الفصل الحادي عشر يونس عشقك كسكرات الموت، يدب في أوصالي فتختنق أنفاسي، وتتمزق روحي، ويتركني ما بين الموت والحياة فاقدة لإحساسي.
التفت يونس على إثر الصوت ليجدها تندفع إليه كالصاروخ وترتمي في أحضانه، حتى أنه تراجع خطوة من شدة الاصطدام. لم يأخذ الأمر سوى ثوانٍ لتلتف يده حولها بقوة يضمها إليه في شوق جارف وكأن روحه قد عادت إلى جسده مرة أخرى. دفن رأسه في خصلاتها القصيرة وأخذ يرتوي من عبقها المسكر، يروي روحه العطشى بها ومنها. كان الجميع يقف فارغًا لفاهه لما يحدث، حتى عدي تدلى فكه لأسفل مما تفعله هذه الصغيرة.
ابتعدت بتول عن أحضانه وأخذت تضربه في صدره بقبضتيها الصغيرة وظلت تهدر بشراسة وعتاب: "ليه؟ .. ليه عاوز تسيبني وتمشي؟! .. هونت عليك تسيبني كدا يا يونس؟! .. أنت قولت أنك مش زيه فـ متبقاش زيه... أمسك قبضتيها وعاد يضمها إليه رابتًا على خصلاتها بحنو واشتياق: "هششششش... خلاص يا بتول أنا أهو جنبك ومش هسيبك... استكانت في أحضانه ولكنها ظلت تبكي. رفع أنظاره إلى عواد والذي رفع منكبيه بقلة حيلة وهتف:
"لما عرفت إنك راح تسافر.. ركضت وما انتظرتني.. وما كان يصير أتركها وحدها.. لهيك جبتها معي لهون.. ما قدرت يا صقر.. صدقني كانت عم تبكي دم مو دمعات... أومأ برأسه وابتسم دون أن يرد ولكنه استمر في تهدئتها ولم يبالِ بمن معه، فها هي بين أحضانه بكامل قواها العقلية، تعاتبه على تركه إياها. ماذا يريد أكثر من ذلك! تقدم منه عدي وأشار برأسه أن يأتي. هز رأسه بموافقة وأبعد بتول عنه، ثم هتف وهو يزيل عبراتها بإبهاميه:
"خليكي هنا هكلم عدي وهجيلك." زمت شفتيها وقالت: "مش هتسافر وتسيبني؟! ضحك وقال: "هسافر إزاي وأنتي ورا الطيارة؟ لتقول هي بإصرار: "خلاص هقعد في الطيارة وهلزق نفسي بأمير عشان متسبنيش وتمشي." ضرب كفًا على آخر وقال: "طيب الزقي نفسك بأمير وأنا جايلك." وبلا تردد صعدت إلى الطائرة تحت نظراته التي تعلقت بها. اتجه يونس إلى شقيقه الذي يبدو على معالمه عدم الرضا عما يحدث، وقبل أن يتحدث يونس كان عدي يسبقه بامتِعاض: "هتعمل إيه دلوقتي؟
رفع منكباه ببساطة: "هاخدها معايا." ارتفع حاجبَا عدي باستنكار وقال: "تاخدها معاك!! .. هي رحلة يا يونس! .. دي مهمة فيها حياة أو موت وأنت أصلًا حياتك على كف عفريت." وضع يونس كفه في خصره وتساءل بملل: "عاوزني أعمل إيه! .. أديك شايف هي جت ورايا وقعدت في الطيارة قبلي.. عاوزني أمشيها إزاي؟ "ما اعرفش اتصرف." زفر يونس بيأس ولم يتحدث. بالطبع يعي النيران التي سيقذف بها ولكنه لا توازي مقدار النيران التي تتآكل قلبه وهو بعيد عنها.
تشدق يونس بعد مدة: "هاخدها يا عدي وفي أقرب فرصة هرجعها قبل ما يحصل أي حاجة." تقدم منه عدي ودفعه في صدره وتحدث بعنف: "غبي.. غبي مفكر إنهم لما يشوفوها معاك مرة هيسيبوها.. دول لو لمحوا قطة أنت أكلتها عطف عليها هيقتلوها.. ما بالك ببني آدمة... ************************************* وضع قدح القهوة الخاص به على الطاولة الصغيرة أمامه ثم وضع ساقًا على أخرى وهتف بجمود:
"دلوقتي يا عز شغلنا واقف بسبب اللي حصل.. هنفضل متعطلين كدا كتير؟! رفع عز حاجبيه وقال ببرود: "يوقف مش آخر الدنيا.. إنما أنا مش همد إيدي على شغل إلا لما خطيبتي ترجع." أشار الآخر بسبابته محذرًا إياه: "الناس اللي معانا هيزعلوا وهما زعلهم وحش." "وأنا زعلي أوحش... نظر لها الرجل الآخر شزرًا ولم يرد، فأكمل عز حديثه:
"وبعدين من غيري ممكن تعملوها دي صفقة أدوية فاسدة مش هتاخد في إيديكوا حاجة.. دي مش حاجة قصاد اللي عملنا قبل كدا.. فاكر؟! امتَعضت ملامحه وقال: "متفكرنيش باليوم دا.. إحنا قضينا على فرقة كاملة عشان نداري على اللي حصل... رمقه عز بسخرية وقال: "وأدي واحد منهم لسه عايش." ليقول رفعت بنبرة ذات مغزى: "ومعاه حاجات توديك ورا الشمس." رمقه بشرر وقال: "مش توديني لوحدي يا سيادة العقيد.. تودينا كلنا." مط رفعت شفتاه وقال:
"مش فارقة مصلحتنا واحدة وكلنا بندور عليه." تأفف عز الدين كثيرًا، ليسأله بنفاذ صبر: "وبعدين حتة ظابط زي دا مش عارفين تجيبوه؟! "دا مش أي ظابط يا سيادة الوزير.. أنت مفكر أنه مش عارف بوساختي حتى لو معهوش دليل ملموس ضدي؟! .. لأ عارف وفاهم عشان كدا اللي بيساعده عدي أخوه.. والاتنين دماغ وبيعرفوا إزاي يتحركوا وهما قاعدين... صمت يتابع امتِعاض ملامح الآخر ليكمل حديثه بلا مبالاة:
"إحنا بنتعامل مع اتنين أذكى من بعض واحد في المخابرات والتاني شرطة.. والاتنين ليهم سلطة كبيرة ومحدش يقدر يقول بم معاهم." صاح عز الدين بعنف: "ما خلاص يا رفعت عرفت إنه جيمس بوند مش محتاج كلامك دا.. أنا كل اللي يهمني بتوووول.. بتول ترجعلي وبعدها أنا هعرف أربيه بطريقتي.. لو فكر يلمس منها شعرة." ضحك رفعت بصوته كله ثم قال بعدما هدأت ضحكاته: "وأنت متخيل إن يونس لو عاوز يلمس شعرة منها مش هيعمل كدا؟! .. وخصوصًا أنها تخصك!
.. بس دي مش أخلاق يونس.. هو مش زيي ولا زيك.. ودا اللي بيميزه يا سيادة الوزير... ابتلع عز الدين ريقه وهتف بجمود: "كويس إن دي أخلاقه وإنه مش هيلمسها وإلا هيدوق عذابي اللي بجد." نهض رفعت وهو يرمقه بازدراء وأغلق أزرار حلته، ثم تقدم منه وقال بفحيح أفاعي: "بس تعمل إيه لو هو قال لخطيبتك على وساختك وجرايمك يا.. يا سيادة الوزير!!!
ثم تركه ورحل، وكأن أحدهم سكب دلو ماء بارد عليه ليجعله يتجمد في مكانه. هذا هو السؤال الذي لم يطرأ بباله قط، ماذا لو علمت بتول بما فعله! ************************************ كانت بتول تتابع ما يحدث بأعين حادة كالصقر، وما أن رأت عدي يتعدى على يونس حتى ركضت إليه ووقفت بجانبه وتساءلت: "إيه اللي بيحصل؟! أمسك يونس يدها يبعدها عن مرمى أخيه وقال: "تعالي بعيد يا بتول.. عدي الظاهر أنه مش في وعيه." اهتاج عدي من شقيقه وقال:
"وعي إيه يا يونس!! .. اللي أنت بتعمله دا غلط وهي اللي هتدفع التمن.. أنا ماشي يا يونس وخلي بالك من نفسك.. وآآ... منها." قال الأخيرة بسخرية ثم رحل. صعد سيارته وقال قبل أن يغادر: "لو احتجت لحاجة كلمني... وتحرك دون أن يتفوه بحرف آخر. زفر يونس بضيق لتأتي بتول من خلفه وتساءلت: "في حاجة؟! .. هو زعلك في حاجة؟ حدق بها مطولًا وسألها بنبرة غامضة: "عاوزة تيجي معايا ليه يا بتول؟
صدمت من سؤاله وابتعدت خطوتين إلى الخلف دون حديث، ليقترب منها يونس مرة أخرى هاتفًا بحدة من بين أسنانه: "ردي عليا يا بنتي؟ .. عرفيني ليه!! .. مستعدة تغيبي عن أهلك مدة الله يعلم هتكون قد إيه مع واحد مبتثقيش فيه؟!! أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بلا تردد: "عشان مش عاوزة أرجعله.. عشان لو شوفته مش عارفة هيكون رد فعلي إيه.. عشان أنا خايفة أكون مصيري زي البنات اللي شوفتها دي.."
ارتجف جسدها بقوة عقب أن تذكرت تلك المشاهد المشينة. أغمض يونس عيناه بضيق وأخذت أنفاسه الحارة تعلو، وعلا معها وجيب قلبه عندما هتفت بنبرتها البريئة: "عشان اخترت إني أثق فيك.. وأنك هتحميني.. مش كدا يا يونس؟ رد عليها وهو يمسك يدها: "أنتي بتسألي يا بتول؟ ابتعلت ريقها وقالت بابتسامة: "طب مستني إيه يلا بينا." "يلا.."
وأمسك يدها ثم توجها إلى الطائرة. يعلم أنها مجازفة ولكن لابد منها. لن يتركها لحظة، لن يستطيع العيش بدونها كيف وهي من تتيح له التنفس. وارتفعت الطائرة لتغادر أرض مصر متجهة إلى السويد. ****************************************
انقضى نصف الوقت اللازم للوصول إلى ستوكهولم عاصمة الدولة السويدية وهي نائمة على منكبه كالأطفال، تتشبث بذراعه كمن يخشى فقدانه. ابتسم يونس وهو يتابع انتظام تنفسها. لكم يشعر بلذة وهو يتابع ملامحها الملائكية وبراءتها التي تسلب العقول. تنهد بقوة عندما أتى بمخيلته ما سيمر به وما هو مقبل عليه، وأخذ يردد في نفسه بتضرع:
"يارب احميها واحرسها يارب.. عارف إني غلطت لما أخذتها معايا بس مكنتش هقدر أسيبها لوحدها.. قلبي هو اللي مش هيقدر." شعر بها تحرك رأسها كالهرة فعاودت الابتسامة الظهور على محياه. وبعد ثوانٍ وجدها تفرك عيناها كالأطفال وهتفت بنعاس: "صباح الخير." "صباح النور." تثاءبت ثم قالت: "نمت قد إيه؟! نظر في ساعته ثم قال بابتسامة: "نمتي تقريبًا نص الوقت." حركت رأسها وتساءلت بغباء: "اللي هو قد إيه؟! زفر يونس بنفاذ صبر:
"خمس ساعات يا بتول.. نمتي خمس ساعات كنت مستريح فيهم والله." تشدقت وهي تشيح في وجهه: "جرى إيه يا جدع أنت؟! "هش.. هش.. اسكتي أنتي ابتلاء.. أقسم بالله ابتلاء." ذمت شفتيها بضيق وعقدت ساعديها أمام صدرها ولم ترد عليه. تبدلت ملامح يونس إلى الجدية وهو يقول: "بتول! .. بصي أنا هتكلم معاكي على اللي إحنا داخلين عليه.. فلازم تكوني على علم باللي هيحصل." ازدردت ريقها بخوف ثم استدارت برأسها وتساءلت: "هو.. هو اللي داخلين عليه صعب؟!
ضحك يونس وقال بمرح: "جوي جوي يا بوي." "بطل رخامة ورد." ارتسمت الجدية على ملامحه وقال: "بصي.. التنقل هيكون باستمرار يعني مش هنقدر نقعد في مكان أكتر من أربعة وعشرين ساعة.. لأن ناس كتير هيكونوا بيطردونا.. مش هتكون على الحكومة وبس.. لأ دي عصابات ومرتزقة وليلة سودة." ازدردت ريقها بخوف أكبر ثم تشدقت بنبرة مرتعشة: "هو أنا مينفعش أغير رأيي وارجع مصر؟! .. أنا بحب مصر." أمسك يونس يدها بحنو وقال: "متخافيش أنا معاكي."
نظرت إلى يده التي تحتويها بحنان ثم إليه. لا تنكر شعور الأمان الذي تسلل إليها من احتوائه لها سواء كانت نظراته أو يده، لتبتسم بتوتر. وأكمل هو: "أهم حاجة هوياتنا الحقيقية متتعرفش.. لا اسمك ولا سنك ولا أنتي منين.. أنا جواز سفري وهويتي الجديدة جاهزة.. أنتي أول بما نوصل هتصرفلك في واحدة." اتسعت ابتسامتها وقالت بحماس متناسية خوفها: "إيه دا بجد؟! .. ويبقى تزوير في أوراق رسمية!! .. الله حلو جو الأكشن دا." ضيق عيناه وهتف بغيظ:
"بقى دا منظر واحدة كانت مرعوبة من شوية! رفعت منكبيها وقالت: "أنت قولت أنت هتحميني." ربتت على كتفه عدة مرات وهتفت ببساطة: "وأنا بثق فيك يا صقر أو فهد أو أسد أي حيوان يمشي." نظر لها بغضب لتتنحنح وتقول: "قصدي حيوان مفترس وقوي يعني.. متاخدش الأمور قفش كدا.. (خذ الأمور ببساطة يا رجل) صمت. هو من الأساس لا يعرف كيف يجيب عليها. تتفوه بكلمات حمقاء تشبهها تمامًا. أدار وجهه عنها حتى لا يفقد ما تبقى من عقله.
ليصدح صوتها وهي تسأله: "وبعدين كمل خططك! نظر لها بازدراء وقال: "أما يبقى يجي وقتها يحلها ربنا.. أما حاليًا مش عاوز أسمع صوتك.. ارجعي نامي." لتقول بهدوء: "بس أنا مش عاوزة أنام." أغمض عيناه وقال: "خلاص أنام أنا... لوت شدقها بضيق وسألته: "طب سؤال قبل ما تنام." زفر بضيق: "أووووف.. قولي وارحميني." "فاضل قد إيه ونوصل؟! "ست ساعات.. أحسنلك ناميهم."
عقد هو ساعديه أمام صدره وتجاهلها كليًا. تجاهل ثرثرتها المزعجة ليستشف منها أنها طريقتها في إزالة التوتر وحالة الخوف التي انتابتها ما أن أخبرها بما هم مقبلين عليه. وفي خضم حديثها شهقت عندما التفت يد يونس حولها جاذبًا إياها إلى صدره وقال بصوت رخيم: "نامي يا بتول وحاولي تسترخي.. شيلي الخوف من دماغك أنا وعدتك إني هحميكي وربنا يقدرني وأقدر...
توردت وجنتاها مما يفعله ولكنها لم تعترض، بل والعجيب أن جفونها خانتها وأغلقت لتنعم بنوم هادئ تحت نبضات قلبه الهادئة والمستمتعة بقربها منه. ونام كلاهما وعلى ثغريهما ابتسامة وكلاهما لنفس السبب، أو ربما ليس... *************************************** بعدما تنعم بحمام دافئ يزيل عن رأسه فكرة اكتشاف بتول لقذارته ولكن لم يفلح. استدار بجسده وهو يجفف خصلاته، ليجد سيف يجلس على أحد المقاعد وبيده كأس نبيذ فاخر. لم تهتز شعرة
واحدة لدى عز وتساءل بجفاء: "عملت إيه؟! تلاعب سيف بكأس النبيذ وقال: "يونس كان في الواحات.. بس هرب بره مصر." التفت إليه بجسده وهتف بصدمة وغضب: "وملحقتوش ليه قبل ما يسافر! .. وراح فين الـ*** دا؟ رد عليه سيف باستفزاز: "أعصابك يا باشا.. وبعدين أنت لسه قايلي أول إمبارح.. عاوزني ألحقه إزاي؟! تحرك عز في اتجاهه وقد بلغ غضبه الذروة، ليجذب سيف من تلابيبه بعنف ليقع كأس النبيذ ولوث الأرضية. نظر لها سيف ثم قال بأسف مصطنع:
"كدا الكاس وقع!! .. دا حتى طعمه حلو لأ وغالي." هزه عز بعنف وزمجر: "سيف!! .. بقولك إيه أنا على آخري.. فقَصِّر." أبعد يده عنه وتشدق بابتسامة: "وماله أقصِّر." عاد يجلس على مقعده ووضع ساقًا على أخرى ثم قال وهو يحك طرف ذقنه: "كل اللي قدرت أوصله.. إنه راح الواحات بعد أما خطف السنيورة.. ولما رحت كان فص ملح وداب." عز على أسنانه وقال بضيق: "طب مهددتش الناس دي ليه.. اقتل حد وهما زي الكلاب هيعترفوا!
"الأمور متتاخدش كدا.. عمومًا محدش عارف هو فين.. ومن الأساس محدش اتعرف عليه.. أو هما قالوا كدا.. الظاهر بيعزوه جدًا.. لدرجة إن مفيش حد قال أنه يعرفه." ضحك بسخرية وقال: "والعجيب أنهم قالوا نفس الكلام.. محدش جه بالاسم دا ولا حتى تعرفوا على الشكل.. طلع محبوب سيادة المقدم دا." "سيف.. بتول ترجع.. أنا هروح الناس دي بنفسي وهخليهم يعترفوا حتى لو قتلتهم كلهم." نهض سيف وقال: "هتعملها تاني!!
.. طب مش لما تتخلص من الدليل اللي ضدك في الأولى.. عمومًا متوسخش إيدك في ناس لو قطعت لحمهم بالحتت مش هيقولوا حرف.. أحسنلك استخدم علاقاتك القذرة مع المافيا وهما هيجبولك رقبته.. تشاو يا نجم." تشدق بالأخيرة بتهكم ورحل، تاركًا عز يقبض على كفه بشراسة وقال بوعيد قاتم: "هقتلك يا سيف.. هقتلك بس أخلص من يونس الكلب الأول." ************************************* "سيادة المقدم!! .. سيادة المقدم؟
فتح يونس عيناه على ذلك الصوت والهزات الصغيرة، ليعتدل في جلسته وتساءل: "وصلنا؟! أومأ قائد الطائرة وقال: "أيوة وصلنا.. حضرتك هتاخد عربية من هنا هتوصلك ستوكهولم ومن هناك على الفندق.. لأننا مش هنقدر ندخل أكتر من كدا." رد عليه يونس بتفهم وقال: "خلاص تمام." التفت إليها ليجدها تنام بعمق، ليربت على وجنتها برفق هاتفًا: "بتول! .. يلا قومي." تململت بتول ومن ثم فتحت عيناها وتشدقت بنعاس: "وصلنا إزاي؟ حل عنه وعنها حزام
الأمان الخاص بها وقال: "زي الناس.. يلا عشان مينفعش نتأخر." "طيب!! ونزلت من الطائرة، لتلفحها نسمات الهواء الرائعة فالسويد تتنعم بجوها المعتدل طوال أشهر العام. وضع يونس الحقيبة على ظهره ونزل، أمسك يدها وتحرك بها من المحيط، لتقول بتول: "هو إحنا فين؟ عليها يونس ولا يزال يتحرك: "على حدود السويد.. هنركب عربية توصلنا ستوكهولم." ردت عليه بخفوت: "طيب." وتحركا في خفة حتى وصلا إلى السيارة والتي كانت فارهة إلى حد غير معقول، فغرت
بتول فاها وقالت باستنكار: "هو دا التخفي في مفهوم الجاسوسية؟ رد عليها بعدم فهم: "اللي هو إزاي؟ أشارت إلى السيارة باستنكار: "العربية دي ملفتة أوي.. وهتفضحنا." ضرب بباطن كفه مقدمة رأسه وقال بنفاذ صبر: "والله شكلك أنتي اللي هتفضحينا.. يلا يا اختي." ودفعها في اتجاه السيارة، وهي تتأفف بضيق. وجد المفاتيح الخاصة بالسيارة في إطارها ثم دلفا وأدار يونس السيارة وتحركت، لتتساءل بتول: "المفروض دلوقتي هنتصرف إزاي؟ .. وعلى أي أساس؟
تفهم يونس ما تريد قوله ورد عليها دون الالتفات: "حاليًا هنتصرف على أساس إننا مرتزقة.. بنحاول نبيع معلومات عن البلد لناس معينة وفي المقابل هتتكشفلنا هويات جواسيس في مصر ودول عربية." شهقت بتول وقالت بصدمة: "وهو أنت هتعمل كدا فعلًا؟! كظم غيظه وقال بهدوء حاول إظهاره: "بتول.. أنا من رأيي تسكتي عشان أنتي هتلبسيني البدلة الحمرا باللي بتقوليه."
لوت شدقها بامتِعاض ولم تتحدث. عقدت ساعديها أمام صدرها ولم تتحدث، بينما هو أخذ يزفر بضيق منها، وهتف في نفسه بلوم: "غلطة عمري إني أخذتك معايا يا بتول... استدارت بتول له ورسمت معالم البراءة على وجهها جعلت يونس يقطب ما بين حاجبيه بتوجس وقال: "مبرتحش للبصة دي." زمت شفتيها بعبوس وقالت: "والله أنا طيبة أنت اللي ظالمني! تحرك فاه يونس يمينًا ويسارًا، وتشدق بسخرية:
"آه ظالمك.. أنا واحد ظالم ومفتري يا بتول الكلب.. اخلصي وقولي الكلمة اللي هتقف في زورك وهتموتك دي." قطبت حاجبيها بغضب طفولي وقالت: "والله هعيط." أخذ يرتطم برأسه بمقعده ثم هاتفًا بنفاذ صبر: "يا تقولي عاوزة إيه يا تحطي لسانك جوه بوقك ومسمعش صوتك." ضيقت عيناها بلؤم وقالت بنظرات زائغة: "أنا جعانة." أوقف السيارة فجأة فأصدرت صريرًا عاليًا، والتفت بجسده إليها وصفق بيده مرة واحدة متشدقًا بحدة: "نعم يا روح أمك! التفتت
إليه هي الأخرى وقالت بغضب: "الله منا بسببك مكلتش... "وأنا ذنبي إيه إن شاء الله؟ وضعت يدها في خصرها وقالت: "قعدت من إمبارح مكلتش لما صدمتني وقولت أنك مسافر." مسح على وجهه بقوة وقال بضجر: "طب المطلوب مني إيه دلوقتي؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت: "هاتلي أكل." اغتصب ابتسامة صفراء على وجهه وقال: "تحبي تاكلي إيه؟ استدارت له بتلك النظرة التي يكرهها وهتفت بابتسامة واسعة: "حواوشي.." "آآه."
وكانت تلك الصرخة مصدرها يونس، تبعها سباب لاذع أغدق مسامعها به. تفاجأت بتول بذلك الغضب والصراخ الذي لا حد له ولا آخر، لتنكمش على نفسها بخوف مبتلعة لسانها من التفوه بأي حرف. وبعد مدة عاد يونس بوجه عابس قاذفًا الحقيبة البلاستيكية في وجهها الممتعض. جلس في مقعده أمام المقود، وتحرك بالسيارة في صمت، وبدأت هي في تناول الطعام بنهم. قربت الشطيرة من فمه وقالت ببراءة: "تاكل! نظر لها بازدراء وقال: "لأ." رفعت
منكبيها بلا مبالاة وقالت: "أنت الخسران.. الهوت دوج دا لذيذ." تمتم هو بامتِعاض: "تك دوج أما يبقى يهبشك... وأكمل رحلته في صمت معها فهو يعلم ما أن تشحذ طاقتها ستبدأ وصلة ثرثرة تفقده وعيه، ولكن لا يستطيع التخلي عنها فهي تضيف نكهة لذيذة ومرحة إلى حياته. "ايه ده يا يونس! هو اللي في بالي ده صح؟ قالتها مروة وهي بتبص ليونس بذهول ممزوج بفرحة كبيرة. ابتسم يونس وهو بيرفع حاجبيه: "ايه اللي في بالك يا مروة؟
"يونس أنت بتهزر، يعني أنت جبت لي شقة جنب ماما؟ قالتها مروة وكأنها مش مصدقة اللي بيحصل. "بالظبط كده، أنا عارف إنك بتحبيها وكنتِ بتتمني تكوني جنبها." قال يونس وهو بيقرب منها وبيحضنها بحب. حضنته مروة بقوة وهي بتقول: "أنت أحسن جوز في الدنيا، أنا بحبك أوي يا يونس، بحبك حب عمره ما كان في قلبي لحد قبلك." "وأنا كمان يا روحي بحبك أوي." قال يونس وهو بيبادلها نفس المشاعر.
بعد فترة، يونس كان قاعد في مكتبه بيخلص شغل، تليفونه رن وكان رقم غريب. رد يونس: "ألو." "ألو يا يونس باشا، أنا رجب." قال الطرف الآخر. "أهلًا يا رجب، خير في حاجة؟ سأل يونس باستغراب. "أنا عايز أقابلك ضروري يا باشا، في موضوع مهم جدًا." قال رجب بصوت مهموم. "موضوع إيه ده؟ "لما نتقابل هفهمك كل حاجة، بس لازم يكون بيني وبينك بس." "تمام، نتقابل فين؟ "المكان اللي أنت تختاره يا باشا." "طب تعالى لي على مكتبي بعد نص ساعة."
"تمام يا باشا، مسافة السكة وأكون عندك." قفل يونس السكة وهو مستغرب، إيه الموضوع المهم اللي رجب عايز يقوله، وليه السرية دي كلها؟ بعد نص ساعة، رجب دخل مكتب يونس، يونس شاور له على كرسي قدامه. "خير يا رجب، إيه الموضوع المهم اللي عايز تقوله؟ سأل يونس. "يا باشا، أنا عارف إنك مالكش علاقة بأي حاجة حصلت لمراد، بس أنا عايز أحكي لك على حاجة مهمة جدًا." قال رجب وهو بيبص ليونس بتردد. "اتفضل، أنا سامعك."
"يا باشا، يوم ما مراد مات، أنا كنت معاه." قال رجب وهو بيبلع ريقه بصعوبة. يونس اتفاجئ من كلام رجب: "إزاي؟ وإيه اللي حصل؟ "مراد كان تعبان أوي يا باشا، صدره كان بيوجعه، وطلب مني أجيب له دوا من الصيدلية." "وبعدين؟ "لما رجعت، لقيته واقع على الأرض، وفيه واحد واقف جنبه." "مين ده؟ شفته؟ سأل يونس بلهفة. "أيوه يا باشا، شفته كويس أوي، كان لابس كاب، بس أنا متأكد إني شفته قبل كده." "مين ده يا رجب؟ قول! قال يونس بصوت عالي.
"يا باشا، أنا خفت أقول، الراجل ده شكله مش سهل، وممكن يأذيني." "أنا معاك يا رجب، محدش يقدر يعمل لك أي حاجة، بس لازم تقول لي مين ده." "هو... هو... عماد يا باشا." قال رجب وهو باين عليه الخوف. يونس قام من مكانه وهو مصدوم: "عماد! عماد مين؟ "عماد صاحب مراد يا باشا، اللي كان شريكه في الشغل." "أنت متأكد من اللي بتقوله ده يا رجب؟ سأل يونس وهو مش مصدق.
"أيوه يا باشا، أنا متأكد، شفته بعيني، وكان ماسك حاجة في إيده، بس ماعرفتش إيه هي." "طيب، وأنت ليه ما قلتش الكلام ده من الأول؟ "خفت يا باشا، عماد ده راجل مؤذي، وممكن يعمل لي حاجة." "متخافش يا رجب، أنا معاك، ومحدش يقدر يعمل لك أي حاجة." قال يونس وهو بيحاول يهديه. "طيب يا باشا، أنا عايز أطلب منك طلب." "اطلب." "أنا عايز أسيب البلد دي، وأسافر في أي حتة، أنا خايف أوي."
"تمام، أنا هساعدك في كل حاجة، بس لازم دلوقتي تيجي معايا على القسم، وتقول كل الكلام ده للظابط." "بس يا باشا... "مفيش بس، دي الطريقة الوحيدة اللي هنقدر نحمي بيها نفسك، وكمان نكشف الحقيقة." قاطعه يونس بحزم. وافق رجب بعد تردد، وراحوا على القسم، يونس طلب من الظابط يسمع رجب، رجب حكى كل اللي حصل، الظابط استغرب من كلام رجب، وطلب منه يوصف عماد بدقة. بعد ما رجب خلص كلامه، الظابط بص ليونس:
"يونس باشا، الكلام ده خطير جدًا، لو طلع صح، يبقى عماد هو القاتل." "أنا واثق في كلام رجب يا حضرة الظابط، الراجل ده شاف عماد بعينه." "تمام، احنا هنتصرف، بس في حاجة مهمة." "إيه هي؟ "لازم نفضل مراقبين عماد، لحد ما نلاقي دليل قوي ضده." "تمام، أنا معاك في أي حاجة." خرج يونس ورجب من القسم، رجب كان باين عليه التعب والخوف. "متخافش يا رجب، كل حاجة هتبقى كويسة." قال يونس وهو بيطبطب عليه. "يارب يا باشا." قال رجب بصوت ضعيف.
بعد أيام، يونس كان قاعد في مكتبه، تليفونه رن وكان الظابط. "ألو يا حضرة الظابط، في أخبار؟ سأل يونس بلهفة. "أيوه يا يونس باشا، لقينا دليل قوي ضد عماد." قال الظابط بصوت متحمس. "إيه هو؟ "لقينا بصمات عماد على زجاجة الدوا اللي كانت جنب مراد." يونس فرح أوي: "الحمد لله، يبقى كده عماد هو القاتل." "بالظبط كده، احنا قبضنا عليه، وهو دلوقتي في القسم." "تمام، أنا جاي دلوقتي."
راح يونس على القسم، وشاف عماد وهو قاعد في أوضة التحقيق، عماد كان باين عليه التوتر والخوف. يونس دخل الأوضة، وبص لعماد: "عملتها ليه يا عماد؟ عماد بص ليونس بصدمة: "أنت بتقول إيه؟ "أنت عارف أنا بقول إيه كويس أوي، أنت قتلت مراد." "أنا ما قتلتش حد." قال عماد بصوت عالي. "البصمات بتاعتك على زجاجة الدوا اللي كانت جنب مراد، إيه تفسيرك لكده؟ عماد سكت لفترة، وبعدين بدأ يتكلم: "أنا... أنا ما كنتش أقصد أقتله." "كنت تقصد إيه؟
"كنت عايز أخوفه بس، كنت عايز أخليه يمشي من البلد دي، ويسيب لي كل حاجة." "إيه هي كل حاجة؟ "الشغل يا باشا، أنا كنت شريكه، وهو كان بيستغلني، وكان بياخد كل حاجة لنفسه." "وهل ده يديك الحق إنك تقتله؟ "أنا ما قتلتوش، هو اللي مات لوحده، أنا بس كنت عايز أديله جرعة دوا زيادة، عشان يتعب، ويسيب الشغل." "أنت عارف إن ده اسمه قتل، وهتتحاسب عليه." عماد بدأ يعيط: "أنا ندمان أوي يا باشا، أنا ما كنتش أقصد أعمل كده."
"الندم مش هيرجع مراد، وهتتحاسب على اللي عملته." قال يونس بحزم. بعد فترة، عماد اتحكم عليه بالسجن المؤبد، يونس رجع لبيته، ودخل أوضة مروة لقاها نايمة، قرب منها وباس راسها. مروة صحيت وبصت ليونس: "أنت جيت يا حبيبي؟ "أيوه يا روحي، كنت بخلص شغل." "مالك يا يونس؟ شكلك تعبان." "مفيش يا روحي، بس كنت بفكر في حكايات الدنيا الغريبة." "خير يا حبيبي، في إيه؟ "مفيش، أنا بس عايز أقولك إني بحبك أوي، وعمري ما هسمح لأي حاجة تأذيكي."
"وأنا كمان يا حبيبي بحبك أوي." قالتها مروة وهي بتحضنه بقوة. بعد فترة، يونس ومروة عاشوا حياة سعيدة، يونس كان بيحب مروة أوي، ومروة كانت بتحبه أوي، ربنا عوضهم بكل خير، ورزقهم بأطفال حلوين، وعاشوا في سعادة وهناء.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!