الفصل 15 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
23
كلمة
2,628
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

الفصل الخامس عشر يونس الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فإنه يقتحم قلبه دون استئذان، وهذه هي مصيبتنا. تملك اليأس قلبه، وضع يده على عينيه وصرخ مرة أخرى: -بتووول!!!

أبعد يده عن عينيه ونظر إلى المبنى الكلاسيكي، وعند غرفة ما، شعر بانقباضة قوية في قلبه، حتى أنه وضع يده على صدره من الألم، لا يعلم لِما يشعر بذلك الألم، حدق بقوة ليرى شبح شخصين أحدهما يتراجع إلى الخلف وذراعاه وكأنهما تبعدان شيئًا عنه، الآخر يتقدم منه، لم يعد هناك مجال شك أنها مُعذبة فؤاده...

لم يفكر مرتين، وانطلق ناحية المبنى واستغل تلك الأحجار البارزة في صعود المبنى، وبمهارة واحتراف صعد سريعًا إلى أعلى، لم يهتم إلى جروح يده التي بدأت تتناثر منها الدماء، وأكمل وقلبه كمضخات تتقافز خوفًا، ليس عليه بل على تلك الجنية التي بين براثن صقر جارح...

صعد إلى الغرفة ومن خلال النافذة استطاع أن يرى ما في الداخل، كانت عيناه تقدحان بشرر يحرق الأخضر واليابس وحروق نحره البارزة أنبأت بوقوع كارثة مفجعة، كور قبضته وبعنف بالغ حطم النافذة... ************************************* في الداخل كانت تقف ما بينه وبين الحائط، يضع يديه حول عنقها ويقترب ببطء متخابث، وبنبرة ماكرة تشدق: -حقًا عز الدين أوفر الرجال حظًا بكِ، يمتلك الحق في إحراق العالم من أجلك.

استرعى انتباهها عبارته التي بدت غامضة في الثواني الأولى ولكن ما لبثت أن توضح معناها، لتقول بملامح مشدوهة: -أنت تعمل لدى عز!! أشار بسبابته نافيًا وقال: -لا، بل أعمل معه. اقترب من أذنها فأغمضت عيناها، فتشدق بنبرة تشبه فحيح الأفاعي: -أتعلمين أنه تواصل معي من أجل إعادتكِ له!! ثم ابتعد يتفرس ملامحها المبهوتة، ثم أكمل حديثه وهو يضحك: -وأنا سوف أعيدكِ له، ولكن بعد أن أتسلى قليلًا.

تصاعدت دقات قلبها وبدأت تتلوى من أسفله حتى تتخلص من براثنه، ولكنه كان قد أحكم قيده عليها، أمسك يدها وقيدهما أعلى رأسها ومن ثم أخذ نفسًا عميق وهو يقول بنبرة قد ملأتها الرغبة: -رائحتك رائعة، تشبه الأطفال في نعومتها، أريد تذوقها.

شحب وجهها تدريجيًا ومن ثم صرخت، وعلى إثر صرختها، سمعا صوت تحطم زجاج، التفت سام ولكن لم يسعفه الوقت، فوجد من ينقض على عنقه، يمسك حنجرته وكأنه على وشك اقتلاعها، تحول وجه سام إلى كتلة زرقاء، باغتَه يونس بلكمة عنيفة أدت إلى كسر أنفه، وهدر بصوت قاتم: -أيها الوغد، سأقتلك.

كانت بتول منكمشة على نفسها خوفًا، وعبراتها تتسابق في النزول، نهض سام وهو يترنح ليباغته مرة أخرى بضربة من قبضته إلى قفصه الصدري، أدت إلى كسر عدد من أضلعه، كاد يونس أن يكمل ما يفعله ولكنه سمع وقع أقدام كثيرة... وجه نظره إلى بتول المنكمشة على نفسها، ليشعر بغصة قوية في فؤاده، ولكنه تقدم منها سريعًا وما أن أمسك يدها حتى انتفضت فزعة، ليقول هو بتهدئة: -هششش، أنا يونس متخافيش. هزت رأسها ليجذبها هو بيده ثم قال

وهو يتجه إلى أحد النوافذ: -مقدمناش وقت، لازم نهرب قبل أما الحرس يوصلوا. هتفت بخوف: -هنهرب منين!! -هنط. ولم يدع لها فرصة ليقوم عقلها بتحليل ما قاله، ليقوم بتحطيم زجاج النافذة في الجهة المعاكسة، ومن ثم قفزا من النافذة، وبتول تصرخ، وكان أسفلهما حوض سباحة، ليسقطا به... ***********************************

تمدد عدي على فراشه وهو يشعر بألم في صدره، تنهد أكثر من مرة ومشهد اقتراب سيف منها يتكرر أمامه، اعتدل جالسًا بعنف وأخذ يفرك وجهه بقوة، همس مستغفرًا: -أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم يارب. أغمض عينيه وهو يزفر بضيق، صوت طرقات خفيفة على باب غرفته وتبعها دلوف والدته والتي كانت تبتسم ببشاشة، رفع وجهه ليرى والدته وتلقائيًا ابتسم وقال بسعادة: -ست الكل منورة أوضتي!! تعالي يا صفوة قلبي. ابتسمت صفوة وقالت: -إزيك يا عدي!!

ضحك عدي وقال بمزاح: -أنتِ أول مرة تشوفيني ولا إيه!! تقدمت منه وجلست بجانبه، ولا زالت تبتسم ثم قالت: -أنا فعلًا حاسة إني أول مرة أشوفك من سنتين. أمسك عدي يدها بحنو وقال: -عاوزك تنسي السنتين دول يا ماما، يونس هيرجع بس لما يرجع الحق لأصحابه... ربتت على وجنته ثم قالت بدعاء: -ربنا يرجعهولي بالسلامة ويخليكوا ليا. -ويخليكِ لينا يا ست الكل. ثم مال على يدها يقبلها لتبتسم برضا وهي تربت على خصلاته السوداء،

ارتفع برأسه وسألته بجدية: -ها قولي بقى مالك!! عقد ما بين حاجبيه وقال: -مش فاهم، أنا كويس. ابتسمت مرة أخرى وقالت: -عيب تكون شحط كدا وتكدب عليا. ضحك عدي وهو ينظر إلى والدته، ثم قال بهدوء: -أولًا أنا مبكدبش، ثانيًا أنا فعلًا كويس ومفيش حاجة. -أنا أمك يا عدي ومهما كبرت هفضل فهماك. صمتت قليلًا، وعدي يحدق بها بجمود، عادت لتكمل حديثها قائلة: -واللي فيك دا حب، وحب من طرف واحد. اتسعت حدقتا عدي بقوة، ليقول بتلعثم:

-آآ.. أنا.. مبحبش.. آآ.. حد. قهقهت صفوة بقوة، ثم ربتت على يده وقالت بهدوء: -امشي ورا قلبك، وقول اللي جواك، الحياة مش هتعيشها مرتين، وبدل الوجع والهم دا روح قولها. تنهد عدي وقال بخفوت: -ولو رفضتني!! -تبقى على الأقل حاولت عشان متندمش لما تروح منك، الحاجة اللي بتحبها عافر عشان توصلها. صمتت ثم قالت: -"وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا"، الحاجة مش هتجيلك لحد عندك، لأ لازم تتعب عشان تحس بحلاوتها... نهضت

صفوة ثم قالت بنبرة ضاحكة: -أما أروح أعمل الأكل لسيادة العقيد زمانه جي. وتحركت في اتجاه باب الغرفة، وقبل أن تدلف إلى الخارج هتف عدي: -ماما!! التفتت إليه صفوة فابتسم عدي وقال: -شكرًا يا حاجة صفوة، عقبال لما تفرحي بيا. -فرحتك هتكمل بوجود أخوك معاك. ثم خرجت وتركت عدي، وبداخله شعلة أمل وحماس قد اشتعلت، جعلته يأخذ مفاتيحه وهاتفه، ثم دلف إلى الخارج عازمًا على الذهاب إليها... *******************************************

طفى على سطح الماء، وأخذ يدور برأسه بحثًا عنها، ليجدها تشق الماء وتخرج من أسفله مخرجة شهيق قوي من فاها، اتجه يونس إليها وأمسك يدها ثم سحبها قائلًا بجدية: -يلا بسرعة مفيش وقت... وخرج من الماء ثم مد يده لها وسحبها، وقد بدآ في العدو وبدأ معها صوت طلقات الرصاص التي أمطرت عليهم كالأمطار، صرخت بتول خوفًا وكادت أن تقف ولكن يونس لم يسمح لها وأكملا الركض...

أوقفه ثلاثة رجال ذوي بنية ضخمة وقد أشهروا أسلحتهم في وجهه، اتسعت عينا بتول هلعًا، وأمسكت يد يونس بقوة تستمد منه الأمان، بينما يونس قد اصطنع الاستسلام واضعًا يده خلف رأسه، وما أن تقدم منه أحدهم حتى لكمه في أنفه وأخذ السلاح منه، اتخذه كدرع يتلقى الرصاصات في جميع أنحاء جسده ويونس يصوب فوهة سلاحه إلى الآخرين، وفي ثوان كانت الرصاصات تخترق جسديهما لتهوى جثتيهما على الأرض، دفع من معه أرضًا، وأمسك يد بتول مرة أخرى والتي كانت تنتفض بخوف، وسحبها خلفه راكضين بأقصى سرعتيهما...

وبعد مدة من الركض لم تتخط الدقائق، توقف يونس عند إحدى حاويات القمامة الضخمة وأخرج منها حقيبة ظهر متوسطة الطول، ارتداها سريعًا ثم التفت إلى بتول التي لم تتوقف عن النحيب، أحاط وجهها بين راحتيه وقال بجدية: -بتول مش وقت خوف وعياط، إحنا لازم نتحرك بسرعة ونفكر كويس، وأنا مش هعرف أفكر طول ما أنتِ خايفة، خليكِ قوية. أومأت برأسها ولا زالت تبكي، ليمد يديه ويزيل عبراتها هاتفًا بحنو:

-طول ما أنتِ معايا بعد ربنا مش عاوزك تخافي، أنا هنا عشان أحميكِ، فاهمة!! هزت رأسها بموافقة بلا وعي وكأن لنبرته العذبة صدى ساحر في روحها جعلها ساكنة، تشعر بكم هائل من الأمان في وجوده، ابتسم يونس وقال: -يلا...

وعادا يركضان مرة أخرى، لتظهر سيارة من العدم، تمطرهم بوابل من الرصاص، كان يونس يعمل كدرع لحماية بتول من خدش قد يصيبها، اتجه إلى أحد الزوايا وقد بدى على وجهه الإنهاك، خبأ بتول في تلك الزاوية ثم نزع عنه الحقيبة وأعطاها إياها وقال بنبرة لاهثة إثر الركض: -أنا هشتتهم وأنتِ حاولي تهربي. ولم ينتظر ردها، وقبل أن يتحرك أمسكت يده هاتفة بتوسل وبكاء: -متسبنيش عشان خاطري أنا خايفة. أغمض يونس عينيه وقال دون أن يستدير:

-لو فضلت معاكِ هيقتلوكِ، وأنا مش مستعد أخسرك يا بتول، مش مستعد أخسر قلبي. حاول أن يبعد يدها ولكنها تشبثت به أكثر ثم هتفت بنبرة متحشرجة: -خايفة معرفش ألاقيك. هنا واستدار لها، أمسك يدها وقال بهدوء خارجي: -أنا هلاقيِك، قلبي هيعرف زي ما عرف أول مرة... أنهى حديثه ثم طبع قبلة رقيقة على جبينها، أغمضت عيناها وكذلك هو فعل، ابتعد عنها وقال بجدية:

-أول لما أجري في أي اتجاه، اجري أنتِ عكسه، أهم حاجة متجريش في الطريق العمومي، خليكِ في الطرق الجانبية والضلمة، خلي بالك من نفسك... ثم ركض بعيدًا عنها قبل أن تتحطم مقاومته ويبقى معها، يفضل أن يموت بأحضانها، تابعته حتى اختفى عن ناظريها، لتبدأ هي بالعدو في الاتجاه المقابل كما قال، كانت عبراتها تهطل بغزارة وهي تدعو في نفسها: -يارب رجعهولي بالسلامة، يارب يلاقيني، أنا خايفة أوي... ***************************************

ترجل من سيارته ودلف إلى البناية، توقف أمام المصعد وما هي إلا ثوان وحضر، استقل عدي المصعد وبداخله كم هائل من الحماس المشحون بطاقة عجيبة تسمى بالحب، سيموت دفاعًا عنها، سيموت دفاعًا عن عشق هو بالأساس ملكه ولن يدعه لأي شخص كان... وصل المصعد إلى الطابق المنشود، دلف خارجه وتوجه إلى منزلها، قام بدق الجرس عدة مرات بتواصل دون انقطاع، إلى أن سمع صوتها المنزعج يقول: -أيوة، ثواني. أخفض يده عن الجرس ووقف مبتسم الثغر، فتحت هي

الباب بعنف ثم هدرت بضيق: -أظن دي قلة آآآ.... وبُترت عبارتها وهي ترى عدي يقف أمامها وعلى ثغره ابتسامة عذبة والتي كانت ولا تزال السبب في جعل خافقها كمضخات قوية، ابتلعت ريقها بتوتر ثم همست بنبرة متلعثمة: -عـ.. عدي.. با.. شا. عليها وهو لا يزال يبتسم: -ممكن أدخل. -أتفضل... قالتها وهي تشير بيدها إلى الداخل، ليدلف هو بخطوات واثقة هادئة، إلى أن وصل إلى غرفة الصالون، أشارت له بالجلوس وقبل أن تتحدث هتف هو: -أنتِ بتحبي سيف؟!

ضيقت عيناها باستغراب، ثم اتسعت بصدمة، رافعة حاجبيها بتعجب، كانت ملامح وجهها تشي بصورة مضحكة عما تمر به، أجاء إلى هنا لكي يسألني إذ كنت أحب سيف أم لا!! بالطبع هو معتوه، هتفت بصدمة: -هو.. هو حضرتك قولت إيه!! نهض عدي عن مكانه واتجه إلى مكانها، انحنى بجذعه العلوي، وعاد سؤاله بصوته الرخيم: -سألتك إذا كنتِ بتحبي سيف ولا لأ!! أعادت رأسها إلى الخلف بتوتر من قربه وقالت: -دا ليه علاقة بالشغل؟! همس بأ: -أيوة.

صمتت تستشف جديته من نبرته ونظراته وكلتاهما أكدتا على جديته الصارمة بنعومة وجاذبية تجعلها تذوب، هتفت بشرود وهي تحدق بعينيه: -مقدرش أحبه وأنا في قلبي حد تاني. امتعضت ملامحه بدرجة كبيرة، وقد بدى الغضب جليًا على صوته الذي زأر به: -هو مين!! لم تهتم بامتِعاض ملامحه، ولم تلتفت إلى صوته الغاضب وأكملت تحديقها به وهتفت بما يجيش في قلبها مذ سنون:

-واحد بشتغل معاه من سنتين، هو رائد، من أول أما شوفته وأنا عشقاه، كل اللي بفكر فيه من زمان إني لما أخلص اللي بعمله، هو إزاي أعترفله بحبي، كانت أكتر حاجة مخوفاني أنه ميقبلش حبي ويرميه، بحبه ومش هقدر أحب غيره. ارتخت معالم وجهه الممتعضة وحل مكانها دهشة ثم سعادة، أشرق وجهه بابتسامة وبدأت نبضاته في الارتفاع ثم قال بحماس: -واسمه عدي!! أومأت برأسها وأكملت بشرود: -وأخوه اسمه يونس.

لم يستطع عدي الاحتمال أكثر ليجذبها من ذراعها إلى أحضانه، لتستفيق هي على ذلك الارتطام ونبرته الساحرة وهي تهتف: -بحبك يا روضة، بحبك يا روضة قلبي. التفتت بيدها حول خصره وقالت: -وأنا كمان بحبك. هتفتها وقلبها يتراقص فرحًا على معزوفة كلمة "بحبك" التي لحنتها شفتاه بعذوبة لم تكن لتذوب بها مع أحد آخر، ففي أعظم أمانيها لم تكن لتتمنى أن يبادلها العشق الذي تكنه له مذ أن رأته...

ولم يكن عدي بأقل طربًا منها، فقلبه كان يتأكله الخوف من الرفض، أو تصريحها بأنها تعشق سيف، ولكن صدى كلمات والدته هي من حمسته إما أن تكون له أو إما أن تكون له، فهو لن يرضى أن تكون لغيره، لن يدعها تهرب من بين أنامله مهما طال الزمن... **************************************

كانت تركض بلا هوادة وعيناها لا تتوقفان عن ذرف العبرات، تذكرت أنه ما أن ابتعد عنها يونس حتى جاء ذلك الذي يدعى سام ثم سحبها من يدها بقوة مستغلًا انشغال يونس عنها مع أنجلي، حاولت الحديث ولكنه لم يكن ليرد عليها، حاولت الفكاك منه ولكن قبضته اعتصرت معصمها، وكل ما حدث في ثوان كان وهو يدخلها الغرفة وحديثه الغامض عن عز الدين، والذي أكد أنه رجل فاسد، حسمت أمرها أنه صفحة لن تطويها فحسب بل ستقوم بتمزيقها إربًا، كانت تتأمل أن يكون كل ما شاهدته كذب أو تلفيق، ولكن بعد ما حدث منذ قليل تبخرت آمالها وذهبت أدراج الرياح...

سمعت صوت أقدام تقترب منها، لتعود وتركض مرة أخرى وهي تشعر بخوف لا حد له، ظلت تناجي ربها: -يارب، يارب. سمعت صوت الأقدام تقترب منها بسرعة، ليصيبها الهلع بدرجة أكبر، وأخذت تعدو، ولكن صوت الأقدام يقترب أكثر، حتى شعرت بيد توضع على منكبها فصرخت بخوف: -يوووونس. -إهدي يا بتول. وما أن سمعت صوته ولم تفكر مرتين، ارتمت في أحضانه بخوف، كان جسدها يرتعش بصورة مقلقة، طوقها هو بين ذراعيه، ليجدها تدفن رأسها في صدره،

ثم سمعها تهمهم بتبعثر: -أنا.. كنت خايفة.. وأنت.. جيت.. وخفت.. خفت... أبعدها يونس عن أحضانه وقال باطمئنان: -هششش، خلاص أنا أهو جنبك، ومفيش داعي تخافي. هزت رأسها بنفي ثم تشدقت بنحيب: -كنت خايفة يجرالك حاجة مش خايفة على نفسي. ابتسم يونس بسعادة، وطرب قلبه لما قالته، ليعود ويجذبها في أحضانه مرة أخرى مربتًا على ظهرها بحنو، ثم قال بهدوء: -أنا كويس، وبقيت كويس أكتر لما شوفتك بخير، وهكون كويس أكتر لما تبطلي عياط.

ابتعدت عنه ومسحت عبراتها بظهر يدها وقالت بنبرة طفولية: -أهو، بطلت عياط. ابتسم وأكمل: -أيوة كدا، يلا بقى نمشي عشان محدش يحصلنا. -يلا. ثم تحركا بخطوات أشبه بالركض، تجمد يونس وهو يشعر بأناملها تتخلل أنامله لتمسك بكفها الرقيق كفه الغليظ، نظر لها يونس بصدمة، لتقول بخجل: -ببقى مطمنة لما بتمسك إيدي.

أحاط بأنامله أناملها الصغيرة ولم يرد عليها، لم يرد إفساد سحر تلك اللحظة وما شعر به قلبه من خفقان، نزع حبها من قلبه أمر بات مستحيلاً الآن، وجموده! لم يعد له وجود، فجميع مشاعره تتحرك في وجودها تبعث في نفسه بعثرة، تشتته، تجعله كمن يحلق في باطن الأرض، ألم أقل أنها تشيع في نفسه فوضى! سمع صوتها يهمس بتساؤل: إحنا هنروح فين دلوقتي؟ أجابها بشيء من الغموض: ثواني.

أوقفها ثم سحب يده على مضض واتجه خلفها. فتح الحقيبة وأخرج منها جهازًا ما. أخذ يعبث به ثوان، ثم وضعه مرة أخرى بمكانه. عقدت حاجبيها وهي تسأله بغرابة: أنت بتعمل إيه؟ أمسك يدها وتحرك مرة أخرى: هنروح بيت على بعد اثنين كيلو. طب إزاي؟ والبيت دا فيه ناس زي دول ولا إيه؟ ممكن تفهمني يا يونس! رد عليها بهدوء:

بصي أي ظابط بيسافر في مهمة بره البلد، بيكون ليه كذا بيت بنسميه "بيت أمن"، يقدر يستخدمه مرة واحدة بس وبعدين البيت دا بنخفيه، فهمتي؟ أومأت برأسها بتفهم وقد ظهر على معالم وجهها الانبهار، لتقول بتعجب: مكنتش أعرف إن كل دا بيحصل وإحنا منعرفش! ضحك يونس وقال: المشكلة أن الناس شايفة الصورة من اتجاه واحدة وبتبتدي تحكم وتحل، مع إنهم لو شافوا الصورة من كل الاتجاهات هيشوفوا أبعاد الصورة كاملة وهيشوفوا برضه الحقيقة كاملة.

ضحكت هي الأخرى وقالت: وأنا اللي فكرت أن دا كلام أفلام، طلع بجد، وبحق وحقيقي، ربنا يكون في عونكوا. أومأ برأسه ولم يرد. ثم أكملا طريقهما وكلاهما هائم في أفكاره، فيونس يفكر بتول وحبه الذي نهش قلبه وعقله على حد سواء، وبتول تفكر بعز الدين وأنه حان وقت كشف الحقيقة ومعرفة الصورة كاملة كما قال يونس. رفعت رأسها ثم هتفت وهي تبتلع ريقها بصعوبة: يونس! همهم يونس دون أن ينظر لها: هممم. أغمضت بتول عيناها كي تتغلب على ترددها،

ثم قالت بجمود: أنا عاوزة أعرف حقيقة عز الدين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...