الفصل 24 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
24
كلمة
1,509
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 75%
حجم الخط: 18

الفصل الرابع والعشرون يونس كلمة السر التي تفتح جميع الخزائن.. هي كلمة الحب... تجمدت يداه عليها، تخشب جسده وبدت على ملامحه الغموض وكأنها قالت طلاسم يعجز عقله عن ترجمتها، بينما هي ظلت تحتضنه وتبكي. أخيرًا استعادت عضلاته القدرة على الحركة، أبعدها عنه وقد ارتفع وجيب قلبه وكأنه يخشى أن ما قالته خيال. ازدرد ريقه بصعوبة ثم قال بخفوت: -أنتي قولتي إيه؟ أزالت عبراتها بيدها وقالت بابتسامة خجولة: -قولت بحبك...

أغمض عينيه وأخذ شهيقًا عميقًا وكأنه يستنشق الكلمة التي لم تمر عبر مسامعه فقط، بل وحفرت في فؤاده، ووشمت على جسده كله. كلمة طالت نفسه إلى سماعها وكأنها الترياق. جذبها مرة أخرى في أحضانه بقوة والتفت يداه حولها حتى كادت تعتصرها، دفن رأسه في خصلاتها وقال بتأوه: -اااه.. وأخيرًا قولتيها.. أخيرًا حسيتي بيا. ابتسمت وقالت: -اتأخرت عارفة.. بس مكنش ينفع ما أقولهاش...

والتفت يدها حوله تضع رأسها على صدره، وابتسامتها العاشقة تحولت لأخرى خجولة، وهي تستشعر قبلته على أذنها، رقيقة مثلها، وجامحة كمشاعرها، ثم همس في أذنها بسأم: -أعمل فيكي إيه دلوقتي! أحلف ما أسيبك ونموت سوا، ولا أسيبك تروحي وأشتاقلك؟! ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: -أنا مش عاوزة أشوفه يا يونس.. خايفة! خائفة.. كان وقع الكلمة مرعبًا على مسامعه. أتخاف وقد كُتب لحبهما الحياة! أتخاف وقد وعدها الحماية!

أتخاف وهي تقول أنه الأمان والحصن! ألا تعلم الأميرة أنها ستحتجز في ذلك البرج المحصن، ذاك البرج الذي لن يتخطاه الأعداء... تنهد عدة مرات ثم أبعدها عنه وقال بجدية: -اسمعي.. قولتلك متخافيش طول ما أنا معاكي. هزت رأسها بنفي وهتفت باعتراض: -بس أنت مش معايا. أحاط وجهها بيديه وتشدق بحب: -لأ معاكي وفي قلبك... كاد أن يكمل ولكن قاطعه محمد قائلًا بنفاذ صبر: -يونس.. التأخير مش في صالحنا.. هنتكشف.

نظر له يونس وأومأ برأسه، ثم عاد ينظر لها وقبل طرف أنفها وقال بتنهيدة حارة: -كل اللي عاوزك تعمليه.. إنك تمثلي عليه.. أنتي متعرفيش حاجة. -مش هعرف. -لأ هتعرفي.. عشانك.. عشان ما يقربش منك.. سمعاني! أومأت برأسها ولا تزال عبراتها تجري، أزال هو تلك اللآلئ بإبهاميه، ثم أبعد يده وأخرج من جيب بنطاله حلقة نحاسية لفت فوق بعضها عدة مرات بصورة متتالية لتكون حلقة عريضة. أمسك يدها اليمنى ووضع ببُنصُرها تلك الحلقة وقال بمرح:

-هو المفروض أطلب إيدك بخاتم ألماس.. بس دا المتاح حاليًا... امتزجت عبراتها بضحكات على عرض الزواج الغريب، لتقول بابتسامة وهي تتأمل تلك الحلقة: -يعني المفروض أنك بتطلبني الجواز! أومأ برأسه بقوة، لتعود وتضحك بقوة، ثم قالت بسعادة: -أنا موافقة.. موافقة. تهللت أسارير يونس ما أن نطقت "موافقة"، كاد يقفز كالمجنون فرحًا بموافقتها، ولكنه أحجم جنونه حاليًا، ليرفع يُمناها مقبلًا بنصُرها فوق الحلقة النحاسية مباشرة برقة ورقي...

وضعت هي يدها على لحيته شبه الطويلة ثم قالت برجاء: -ارجعلي بسرعة. هتف بابتسامة: -هرجعلك أسرع مما تتخيلي.. هرجعلك وهاخدك في حضني قدام كل الناس.. اقتربت ببطء وقبلت وجنته بخجل، ثم هتفت بصوت شبه متلعثم: -هسـ.. هستناك توفي بوعدك.. دا وعد الحر دين. ابتسم بعذوبة ثم تشدق: -دا لما يبقى حر.. مش محبوس بين جدران حبك... وقبلة أخرى على الجبين ثم دفعها إلى الطائرة، نظر إلى محمد وقال بصرامة: -تخلي عدي يسلمها لأهلها... -تمام..

وتحرك محمد من أجل الإقلاع بالطائرة، وقف أمام الباب وظل ينظر لها من خلفه، تحركت شفتاه وهو يصرخ بجنون ما أن بدأت الطائرة بالصعود: -بحبك... ************************************** وعلى الجانب الآخر ما أن تلقى من صديقه تحركه بها، إلا وقد اتصل بعز، ليأتيه صوته البغيض: -هااا! هتف عدي من بين أسنانه: -حصل.. وبتول كمان حداشر ساعة وهتكون في مصر... اتسعت ابتسامة عز وقال: -حلو أوي... هدر عدي بصوته الجهوري: -وأبويا؟

صمت عز الدين عدة لحظات ليسري التوتر في جسد عدي، إلا أنه قال في الأخير بنبرة باردة: -تقدر كمان ساعتين ونص توصله بيتكم... قبض عدي على يده بغل بائن ثم تشدق من بين أسنانه بوعيد: -نهايتك هتكون على إيد ولاد العقيد رفعت... -سلام... قالها عز الدين بلا مبالاة وأغلق الهاتف، وضعه بجانبه على الأريكة الخلفية، ثم أمر سائقه بجفاء: -اطلع على بيت الدكتور إسماعيل. -حاضر يا عز بيه... وانطلقت السيارة في اتجاه المنزل...

**************************************** كان المنزل يسوده حالة من الركود، وكأن الطقس أصبح غائم والسماء تمطر بغزارة، خمول شديد حل على أصحاب المنزل منذ اختفائها. والدتها تضع صورتها بأحضانها وتبكي، ووالدها لم يترك أحدًا من معارفه ولم يطلب منه المساعدة، أخيها الذي استطالت لحيته وقد بدأ يصيبه اليأس، فقد لذة الحياة مع فقدها...

صوت طرقات على باب المنزل نبأت إسماعيل الذي نهض بفتور من مقعده ليتجه ناحية الباب، فتحه ليجد عز يقف أمامه، فهتف بذهول: -عز! -تسمحلي أدخل يا عمي! تجهم وجه إسماعيل بشدة فهو لم ينس أن ما حدث كان هو السبب الرئيسي به، ابتعد قليلًا ليترك له المساحة ثم قال باقتضاب: -اتفضل... دلف عز الدين ولم يتعجب من حالة التهجم التي أصابته، فهو يعلم أنهم يلوموه على ما أصاب ابنتهم، دلفت بدرية خارج الغرفة وهي تتساءل بفتور: -مين يا أبو...

وانقطعت جملتها ما أن رأته أمامها، تطاير من عينيها الشرر انطلقت في اتجاهه كقاذفة صاروخية وهي تهدر بعنف: -وليك عين تيجي هنا.. جاي بعد أما بنتي راحت. قالتها وقد أتبعها نشيج، أمسكته بتلابيبه وظلت تهزه بقوة وبحرقة قلب أم على فلذتها قالت: -ضيعت بنتي منك لله.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. بنتي ضاعت.. بنتي ضاعت مني.

قالتها بتحسر، أما عز فبقى جامدًا لا يتحرك، يعلم أنه يستحق فهو من أوقعها في تلك المعضلة، أسرع إسماعيل يبعدها عنه وهو يقول بحدة: -بس يا أم إسلام.. مش أصول.. الراجل في بيتنا. كادت أن تتحدث ولكنه أشار بيده لتصمت، ولكنها لم تكف عن حدجه بنظرات مشتعلة، التفت إليه إسماعيل وقال: -اتفضل. دلف عز ولم يؤثر به ما حدث، فقط محبوبته ستأتي وتكون بأحضانه بعد عدة ساعات، جلس في الصالون ومعه بدرية وإسماعيل.

وعلى إثر الجلبة الخارجية خرج إسلام، وما أن لمحه هو الآخر حتى ارتسمت معالم الشراسة على وجهه، كاد أن يتهجم عليه ضربًا ولكن والده أمسكه من معصمه وتشدق بصرامة وحزم: -الراجل جاي يقول كلمتين هنسمعهم وهيتكل على الله.. لو هتقل أدبك يبقى تخش أوضتك.. هتف إسلام باعتراض: -بس يا بابا... قاطعه والده: -بلا بس ولا مبسش.. أنا قولت كلمة. وعلى مضض جلس إسلام وهو الآخر يحدجه بنظرات حارقة، قابل عز كل هذا ببرود، ليبدأ إسماعيل الحديث:

-جاي ليه يا عز! تنحنح عز وقال: -أنا عارف أنكوا مش طايقني لأني السبب في اختفاء بتول. حدجه إسلام بسخرية وقال: -وهو أنا شوفنا خلقة حضرتك من ساعة أما اتخطفت.. حدجه إسماعيل بتحذير ليصمت إسلام على مضض، تجاهل عز الدين ما قاله واستطرد حديثه: -أنا عاهدت نفسي إني أحميها.. بس فشلت مرة.. وندمان.. بس والله ما سكت أبدًا.. أنا عملت اللي عليا كله عشان أرجعها... ابتسم بحبور ثم تابع: -وعشان كدا هي هتكون هنا كمان كام ساعة...

صدمة ألجمت الجميع، ربما صعقت أبدانهم مما قال فشلت أعضاؤهم وعضلاتهم عن الاستجابة لأي مؤثر، كان أول من تحدث هو إسماعيل وهو يهتف بعدم تصديق: -أنت بتقول إيه! -أيوة يا عمي بتول هترجع النهاردة. انتفضت بدرية تسأله بسعادة ممزوجة بخوف: -يعني أنا هحضن بنتي كمان كام ساعة! طب هي كويسة! ما حصلهاش حاجة صح! وبالرغم من جهله إلا أنه أومأ بنعم لتتهلل أسارير الجميع بفرحة جعلت إسماعيل يسجد لله شكرًا، لتضم بدرية يدها

إلى صدرها قائلة ببكاء: -الحمد لله يا رب.. بنتي هترجع. احتضنها إسلام وهو يبكي بسعادة ثم قال: -بتول هتنام في حضننا يا ماما. ربتت على ظهره واختلط صوت شكرها لله مع بكائها، احتضنهم إسماعيل ولسان حاله لا يتوقف عن الشكر وذكر الله، أخذت بدرية تثرثر بما ستفعله ما أن تعود ابنتها... تركهم عز ورحل، ليدلف خارج المنزل وهو يبتسم بسعادة، ساعات فقط وتعود بتول إلى أحضانه، رفع حلقته الفضية وقبلها بحب، ليهمس بإصرار:

-أول أما ترجعي هنتجوز يا قلب عز... *************************************** وعلى الجانب الآخر ما أن اختفت الطائرة حتى جلس يونس على الأرض يضع رأسه بين يديه وابتسامته لا تغادر شفتيه، ظلت كلمتها "بحبك" تتردد في أذنيه مرات لا يعلم عددها... تمدد على الأرض واضعًا يده خلف رأسه وقال بحزن رصع بالسعادة: -وحشتيني من دلوقتي يا بنت السلطان... وظل عقله يعمل، كيف سيكون اللقاء بعدما ينهي عمله هنا!

بالطبع الاشتياق سيكون سيد الموقف، ليعود ويبتسم وكلمتها تتردد في أذنه... وعلى بعد أمتار عديدة، كان أحدهم يراقب ما يحدث بابتسامة خبيثة، رفع هاتفه واتصل بعز الدين: -أيوة.. كل حاجة حصلت.. وخطيبتك مشت. ابتسم عز الدين بظفر وقال: -منا عارف.. أخوه قالي. حك سيف ذقنه وقال: -طب هنعمل إيه! ... التفت إلى تلك التي تتطلع إلى يونس بهيام، ليضحك بسخرية، ثم عاد يسأل عز الدين الذي طال صمته: -ما ترد! وأتاه صوت عز الدين الخالي من الحياة

بنبرة تحمل عداء قال: -أقتل يونس... -يونس: أنا أسف يا ندى، مقدرتش أتصرف غير كده. أنا غلطت إني وافقت على الخطوبة من الأساس، بس وقتها كنت فاكر إني هقدر، بس لا، مقدرتش. -ندى: أنت ليه عملت كده؟ ليه وافقت على الخطوبة من الأول طالما مش عايزني؟ ليه لعبت بمشاعري؟ -يونس: أنا متجوز يا ندى، وعندي بنت. -ندى: إيه! أنت بتقول إيه؟ متجوز! إزاي تخطبني وأنت متجوز؟

-يونس: أنا عارف إني غلطت، بس أنا حكيت لأبوكي كل حاجة قبل الخطوبة، وهو اللي وافق. -ندى: بابا! بابا وافق! ليه؟ ليه يعمل فيا كده؟ -يونس: أنا آسف يا ندى، أنا آسف بجد. -ندى: أسف على إيه؟ على إنك دمرت حياتي؟ على إنك كسرت قلبي؟ -يونس: أنا هطلقك يا ندى. -ندى: تطلقني! بمنتهى السهولة دي؟ بعد ما خليتني أتعلق بيك؟ -يونس: أنا مش عايز أعيش معاكي وأنا مش بحبك. -ندى: أنت كداب! أنت كداب يا يونس! أنت عمرك ما حبيتني!

-يونس: أنا آسف يا ندى. "تركت ندى يونس وخرجت من المكتب وهي تبكي. ذهبت إلى والدها الذي كان ينتظرها في الخارج. -ندى: بابا، أنت إزاي توافق إنه يخطبني وهو متجوز؟ -الأب: أنا كنت فاكر إنه هيسعدك يا بنتي. -ندى: يسعدني إزاي وهو متجوز؟ أنت عارف إني كنت بحبه. -الأب: أنا آسف يا بنتي، أنا آسف. "احتضنت ندى والدها وبكت بشدة. -ندى: أنا مش عايزة أعيش تاني يا بابا. -الأب: متقوليش كده يا بنتي. ربنا هيعوضك خير.

"مرت الأيام وندى تعيش في حزن شديد. يونس طلقها، وهي لم تستطع نسيانه. "في يوم من الأيام، زارت ندى صديقتها سارة. -سارة: إزيك يا ندى؟ عاملة إيه؟ -ندى: مش كويسة يا سارة. -سارة: لسه بتفكري فيه؟ -ندى: مش قادرة أنساه يا سارة. -سارة: ربنا هيعوضك يا حبيبتي. "بعد مرور عدة أشهر، بدأت ندى تستعيد عافيتها تدريجيًا. قررت أن تبدأ حياة جديدة.

"في يوم من الأيام، بينما كانت ندى تتجول في أحد الأسواق، رأت يونس مع زوجته وابنته. شعرت بألم شديد في قلبها، لكنها قررت أن تتجاهله وتستمر في طريقها. "بعد مرور عدة سنوات، تزوجت ندى من رجل صالح أحبها وأسعدها. أنجبت منه طفلين، وعاشت حياة سعيدة. "أما يونس، فقد عاش حياة تعيسة مع زوجته التي لم يحبها قط. ندم على ما فعله بندى، لكن الأوان كان قد فات. "العبرة من القصة: لا تلعب بمشاعر الآخرين، فكما تدين تدان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...