الفصل 21 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
19
كلمة
1,487
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

الفصل الواحد والعشرون يونس رفت بأهدابها عدة مرات تستوعب حجم الصدمة، ولكن أكثر ما جعل قلبها ينقبض خوفًا هو سكون يونس والشحوب الزاحف على وجهه. قذفت الحقيبة أرضًا واتجهت ناحيته، وقبل أن تصل إلى مبتغاها كانت يد سيف تعوقها ثم تشدق بخبث: -تؤتؤتؤتؤ.. مش وأنا في وسطكو. نفضت يده عنها برعب ثم هتفت بشحوب: -أنت مين وعايز إيه؟ .. عملت إيه ليونس؟! ارتفع حاجباه بدهشة مصطنعة ثم قال بمكر: -هو الحكاية فيها إن ولا إيه!

تراجعت إلى الخلف بما يسمح لها من مسافة وقالت: -أنت عاوز إيه؟! .. سيبني أشوفه. جذبها من يدها التي يقيدها حتى وقفت على بعد إنش واحد منه ثم همس بفحيح أفاعي: -عاوزك!! شحب وجهها وتهدجت أنفاسها، ساقاها شعرت بهما كالهلام، وظلت تحدق به بصدمة. ضحك سيف باستمتاع وأكمل بنفس النبرة: -متخافيش كدا يا ست الحسن.. أنا عاوزك في خدمة.

عادت تنظر إلى يونس، وبخفة تملصت من سيف واتجهت إلى يونس. عقد الأخير يداه أمام صدره وراقبها بلذة، بينما ظلت تضرب على وجنتيه بخفة وأخذت تتوسله ببكاء: -يونس.. عشان خاطري قوم.. فوق كدا وخليك معايا.. يووونس. نظرت إلى سيف ذاك الذي يرمقها باستمتاع وهتفت بشراسة: -أنت عملتله إيه! رفع منكبيه ببرود وقال: -ولا جيت جمبه.. هو بس نايم شوية. ثم اقترب منها بخطى وئيدة ومال عليها، ثم هتف بنبرة ذات مغزى: -حاليًا بس. عقدت ما بين

حاجبيها وهي تسأله بتوجس: -قصدك إيه! جلس بجانبها على الأرض الخشبية، ومد يده يزيح خصلاها ولكنها تراجعت، ليبتسم بخبث. ثم نظر إلى يونس ومرر يده على جرح صدره هاتفًا بتلذذ: -أني أعمل حاجة أو لأ.. دا متوقف عليكي. ازدردت ريقها بخوف وهتفت: -عـ.. عاوز إيه مني؟! .. لو عاوز الشنطة خدها.. بس سيبه في حاله. قهقه بصوته كله، مرة واثنتين دون توقف، ليصمت بعد مدة ومن ثم هتف بابتسامة أبرزت نواجزه:

-الشنطة اللي هتودي عز حبيب القلب في داهية! رفع حاجبيه مغلقًا لعينيه وهو يكمل: -تؤ.. مش عاوزها.. بيني وبينك... مال إليها ويهمس كأنه سر: -أنا عاوز أخلص منه قبل يونس.. عاوز أمحي عز من على وش الأرض.. أو أسففه الأرض.. عشان كدا خليهالك. اتسعت عيناها صدمة وهي تراه يكمل: -قولتلك عاوزك أنتي.. أنتي الذراع اللي هلوي بيها عز.. أنتي اللي هتخليه يجيلي راكع.. وساعتها هخلص البشرية كلها من وساخته...

سرت رجفة على طول خلايا جسدها، شعرت بأن روحها تسحب منها ببطء متعمد، هو يريد بوصيلة تأمين تكونها هي. الكل يريد رأس عز وبجانبه رأسها... مد يده يسحبها بعنف وهي لم تستطع التملص من الصدمة، ليهتف هو بتحذير وقد ظهرت أنيابه: -يلا معايا لو مش عاوزاني أقتله قدامك.. وهو لا حول ليه ولا قوة دلوقتي... وأقرن قوله بالفعل عندما أطلق رصاصة بجانب رأسه، لتصرخ هي بفزع تزامنًا مع صوت إطلاق النار. هدر هو بجهورية:

-يلا.. بدل ما تكون الرصاصة التانية في راسه... ولم يترك لها مجالًا للحديث إذ جذبها بعنف خلفه حتى وصلا إلى الصالة، وقبل أن يدلفا إلى الخارج، هتف سيف بغموض أرهبها: -القاتل الشاطر ميسيبش أدلة وراه... ثم أشعل عود ثقاب وقذفه أرضًا، لتشتعل الأرضية بنيران حمراء، فقد كان سكب البنزين داخل الكوخ. صرخت وتلوت بيدها تتوسله بجزع: -لاااااااااء متأذيهوش.. أنت قولت مش هتأذيه لو جيت معاك. متقتلهوش. جذبها

خلفه وتشدق بلا مبالاة: كدبت عليكي.. إيه متعرفيش إني قاتل وكداب؟! وظل يجذبها وهي تتلوى وتصرخ باهتياج لعله يتركها تنقذه، ولكنه ظل يجذبها بقسوة وبلا أدنى رحمة. *** ضرب العقيد سعد على سطح المكتب هادرًا بعنف: يعني إيه فرقة الاستطلاع كاملة يخلصوا عليها كدا! ازدرد أحد الضباط ريقه وقال: يا سعد باشا الناس دول طلعوا علينا فجأة. تحرك سعد من خلف مكتبه وأمسك تلابيب ذاك الضابط ومن ثم هتف بتوحش: أومال لازمتك إيه!

قولي لازمة سيادتك إيه!! دفعه بحدة وأخذ يتمتم بغضب: تدريبات وأسلحة وبلاوي زرقا اتعلمتها وفي الآخر تقولي فجأة! ما أنت متنيل عارف إن دي أوكار للعصابات والإرهابيين. وضع الضابط يده خلف عنقه وتنحنح بخوف قائلًا بما يعرفه: بصراحة يا سيادة العقيد.. حصلت خيانة.. في حد بيخونا. شحب وجه سعد وهو يستمع إلى حديث الضابط والذي أكمل وهو يشعر بالخزي:

كل مرة كانوا بيسبقونا بخطوة.. كل مرة نطلع ونرجع على مفيش.. يا سعد باشا الجهاز كله عاوز يتنضف. عاد سعد يلتف حول مكتبه وارتمى على مقعده بإنهاك.. وضع رأسه بين يديه.. ثم رفع رأسه وتساءل بخفوت: وأنت عرفت منين! مش محتاجة إني أعرف.. دي مكشوفة لوحدها.. كل مرة.. كل مرة بنرجع قفانا بيقمر عيش. مسح سعد على وجهه بضيق وهو يعلم تمام العلم من هو الخائن.. أشار إلى الضابط بيده وقال بحزم:

اعمل لي اجتماع مع كل الضباط والقادة العسكرية فورًا. حاضر يا فندم. ثم أدى التحية العسكرية وكاد أن يرحل إلا أن سعد أوقفه.. ليستدير مرة أخرى يستمع إلى الأخير الذي هتف بصرامة: مش عاوز حد يعرف إننا بنشك إن في حد بيخونا.. الموضوع دا سر بينا لو عرفه حد تالت.. هتكون رقبتك تحت رجلي وبكسرها. أومأ الضابط بجدية ثم رحل.. ليعود سعد ويضع رأسه بين يديه وتشدق بأسف: ليه يا رفعت؟ وصلت بيك تقتل شباب زي الورد! أخرتك الموت دا عقاب الخاين.

*** بدأ جفناه في التحرك وقد استشعر جسده حرارة ورائحة دخان تخنقه.. سعل أكثر من مرة ثم نهض متأوهًا.. كل ما يتذكره أنه كان يتطلع من النافذة وفور أن استدار حتى وجد جثة ذاك العجوز تقذف أسفل قدميه.. وهو يتلقى لكمة في وجهه تبعتها أخرى.. ونظرًا إلى ضعفه قد فقد الوعي تدريجيًا. وعند تلك اللحظة تذكر بتول.. فهب واقفًا دون أن يكترث لآلامه أو حرجه.. وأخذ يهتف باسمها جزعًا وقد تلونت حدقتاه باللون الأحمر: بتول.. بتول!!

سعل لأكثر من مرة واتجه ناحية الباب.. وما أن فتحه.. حتى هاله مشهد النيران التي تتآكل الخشب بسرعة قاتلة.. أغلق الباب مرة أخرى وقد علم أن سيف كان هدفه بتول منذ البداية.. اعتصر قبضته بشراسة وأخذ يتوعده في سره.. اتجه إلى الحقيبة الملقاة أرضًا وارتداها.

اتجه إلى النافذة وقام بتهشيم الزجاج وقفز خارج الكوخ.. وقف يتطلع إلى الكوخ التي تناثرت شظاياه من أثر النيران.. ومع حدقتاه التي تابعت ذاك المشهد.. كانت بنيتاه لا تقل اشتعالًا وقد انعكس اللهيب داخل بحر شوكولاه.

توجه إلى ذاك الحصان الذي بقي على مقربة من النيران.. وبكل حرفية ومهارة امتطاه يونس.. ضربه في باطنه ليركض الحصان بسرعة توازي سرعة البرق.. كان يونس ينحني بجزعه إلى الأمام ويقبض على خصلات الحصان التي تناثرت على ظهره.. تمتم بخفوت: جايلك يا بتول اتحملي عشاني. ***

وعلى الجانب الآخر لم تتوقف بتول عن النحيب وقد ظنت أن يونس قد سطر نهايته بسببها.. لا تدري ماذا تفعل.. ولكنها فجأة توقفت عن السير وجذبت يدها بعنف منه وأخذت تركض في الاتجاه المعاكس.. تمتم سيف بسبات نابية بنبرة غاضبة.. بدأ يركض خلفها.

كانت تمسح عبراتها التي تحجب عنها الرؤية.. لم تنتبه إلى ذاك الجرف لتسقط من عليه.. تدحرجت حتى ارتطم جسدها بجذع شجرة.. تأوهت بألم ولكنها لم تستسلم.. نهضت تركض مرة أخرى.. وما كادت تبتعد حتى وجدت من يقبض على خصرها يرفعها منه ثم يهوي بها على الأرض.. تأوهت مرة أخرى بقوة من شدة الاصطدام. جثى مرة أخرى فوقها وثبت ذراعيها أعلى رأسها بيد والأخرى قبضت على فكها بشراسة ومن ثم هدر بانفعال لاهث: مفكرة نفسك هتهربي مني!

هوى على وجنتها بصفعة.. وعاد يقبض على فكها.. كانت تصرخ وقد تذوقت طعم الدماء التي انسلت من بين أسنانها.. وصرخ بها: فكري تعمليها تاني وأنا هخليكي باقي عمرك تفتكري مين سيف الكردي. وصفعة على وجنتها الأخرى.. وظل جاثيًا فوقها.. لتلمع حدقتاه برغبة فيها وفي ذات الوقت أراد أن يريها ماذا ستكون العواقب.. مال على وجهها يهمس بنبرة تلونت بالرغبة: ميمنعش إني أأدبك ع اللي عملتيه دا.

وقبل أن يقترب كي يقتنص ما أراد.. حتى سمعا صوت صهيل فرس.. رفع سيف رأسه.. وما أن رفعها حتى وجد جسد يونس ينقض عليه من فوق الفرس.. تدحرجا من قوة الاصطدام وكان يونس يجثو فوقه.. أخذ يسدد اللكمات الشرسة وهو يردد بوحشية: هقتلك يا ***.. هقتلك يا كلب. وأخذ يسدد اللكمات في جميع أنحاء جسده.. تغاضى عن جرحه وألمه.. فما أن سمع صوت صراخها كان قد فقد ما قد يجعله عاقلًا.

لم يستطع سيف الدفاع عن نفسه من الصدمة.. وأخذ يتلقى الضربات حتى غاب عن الوعي. ابتعد يونس عنه وقد أنهكت قواه تمامًا.. ثم توجه إلى بتول الفاقدة للوعي بعد تلك الصفعة الثانية.. حملها وقد انطلقت منه صرخة ألم.. إلا أنه تحامل على نفسه.. اتجه مرة أخرى إلى الحصان ووضعها عليه.. ثم امتطاه هو الآخر.. ضم جسدها إليه خشية أن يفقدها مرة أخرى.. ولسان حاله لا ينفك عن الأسف.. قبل جبينها برقة وأسف ثم قال بحزن:

آسف لأني اتأخرت.. آسف إني خليت *** زي دا يلمسك كدا. ضرب الحصان بخفة ليبدأ في التحرك مرة أخرى ولكن بهدوء وبطء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...