الفصل 3 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الثالث 3 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
28
كلمة
2,680
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

يونس في الحقيقة لا أعلم، ربما نعم، ولعله كان بلى، لكنني أعلم أمرًا واحدًا، هو أني أهيم في "فوضى المشاعر". ساد الهرج والمرج في ذلك المشفى الخاص بعد وصول الوزير إثر إصابته بطلق ناري. دلف إلى غرفة العمليات وبقي الجميع في الانتظار. وصلت عائلة بتول إلى المشفى فسمح لهم الحرس بالدلوف فهم على علم بهويتهم. كانت بدرية تبكي على اختفاء ابنتها والذي دام ساعات فقط، بينما تحلى إسلام ووالده القوة حتى معرفة ما يحدث. تقدم

منهم ضابط وسألهم بجمود: -أنتوا مين؟ عليه إسماعيل بهدوء نسبي: -أنا والد بتول خطيبة سيادة الوزير. تفحصهم الضابط بدقة، ثم تشدق بنبرة روتينية: -عندكوا علم بعداوة سيادة الوزير مع حد؟! رد عليه إسلام بتهكم واضح: -حضرتك ده وزير وله اسمه وأعداءه كتير. رمقه الضابط بحدة ثم وجّه حديثه إلى والده: -طب بنت حضرتكوا مختفية من ساعة ما حصل ضرب النار. واللي عمل كدا أكيد هو اللي له يد في اختفائها. انتحبت بدرية وهي تقول:

رجعولي بنتي مليش دعوة بأي حاجة.. أنا مش عاوزة غيرها. وضع إسلام يده على كتف والدته وقال بمواساة: إن شاء الله هترجع.. بس أنتي اهدي. قطع حديثهم الدائر دلوف الطبيب خارج الغرفة ليقترب منه الجميع. وقبل أن يتشدق أحدهم بسؤاله كان الضابط يسأله: حالته إيه يا دكتور؟ شابك الطبيب أصابعه وتنهد قائلًا: كويس إن شاء الله.. اللي ضرب النار محترف ما أصابش جزء عضوي أو حيوي من جسمه كلها جروح عادية. عقد حاجبيه وقال:

يعني قصدك اللي ضربه بالنار ما كانش عشوائي؟ أومأ الطبيب بتأكيد: أيوة بالضبط كدا.. اللي ضرب عارف هو بيعمل إيه.. عن إذنكوا. ثم تركهم ورحل. لطمت بدرية وجهها وقالت بنحيب: يعني بنتي وقعت في إيد قتال قتلة؟ تأفف إسماعيل بضيق: بس يا بدرية خلينا نشوف هيحصل إيه. وتوجه بسؤاله الرزين إلى الشرطي قائلًا: هنضطر نستنى لما سيادة الوزير يصحى؟ أومأ الشرطي برأسه وقال ببرود:

ما قدمناش حل تاني عشان هو اللي شاف وشه.. اللي عمل كدا حاجة من اثنين يا قاتل مأجور يا ظابط سابق. قال كلماته ثم رحل تاركًا خلفه أسرة تعاني صدمة فقدان ابنة بل والأنكى أنه في نظرهم قاتل خارج عن القانون. *** كانا يسيران بصمت وحذر. وصلا إلى منطقة ما. وقف أمام مقهى شعبي تصطف أمامه سيارة ما لتهتف بتول بخوف: ما تقوليش إنك هتسرقها هي كمان!

نظر لها شزرًا ولم يرد. جثى على ركبتيه ومد يده إلى إطار السيارة وأخرج منه مفتاح السيارة. ارتفع كلا حاجبيها بدهشة وقالت بعدم تصديق: لأ دماغ بجد. تجاهلها كليًا وفتح السيارة ثم هتف بجمود: اركبي. تأففت بضيق ثم دلفت إلى داخل السيارة. قام هو بتشغيل المحرك وانطلق بالسيارة. نظرت هي له بتفحص ففاجأها بحديثه: عندك سؤال اسأليه عشان أشبع فضولك. اتسعت عيناها بدهشة ثم هتفت بذهول: لأ ومكشوف عنك الحجاب. ابتسم بسخرية.

لتتنهد هي وتسأله بجدية: أنت مين؟ أجابها ببساطة: يونس. تأففت بضجر ثم أكملت بسخرية: أيوة نوعه إيه يونس دا؟ رفع أحد حاجبيه ثم رمقها بحدة لتتنحنح هي بخفوت فأجابها دون النظر لها وملامحه بلا تعبير: ظابط مخابرات. رددت خلفه بذهول: ظابط مخابرات! وإيه اللي كنت بتعمله عند عز الدين! شفتيه بعدم اكتراث وأجاب: الإجابة مش هتعجبك. عقدت ذراعيها أمام صدرها ثم هتفت بإصرار:

أظن أنا بساعدك وأتورط معاك فعلى الأقل لازم أفهم أنا مع الصح ولا الغلط. نظر لها بعمق. نظرة أربكتها. ضيق عينيه وقال بهدوء ما قبل العاصفة: إجابتي مش هتعجبك وع أي حال مش هتصدقيني. أشارت بسبابتها بتحذير: بقولك إيه أنا لازم أفهم مش هبقى زي الأطرش في الزفة. أوقف سيارته بحدة وبشكل مفاجئ ليرتد جسدها إلى الأمام. التفت لها بجسده كاملًا وعلى حين غرة جذبها من يدها بقوة آلمتها ثم هتف بشراسة:

عاوزة تفهميني إنك هتصدقي اللي هقوله عن حبيب القلب؟ بصي لنفسك في المراية وقوليلي.. كفاية نظرة الحب اللي في عينيكي ليه.. عمرك ما هتصدقي إنه... ولكنه صمت ولم يكمل فنظرة عيناها كانت كفيلة بإخراسه، ولكنه ابتلع ريقه وأكمل فلا مجال للعودة: ما تبصيش كدا.. سيادة الوزير المحترم عمل أبشع جرايم في حق البلد وحق الغلابة وحق ناس كتير.. سيادة الوزير قاتل.. قاتل فاهمة يعني إيه؟ همست بنبرة مفعمة بالكره: كداب. ابتسم بسخرية وترك

يدها بحدة ثم قال بتهكم: مش قولتلك. أعاد تشغيل محرك السيارة وتحرك بها ليكمل بنبرة جامدة: أنا برضه لو مكانك مش هصدق.. راجل بيعرف يتلون كويس.. بيعرف يبان قدام الناس أنه ملاك أنزل.. أنا كظابط مخابرات مش هصدق إلا بأدلة. لم ترد عليه ولكنها حدقت أمامها بجمود ولم تلتفت له. نظر هو لها فوجدها جامدة. ولكنها تساءلت بنبرة خالية: عندك دليل؟ حاليًا لأ. التفتت هي له بحدة وهدرت بعنف: وطالما ما عندكش دليل بتتهمه على أساس إيه؟

مش دا شغل الظباط إنهم بيشتغلوا بالأدلة وبس؟ عز الدين أشرف راجل عرفته في حياتي ما فيش منه اثنين.. وأنا مش هصدق واحد ما أعرفش هو إيه أصلًا. صمتت تستجمع أنفاسها اللاهثة ثم أكملت بغضب: عمري ما هصدق عليه حاجة من اللي قولتها وأنا بحكم عليه من اللي شوفته فيه.. وأنت.. أنت مجرد واحد منافق وقتال خطفتني عشان تضمن خروجك من مصر.. ودا ما لوش غير معنى واحد.. إنك خاين وهو سجنك عشان ما تبعش بلده.

ثم صمتت تستشف ردة فعله. كانت تعتقد الغضب والثورة، على أقل تقدير، أو ربما القتل، ولكنه فاق توقعاتها بقوله الهادئ دون النظر لها ولكنها استشفت جمود ملامحه، أو ألم ارتسم على وجهه: صح أنتي صح.. أنا مجرد قتال قتلة ما تعرفيش عنه حاجة.

سكنت هي وعادت تنظر إلى الأمام مصابة بالضيق لما قاله عن حبيبها. هو أشرف الرجال وأكثرهم رحمة. يكفي ما تشاهده منه. هي تعشقه ولا تستطيع التشكيك في نزاهته. إن خانها عقلها وأصابه الشك فقلبها دائمًا ما تصدق ما يشعر به فهو لم يخطئ من قبل، وهي تصدقه بقلبها. *** في صباح اليوم التالي استيقظ عز الدين على صوت قرع أقدام تقترب من فراشه. فتح عينيه بتثاقل ليرى شبح شخص أمامه. أغمض عينيه مرة أخرى ثم اعتدل بألم ليفتح عينيه بعدها.

طالعه الآخر بهدوء ثم قال: حمد لله ع السلامة يا سيادة الوزير. تمعن عز الدين في خلجاته وتساءل: مين حضرتك؟ جلس الشرطي ثم وضع ساق على أختها وتساءل: أنا عارف إن حضرتك تعبان.. بس أفهم إيه اللي حصل؟ نظر له عز الدين مطولًا دون أن ينبس بحرف. وكذلك عيناه ذلك الشرطي لم تتزحزح عنه مقدار إنش. ليتشدق الشرطي بسخرية مستترة: هو سؤالي صعب يا سيادة الوزير؟ تنفس عز الدين بعمق ثم قال بهدوء واهي:

أظن إني لسه ما فقتش أوي عشان حضرتك تستجوبني.. أنا لسه مش مركز وعاوز أستوعب اللي حصل إمبارح وأقدر أفيدك. كاد أن يرد ولكن فتح الباب ليدلف منه شخص. يبدو من ثيابه الرسمية أنه الشرطة. نهض الشرطي وقام بتحيته باحترام ليقول بنبرة رسمية: سيادة اللواء.. أنا جيت آخد أقوال سيادة الوزير. أشار اللواء بيده وتشدق بجدية: بعدين يا حضرة الظابط.. سيادة الوزير لسه تعبان. بس.. آآآ... قاطعه اللواء: ما بسش.. أتفضل ع شغلك.

كز ذاك الشرطي على أسنانه ولكنه كظم غيظه. قام بتحية اللواء مرة أخرى وانصرف سريعًا. تابع كلا من اللواء وعز الدين خروجه. ومن ثم جلس اللواء على نفس المقعد. سأله عز الدين بلهفة: لاقيته يا رشاد؟ هز رأسه بنفي وقال: لأ طبعًا أنت عارف إحنا بنتكلم عن مين! هدر عز الدين بغضب وقال: ما يهمنيش مين.. المهم عندي إنه يرجع اللي أخده مني. مط رشاد شفتيه وقال: خلاص ننزل صوره في التلفزيون والجرايد وساعتها هتقدر تلاقيه بسهولة.

رأسه بنفي ثم قال بعصبية: لأ مستحيل أعمل كدا. ليه؟ أغمض عينيه ثم قال: لأنه في نظر المخابرات والجيش والدولة كلها ميت.. فلما أنزل صورته أنه عايش كدا هينقلب السحر ع الساحر. أومأ رشاد رأسه بتفهم ثم أكمل هو حديث عز الدين: وبدل ما تتحول الأضواء عليه.. هتتحول عليك أنت.. ليه ظابط رجع من الموت أول ما يرجع يحاول يغتالك لا ويخطف خطيبتك. كور قبضته بغضب ثم تحدث بعصبية: نقول مختل.. أو الجهات اللي خطفاه وجهته أنه يقتلني.

قهقه اللواء بشدة ليرمقه عز الدين بضيق. سكنت ضحكات الأول وهتف بتهكم: ودا في عرف مين إن شاء الله؟ متخيل يونس ظابط المخابرات اللي الكل يشهدله بالوطنية.. وقصدي بالكل أنه من أكبر رأس في أجهزة الدولة لأصغرها.. متخيل أنهم يصدقوك أنت ويكذبوه؟ مط شفتيه ثم رفع منكبيه ورد ببساطة: ما اعتقدش يا سيادة الوزير. أنت بتقفلها في وشي؟ رد عليه رشاد بهدوء:

ما بقفلهاش ولا حاجة.. كل الموضوع إن يونس شخص أهم منك شخصيًا.. إنهم يقتلوك دا شيء عادي بالنسبالهم، إنما هو يفكروا ألف مرة. مسح عز الدين بيده على وجهه بعصبية ثم قال بحدة: طب أعمل إيه؟ لازم بتول ترجع. شابك رشاد أصابعه ثم قال ببرود: غلطتك من الأول أنك حبسته عندك.. ولو أني ما اعتقدش إن دي شطارة منك. عقد ما بين حاجبيه وتساءل: مش فاهم. ابتسم رشاد وهو يجيب: يعني دي رغبته من الأول.. هو سابك تمسكه.. ليه بقى؟ الله يعلم.

قصدك أنه كان بيلعب بيا من سنتين؟ مش لوحدك بينا كلنا.. ودا معناه أنه يعرف كتير جهاز المخابرات نفسه ما يعرفوش. صمت يتابع تجهم ملامح عز الدين لينص هو بعدها. ربت على كتفه ثم تشدق: أنت لعبت مع شيطان استحمل اللي هيحصل.. وحمد لله ع السلامة يا سيادة الوزير. *** وصلا أمام مطعم صغير في طريقهما ليصف السيارة بهدوء وعناية. التفت لها ليجدها تغط في ثبات عميق. حدث نفسه كيف لها أن تنام وتأمن معه؟ ابتسم بسخرية ثم قال بتهكم:

هستنى إيه من واحدة قبلت ترتبط بواحد زي عز الدين! ترجل من سيارته ثم أغلقها بالقفل الإلكتروني حتى لا تستطيع الهرب. دلف إلى المطعم ووقف أمام العاملة يطلب منها بعض الطعام. ابتسمت العاملة بمجاملة وقالت: دقايق يا فندم والطلب يجهز. أومأ برأسه بخفوت ثم تحرك ليجلس على أحد المقاعد. قام أحد العمال بتشغيل التلفاز وبدأ في التنقل بين محطاته. جذب انتباه يونس ذلك الخبر المتعلق بحادث أمس. ليشير إلى العامل وهتف: سيبه لو سمحت.

حاضر يا فندم. وبدأت المذيعات في بث الأخبار والتصريحات بشأن حادث أمس. وكان ما سمعه كالتالي: وصرح المهندس عز الدين وزير البترول أنه قد حاول أحدهم اغتياله أمس أثناء جلوسه مع خطيبته المدعوة بتول والتي اختطفها ذلك الإرهابي في محاولة لابتزازه... هنا وصدحت ضحكات يونس الخافتة ليهز رأسه بانتصار ليقول بعدها بتهكم: كنت عارف إنك هتحسب كل خطوة توصلك ليا. يا فندم! انتبه يونس على صوت العاملة ليتجه ناحيتها وأخذ منها الطعام

ليتشدق بهدوء وابتسامة: معلش ممكن علبتين عصير! أكيد يا فندم. ثوان وأتت العاملة بما طلب ليرحل بعدها متجهًا ناحية السيارة. وجدها لا تزال تغط في ثبات عميق. فتح السيارة ودلف إلى داخلها وأغلق الباب. وضع الطعام جانبًا ثم التفت لها وراقب خلجاتها الساكنة لبرهة من الزمن. مد يده وهزها برفق وهمس: بتول! بتول فوقي عشان تاكلي. تململت بتول بضيق ثم همهمت دون أن تفتح عيناها: يووه شوية يا ماما وبلاش أسطوانة كل يوم.

ضحك يونس عليها وهو يضرب كف على الآخر ليهزها مرة أخرى هاتفًا بمرح: قومي يا ضنايا في مواعين عاوزة تتغسل. ضغطت على جفني عيناها وهتفت دون أن تعي أين هي: طب خلي إسلام النهاردة. مال يونس يهمس في أذنها بصوت رخيم: بس ما فيش هنا إسلام ولا ماما ولا حتى مواعين. رفت بعينيها عدة مرات لتستوعب ذلك الصوت الرخيم. توسعت عيناها بدهشة وهي تراه يرمقها بتسلية. انتفضت بعنف ليبتعد عنها. ابتلعت ريقها بحرج وهتفت بتلعثم: آآ.. آسفة.

ابتسم من جانب فمه وقال: ما فيش مشاكل ليس على النائم حرج. ضيقت عيناها بضيق ولم ترد. جذب الحقائب البلاستيكية وأعطى أحدهم لها وهتف بجدية: جبتلك أكل.. فكلي. مش عاوزة. جاءه صوتها الممتعض ليهز كتفيه بلا مبالاة ثم تشدق وهو يلتهم إحدى شطائره: براحتك. أغمضت عيناها بغضب ولم ترد. ليقول وهو يرتشف من عبوة العصير الخاصة به: سيادة الوزير عمل تصريح إن في هجوم إرهابي حصل لما كنتي قاعدة معاه في فيلته.. والإرهابي اللي هو أنا خطفك.

أشار على نفسه ببساطة وكأنه شيء عادي. توسعت عيناها بصدمة وهتفت بذهول: مش فاهمة.. تقصد إيه بكلامك؟ رد عليها ببراءة مصطنعة: ما اقصدش دا أنا بحكيلك بس. لم ترد عليه وهو أكمل طعامه بهدوء وكأنه لم يقل شيء. أنهى طعامه ونظر لها وجدها شاردة وتحدق في الفراغ. أدار محرك السيارة وانطلق بها ثم قال بجدية تامة: مش هنقف تاني ع الطريق عشان اتعرفتي خلاص. يعني إيه؟ وضح لها دون النظر إليها:

يعني نشروا صورك في كل حتة.. عشان كدا مش لازم تظهري كتير. طب وأنت؟ لم يرد عليها لتعيد سؤالها بحدة وصوت عال: رد عليا وأنت؟ مط شفتيه وأشار بيده على نفسه ثم تشدق ببرود: أنا في نظر البلد ميت.. فما ينفعش أظهر فجأة.. لأ وكمان خاطف خطيبة سيادة الوزير. نظرت له مطولًا وهو يشعر بنظراتها ولكنه لم يعقب. زفرت بيأس وهتفت بضجر: أنا مش فاهمة أي حاجة.. حاسة إني في دوامة. رد عليها بغموض: هتفهمي كل حاجة في وقتها.

لوت شدقها بضيق. نظر لها هو بطرف عينه ولكنه لم يبالي. تشدق بعدها بنبرة آمرة: كلي.. الطريق طويل. *** في الساعة الثالثة عصرًا وصلا إلى وجهتيهما. أطفأ المحرك ثم أرجع رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه. رفعت حاجبيها وتساءلت: إيه؟ رد عليها وهو مغمض العينين: هو إيه اللي إيه؟ عقدت ذراعيها أمام صدرها وتشدقت بضيق: مش وصلنا للواحات تقريبًا زي ما أنت عاوز! آها. لتنتفض عروقها وهي تسأل: طب ليه مش هندخل؟ زفر بضيق ثم استغفر

بصوت عال وقال بنفاذ صبر: مش هندخل دلوقتي. وضعت يدها في خصرها وقالت: ليه بقى إن شاء الله؟ هتف باستفزاز: مش شغلك. يا بااي عليك واحد بارد. امتعضت ملامحه من لسانها السليط ولم يرد عليها بل عاد وأغلق عينيه دون أن يعيرها اهتمام.

مرت ساعة واثنان وثلاثة ولم يدلفا إلى الداخل. كزت على أسنانها بغيظ من بروده ذاك. التفتت له لتجده نائم. جالت بعينيها عليه لتجد مفتاح السيارة يتدلى جزء منه خارج جيبه. لمعت في رأسها فكرة وهي انتشال المفاتيح والهرب منه. امتدت أياديها بحذر إليه وهي تدعو في سرها أن يوفقها الله. قبضت على المفتاح وبدأت في جذبه بروية. وقبل أن يخرج كاملًا كانت يد يونس قابضة على يدها جاذبًا إياها إليه بقوة. شهقت هي بفزع وتقلصت معالمها إلى الهلع. كل ذلك ويونس مغمض العينين.

تحدث بتسلية: بتعملي إيه يا كتكوتة؟ هي ماما ما علمتكيش إن السرقة غلط؟ تلعثمت في حديثها وهي تقول: أنا.. آآ.. بس.. هنا وفتح جفنيه لتظهر بنيته الساحرة لتصطدم نظراته بنظراتها الهلعة. حدق ثوان بتيه داخل زيتون عيناها دون أن ينبس بحرف. وهي كذلك شعرت أن عينيه كبحر شوكولاتة ذائبة تغرق بها. تنحنح يونس وهو يترك يدها قبل أن يسحر بها كليًا. وضع يده خلف رقبته وتحدث بصوت أجش: هاتي المفاتيح عشان هندخل دلوقتي.

أعطته المفاتيح بيد مرتعشة ليجذبها هو سريعًا من يدها. فتح السيارة ثم ترجلا منها بصمت. شاردًا هو بسحر عيناها، وهي شاردة بأن نظراته التي أسرتها هي خيانة عظمى لحبيبها عز الدين. تحرك يونس بخفة معها في الظلام. يستغل ذلك الهدوء حتى لا ينكشف أمره. وبعد دقائق طويلة وصلا إلى منزل صغير. وقف أمامه قليلًا ثم طرق الباب بخفوت. سألته بتول بهمس: بيت مين دا؟ هششش اسكتي.

ثوان وانفتح الباب ليخرج منه رجل قد تآكلت خصاله شيبًا. انفرجت أسارير الرجل وهو يرحب بيونس: صقر! كيفك يا ولدي؟ ابتسم يونس وهو يحتضنه: أنا كويس يا شيخ أبو عواد. ابتعد أبو عواد وهو يقول بترحيب: اتفضلوا.. اتفضلوا.. يا مراحب. دلف يونس وكذلك بتول التي ترمقه بتعجب من ذاك الاسم. توجهوا إلى صالة التي هي على الطراز البدوي ليجلسوا. رحب بهم كثيرًا وقدم لهما الطعام والشراب ببذخ. ابتسم يونس وهو يقول:

كنت عارف إني هلاقيقك هنا مش في البيت الكبير. أنت بتعرف يا صقر ما برتاح غير بهالبيت. ابتسم يونس وقال: عارف عشان كدا جيتلك ع هنا. تقلصت معالمه إلى القلق وهتف: كنك! ربت على ركبته وقال باطمئنان: ما فيش حاجة.. بس أنا عاوز أبات عندك كام يوم وهفهمك كل حاجة. زفر بارتياح: يا لطيف رعبتني.. أنا عينا إلك يا ولدي. أشار له ليقترب ففعل ليسأله: ومين هاذي يا ولدي؟ نظر له بابتسامة ماكرة ثم عاد برأسه وأمسك بيدها والتي انتفضت

على إثرها وقال بخبث: مراتي يا شيخ أبو عواد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...