يونس لم يخذلني أحد... أنا من خذلت نفسي... عندما راهنت أنهم أوفياء... هبط الدرج وهو يضع يديه في جيبي بنطاله، يُطلق الصفير من بين شفتيه بسعادة، فقد نال أخيرًا عشقًا كان يحسبه مستحيلًا. وأمام البناية اصطدم بأحدهم بالخطأ فقال معتذرًا: -آسف، ماخدتش بالي. وتحرك خطوة دون أن يرى من الذي اصطدم به، ولكنه لم يستطع أن يخطو أخرى وهو يسمع ذاك الصوت الذي قال بسخرية: -ما تعتذرش يا سيادة الرائد عدي، مش عدي برضه ولا أنا نسيت!
استدار عدي بغتة ورمق ذاك المتحدث بنارية، ثم دنى منه تلك الخطوة التي ابتعدها وقال بغضب: -لأ عدي يا سيف بيه، مش سيف برضه ولا لما سِبت الخدمة غيرته! ابتسم سيف باستفزاز ثم قال: -لأ ما غيرتوش يا سيادة الرائد، ما غيرتوش زي ما الزمن ما غيركش. رمقه عدي باشمئزاز وما كاد أن يتحرك حتى أمسكه سيف من معصمه وهتف بمكر: -الله الله، رايح فين بس يا سيادة الرائد، إحنا ما خلصناش كلامنا. أبعد عدي يده عنه بحدة ومن ثم قال بجفاء:
-ما فيش بينا كلام، ولا هيكون. ثم تحرك خطوتين. عدل سيف وضع سترته وقال بنبرة ذات مغزى: -ولا حتى إذا كان بخصوص سيادة المقدم يونس؟! استدار عدي إليه وهتف بعصبية: -أنت عاوز إيه بالظبط؟! مط سيف شفتيه ببرود: -مش عاوز حاجة خالص، دا أنا كنت عاوز أقولك أن عز أول ما هيلاقيه هيقتله... اقترب منه ثم همس بنبرة تُشبه بل هي كفحيح أفعى: -خبّيه، وخليه يخبي خطيبة عز، أصله حالف لا يقتله لو لمسها...
ثم ربت على منكبه، ورحل مُطلقًا هو الآخر صفيرًا، بينما عدي يكاد تنطلق النيران من أُذنيه. كور قبضته وضرب تلك البوابة الحديدية بعنف، رحل وهو يُتمتم بوعيد: -نهايتكوا قربت يا كلاب... ************************************* توقف عن السير ورمقها بذهول، ثم هتف: -أنا شكلي ما سمعتش كويس، أنتي قولتي إيه! أعادت حديثها بجمود: -قولت عاوزة أعرف كل حاجة عن عز.
وقف يونس أمامها، يحدجها بنظرات حائرة، بينما هي بادلته نظرات واثقة ولكنها مُذبذبة. وضع يونس كِلتا يديه على مُنكَبيها ثم تشدق بجدية: -أنتي واثقة من اللي بتقوليه! ازدردت ريقها بتوتر وقالت: -آآ... أيوة. أبعد يونس يدًا عن أحد منكبيها ومسح بها على وجهه، ثم قال بتأكيد: -متأكدة؟! لأنك ممكن أصلًا ما تصدقنيش. أغمضت عيناها وقالت بخفوت: -بعد اللي حصل من شوية؟! أه متأكدة. أمسك يدها وقال: -طب نمشي من هنا عشان ما حدش يشوفنا.
هزت رأسها بموافقة وقبضت على يده ثم تحركت بسرعة... بعد نصف ساعة من السير بين الأشجار في إحدى غابات ستوكهولم، وصلا إلى كوخ خشبي. وقفت بتول أمام الكوخ وقالت بعفوية: -أول مرة أشوف بيت هنختفي فيه ويكون بسيط كدا. ضحك يونس وقال: -خشي يا بتول، أديكي شوفتي مظهر من مظاهر التمويه.
أخذ يونس ذلك المفتاح المُثبت داخل أخشاب الباب وفتحه. دلف هو أولًا ثم تبعته هي. أضاء يونس الأضواء، فبدأت بتول في مُشاهدة الكوخ. كان بسيطًا جدًا، هناك أثاث خشبي وأخرى مُبطن، ومطبخ على الطِراز الأمريكي يُمثل مربعًا صغيرًا في أحد أركانه وفراش يكفي لفردٍ واحد. تشدقت بذهول: -أومال فين الحمام! جلس يونس على أريكة بنية وقال بضجر: -بتوووول، أنتي من إمبارح ما صدعتنيش بغبائك، فـ أبوس أيدك أنا مش قادر للكلام دا.
زمت شفتيها بضيق ولم ترد، بل أغرقته بوابل من السباب في سرها. سمعت صوته الغاضب يقول: -بطّلي طولة لسان يا بتول الكلب، عشان بعدها بتقلبي قطة. تحركت بخطى سريعة ووقفت أمامه مُشيرة بسبابتها إلى وجهه وسألته بعصبية مشدوهة: -نفسي أعرف أنت بتعرف منين... ها! ها! ها! هـ... قاطعها يونس بصياح: -بسسس، أفصلي، أنا اللي جبته لنفسي. همت بالتذمر، ولكن عوضًا عن ذلك صرخت بجزع أجفله، فسألته بتوجس: -في إيه يا بتول!
قفزت أعلى الأريكة بجانبه ثم قالت بخوف وهي تُشير إلى ذراعه: -دا... دا دم... آآ... أنت متعور! زفر يونس بضيق، وحاول يونس إسكاتها ولكنها أكملت حديثها بخوف وتوتر: -أكيد بتوجعك! أنت مش حاسس بيها! طب... طب فيه مطهر أو أي حاجة! أنا... آآ... قاطعها بنفاذ صبر: -أهمدي يا بت، أنتي اللي متوراني. ردت عليه بنبرة مُرتعشة: -أصل... وضع يونس يده على فاها وتحدث بصرامة: -أكتمي يا عملي الأسود، ممكن! هزت رأسها عدة مرات، فأكمل هو حديثه:
-دلوقتي فـ دولاب دا هتلاقي علبة صغيرة، هاتيها. أومأت برأسها ثم ابتعدت عنه، وبحثت برأسها عن تلك الخزانة الصغيرة، لتجده عند أحد الأركان. توجهت إليه وأخرجت منه تلك العُلبة ثم عادت إليه مرة أخرى... كان هو في تلك الأثناء قد نزع عنه قميصه وقذفه بإهمال على الأرضية. وما أن التفتت هي حتى شهقت، تخضبت وجنتيها بحُمرة خجل ثم هتفت بتذمر: -هو ليه مش مراعي إن في بنت معاه... -معلش المرة الجاية.
كان هذا صوته الذي خرج ساخرًا من حديثها، لتقول بذهول وهي تمد بيدها العُلبة: -أنت سمعت! نظر لها من طرف عينيه ثم قال: -أقعدي يا بتول عشان تساعديني. جلست بجانبه على مضض وهي تتحاشى النظر إلى عضلات صدره البارزة، بينما هو لم يهتم إلى ذلك الخجل الذي يتلذذ به وأخرج من العُلبة مطهرًا ما وبعض القطن ولاصقة طبية كبيرة. مد يده لها بذلك المطهر وقال: -خدي طهري الجرح. درت عليه ببلاهة: -أطهر إيه! وضع بيدها الأشياء وقال بنفاذ صبر:
-إخلصي... أخذت المطهر وسكبت منه القليل على قطعة من القطن. قربت يدها المُرتعشة من ذراعه وأخذت تمسح على جرحه برقة خشية أن تؤلمه. كان يونس في أعلى درجات الإنتشاء وهو يراها بذلك القُرب منه. كانت لمساتها سحرية ورقيقة كأجنحة فراشة. ظل يُتابع تعابير وجهها المُتقلصة بابتسامة عاشقة...
كانت غافلة عن عينيه التي تُحدقان بها بهيام واضح. انزلقت خُصلات على وجهها أزعجتها، لتجد يده تمتد وتُبعدها خلف أُذنها. رفعت رأسها لتتقابل خضراويتيها مع بنيتيه المُتوهجتين عشقًا لها قرأته بسهولة. ازدردت ريقها الجاف، وأخفضت رأسها مرة أخرى حتى تمنع عينيه من إكمال مهمتها في اختراق روحها والوصول إلى أعماق قلبها... انتهت مما تفعله لتقذف ما بيدها باشمئزاز، ليقول لها وهو يمد يده بإبرةٍ ما: -يلا عشان تخيطيلي الجرح.
انتفضت كمن لدغتها أفعى ثم قالت بفزع حقيقي: -على جثتي يحصل الكلام دا... *************************************** انتهى الطبيب من لف ذلك الشاش الطبي حول قفصه الصدري وقال بعملية: -سنقوم بعمل أشعة على قفصك الصدري خشية أن تكون الرئة قد تأذت. هز سام رأسه بفتور ثم قال: -حسنًا لا بأس، أنا أشعر بأنني بخير. لم يهتم الطبيب لما قاله وأكمل: -أتمنى ذلك، ولكنني سأقوم بواجبي لا غير، أُعذرني. ثم تركه ورحل، لتنهض أنچلي وجلست على طرف
الفراش ثم تشدقت باهتمام: -هل أنت بخير؟! حدق بها سام بجمود ومن ثم هتف بغضب: -أُقسم أنني سأُنهي حياته بيدي، لن أدعه يُفلت مني. ربتت على منكبه وقالت: -اهتم بصحتك أولًا ثم قُم بما تشاء، ولكن الآن يجب أن نُفكر جيدًا فيما سنقوم به... صمت لمدة قصيرة ثم قال لها بغموض: -أعطني الهاتف. أذعنت إلى أمره دون أن تسأل، وأخرجت هاتفها من حقيبتها ثم أعطته إياه: -تفضل.
أخذه من يدها واتصل بأحدهم. وضع الهاتف على أُذنه وانتظر الرد الذي أتاه سريعًا، فسمع صوت عز الدين يقول بتلهف: -هل عثرت عليه! رد عليه بجمود: -بلى عثرت عليه. -أين؟ هيا أجبني. اعتدل سام في جلسته ثم قال بجدية: -تعال إلى ستوكهولم، وما أن تصل، اتصل بي كي نتحرك، أعتقد أنه لن يبقى هنا كثيرًا. عاجله عز الدين بالسؤال عنها: -وماذا عن تلك الفتاة التي معه؟ أهي بخير! حك سام مُقدمة رأسه وقال بهدوء:
-هي بخير لا تقلق، تحدثت معها ولكنه اكتشف الأمر وقام باختطافها. كور عز الدين قبضته بغضب، ثم هتف من بين أسنانه: -ذلك الحقير، يبدو أن عقابه لن يكون بهين. ثم أكمل حديثه: -هيا، سأستعد الآن وما أن أصل، أُريد أن أتحرك حتى لا يهرب. -حسنًا سيد عز، لا تتأخر سأكون بالانتظار. أغلق الهاتف وألقى به إلى أنچلي التي هتفت بتعجب: -من هذا؟! وضع يده على عينيه وقال ببرود: -لا شأن لكِ... نظرت له شزرًا وأخذت تُهمهم بكلمات غير مفهومة،
وبعدها هتف هو: -هيا انهضي وأخبري الطبيب أنني سأقوم بعمل الأشعة الآن. تأففت وهي تنهض ثم قالت: -حسنًا... ************************************* -على جثتي يا يونس، من عاشر المُستحيلات أني أعملها... وبعد عشر دقائق كانت يدها تُمسك تلك الإبرة التي عقمتها باستخدام شُعلة، وقربتها من ذراعه. أخذت تُتمتم بتبرم: -منك لله، يا رب حاسة إن قلبي هيقف. -هو أنتي بتعملي عملية زرع قلب، دا يا دوب هتخيطي جرح صغير، أعملي زي ما علمتك من شوية.
نظرت له بحدة وتشدقت: -بس، اسكت، أنا ما مسكتش إبرة عشان أخيط فردة شراب، ولما أجي أمسكها أكون بخيط فـ جلد بني آدم! ضحك يونس كالمعتاد وهو يهز رأسه بيأس منها. تشدق بهدوء كي يُلهي عقلها عما تقوم به: -قوليلي بقى، أنتي خريجة كلية إيه! وبالرغم من أنه يعلم الجواب إلا أنه أراد أن يُشغل عقلها عن ذلك الخوف. أجبته بشيءٍ من التوتر: -دار علوم. أبدى يونس اندهاشًا مصطنعًا وهو يقول: -بجد! أكيد ع كدا شاطرة فـ النحو... ردت عليه بعفوية:
-ولا أعرف الألف من كوز الدرة. قهقه يونس بقوة حتى أدمعت عيناه. تلك الفتاة تتفوه بكلمات لم يتوقع أنها تخرج من فتاة. لم تهتم بتول لضحكاته فعقلها مُنشغل بتقطيب الجُرح. بالرغم من ارتعاشة يدها وتعرقها، إلا أنها أبلت بلاءً حسنًا في تقطيب الجُرح... انتهت مما تفعله لتزفر بارتياح وهي تمسح حبات العرق عن جبينها، ثم قالت: -أخيرًا. مدّ بيده بعض الشاش الطبي قائلًا: -طب كملي جميلك وحطي الشاش عليها... زفرت بضيق وقالت بتذمر:
-كانت لازم تتعور فـ إيدك اليمين؟ -حاضر المرة الجاية هختار، أخلصي يا بلائي. نفخت بقوة مُبدية حنقها من حديثه بتلك الطريقة، وبدأت في لفّ الشاش حول ذراعه. وما أن انتهت حتى سمعت صوته الرخيم يقول: -شكرًا يا بتول، بجد عملتي إنجاز كبير. قالت بفخر: -خليك عارف إن دي أول مرة أعمل كدا... ثم أشارت بسبابتها بتحذير: -وأعمل حسابك آخر مرة. ضحك قائلًا: -حاضر يا ستي. اعتدلت في جلستها وبدأ هو في ارتداء قميصه مرة أخرى. تجمدت يده عند
آخر زر وهو يسمعها تقول: -يلا بقى احكيلي... ************************************* طرق عدي بخفة على الباب، ليسمع من خلفه صوتًا رجوليًا عميقًا يسمح له بالدخول. دلف عدي وأدى التحية العسكرية ثم قال بجدية: -سيادة العقيد سعد، ممكن آخد من وقت حضرتك! رفع سعد رأسه ونزع عن عينيه الرمادية نظارته الطبية، ثم أشار إلى عدي بيده وقال بهدوء: -اتفضل يا حضرة الرائد، أخبار يونس إيه! جلس عدي وقال: -منا كنت جاي لحضرتك فـ كدا.
أبدى سعد اهتمامه وقال: -خير يا عدي! اعتدل عدي في جلسته ثم تنحنح قائلًا: -سيف الكردي! عقد سعد حاجبيه وتساءل: -ماله! مش دا اللي اتسرح من وظيفته؟ -أيوة هو، سيف كان ظابط تحت التدريب مع يونس فـ آخر مهمة. سعد شفتيه ثم أكمل حديثه: -أنا فاكر أنه اتعرض لصدمة مـ اللي حصل... عدي رأسه بنفي وأكمل بغيظ: -الحيوان دا خاين، لا اتعرض لصدمة ولا دياوله، الكلب دا بيشتغل مع عز. ردد سعد بذهول: -نعم!! شغال مع عز؟
عرفت الكلام دا امتى وليه ما قولتليش؟! -الموضوع دا عارفه من سنتين وكل اللي فاكره أنه بيشتغل شغل *** مع عز، لكن لما قابلته النهاردة، عرفت أنه يعرف أكتر من كدا. -إزاي!!! تنفس عدي عدة مرات، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وأكمل بتوضيح: -في بنت بتشتغل معانا، كانت بتجبلي أخبار سيف وعز، شغل وصفقات وحاجات من اللي قلبك يحبها، النهاردة قابلته ولاقيته عارف إن يونس عايش... -سأله سعد: -وهو عرف منين! أعتقد أنه ما يعرفش من زمان.
رد عليه عدي: -فعلًا هو ما يعرفش من زمان، أنا قبل أما أجي لحضرتك راجعت التسجيلات والملفات اللي جابتهم البنت، و فـ وسط تسجيل سمعته بيتكلم معاها وبيحكي إن عز قاله يحاول يلاقي يونس... -الكلام دا من امتى! ابتلع عدي ريقه وأكمل: -لما كان فـ الواحات، والناس هناك بصراحة قالوا اللي وصيتهم بيه، لا شافوه ولا يعرفوه. حك سعد ذقنه وقال بجدية وصلابة: -لازم تبلغ يونس وتعرفه إنه ما يقعدش فـ السويد كتير، لازم يسافر أي بلد تاني.
عقد عدي حاجبيه وتساءل: -طب ليه؟ المفروض يوصل لناس معينة هناك، وكدا مش هيعرف يكمل المهمة لو مشي. وضح له سعد قائلًا: -هنبلغ رجالتنا بمعرفتنا إزاي يستدرجوا المشتري لنفس البلد اللي هيسافرلها يونس... صمت قليلًا، وبعدها أكمل حديثه: -عز له معارف كتير فـ المافيا وأنه يفضل فـ نفس البلد مدة طويلة، دا خطر عليه وع اللي معاه، لازم يونس يسيب السويد خلال تمانية وأربعين ساعة، وجوده هناك هيتكشف، خصوصًا أنه استخدم بيت أمن من بتاعنا.
جحظت عينا عدي وهتف بخوف: -يعني إيه!! وجوده اتكشف! طب إزاي؟! -مش مهم إزاي، المهم تتصرفله فـ هويات جديدة ومكان جديد نقدر نأمنله حماية، يونس ذكي أنا عارف، بس في أكتر من مؤسسة بتدور عليه. نهض عدي من مكانه وقال بجدية: -أنا هبعت ناس ورا سيف فـ كل حتة، وهبدأ فـ الإجراءات فورًا. تحرك عدي وقبل أن يدلف، أوقفه صوت سعد هاتفًا بصلابة صارمة: -قول ليونس يرجع البنت، وجودها معاه خطر عليها وعليه، مش هينفع تفضل أكتر من كدا.
أغمض عدي عينيه وقال بجمود: -حاضر يا فندم... ثم أدى التحية العسكرية ورحل. أعاد سعد رأسه إلى الخلف وقال بشرود: -يا ترى يا عز أنت خايف من يونس أوي كدا ليه! أكيد مش مجرد قرية قتلت أهلها، أكيد في سبب تاني... *************************************** ضمت ساقيها إلى صدرها وظلت تنظر إلى الفراغ. تابعها يونس بأعين حزينة لما آلت إليه الأمور. هو لم يُخبرها الحقيقة كاملة وقد أُصيبت بتلك الحالة، فماذا إن أخبرها حقيقة الأمر!!
مدّ يده يُمّلس على خُصلاتها بحنو ثم هتف بحزن: -عشان كدا ما كنتش عاوز أقولك، كنت خايف على زعلك يا بنت السلطان. ولكنها لم ترد عليه. تنهد بضيق، ثم أكمل حديثه وهو يُدير رأسها إليه: -بتول، ما ينفعش كدا، إدي رد فعل، سكوتك دا غلط، عيطي، كسري، اعملي أي حاجة، بس ما تفضليش كدا. أزاحت يده عن وجهها وبعدها تمددت توليها ظهرها، وتشدقت بجفاء: -عاوزة أنام. لوى يونس شدقه بخيبة أمل، ولكنه قال بهدوء: -طيب نامي جايز أعصابك ترتاح...
ثم نهض وجذب الغطاء عليها. دثرها جيدًا قبل أن ينحني بجذعه العلوي يُقبل رأسها بحنو، وتركها لكي ترتاح قليلًا. يعلم أن ما علّمته ليس بهين ويُصعب عليها تقبله. تنهد عدة مرات ثم دلف خارج الكوخ مُتجهًا إلى المدينة ليستطلع على بعض الأمور... بعد مدة عاد ودلف إلى الكوخ، وجدها لا تزال نائمة. تنهد بارتياح ثم اتجه إلى المطبخ ليُعد بعض الطعام فهو يعلم أنها جائعة...
نهضت هي بعد وقتٍ طويل. فركت عينيها بنُعاس ولكن قسمات وجهها كانت مُتجهمة. أزاحت عنها الغطاء ثم أنزلت قدميها عن الفراش. بحثت عنه بعينيها لتجده يقف موليها ظهره بالمطبخ... عقدت ما بين حاجبيها وتوجهت ناحيته بخطى خفيفة. وقفت خلفه ثم وضعت يدها على منكبه وتساءلت بخفوت: -بتعمل إيه! استدار يونس لها وعلى وجهه ابتسامة جذابة، ثم قال بسعادة: -أخيرًا صحيتي!! هزت منكبيها بفتور ثم أعادت سؤالها: -بتعمل إيه!
-بعمل أكل، أنا عارف إنك جعانة. نظرت لذلك القدر على الموقد وتساءلت: -تحب أساعدك؟! رد عليها وهو يستدير: -لأ أنا أصلًا خلصت. -براحتك. قالتها بفتور ثم رفعت نفسها وجلست على طاولة خشبية في أحد أطراف المطبخ. كان يونس مُتعجبًا من رد فعلها. نعم يشعر بجمودها وفتور حديثها ولكنه كان يعتقد أنها ما أن تفيق سوف تبكي كالمرة السابقة. تنهد بيأس وهتف في نفسه: -هتجننيني يا بتول...
انتهى من طهو الطعام واستدار لها، ليجدها تُحدق بخاتم خطبتها. لم يتحرك ساكنًا وظل يُشاهدها مُنتظرًا لرد فعلها...
كانت تُحدق بخاتمها وعدة مشاعر جمة تتزاحم في جوفها. تشعر بسواد في قلبها تجاهه، وكأنها لم تعرفه يومًا. من عشقته وظنت أنه آخر الرجال المحترمين لم يكن سوى شيطان، شيطان لم تتوقع أن يكون بهذا السوء. مشاعر وذكريات تدفقت في نفسها ولكنهم جميعًا اشتركوا في إحساس واحد، ألا وهو الكره. تغلظت ملامحها بقوة ونزعت خاتم خطبتها ثم قذفته بعنف في سلة المُهملات بجانبها... رفعت أنظارها إلى يونس، لتجده يُحدق بها بعمق ومشاعر تعلمها جيدًا.
حدقت في بنيتيه بعمق وقالت: -ما عادش ينفع إيدي تتوسخ بوساخته، كان لازم أعملها من زمان، ما كانش لازم أصدق حرف من اللي قاله... وتسابقت عبراتها في النزول ولكنها كانت صامتة، لم ينتفض جسدها ولم تشهق روحها، فقط عبرات ملكومة بطعنات الخيانة. تقدم يونس منها وأزال عبراتها بإبهاميه، ثم قال بنبرة عذبة: -هو خدعني زي ما خدعك، أنتي طيبة وعشان كدا صدقتيه. هزت رأسها نافية وقالت بسخرية مُتألمة: -قصدك كنت غبية.
جذب رأسها إلى أحضانه، ليجدها تتشبث به كطفل يخشى فُقدان والدته، ثم همست من بين عبراتها: -يا ريتني قابلتك قبله، يا ريتني عرفتك قبله... "آه يا مروة، يا بنت قلبي، كنت فين؟ قالتها أم مروة وهي تحتضن ابنتها بقوة، ودموعها تنهمر على خديها. "يا ماما، إيه اللي حصل؟ سألت مروة وهي تمسح دموع أمها. "يا بنتي، قلبك كان هيقف من الخوف عليكي. كل ده ومش بتردي على تليفونك ليه؟ قالت الأم وهي تتأمل ابنتها بقلق.
"يا ماما، أنا آسفة، كنت في المحاضرة، والتليفون كان صامت." تنهدت الأم بارتياح. "الحمد لله إنك بخير يا بنتي. كنت خايفة عليكي أوي." ابتسمت مروة وحاولت طمأنة أمها. "متقلقيش يا ماما، أنا كويسة." نظرت الأم إلى مروة بعتاب. "طيب يلا ادخلي غيري هدومك وتعالي عشان تتغدي." "حاضر يا ماما." بعد أن غيرت مروة ملابسها، خرجت لتجد والدها يجلس في الصالة. "إيه يا بابا، عامل إيه؟ "الحمد لله يا بنتي، إيه أخبارك؟ "كويسة الحمد لله."
"يلا تعالي عشان تتغدي." قالت الأم وهي تضع الطعام على المائدة. "يا ماما، أنا مش جعانة." "إيه اللي مش جعانة؟ لازم تاكلي عشان متتعبيش." "يا ماما، أنا لسه واكلة في الكلية." "طيب كلي أي حاجة خفيفة." "حاضر يا ماما." جلست مروة مع والديها على المائدة، وحاولت أن تأكل بعض الطعام. "إيه يا مروة، مش عاجبك الأكل ولا إيه؟ سألها والدها. "لا يا بابا، الأكل حلو أوي، بس أنا مش جعانة." "طيب كلي كويس عشان تبقي قوية." "حاضر يا بابا."
بعد الغداء، ذهبت مروة إلى غرفتها، وأمسكت بهاتفها. تصفحت بعض الرسائل، ثم تنهدت. "يا رب، إيه اللي بيحصل معايا ده؟ قالتها لنفسها. في اليوم التالي، استيقظت مروة مبكرًا، واستعدت للذهاب إلى الجامعة. "صباح الخير يا ماما." "صباح النور يا بنتي، يلا عشان تفطري." "حاضر يا ماما." بعد الفطار، ودعت مروة والديها، وذهبت إلى الجامعة. في الجامعة، التقت مروة بصديقتها سارة. "إيه يا سارة، عاملة إيه؟ "الحمد لله يا مروة، إيه أخبارك؟
"كويسة الحمد لله." "إيه يا بنتي، مالك شكلك مش مظبوط؟ "مفيش يا سارة، بس أنا تعبانة شوية." "طيب تعالي نقعد في الكافتيريا." "ماشي." جلست مروة وسارة في الكافتيريا. "احكيلي يا مروة، إيه اللي مضايقك؟ "يا سارة، أنا مش عارفة أقولك إيه." "قوليلي يا مروة، أنا صديقتك." "يا سارة، أنا حاسة إني تايهة." "ليه بتقولي كده يا مروة؟ "يا سارة، أنا مش عارفة إيه اللي بيحصل معايا." "طيب احكيلي كل حاجة بالتفصيل."
بدأت مروة تحكي لسارة كل ما حدث معها. "يا سارة، أنا مش عارفة أعمل إيه." "يا مروة، أنا معاكي، وهنلاقي حل." "ربنا يخليكي ليا يا سارة." "إيه رأيك نروح لدكتور نفسي؟ "دكتور نفسي؟ "آه يا مروة، ممكن يساعدك." "مش عارفة يا سارة." "فكرّي في الموضوع يا مروة." "ماشي يا سارة." بعد انتهاء المحاضرات، عادت مروة إلى المنزل. "إيه يا مروة، عاملة إيه؟ قالتها أمها. "كويسة يا ماما." "طيب يلا عشان تتغدي." "حاضر يا ماما."
بعد الغداء، ذهبت مروة إلى غرفتها، وأمسكت بهاتفها. تصفحت بعض الرسائل، ثم تنهدت. "يا رب، إيه اللي بيحصل معايا ده؟ قالتها لنفسها. في المساء، اتصلت مروة بسارة. "ألو يا سارة." "ألو يا مروة، إيه الأخبار؟ "كويسة الحمد لله." "إيه رأيك في موضوع الدكتور النفسي؟ "مش عارفة يا سارة." "فكرّي كويس يا مروة، ممكن يساعدك." "ماشي يا سارة." "طيب يلا تصبحي على خير." "وأنتِ من أهله يا سارة." أغلقت مروة الهاتف، وظلت تفكر في كلام سارة.
"هل أنا محتاجة دكتور نفسي فعلًا؟ سألت نفسها. في اليوم التالي، استيقظت مروة مبكرًا، واستعدت للذهاب إلى الجامعة. "صباح الخير يا ماما." "صباح النور يا بنتي، يلا عشان تفطري." "حاضر يا ماما." بعد الفطار، ودعت مروة والديها، وذهبت إلى الجامعة. في الجامعة، التقت مروة بسارة. "صباح الخير يا سارة." "صباح النور يا مروة، إيه الأخبار؟ "كويسة الحمد لله." "إيه قررتي في موضوع الدكتور النفسي؟ "آه يا سارة، قررت إني هروح." "بجد يا مروة؟
"آه يا سارة، حاسة إني محتاجة مساعدة." "أنا معاكي يا مروة." "ربنا يخليكي ليا يا سارة." بعد انتهاء المحاضرات، ذهبت مروة وسارة إلى عيادة الطبيب النفسي. "اتفضلي يا آنسة مروة." قالها الطبيب. دخلت مروة إلى غرفة الطبيب، وجلست على المقعد. "إيه المشكلة يا آنسة مروة؟ سألها الطبيب. بدأت مروة تحكي للطبيب كل ما حدث معها. "يا دكتور، أنا مش عارفة أعمل إيه." "يا آنسة مروة، أنا هنا عشان أساعدك." "ربنا يخليك يا دكتور."
"أنا هكتبلك على بعض الأدوية، وهنحتاج نعمل جلسات علاج نفسي." "حاضر يا دكتور." بعد انتهاء الجلسة، خرجت مروة من عيادة الطبيب. "إيه الأخبار يا مروة؟ سألتها سارة. "الحمد لله يا سارة، حاسة إني أحسن شوية." "الحمد لله." بعد عدة جلسات علاج نفسي، بدأت مروة تشعر بتحسن كبير. "يا دكتور، أنا حاسة إني بقيت أحسن بكتير." "الحمد لله يا آنسة مروة، ده بفضل إرادتك وعزيمتك." "ربنا يخليك يا دكتور."
بعد انتهاء العلاج، عادت مروة إلى حياتها الطبيعية. كانت أكثر قوة وثقة بالنفس. "يا ماما، أنا بقيت أحسن بكتير." قالتها مروة لأمها. "الحمد لله يا بنتي، أنا كنت خايفة عليكي أوي." "متقلقيش يا ماما، أنا كويسة." عادت مروة إلى دراستها، وتفوقت فيها. "ألف مبروك يا مروة، نجحتي بامتياز." قالتها سارة. "الله يبارك فيكي يا سارة." "أنا فخورة بيكي أوي يا مروة." "ربنا يخليكي ليا يا سارة." تخرجت مروة من الجامعة، وعملت في مجال تخصصها.
"يا بابا، أنا بقيت مهندسة." "ألف مبروك يا بنتي، أنا فخور بيكي أوي." "ربنا يخليك ليا يا بابا." تزوجت مروة من شاب تحبه، وأنجبت أطفالًا. عاشت حياة سعيدة ومليئة بالنجاح. "يا سارة، أنا سعيدة أوي." "الحمد لله يا مروة، تستاهلي كل خير." "ربنا يخليكي ليا يا سارة." عاشت مروة حياة مليئة بالحب والسعادة والنجاح. كانت مثالًا يحتذى به في القوة والعزيمة والإصرار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!