الفصل 17 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
25
كلمة
2,749
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

الفصل السابع عشر يونس الحب هو تلك اللحظة التي يحس بها المرء بأنه انسَلَخ عن العالم، ليعيش وحده مع الحبيب في عالم بُني من الكلمات، وصُنع من أحاسيس، ورُصِّع بالأضواء. أزاحها بعيدًا عنه دون استيعاب لما قالته بهمس، أمسك وجهها بين راحتيه ثم تشدَّق بعذوبة: -كلنا بنغلط، كلنا بنغلط وبنتعلم، بس في حالتك أنتِ ما غلطتيش، أنتِ وثقتي يا بتول. تنهدت بتعب ثم قالت بحزن: -بس أنا وثقت في واحد مش بني آدم أصلًا. تحدث بصلابة مُصطنعة:

-خلاص بقى، ارمي وراء ضهرك عشان تعرفي تعيشي. هزت رأسها ببطء وهي تتنهد بحزن، حاول يونس تلطيف الأجواء فهتف بمرح: -وبعدين يلا الأكل اللي تعبت فيه هيبرد. ردت عليه بفتور: -مليش نفس. جذبها من يدها دون الالتفات إلى اعتراضها، وأجلسها بالخارج ثم تركها واتجه مرة أخرى إلى المطبخ، وبعد مدة عاد ومعه صحنان متوسطان العمق وجلس أمامها، مد يده بالصحن الخاص بها وهتف بصرامة دون أن يلتفت لها: -الطبق ده كله يخلص، ومن غير اعتراض.

ردت باستسلام: -طيب. وشرعت في تناول الطعام دون شهية، كان يونس يتابعها من طرف عيناه آسفًا لما آلت إليه الأمور، زفر بضيق وألقى بملعقته داخل الصحن بقوة جعلتها تعقد ما بين حاجبيها بتعجب، لتسمعه يصيح بها بحدة: -بتووول، كلي أحسن لك وشيلي أي هاجس من دماغك. هتفت بحدة: -أنا.. آآآ. قاطعها وهو يشير بكف يده ثم أكمل بشراسة: -فكرك أنا مش عارف بتفكري في إيه؟! ترك صحنه ثم وضعه على الطاولة الخشبية أمامه، ثم التفت

إليها وقال بجدية وحزم: -بصي يا بنتي، أنا عارف إن اللي عرفتيه مفيش حد يقدر يتحمله بس إحنا في وضع ما يسمحلناش إننا نحط إيدينا على خدنا زي المطلقين ونندب حظنا. صمت يستشف نظراتها المنكسرة، ليزفر بضيق وغضب حارق، ألا تعلم أن تلك النظرات تحرقه! تبعث في نفسه شعورًا بأن يقتل كل من يؤذيها ويُظهر تلك النظرات التي يمقتها! أخفض نظراته يُخفي ذاك الغضب الممزوج بالحزن، ثم رفعها مرة أخرى وقد تحوّلت نظراته إلى الصلابة، ثم

هتف بنبرة توازيها صلابة: -اسمعيني كويس، أنتِ لما رميتي نفسك في حضني وقلتِ هتيجي معايا وأنتِ عارفة هنقابل إيه، خليتيني أحس أنك تقدري تساعديني، قلت أنها هتقدر تكون قوية، وده اللي شوفته في الواحات. نظرت إلى بحر عيناه بعمق تبحث عن صدق كلماته ولكنها لم تكن بحاجة، فحقًا من ينظر إليه الآن يرى نظراته العاشقة بوضوح، أكمل هو حديثه بجدية زائفة:

-لو هتقعي في نص الطريق، لأ يبقى مع السلامة هنزلك مصر، أنا عايز لما ما أقدرش أحمي نفسي، ألاقيكي موجودة تحميني. أغمضت عيناها لبرهة ثم فتحتهما مرة أخرى، كانت عيناها مزيجًا من العزم الذي شابه الانكسار، هتفت بنبرة تكاد تكون قوية: -عشان خاطرك هحاول. انفرجت أساريره بشدة وارتفع وجيب قلبه بحماس ليرد عليها بابتسامة: -يلا بقى ناكل، ده أنا أول مرة أعمل أكل لواحدة. أمالت رأسها إلى اليمين قليلًا ثم سألته بتعجب: -أول مرة؟!

أول مرة؟! أومأ برأسه وقال بنفس الابتسامة: -أول مرة، أول مرة. -يعني ما حبتش قبل كده؟! هز رأسه نافيًا، ليجذب يدها ويُقبل باطن كفها برقة أسرَت في جسدها رجفة عنيفة جعلت مشاعرها تتأرجح في دوامة قربه الذي يبعث في نفسها إنذارات تُنبئها أنه يُشكل خطرًا عليها، بينما يونس أكمل حديثه وذلك اللئيم يعلم ما يحدث في نفسها: -لأ، أنتِ أول واحدة قلبي دقلها. *** -ألو.. أيوه يا سيف! رد عليها سيف بهدوء: -انزلي يا روضة، عاوزك شوية.

سألته بتوجس خفيف: -خير في حاجة؟! ابتسم وقال بحب: -لأ مفيش، بس وحشتيني وعاوز أتكلم معاكي. أغمضت عيناها بغضب، منذ قليل كانت في أعلى درجات سعادتها، والآن تدحرجت على درج الواقع، همست من بين أسنانها: -حاضر يا سيف، بس مش هينفع أتأخر. -وأنا مش هأخرك. -تمام.

ثم أغلقت هاتفها وشرعت في ارتداء ثيابها المكونة من كنزة ذات لون قرمزي وأسفلها بنطال أسود من القماش، خُصلاها عكسَتها على هيئة جديلة فرنسية وضعتها على منكبها الأيمن، أخذت هاتفها ودلفت إلى الخارج. كان هو يجلس في سيارته يفكر في لقاء عدي، ما الذي أتى به إلى هنا؟ قطع استرسال باقي أسئلته صوت طرقات على نافذة السيارة، لتشرق على وجهه ابتسامة، ترجل من سيارته ووقف أمامها، جذب يدها وقبل ظاهر كفها ثم قال بغزل: -كل مدى بتحلوي.

ابتسمت باصفرار وقالت: -مرسيه، مش يلا عشان وقفتي كده غلط. أومأ رأسه بطاعة وقال: -طيب يا ستي، يلا. صعدت إلى السيارة، رغم بُغضها مما يحدث وأنها تمقته، ولكن لا يحب إثارة الشكوك حولها، ستستمر بما تقوم به من أجل والدتها وعدي وقبلهم نفسها التي ضاعت في المنتصف. وبعد مدة وصلا أمام مطعم فاخر، ترجلا من السيارة واستدار سيف ناحيتها ثم أمسك يدها، فتساءلت بتعجب: -أول مرة نيجي مكان زي ده، شكله غالي. -مفيش حاجة تغلى عليكي يا روحي.

أغمضت عيناها في محاولة لكبت غضبها، ونجحت بصعوبة في ذلك، وقبل أن يخطو بقدمه إلى الداخل أوقفته بكلماتها الجافة: -ما تفكرش أنك كده هتنسيني اللي عرفته، لأ ده قرف ما أقدرش أنساه. اغتصب ابتسامة على شفتاه وقال: -مش القصد يا روضة، أنا بس آآآ.. قاطعته بجمود: -خلاص يا سيف، صدقني أنا مش قادرة أستوعب اللي حكيته، ويلا ندخل عشان ما أتأخرش.

وسحبت يدها منه ودلفت أمامه، كان سيف يعض على شفتيه بغيظ وغضب، ظل يلعن غباءه الذي قاده إلى تلك الحالة التي وصل بها إليها، هي مُحقة لا ينكر ذلك ولكنه يعشقها، ألا تستطيع أن تكون هيّنة معه! *** بعد أن تفحص العديد من الأوراق، وبعد وقتٍ طويل من العمل، استطاع التوصل إلى أكثر الأمور أمنًا وأصعبها سهولة، ترك بعض الأوراق من يده ثم رفع سماعة الهاتف، ضغط عدة أزرار ثم قال باقتضاب: -خلي الرائد يجي مكتبي.

ثم أغلق الهاتف، أراح رأسه على ظهر المقعد وأخذ أنفاسًا عديدة، بعد دقائق دلف محمد الذي هتف بتعجب: -خير يا عدي! أشار إليه عدي ثم قال: -تعالى بس اقعد. تقدم محمد من مكتبه وجلس على المقعد المقابل لعدي، الذي استطرد حديثه: -دلوقتي يونس يعتبر اتكشف، ولازم يسافر بره السويد. ارتفع حاجبا محمد بدهشة وتشدق: -بالسرعة دي! طب هتعمل إيه؟ شابك عدي أصابعه ثم وضعهم على المكتب وتشدق بجدية:

-هقولك، دلوقتي لازم ندبر له طيارة يسافر بها ألاسكا، تعرف تدبر لي واحدة؟ حك صدغه مفكرًا ثم قال: -هو فيه، بس من غير طيار. أشاح عدي بيده وقال بلهفة: -وهو ده اللي عاوزه. عقد صديقه حاجبيه بعدم فهم ليوضح له عدي قائلًا: -هفهمك، أنا عاوز الموضوع يتم بعيد أصلًا عن أي حد، موضوع سفره ما يعرفوش غيري وأنت والعقيد سعد، ومفيش حد رابع. هز رأسه متفهمًا ولكنه تساءل: -طيب دي وفهمناها، أما الطيار هنجيبه منين؟ ابتسم عدي وقال:

-ما هو أنت اللي هتسوق. ردد خلفه ببلاهة: -أنا اللي هسوق؟! -آه وليه لأ! أنت واخد دورات فيها، فليه لأ! -مش حكاية كده، أنا بقى لي كتير من ساعة أما كنت في الأكاديمية وأنا حتى ما ركبتش طيارة عادية. تنهد عدي بنفاذ صبر ثم تشدق بنبرة هادئة ولكنها حادة: -يا ابني افهم، الموضوع مش عاوز حد يعرفه كتير، أنا مش هقدر أثق غير فيك. زفر محمد بضيق ثم قال: -حاضر يا سيدي، حاجة تانية! عدي طرف ذقنه ثم قال بتريث: -آه، عارف خطيبة الكلب!

رفع منكبيه وقال: -ومين ما يعرفهاش. ضرب عدي على سطح مكتبه وقال: -حلو، عاوزك تقنع يونس بأي شكل أنها لازم ترجع مصر. اتسعت عيناه بدهشة وقال: -يعني هي معاه؟! زفر عدي بحرارة وقال: -أيوه يا سيدي، معاه من ساعة أما سافر، ولازم ترجع عشان وجوده اتكشف والوضع مش آمن خالص وهي هتروح في النص. غمزه محمد بمكر وقال: -إيه خايف عليها يا برنس! أشاح بيده وقال بنبرة غير مكترثة:

-أخاف على مين، هي بس تهم يونس وعشان خاطره لازم أحميها وأحميه قبلها. ابتسم محمد وقال: -ماشي يا عم، أنا تحت أمرك أنت وأخوك. -تسلم يا صاحبي. نهض محمد ثم قال بجدية: -هروح أنا عشان أظبط حكاية الطيارة، والخروج من مصر من غير أما نعمل مشاكل، الموضوع ممكن ياخد يوم كده، المفروض أتحرك إمتى؟ -مش أكتر من كده، حياتهم مهددة في أي وقت. رد عليه محمد بعزم: -خلاص تمام، وأنا لو عرفت أخلص قبل كده هبلغك.

ولم ينتظر رده ودلف إلى الخارج لكي يقوم بتلك الأمور، أراح عدي رأسه إلى الخلف وابتسم بسعادة فصاحبه محمد يُعد نعم الصديق، لم يخذله مرة بحياته، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال: -كده أنا لازم أفضي لعز الكلب ده، أما أشوف هيعملوا إيه. *** ابتعدت عنه سريعًا، عن عيناه التي تأسرانها، عن لمساته الشقية التي تُلملم شظايا روحها المُفتتة، عن صوته العذب كالسّلسَبيل، نهضت بتوتر ثم قالت بنبرة مُتلعثمة:

-آآ.. أنا.. أحم.. هروح أعمل.. شا..ي.. أعملك! ابتسم من جانب فمه وقال: -اعملي لي، عاوز أدوق الشاي من إيدك يا بنت السلطان. تحركت بخطى متعثرة سريعة بعض الشيء، تزفر بضيق ومن ثم همست: -هو إيه اللي عمّال يقوله ده! ما يبطل يلعب بيا كده. ودلفت إلى المطبخ تحت نظراته المستمتعة، عاد قلبه ينبض بحماس أنها ستكون له، سيأسرها كما أسرته، سيجعل حبه يغزو كل أنش بها كما غزته، يعلم أن الطريق طويل، أو ربما قصير وهي أمامه وبين يديه.

نهض خلفها بخفة رجل مخابرات، ثم دلف إلى المطبخ، سمعها تتأفف لأكثر من مرة وهو يحاول كبح ضحكاته، كانت تبحث عن السكر، تفتح ذاك وتغلق هذا ومعهما تُطلق السباب، همهمت مع نفسها بتذمر: -يعني أنا لقيت كل حاجة ما عدا السكر! وبعدين إيه البيت العجيب ده!! اقترب خلفها بهدوء ثم همس بجانب أذنها بعبث: -وماله البيت العجيب ده!

صرخت بجزع، التفتت إليه وكادت أن تقع، إلا أن يداه الصلبة حالت دون ذلك، إذ قبض على ذراعيها يجذبها بخفة إلى الأمام، لتقف على بعد ملليمترات منه، ثم قال بمرح: -اسم الله عليكي. عقدت ما بين حاجبيها بغضب ثم نهرته بحدة: -ينفع كده! إبقى اعمل صوت وأنت داخل، ولا قول أحم ولا دستور. رفع حاجبيه بصدمة: -أحم ولا دستور! أنتِ منين! ازدادت عقدة حاجبيها بغضب، ليقول هو بمزاح: -وبعدين أنا عملت صوت وأنتِ عمّالة تشتمي وما أخدتيش بالك مني.

أشارت بسبابتها بتحذير ثم قالت: -عيب كده، ما تكدبش عشان الكذاب بيروح النار. هم أن يتحدث ولكنها قاطعته قائلة: -أنا بسمع كويس حتى شوف. ابتعد عنها بذهول: -أشوف إيه يا منيلة! يلا يا بت اعملي الشاي. عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت: -مفيش سكر. استدار خلفه واقترب من تلك الطاولة، أمسك العلبة ثم عاد إليها رامقًا إياها شزرًا: -خدي يا أسود أعمالي.

لوت شدقها بضيق ثم جذبت منه العلبة بحدة، والتفتت تُكمل ما بدأته، بينما هو يرمقها بنظرات تسلية، ثوان وكان هاتفه الآمن يدق، أخرجه من جيب بنطاله، ليجده شقيقه، دلف خارج المطبخ والكوخ بأكمله ثم ضغط على زر الإيجاب وتشدق بتوجس: -خير يا عدي فيه حاجة! رد عليه عدي بجدية: -يونس أنت لازم تسيب السويد فورًا، كشفوك. أغمض يونس عيناه ثم مسح على خصلاته بعصبية، وقال بحدة: -قدامي قد إيه! زفر عدي بضيق وقال:

-مش كتير، بس لازم تتحرك من البيت اللي أنت فيه دلوقتي وتروح أي بيت تاني، بس بعيد عن المنطقة. -ومين اللي هيخفي البيت! أجابه عدي بهدوء: -العقيد سعد هيتصرف، أما دلوقتي لازم تمشي من عندك. حدث ما كان يخشاه، تم اكتشافهم بسهولة، كان يعلم أنها ستمثل خطرًا كبيرًا على قلبه قبل نفسه، أخذ نفسًا عميقًا يطرد تلك الهواجس ثم قال: -طيب هروح فين؟ -حاليًا هتروح من السويد على ألاسكا، ده آمن مكان عرفت أوفره. -والمشترين؟!

أجابه بنفس النبرة الهادئة: -هنتصرف ما تقلقش، أهم حاجة تخرجوا بخير من السويد الأول وبعدين نتكلم في الموضوع ده. وضع يونس يده في خصره بعصبية وهو يستمع إلى حديث شقيقه: -هبعتلك محمد كمان أربعة وعشرين ساعة كحد أقصى وهقولك قبلها على المكان المناسب. استدار يونس ليجدها تقف خلفه تُحدق به بتساؤل، ليقول على عجالة: -طيب يا عدي، اتصرف وطمني، سلام دلوقتي. ثم أغلق الهاتف واتجه إليها، فعاجلته بسؤالها القلق: -في إيه يا يونس! أمسك يدها

يجرها خلفه إلى داخل الكوخ: -لازم نمشي من هنا حالًا. *** دلف سيف خارج المطعم يتأفف بضيق، فهو كان يعمل على كسر ذاك الحاجز الذي بُني بينهم ولكنها كانت تُعامله بجفاء مخيف، صعدت السيارة وهو كذلك، أدار المحرك ثم قال بغيظ: -يعني لسه زعلانة! رمقته بغضب ثم قالت: -أنت ما سرقتش مني عشرة جنيه عشان تقولي لسه زعلانة، سيف أنا مش طايقة أتكلم عن الموضوع ده، اقفل السيرة أحسن.

وأدارت رأسها ناحية النافذة تاركة إياه وعقله يكاد ينفجر من الغضب والإحباط معًا. صدح صوت هاتفه ليجد عز الدين هو المتصل، تأفف عدة مرات، جعلتها تلتف إليه بتعجب، وضع الهاتف على أذنه ثم تشدق بفتور: -عاوز إيه! أتاه صوت عز الغاضب: -حالًا يا سيف تكون عندي، حالًا. عقد ما بين حاجبيه وتساءل بثقل: -خير! صرخ عز الدين بعصبية: -مش خير، فيه إن يونس الـ*** ده في ستوكهولم، ولازم نلحقه قبل ما يختفي.

ارتفع حاجبيه بدهشة واستدار برأسه إلى روضة التي طالعته باستفهام، ليُكمل هو حديثه بتساؤل: -عرفت منين! أجابه الآخر بنفاذ صبر: -مش مهم عرفت منين، لازم تيجي دلوقتي، خلينا نتهبب نلحقه. أخرج سيف زفيرًا من فمه وقال: -طيب، هوصل روضة وأجيلك. -يووووه... ما تتأخرش. ثم أغلق الهاتف في وجهه، قذف سيف الهاتف بعصبية، تابعته روضة بفضول ولكنها آثرت الصمت حتى لا تُثير شكه، التفت إليها ثم قال باعتذار:

-معلش يا روضة، هضطر أنزلك هنا عشان رايح لعز. هزت رأسها بلا مبالاة وقالت: -عادي، هاخد تاكس وأروح. ثم أكملت بتساؤل: -هو فيه حاجة! صف سيارته بجانب أحد الأرصفة ثم قال بفتور: -عز عرف يونس فين، وهنسافر دلوقتي. شحب وجهها واتسعت عيناها دهشة، ابتلعت ريقها بتوتر ثم سألته بنبرة ثابتة نسبيًا: -طب وهتعملوا إيه! رد عليها بشيءٍ من البرود: -يا هنقتله، يا عز هيتصرف معاه. -أنتوا عصابة.

قالتها بعدم تصديق ثم ترجلت من السيارة مسرعة، ولحسن حظها وجدت سيارة أجرة فارغة، أشارت لها ثم استقلتها، لم تنظر في أثره ولم تُعقب. أخرجت هاتفها ثم هاتفت عدي بصوتٍ خفيض فقد تعلمت منه ألا تثق بأحدٍ بتاتًا، ثوان وأتاها صوته العميق: -أيوه يا حبيبتي خير! همست روضة بخوف: -مصيبة يا عدي. انتفض عدي من مجلسه وتساءل بقلق: -في إيه فهميني! -عز عرف مكان يونس، وأخد سيف وهيسافروا دلوقتي. ***

تركها في منتصف الصالة وأخذ يُلملم حاجياته، وهي تقف تُتابعه بأعين خائفة، وقف أمامها ثم أعطاها حقيبةً ما وقال: -غيري هدومك دي بالهدوم دي عشان لو جرينا، وهتلاقي فيها كوتشي، يلا مستنيكي بره.

ولم ينتظر حديثها ودلف إلى الخارج، كانت تنظر إلى الحقيبة تارة وإليه تارة، هزت منكبيها بقلة حيلة ثم شرعت في ارتداء ثيابها، والتي كانت عبارة عن كنزة طويلة تصل إلى بداية فخذها من اللون الرمادي الداكن وبنطال رياضي أسود، وارتدت الحذاء الرياضي، ثم خرجت إليه وقالت: -أنا جاهزة. كان هو الآخر انتهى من ارتداء ملابسه التي شابهتها، تقدم منها ثم قال بجدية: -ناسيه حاجة؟ هزت رأسها بلا وقالت: -ده أنا حتى جبت فستاني. -كويس، يلا.

ثم جذبها من يدها وتحركا وسط الأشجار بخفة ومهارة، كانت تتبعه بسكون، ظلا أكثر من ساعتين يسيران حتى قالت وهي تستند على ركبتيها: -خلاص نستريح شوية، أنا تعبت. أومأ برأسه وقال: -طيب بس مش أكتر من عشر دقايق. هزت رأسها بموافقة ثم جلست على صخرةٍ ما، وجلس هو بجانبها تشدقت هي لكسر هذا الصمت: -هو إحنا سبنا البيت ده ليه! إحنا ما كملناش يوم. زفر هو بضيق: -وجودي اتكشف ولازم نتحرك بسرعة. نظرت له بعدم فهم، ليوضح لها قائلًا:

-بعد اللي حصل في الحفلة أظن أنهم كشفوني. نظرت بتول إلى الفراغ بعض الوقت ثم هتفت بشرود: -مش أنت اللي اتكشفت. نظر لها بعدم فهم: -يعني إيه!! ابتلعت ريقها بصعوبة ثم قالت: -لما.. اللي اسمه سام ده أخدني الأوضة، قالي.. قالي.. أن عز محظوظ بيا. انتفض يونس بقوة وتشدق بغضب: -أنتِ بتقولي إيه! أدمعت عيناها وقالت بنشيج: -قالي أنه يعرف عز.. مش سام ده واحد مش كويس!!

سباب لاذع خرج من بين شفتيه وأخذ يزفر بغضب، جلس بجانبها مرة أخرى وأمسك يدها، ثم هتف بنبرة حادة: -خلاص يا بتول ما تعيطيش، أكيد عز عرف أنتِ فين دلوقتي. رفعت عيناها إليه بصدمة وقد ارتفع وجيب قلبها برعب، شهقة عنيفة خرجت منها وهي تهتف بيونس: -هو.. هو هيجي ياخدني!!

انطلقت من عيناه شرارات غاضبة، كور قبضته بحنق حتى برزت عروقه، بينما هي لم تتوقف عن البكاء، نظر إليها ليجد جسدها يرتعش بقوة والتي لم تكن تلك الارتجافة إلا ومصدرها الخوف، لم ينتظر ثانية أخرى وجذبها في عناق حنون يهدئ روحها الملتاعة، ثم قال بنبرة تحمل العزم: -مش هسمح له يلمس منك شعرة، مش هسمح له ياخدك مني. لفت يدها حوله وقالت ببكاء: -ما تسيبنيش يا يونس، أنا خايفة أوي، خايفة منه أوي. مسّد على خصلاتها بحنو وهتف بدفء:

-مش هسيبك، أنا روحي اتعلقت بيكي. وصل قدام باب شقة يونس، وفتح الباب ودخل وهو بيقول: "يا أهل الدار.. يا أهل الدار". رد عليه يونس من جوه: "تعالى يا حازم، أنا هنا". دخل حازم ليونس وهو مستغرب وقعد جنبه، وقال: "ايه يا عم، مالك قاعد في الضلمة كده ليه؟ هو مفيش نور في الشقة دي ولا إيه؟ رد يونس: "النور موجود، بس أنا اللي طافيه". حازم: "وليه بقى إن شاء الله؟ يونس: "عشان عايز أقعد في الضلمة". حازم:

"وليه عايز تقعد في الضلمة يا يونس؟ يونس: "عشان بحب الضلمة". حازم باستغراب: "بتحب الضلمة! من إمتى ده إن شاء الله؟ أنت عمرك ما حبيت الضلمة، على طول بتحب النور والإضاءة العالية". يونس: "دلوقتي حبيت الضلمة، ممكن تسيبني في حالي بقى؟ حازم: "لا مش ممكن، أنا جاي عشانك، وفي حاجة مهمة عايز أقولهالك". يونس: "أنا مش عايز أسمع حاجة من أي حد، سيبني لوحدي". حازم: "اسمعني بس الأول، وبعدين اعمل اللي أنت عايزه". يونس: "مش عايز أسمع".

حازم: "اسمعني يا يونس، عشان خاطري". سكت يونس وماردش عليه، فكمل حازم كلامه، وقال: "أنا عارف إنك زعلان، وعارف إنك مكنتش متوقع اللي حصل ده، بس أنت لازم تكون أقوى من كده". يونس: "أقوى من إيه؟ من إنها تسيبني وتروح تتجوز واحد تاني؟ حازم: "يا يونس، هي حرة، ودي حياتها، أنت مالكش دعوة بيها". يونس: "ماليش دعوة بيها إزاي؟ دي كانت خطيبتي، دي كانت كل حياتي". حازم: "كانت، بس دلوقتي مبقتش، أنت لازم تتقبل الموضوع ده". يونس:

"مش قادر أتقبل، مش قادر أنساها". حازم: "أنت لازم تحاول، لازم تنسى، وتشوف حياتك". يونس: "أنا مش عايز أشوف حياتي من غيرها". حازم: "يا يونس، أنت كده بتدمر نفسك، أنت لازم تقوم، لازم ترجع يونس اللي أنا عارفه". يونس: "يونس اللي أنت عارفه مات". حازم: "لا مماتش، يونس اللي أنا عارفه قوي، يونس اللي أنا عارفه مبيستسلمش بسهولة، يونس اللي أنا عارفه بيحب الحياة". يونس: "أنا مبقتش أحب الحياة، أنا مبقتش أحب أي حاجة". حازم:

"أنت لازم ترجع تحب الحياة، لازم ترجع تحب نفسك". يونس: "أنا مش عارف أعمل أي حاجة". حازم: "أنا هساعدك، أنا جنبك، أنا مش هسيبك لوحدك". يونس: "شكراً يا حازم". حازم: "العفو يا صاحبي، أنت أخويا". فضل حازم قاعد مع يونس شوية، وبعدين قام وفتح النور، وقال ليونس: "يلا قوم، عشان نخرج ونتعشى بره". يونس: "مش عايز أخرج". حازم: "لا هتخرج، أنا مش هسيبك قاعد كده". قام يونس مع حازم، وخرجوا من الشقة، وراحوا يتعشوا في مطعم قريب.

بعد ما اتعشوا، رجعوا الشقة، وحازم فضل قاعد مع يونس شوية، وبعدين مشي. دخل يونس أوضته، ونام على السرير، وفضل يفكر في كلام حازم، وفي اللي حصل، وفي حياته اللي اتقلبت رأسًا على عقب. فضل يفكر لحد ما غلبه النوم. في صباح اليوم التالي، صحي يونس من النوم، ودخل الحمام، وغسل وشه، وبص في المراية، وشاف وشه اللي بقى شاحب، وعينيه اللي ورمت من كتر العياط. تنهد يونس تنهيدة طويلة، وخرج من الحمام، ولبس هدومه، وخرج من الشقة، وراح الشغل.

أول ما دخل الشغل، قابله زميله في الشغل، وقال له: "صباح الخير يا يونس". يونس: "صباح النور". الزميل: "مالك يا يونس، شكلك تعبان كده ليه؟ يونس: "مفيش حاجة، أنا كويس". الزميل: "لا مش كويس، أنت شكلك مش عاجبني خالص". يونس: "أنا كويس يا عم". الزميل: "طب لو احتجت أي حاجة، أنا موجود". يونس: "شكراً". دخل يونس مكتبه، وقعد على كرسيه، وبدأ يشتغل. فضل يشتغل طول اليوم، وهو بيحاول ينسى اللي حصل، بس مقدرش.

كل شوية كانت بتيجي في باله صورة خطيبته، وضحكتها، وكلامها، وكل حاجة كانت بينهم. بعد ما خلص الشغل، رجع يونس الشقة، ودخل أوضته، ونام على السرير، وفضل يفكر في خطيبته، لحد ما غلبه النوم. مرت الأيام والأسابيع، ويونس بيحاول ينسى خطيبته، بس مش قادر. كل يوم كان بيصحى من النوم، وهو حاسس بوجع في قلبه، وحاسس إنه وحيد، وحاسس إنه ملوش لازمة في الحياة.

في يوم من الأيام، كان يونس قاعد في بيته، وهو بيفكر في خطيبته، فجأة سمع صوت جرس الباب. قام يونس وفتح الباب، وشاف حازم واقف قدامه. حازم: "ايه يا عم، عامل إيه؟ يونس: "الحمد لله، أنت عامل إيه؟ حازم: "الحمد لله، أنا كويس، ممكن أدخل؟ يونس: "اتفضل". دخل حازم وقعد على الكنبة، وقال ليونس: "مالك يا يونس، شكلك لسه زعلان". يونس: "أنا مش زعلان، أنا كويس". حازم: "لا مش كويس، أنت لسه بتفكر فيها". يونس:

"أنا مش بنساها، أنا بحاول أتقبل الموضوع". حازم: "أنت لازم تنساها يا يونس، لازم تفتح صفحة جديدة في حياتك". يونس: "مش قادر". حازم: "أنت لازم تحاول، عشان خاطري". يونس: "أنا تعبت يا حازم، تعبت من كل حاجة". حازم: "أنت لازم تكون أقوى من كده، أنت لازم تكون يونس اللي أنا عارفه". يونس: "يونس اللي أنت عارفه مات". حازم: "لا مماتش، أنا عارف إنك قوي، وأنا عارف إنك هتقدر تتخطى كل ده". يونس: "يارب". حازم:

"أنت لازم تساعد نفسك يا يونس، أنت لازم تقوم، لازم تشوف حياتك". يونس: "أنا مش عارف أعمل إيه". حازم: "أنا هقولك تعمل إيه، أنت لازم تخرج، لازم تشوف ناس جديدة، لازم تعمل حاجات جديدة". يونس: "أنا ماليش نفس أعمل أي حاجة". حازم: "أنت لازم تجبر نفسك، أنت لازم تحاول". يونس: "حاضر، هحاول". حازم: "أيوه كده، هو ده يونس اللي أنا عارفه". فضل حازم قاعد مع يونس شوية، وبعدين مشي.

دخل يونس أوضته، ونام على السرير، وفتح اللاب توب بتاعه، وبدأ يكتب. فضل يكتب ويكتب، وهو بيعبر عن كل اللي جواه، عن حزنه، عن وجعه، عن يأسه. فضل يكتب لحد ما حس إنه ارتاح شوية. مرت الأيام والأسابيع، ويونس بيحاول يتأقلم مع حياته الجديدة، وبيحاول ينسى اللي حصل. في يوم من الأيام، كان يونس قاعد في بيته، وهو بيفكر في حياته، فجأة جاتله فكرة. قرر يونس إنه يغير حياته كلها، قرر إنه يسافر، قرر إنه يبدأ من جديد.

قام يونس من مكانه، وبدأ يجهز شنطته، وهو حاسس بشعور غريب، شعور مختلط بالأمل والخوف. الساعة 7:00 مساءً، كان يونس قاعد في المطار، وهو مستني طيارته. كان يونس حاسس إنه هيسيب وراه كل حاجة سيئة حصلتله في حياته، وهيبدأ حياة جديدة، حياة مليانة أمل وتفاؤل. سمع يونس صوت الإعلان عن طيارته، فقام من مكانه، واتجه نحو بوابة السفر.

دخل يونس الطيارة، وقعد في مكانه، وبص من الشباك، وشاف الناس اللي ماشية في المطار، وشاف الطيارات اللي بتقلع وتهبط. حس يونس بشعور غريب، شعور إنه مسافر في رحلة جديدة، رحلة ميعرفش نهايتها إيه. أقلعت الطيارة، ويونس بيبص من الشباك، وشايف البيوت اللي بتصغر، وشايف الدنيا اللي بتختفي تدريجيًا. حس يونس إنه بيطير في الفضا، بيطير بعيد عن كل حاجة بتوجعه، بيطير بعيد عن كل ذكرياته المؤلمة.

غمض يونس عينيه، ونام، وهو بيحلم بحياة جديدة، حياة مليانة سعادة وفرح.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...