفضل جمبي، ليه بقى متكونش أد وعدك!!
جلس على الفراش ومسح على خُصلاتها بحنان بالغ وقال: -وأنا وعدتك إنك هتفضلي معايا لغاية لما أقدر أطلع برة مصر، وخلاص جه الوقت وكان لازم أكون أد وعدي. وفي ثوان أزاحت يده عنها بقوة وأعطته ظهرها ثم قالت بجمود: -روح يا يونس، بس مش مسمحاك. أغمض يونس عينيه بحزن، ألا تعتقد أنه يتألم لتركها!
إنها تُشبه مُفارقة الروح للجسد، لا يستطيع أخذها لما هو مُقبل عليه، إما أن يعود سالمًا أو لا يعود، وهو لا يقدر على المخاطرة بها، ولكنه أقسم أنها ستكون ملكه ما أن يعود.
وبعد فترة من تفكيره وجد انتفاضة جسدها قد هدأت وأنفاسها مُنتظمة، ليُمسد على خُصلاتها وظل مُحدقًا بها لوقت طويل ولم يشعر بطول المدة، وأفاق على صوت الهاتف الذي أعلن عن ميعاد وصول طائرته. انقبض فؤاده لفكرة فقدانها وقد بدأ يشعر بتعلقها به، أغمض عينيه ليقضي على تردده، ثم مال ليُلثم خُصلاتها، وهمس بحزن: -خليكي عارفة إن أنا مش هتحرر من أسرك إلا بيكي.
ونهض يُلملم حاجياته ودلف إلى الخارج بهدوء نظر لها نظرة أخيرة تشي بمشاعر جمة ومن ثم أغلق الباب. نزل إلى الأسفل وقام بتوديع الجميع وسط الدمعات والوعود بإرجاعها سالمة. التفت إلى عواد وتشدق برجاء: -خد بالك منها ورجعها لأهلها يا عواد. ربت على منكبه وقال: -لا تجلج هي بعيني يا وِلد عمي. ابتسم يونس ورحل وقلبه مُحمل بالهموم لتركها وحيدة.
وصل يونس إلى المكان المُتفق عليه وانتظر الطائرة. رمى بنظره إلى مكان جلوسهم أمس لتشق وجهه ابتسامة عندما تذكر ما حدث أمس. ومر بعض الوقت وشعر بتلك الرياح التي هبت فجأة مُعلنة عن وصول الطائرة. تأهب يونس في وقفته، وما أن حطت الطائرة حتى نزل أخاه منها وبعد حديث تركه وما كاد أن يصعد حتى سمع صوتًا من خلفه يصرخ بجنون: -يووووونس!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!