الفصل التاسع عشر يونس كيف تُقنع امرأة تُحبها بأن في قلبك حُبًّا آخر لا يُناقض حُبها؟ وبخاصة إذا كان هذا الحُب الآخر مما يتحتم عليك مُجابهة العدو، مُجابهة القتل. كانت الرصاصات تندفع من كل جانب، ولم يستطع كُلًّا من بتول ويونس الحراك. كل ما فعله أنه احتضنها بقوة، دافنًا رأسها بصدره، ويداه تلتف حولها وتشتد عليها علها تستطيع إدخالها بين أضلعه. وبالمثل تشبثت هي به، وأخذت تبكي بخوف وتهمس بهذيان:
"عز هنا وهيهجمنا.. عز هيقتلنا." لم يرد عليها يونس، بل أخذت عيناه تبحث عن مخرجٍ ما وسط تلك الأمطار التي تنهال عليهم. وبالفعل وجد ثغرةً ما دون أن يعرضها إلى الخطر. أبعدها عنه وحاوط وجهها براحتيه وقال بصرامة: "اسمعيني يا بتول، مفيش وقت قدامنا.. هنجري من هنا." ثم أشار إلى أحد الاتجاهات وأكمل حديثه: "هتجري بكل قوتك ومهما حصل ما تبطليش جري.. تمام! لم ترد عليه، ليهزها هو بقوة هاتفًا بصراخ: "تمام؟!
هزت رأسها عدة مرات بهستيرية. أمسك يدها وجذبها خلفه، وأخذا يركضان والرصاصات تُلاحقهم. كان يونس يركض في اتجاهات مُلتوية حتى يُشتت ذهنهم. توقف يونس فجأة، ثم التفت إلى بتول قائلًا بأمر: "استخبي ورا الشجرة دي بسرعة ومن غير أسئلة." "طيب." قالتها بذعر وطاعة، ثم اتجهت هي إلى تلك الشجرة واختبأت خلفها. توجه يونس إلى إحدى الشجيرات الصغيرة وجذب أحد أفرع تلك الشجيرة بقوة، ثم اختبأ ينتظر قدومهم.
كان إطلاق الرصاص قد توقف، وبدأت المجموعات بالانتشار. اقترب من مكان يونس مجموعة تكونت من أربعة أفراد يحملون الأسلحة وملثمون الوجه. تقدم اثنان منهم من مكان تواجد يونس، أخذا يتحركان ببطء وحركات محترفة حتى وصلا أمام تلك الشجيرة. وعلى حين غرة، تركها هو لتصطدم بالرجلين لتُطيح بهما أرضًا. وبسرعة البرق، كان يونس يجذب من أحدهما السلاح الخاص به وأرداهما قتلًا برصاصتين بالصدر.
على صوت طلقات الرصاص، اقترب الآخران ركضًا ليجدا رفيقيهما قد قُتلا. تحدث أحدهم بحدة وحذر: "احذر ذاك الوغد... وما أن أتم عبارته، كان هو والآخر يسقطان جثتان هامدة. قفز يونس من فوق شجرة عملاقة، ثم قام بوضع بعض الأفرع وأوراق الأشجار الكبيرة فوقهما وأخذ منهما ما يحتاجه من أسلحة وذخيرة. اتجه إلى تلك التي تُحيط جسدها برعب وتبكي بأنين خافت، ليضع يده على منكبها فانتفضت مذعورة. فهدأها قائلًا بحنو: "ما تخافيش ده أنا.. اهدي."
بكت بقوة أكبر وقالت بجزع: "أنا خايفة أوي.. عز هيقتلنا." ربت على وجنتها وهتف بنبرة حازمة: "مش هيلمس منك شعرة.. ده وعد مني يا بتول.. أنا هحميكي." ثم أمسك يدها وأكملا الركض لتهتف هي بتعجب: "أومال فين الشنطة!
توقف يونس على حين غرة، ثم وضع يده على ظهره ليتفاجأ بعدم وجودها. أغمض عينيه بغضب وأخذ يُتمتم بسباب. فقد نسي كل شيء في سبيل حمايتها، والآن سيذهب كل ما قام به سدى إذا اختفت تلك المعلومات. لابد أن يعود ويسترجع تلك الحقيبة، وبذات الوقت لا يستطيع تركها. أخذ يُفكر في حلٍ ما، ليرفع رأسه ويُحدق بتلك الشجرة العملاقة كثيرة الأوراق. نظر لها مرة أخرى ثم قال بنبرة آمرة لا تحمل التردد:
"هتطلعي الشجرة دي وتختاري أكثر مكان ما تكونيش واضحة فيه.. وتستخبي فيه.. يلا بسرعة." ثم دفعها باتجاه الشجرة وهي تتساءل بخوف: "وأنت هتروح فين! عاونها على التسلق وأكمل: "لازم أجيب الشنطة.. ده فيها كل حاجة مهمة.. يلا يا بتول بسرعة." توقفت في مُنتصف المسافة وقالت بنشيج: "ما تتأخرش يا يونس." ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه: "مش هتأخر يا روح يونس."
ثم ركض بسرعة البرق حتى ينقذ ما يستطيع إنقاذه، تاركًا خلفه تلك البائسة تبكي خلفه، وقلب يرتعد من اللاعودة. **************************************** بالرغم من حالته الصحية، ولكنه أصر على الحضور. كان يجلس بإحدى السيارات وبجانبه أنجلي التي ظلت تنظر له بغرابة، وهو يُحدق بجمود تلفح بانتشاء. سألته بخفوت دون النظر إليه: "وماذا بعدما تجده! أجابها وهو يبتسم ابتسامة أبرزت نواجزه: "سأرد إليه ما قدمه لي.. ولكنني سأقدمه ببذخ."
عقدت حاجبيها وتساءلت: "ماذا تقصد؟! التفت إليها بكامل جسده وقال بنبرة تُشبه فحيح الأفاعي: "تلك الجنية الصغيرة.. قطعة الماس اللامعة تلك.. أريد أن أتذوقها." ارتفع حاجباها بدهشة وعيناها تجحظان بشكلٍ مُرعب، ثم همست بعدم تصديق: "أتعني... !!! ابتسم بشيطانية حتى برزت أنيابه ثم قال بنبرة لا تختلف: "بلى.. أعني ما لم تستطيعي قوله.. سأفعلها لأنني أعلم كم يعشقها.. وأنا....
وترك جُملته مُعلقة، ثم أخرج هاتفه واتصل بعز الدين. ثوانٍ وأتاه صوت عز الدين، ليقول سام بخبث: "لقد وجد غريمك سيد عز." أتاه صوت عز المُتلهف والحازم في آنٍ واحد: "حقًا! .. إذًا لا تقترب منه.. فقط أريده حيًا.. أريده حيًا يُرزق." "كما تأمر.. ولكن لا تتأخر فهو شُعلة من الذكاء." ثم أغلق هاتفه ووضعه في جيب سترته ولم يتحدث مع أنجلي التي لم تلقَ بالًا له، بل كانت تُفكر في طريقةٍ ما من أجل إخراج يونس من تلك المُعضلة.
*************************************** جلس رفعت أمام العقيد سعد ببرود، وكذلك الأخير فهو يعلم كيفية التعامل مع ذاك الخائن. تشدق الأول قائلًا بنبرة باردة كبرودة الثلج: "إيه يا سيادة العقيد.. هتفضل تبص لي كتير!! مط سعد شفتيه وقال: "لحد ما تتكلم أنت يا رفعت باشا." مط شفتيه هو الآخر وقال بلا مُبالاة: "وأنا ما عنديش حاجة أقولها يا سعد باشا."
أخرج سعد لُفافة التبغ وقام بإشعالها ثم أخرج زفيرًا مُحملًا بتلك السحابة الرمادية المُلوثة، ثم قال بتحذير ماكر: "عمًّا يا رفعت كل اللي بتعمله مش هيأذي غيرك.. سيادة الوزير مش هيتردد ثانية إنه يبيعك." ضحك رفعت ملء فاه وقال بسخرية: "طب قول كلام ما أعرفهوش." عقد سعد ما بين حاجبيه، ليُكمل رفعت حديثه: "زي ما بيستفيد.. أنا بستفيد.. لما يفكر يبيع.. هأكون أنا سبقت." "إيه اللي خلاك كدا يا رفعت! رمقه بسخرية حادة،
قبل أن يقول بثورة غاضبة: "مش عارف إيه اللي خلاني كدا! .. سنين قضيتها في خدمة البلد وفي الآخر إيه! .. ولا حاجة ولا أي حاجة." صمت قليلًا، وبدا سعد ساكنًا يتابعه بهدوء، فأكمل رفعت بشراسة: "قتل.. وخيانة.. فساد.. ابني اللي اتقتل غدر ده.. دمه في رقبة مين!! ضرب سعد سطح مكتبه بعنف وهدر: "القتل والفساد والخيانة.. مين كان سببهم! .. اللي بيخونوا وبيقتلوا البشر إحنا مش البلد.. البلد مش بني آدم عشان تعمل اللي بيعمله."
وكذلك صرخ رفعت: "هددونا.. وعذبونا وعملوا فينا اللي ما يتعملش." بالمقابل رد سعد بهدوء: "اللي ضميره عليه رقيب.. مش هيخاف حد.. أنت هتقابل ربنا دلوقتي أو بعدين.. اعمل حساب وقفتك قدامه." صمت رفعت بينما أكمل سعد حديثه بهدوء رزين:
"إحنا ما عدناش خايفين من ربنا زي الأول.. خيانتك لو عقابها الإعدام.. فده جزء صغير من عذاب الآخرة.. أنا قبل ما أكون رجل جيش.. أنا مسلم وشفت زيك واتعرض عليّ زيك واتعذبت زيك.. بس الفرق اللي بيني وبينك إني ما استسلمتش.. أنت اخترت الأسهل." نهض رفعت بجمود دون أن يطرف له جفن وقال بجفاء:
"ما لكش دعوة بيّ.. أنا عارف آخرة طريقي كويس يا سعد وبلاش مواعظ أنت أصلًا ما بتعملش بيها.. أنا كدا وهأفضل اخترت وعارف إيه عواقبه إيه.. خليك في نفسك." نهض سعد وقال: "رفعت أنت كنت صاحبي ومش عاوز أتصرف معاك زي أي مجرم." ابتسم من زاوية فمه: "أديك قولتها.. كنت صاحبك.. دلوقتي بيننا الدم.. شوف شغلك ولو عرفت تثبت عليّ حاجة.. هأكون مستنيك تقبض عليّ." هز رأسه نافيًا وقال بتأكيد:
"أنا مش محتاج دليل.. لإنه أصلًا عندي ومش هستخدمه غير في وقته.. ارجع لعقلك وراجع نفسك." "من ساعة ما قتلوا ابني.. ما عادش عندي عقل.. هأفضل آخد بتاري لحد ما أموت.. غير كده ما تحلمش يا سعد." ثم أضاف بتهكم: "وبعد كده لو عندك حاجة مهمة أبقى قول لي تعالى.. مش عشان شوية كلام فاضي تجبني.. لا يا راجل أنا وقتي مش ملكي." ***************************************
أعلى تلك الشجرة، كان يونس يرصد الوضع بتأنٍ ويُخطط كيف يتخلص منهم. بحث عن الحقيبة ليجدها على ظهر أحدهم. إذًا منذ البداية وتلك الحقيبة هي الهدف. أكمل رصده للمواقع التي سيتخذها درعًا له والأخرى التي سيُصيب بها أعداءه. كان عدد المُسلحين يُقارب العشرون. زفر يونس بغضب قائلًا من بين أسنانه: "عشرين كتير أوي.. مش هأقدر أقتلهم كلهم.. لازم أشوف أحل وأعرف هأهرب منهم إزاي."
كان أكثر ما يشغل باله تلك التي تركها خلفه. يعلم أن عبراتها لم ولن تجف حتى يعود. هز رأسه لكي ينفض تلك الأفكار عنه فما إن تغزو رأسه لا يستطيع أن يُخرجها. وضع يده على تلك القنبلة اليدوية، ليتذكر أمرها فهتف بحماس: "حلو أوي."
استهدف أكبر تجمع من الرجال الذي تخطى الخمس، وقرر أنها ستكون من نصيبهم. أولًا قرر أن يُردي ذلك المُلثم وحده. وضع على فوهة البندقية قميصه القطني حتى يمنع صدور صوتٍ ما. وبالفعل كان ذاك المُلثم في خبر كان.
قفز يونس عن الشجرة وعاود ارتداء قميصه، ثم توجه إلى تلك المجموعة من ذاك الطريق الذي حفره بعقله. نزع الفتيل وقذفها عليهم، وركض هو. انفجرت تلك القنبلة وتحولت أجسادهم إلى أشلاء. ابتسم يونس لنجاح أولى خطواته. تحرك بعيدًا عنهم مُتخذًا إحدى الشجيرات الصغيرة درعًا له.
تجمع بعض الرجال مكان الانفجار ليبحثوا ما حدث. لحظات مرت وحدث اشتباك بينهم وبين مجهول. كان يونس يتعمد التحرك بخفة حولهم وإصابتهم بالرصاص من شتى الطرق حتى يُشتت ذهنهم. أردى ثلاثة منهم وتبقى اثنان من المجموعة الثانية.
تحرك يونس خلف أحدهم بخفة، يُمسك بجسده من يد والأخرى قبضت على السلاح ليوجهه ناحية الأخرى ليسقط جثة هامدة بعد عدة طلقات اخترقت جسده. أما من بين يده كان مصير القتل بكسر رقبته. أبعده يونس عنه بحدة وأخذ الحقيبة. وضعها على ظهره، وبدأ يُكمل رحلته في قتل الباقيين.
ما لم يحسبه هو ذاك الهجوم المُفاجئ من أحدهم أمامه، حيث قام بجرحه بنصل حاد في صدره عن معدته بجرح سطحي ولكنه ينزف بشدة. لم يُفق يونس مما حدث، ليُباغته بضربة أخرى في ذراعه الغير مُصاب. تحفز هو بعد تلك الإصابات قبل أن يُصيبه بأخرى. تقدم الآخر منه وكاد أن يُصيبه إلا أن يونس أمسك يده، وبحركة مُباغتة أخذ السكين والتي استقرت بنحره، وسقطت جثة أخرى.
عانى يونس من إنهاك شديد عقب تلك المعركة التي خاضها وكذلك ذاك الجُرح الذي أخذ ينزف بشدة. ولكنه قاوم قدر الإمكان. تحرك في آخر خط رسمه وقد كان، تخلص من ثلاثة آخرين وتبقى واحد. دارت بينهما معركة طاحنة بالأسلحة والأيدي، ليقول ذلك المُلثم: "أعطني ما معك.. وربما سأعفو عن حياتك." ابتسم يونس وهو يزيل خيط الدماء التي انسلّت من بين أسنانه وقال بسخرية: "لا أحتاج عفوك.. بل إن من ستحتاج إلى العفو من الرب." "لستُ بمؤمنٍ."
"حسنًا أعتقد أنك ستؤمن بعد قليل." وانقض عليه يونس، ولكن الأخير مُحترف بشكل يوازي احتراف الأول بل ويتفوق عليه. تفادى ضربته وأمسك ذراعه ثم أخذ يضغط على جرحه. صرخ يونس بألم وقام بضرب المُلثم بجانب معدته ونطحه برأسه في أنفه، ليبتعد يونس عنه وقد أصابه الدوار وقد بدأت تتشوش رؤياه، والآخر استغل ذلك، ليركض باتجاهه دافعًا يونس من معدته إلى الأرض وهو يجثو فوقه. أخذ يُسدد له اللكمات، حتى خارت قواه. ابتسم المُلثم وقال بتشفٍ:
"أمن كلمات أخيرة! "سحقًا لك." وكل ما رآه هو وجه ذلك المُلثم بعدما نزع عنه قناعه وهو يرفع ذاك النصل الحاد ويصوبه تجاهه. ***************************************
فتح عينيه بتثاقل تام. كانت الرؤية مشوشة في بادئ الأمر ولكن ما أن أغلق عينيه ثم عاود فتحهما، حتى اتضحت الرؤية. كان ينظر إلى سقف تلك الغُرفة. كان من الخشب الرديء، وبدت عليه آثار الرطوبة. حرك عينيه إلى تلك النافذة فوجد أشجارًا أمامه وحصانًا وعددًا صغيرًا من الدجاجات. حاول أن يتعدل في جلسته ولكنه تأوه بقوة من جراحه وآلام عظامه. تنهد بضيق وبقي كما هو.
كانت غافية على ذلك المقعد بجانب الفراش على الناحية الأخرى. وما أن تأوه حتى انتفضت من نومها واتجهت إليه تسأله بجزع: "أنت كويس!! .. في حاجة بتوجعك؟! كل ما تفوه به بخفوت: "مايه.. عاوز مايه." هتفت بسرعة: "حالًا." واتجهت إلى تلك الطاولة في نهاية الغُرفة وأخذت كوب الماء ثم عادت إليه مرة أخرى. مدّ يده ليأخذها ولكنها انحنت بجذعها العلوي لتساعده، إلا أنه قال بضعف: "مش هأعرف أشرب وأنا كدا."
أخذت ثوانٍ حتى تستوعب ماذا يُريد. فوضعت الكوب بجانبها وعاونته على الاعتدال. انحنت أكثر حتى تُعدل من وضع الوسادة خلفه، ولم تنتبه أنها كانت قريبة منه إلى حدٍ مُهلك، حتى باتت خُصلاتها تتلامس مع وجنته وفاه.
وبالرغم من حالة الضعف التي سيطرت عليه، إلا أنه لم يمنع ضربات قلبه من التقافز داخل قفصه الصدري. التفت برأسه ليدفن أنفه بخصلاتها وأخذ شهيقًا مُحملًا برائحتها الذكية. أغمض عينيه يستمتع بذاك القرب. ربما ضعفه الآن بات قوة بمجرد أن اقتربت منه، وهي لم تشعر بما يختلج قلبه وما فعله ببساطة كانت مُرتعبة بشدة، خائفة أن تفقده، تعمل على راحته. أنهت ما تفعله ولم تنتبه إلى أنفه التي تلامست مع وجنتها وأمسكت الكوب ثم بدأت تُسقيه الماء.
كانت عيناه مُثبتة عليها. كانت خائفة وترتجف. جميلة وهي مذعورة. رائعة وهو يلمح حدقتيها التي تبتسم بسعادة وهي تراه بخير أمامها. أبعدت الكوب عنه وعادت تسأله برقة: "أنت كويس! مدّ يده يُزيح خصلةً ما خلف أذنها وهتف بخفوت: "أنتي كويسة!! ابتسمت وهي تميل برأسها على يده وقالت: "أنا بقيت كويسة لما فتحت عينيك." ابتسم ومعالمه تقلصت بألم ولكنه لم يُبالِ، بل أخذ يتفحص الغُرفة البسيطة وسألها بتعجب: "إحنا فين وإزاي جيت هنا!
أجابته بهدوء: "إحنا فين! .. إحنا عند واحد مزارع بسيط.. أما جيت إزاي فهأقولك." أخذت تسرد عليه ما حدث مُنذ عدة ساعات.
بعدما تركها مُنذ ما يقرب ساعة وهي تبكي، عيناها لا تتوقفان عن ذرف العبرات خوفًا عليه، خوفًا من فقدانه. تخاف بشدة أن يُصاب بمكروه، سلامتها من سلامته. وأكثر ما أشاع في نفسها الرعب، صوت ذلك الانفجار. صدرت عنها صرخة هلعة. هنا ولم تتحمل، قفزت عن الشجرة غير مُبالية بما سيحدث. وفي أثناء ركضها، اصطدمت بأحدٍ ما يحمل ألواح خشبية. أصابها الذُعر مما قد يكونه هذا الرجل. نظرت إليه فوجدته رجلًا عجوزًا، والذي اتجه إليها يسألها باللغة السويدية
وقد تقلصت ملامحه القلق: "ماذا هُناك ابنتي! .. لمَ يبدو عليكي الذعر! هزت رأسها بنفي وهي تبكي: "أنا مش فاهمة منك حاجة." نظر لها الرجل بتعجب ولكنها تجاهلته، ثم قالت بلغة أجنبية وهي تبكي بهستيرية: "أحتاج إلى مساعدتك." بدا وقد فهم ما تقول ليرد عليها: "حسنًا.. ماذا هناك! "هو يحتاج إلينا.. يجب أن نذهب إليه." سألها بجدية: "من هو! لم تُجبه ولكنها سحبته خلفها، بدأت تركض في اتجاه الصوت، العجوز خلفها يُكرر سؤاله، لترد عليه:
"زوجي.. سيقتله أحدهم." جحظت عينا الرجل وتشدق مصدومًا: "ماذا قلتِ؟ وقبل أن ترد كانا يقفان أمام ذلك المشهد. يونس مُغشى عليه وبجانبه ذاك المُلثم ميت. لم تُفكر مرتين وركضت في اتجاهه، جثت على رُكبتيها وأخذت تبكي، ثم قالت وهي تضرب وجنته بخفة: "يونس!! .. يونس رد عليّ.. عشان خاطري ما تسيبنيش." أسرع العجوز خلفها وتفحص الجروح والكدمات في وجهه، ثم جثا هو الآخر على رُكبتيه وقال بجدية:
"هيا ساعديني في حمله.. يجب علينا مُعالجة جروحه قبل أن تُصاب بالالتهاب." نظرت إليه بأعين حمراء، ثم هتفت بتوسل: "أرجوك ساعده." وضع يد يونس حول عنقه وقال بصرامة: "هيا ساعديني.. منزلي قريب من هنا.. سأقوم بمُعالجة جروحه." أومأت برأسها عدة مرات، ثم وضعت يده الأخرى حول عنقها، وسارا به إلى ذلك الكوخ البسيط. انتهت من سرد ما حدث ثم قالت بتنهيدة حارة: "وجبناك هنا.. وبصراحة الراجل عالج جرحك وقال لنا نفضل هنا لحد ما تتحسن."
حدق يونس بها ثم أمسك يدها التي ترتجف وقال بامتنان: "شكرًا يا بتول عشان أنقذتِ حياتي." ابتسمت وقالت: "أنا اللي بشكرك عشان أنت في حياتي." اتسعت ابتسامته العذبة، وعيناه أخذت تتحرك على معالم وجهها المُجهد بعشق واضح، ثم قال بخفوت: "ممكن تقربي شوية! أجابت ببراحة صدر: "أكيد."
ثم اقتربت، ليُباغتها بلف يده حول عنقها جاذبًا إياها له، ثم قبّل وجنتها بعمق وحب. قُبلة وضع بها مشاعره المُتأججة ناحيتها. شعرت هي بالخجل والإرتباك، ضربات قلبها قد ارتفعت حتى كادت تصم أُذنيها، ثم سمعته يهمس: "أنا عارف إنه مش من حقي.. بس مش هأقدر يا بنت السلطان.. مش هأقدر تكوني قريبة مني وبعيدة في نفس الوقت.. حبك ده ملكي.. قلبك ليّ لوحدي.. مش هأفرط فيهم أبدًا.. مش هأخسرك يا بنت السلطان." تساءلت وهي تعقد حاجبيها:
"هو أنت ليه بتقول لي يا بنت السلطان!! ابتسم يونس وقام باحتضان وجهها بين راحتيه ثم قال بصوته الرخيم: "عشان حكايتنا بتفكرني بيونس وعزيزة.. يونس اللي كان أسير عندها." هتفت هي ببراءة: "بس يونس كان أسيرها.. وأنت مش أسيري." اتسعت ابتسامته ثم دنا منها وهمس بجانب أُذنها بعذوبة: "ومين قال لك إني مش أسيرك!! اتسعت عيناها بصدمة وقد ازدادتا ما أن أكمل:
"أنا أسير قلبك من أول مرة شفتك.. ما كنتش أعرف إني هأهرب من أسر لأسر.. بس أسرك لذيذ بس مُر.. مُر وصعب أوي يا بنت السلطان." ولم يتسنَ لأحدهما الرد، حيث دلف العجوز وعلى وجهه ابتسامة بشوشة وقال: "كيف حال زوجكِ؟ رمقها يونس بنصف عين ولم يُعقب، بينما ابتسمت هي بارتباك وقالت بتلعثم: "بـ..بخير.. سيدي.. شكرًا لك." "لا تشكريني.. فقط قمت بما يجب." نحى ببصره إلى يونس وقال بابتسامة قبل أن يخرج: "أتمنى لك الشفاء العاجل."
أومأ يونس برأسه وقال بابتسامة مُماثلة: "شكرًا لك سيدي." كان يونس يرمق بتول بنظرات ماكرة، أصابتها بالخجل، لتقول بهمس حانق: "ما تبص ليّ كدا." ابتسم يونس وهو يُدير رأسه إلى النافذة فلاحظ تلك الحركة الغريبة. عقد ما بين حاجبيه بقلق، ليهمس: "بتول في حاجة مش طبيعية بره." توجهت بتول ناحية النافذة، وقد لمحت ما جمدها أرضًا وبث الرعب في جميع خلايا جسدها. تشدقت ما كان يخشاه يونس وجسدها بدأ ينتفض: "عز الدين!!!
"بُص يا يونس، أنا عارف إنك زعلان، بس أنا مقدرش أعمل حاجة. هي اللي اختارت، وهي اللي رضيت باللي حصلها." "أنت بتقول إيه يا بابا؟ هي اختارت إيه؟ هما اللي عملوا فيها كده. هما اللي غصبوها على اللي عملته." "يا ابني، أنا عارف إنك بتحبها، بس ده قدرها. أنا مقدرش أغير اللي ربنا كاتبه." "بس أنا مقدرش أستحمل أشوفها كده. مقدرش أستحمل أشوفها بتتكسر قدامي." "أنا عارف إنك موجوع، بس لازم تكون قوي عشانها. لازم تكون سندها في اللي جاي."
"أنا هكون سندها، بس مش هسيب حقها. مش هسيب اللي عملوا فيها كده يفلتوا بفعلتهم." "ربنا موجود يا يونس. ربنا هيجيب حقها. بس أنت لازم تهدى وتفكر بعقل." "أنا مش ههدى إلا لما أشوف حقها رجع. مش ههدى إلا لما أشوف اللي عملوا كده بيتعاقبوا." نظر الأب لابنه بحزن، وهو يرى الشرارة في عينيه. كان يعلم أن يونس لن يتراجع عن قراره، وأن هذه القصة لن تنتهي بسهولة.
في مكان آخر، كانت سلمى تستيقظ من نومها، لتجد نفسها في غرفة غريبة. كانت تتذكر الأحداث الأخيرة بصعوبة. حاولت أن تتجمع قواها، لكنها شعرت بضعف شديد. دخلت عليها ممرضة، وابتسمت لها بلطف. "حمد لله على سلامتك يا مدام سلمى." "أنا فين؟ وإيه اللي حصل؟ "أنتِ في المستشفى. تعرضتِ لحادثة بسيطة." "حادثة؟ أنا مش فاكرة أي حاجة." "متخافيش، أنتِ بخير دلوقتي. بس لازم ترتاحي."
حاولت سلمى أن تتذكر ما حدث، لكن عقلها كان مشوشًا. كانت تشعر بخوف شديد، وبأن هناك شيئًا خاطئًا قد حدث. في هذه الأثناء، كان يونس يجلس في سيارته، وعيناه على المستشفى. كان ينتظر بفارغ الصبر أن يراها، وأن يتأكد من أنها بخير. "أنا مش هسيبك لوحدك يا سلمى. أنا هفضل معاكِ لحد ما ترجعي زي الأول وأحسن." أقسم يونس في سره، وهو ينظر إلى المبنى الشاهق أمامه. كانت هذه مجرد البداية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!