الفصل 13 | من 32 فصل

رواية يونس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسراء علي

المشاهدات
23
كلمة
2,719
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

الفصل الثالث عشر يونس هو الحب ذا يستهزئ بي، ها قد جعلني سخرية. وقادني حيث الآمال تُعد عيوبًا، والأماني مذلة. جففت وجهها بمنشفة صغيرة من قطرات الماء، ولم يُمحَ عن وجهها ملامح الاشمئزاز. ما حدث كان بمثابة صدمة قوية أن هؤلاء البشر، عفوًا ليسوا بشر، أن يفعلوا شيئًا كهذا. تسابقت عبراتها بالهطول تزامنت مع ارتجافة جسدها كلما تذكرت تلك المشاهد البشعة في حق آدميتهم. طرق سيف الباب بقلق، وبنبرة لا تقل قلقًا عليها:

روضة حبيبتي، أنتي كويسة! اندفعت كالصاروخ وفتحت الباب بطريقة أفزعت سيف، وجعلته ينظر لها باضطراب. نظرت هي له بشرر ثم قالت باهتياج: متقولش حبيبتك يا شوية قتّالين، أنا مش حبيبتك، أنا مش حبيبتك. تقدم منها سيف في محاولة يائسة لتهدئتها: طب إهدي بس يا حبيبتي. أشارت بسبابتها وهتفت بغضب: قولتلك متقوليش يا زفت، فاهم! ثم اندفعت تأخذ حقيبتها، وتبعها سيف وهو يقول بهدوء ليمتص موجة غضبها: طب تعالي أوصلك! دفعته من منكبها وصرخت:

لأ، أنا هروح لوحدي. ليقول سيف بحدة طفيفة وقشرة بروده بدأت تتصدع: تروحي لوحدك إزاي وأنتي في الحالة دي! يلا يا بتول هوصلك وأعملي بعدها اللي أنتي عاوزاه. لكزته في صدره بقوة وكادت أن تُعيدها، ولكنه أمسك يدها وقربها منه ثم همس من بين أسنانه: لحد دلوقتي أنا متفهم لحالتك دي يا روضة، لكن أقسم بالله لو زودتي فيها لأكون مورّيكي وش مش هيعجبك. حدقت به بصدمة ومن ثم قالت بحدة:

يا برودك يا أخي، وليكو عين بعد كل دا عاوزين تقتلوه، أنا كنت عارفة أنك *** بس مش بالطريقة دي. رووووضة! صرخها سيف بصوت هادر أرعبها وجعل قلبها ينتفض من بين ضلوعها. أبعدها هو بحدة عنه ثم أمسك يدها جاذبًا إياها خلفه وهدر بقوة غاضبة: كلمة كمان وهنسى أني بحبك، ويلا عشان أوديكي في داهية. وتحرك بها في اتجاه الخارج، وهي تسير خلفه كاتمة شهقات كادت أن تنفلت وتجعله يثور أكثر مما هو ثائر. ***************************************

رفت بعينيها عدة مرات علها تستوعب ما قيل منذ ثوان، لتبتعد عنه على حين غرة وتساءلت بتعجب متجاهلة انقباضة قلبها: بتحبني إزاي، إزي يعني! قطب ما بين حاجبيه وشعر بغصة تضربه في منتصف فؤاده: زي، زي الناس يا بتول، بحبك من أول ما شوفتك، بحبك وقلبي دق لك من غير ما أحس، بحبك وملهاش غير المعنى اللي وصلك. ابتلعت ريقها بصعوبة وقد بدأ وجيب قلبها يعلو من فرط الخوف وهول الصدمة. تقدمت منه خطوة وحاولت التحدث بهدوء: ودا معناه إيه!

لحقت تحبني أمتى! أنت لسه عارفني من كام يوم. أمسك ذراعيها وقال بحدة: ودا اللي هيجنيني، مش عارف إزاي وقعت فيكي، مش فاهم يا بتول، أنتي زي شهاب عدى قدامي ف لمح البصر وأنا زي الطفل اتعلقت بيه وبتمناه كل يوم. أغمضت عيناها بقوة تتحاشى نظراته التي تخترقها كالسهام القاتلة، ثم أبعدت يده عنها وقالت دون النظر له: يونس صدقني مينفعش، أنا قلبي مش ملكي، مقدرش أقولك بحبك وأنا بضحك عليك. أمسك معصمها بقوة كادت أن تُهشم

عظامها وهدر بغضب: إنما ملك واحد مغتصب وفاسد، ملك واحد قتل قرية كلها، أطفال وشباب وستات، شيوخ كانوا بيصلوا في الجامع، كانوا بيصلوا لربنا واتقتلوا غدر، ملك واحد خاين لبلده وأهله وآآآ. تراجعت إلى الخلف بما يُسمح لها، قاطعته بصراخ وهي تضع يدها على أذنيها: بس كفاية، فكرك مش عارفة كل دا، عارفاه ومش فاهمة إزاي قلبي بيدق لواحد زي دا. أمسك يدها اليمنى ورفعها أمام عيناها وصرخ بحدة: وهتنسيه إزاي وأنتي لسه لابسة خاتمه!

سحبت يدها منه وقالت بغضب: وهو دا اللي مضايقك!! نزعت الخاتم من يدها ثم قذفته في أحد أركان الغرفة. فتحت ذراعيها وقالت بنبرة امتزج بها الضحك والبكاء: أديني قلعته، شوفت قلبي بطل يدق له! شوفتني نسيت حبه! تقدمت منه خطوات وهتفت ساخطة: أنا قلبي مش آلة عشان أدوس ع الزرار وأقوله بطل تحبه ف يبطل، عمرنا ما قدرنا نتحكم ف قلبنا ولا مشاعرنا، بالدليل أهو.

أشارت بيدها إليه من رأسه إلى قدميه، وهو يقف أمامها يشعر بالخذلان والألم، الكثير من الألم. ماذا كنت تتوقع! أن ترتمي بأحضانك وتُخبرك أنها تُبادلك الحب! أغمض يونس عيناه يمتص غضبه وحزنه ومن ثم هتف بجمود: لتاني مرة بقولك أنتي صح، أنا فعلًا مش لاقي الزرار اللي أوقف مشاعري ليكي، مش هقدر أقول لقلبي يبطل يحبك، آسف إني قولتلك ع اللي جوايا، وآسف أني هنت نفسي بالطريقة دي، وآسف أني اتعشمت فيكي بزيادة، وآسف ع حاجات كتير، بعد إذنك.

ودلف إلى الخارج دون الاهتمام أن يرتدي ما يخفي جذعه العلوي العاري، وتحرك بخطوات أشبه إلى الركض عله يستطيع التنفس بحرية وعله يستطيع لملمة شتات نفسه. ************************************** في ناس يا باشا عاوزين يقابلوا حضرتك. اعتدل عدي في جلسته وتساءل: مين! أهل خطيبة سيادة الوزير. تأفف عدي بنفاذ صبر ثم قال بفتور: دخلهم خليني أشوف أخرتها.

أدى له العسكري التحية الرسمية ثم خرج وبعد ثوان عاد ومعه إسماعيل وإسلام. أمر عدي العسكري بعدم الإزعاج، فامتثل الأخير إلى أوامره وأغلق الباب خلفه. أشار عدي للآخرين وقال بصلابة: اتفضلوا اقعدوا. جلسا بصمت الذي ساد دقائق، فقطعه إسماعيل بنبرة منهكة: إيه الأخبار عن بنتي يا حضرة الظابط! رد عليه عدي ببرود وهو يتلاعب بالقلم بين يديه: والله أدينا بندور عليها ومستنيين. كور إسلام قبضة يده وهتف من بين أسنانه:

مستنيين إزاي يعني يا باشا! مش المفروض دي خطيبة الوزير! يعني ع الأقل قوموا بشغلكم. توقف عدي عن التلاعب بالقلم ورمقه بنظرة نارية جمدته، ومن ثم تشدق عدي بتحذير وهو يُشير إليه بسبابته: مش أنت اللي هتعلمنا إزاي نقوم بشغلنا، وإذا كان ع سيادة الوزير فهو قايم بالواجب وزيادة. مال عدي بجسده إلى الأمام وهمس بخبث: هو أنتوا مش نسايب برضه والمفروض يقوم بالواجب! ولا شكله كدا موراكوش وشه من بعد اللي حصل!

ثم تراجع إلى الخلف وعلى وجهه ابتسامة شامتة، بينما إسماعيل كان على وشك البكاء من أجل طفلته الضائعة، وإسلام ينظر إليه بغضب أسود. وقبل أن يتحدث سبقه والده بنبرة راجية: يا بني كل اللي عاوزه بنتي وبس، دا رجاء أب مش أكتر، ربنا ما يكتب عليك يا بني تفقد ابنك.

أغمض عدي عيناه، هو يعلم تمام العلم كيف تشعر عند فقدان أحدهم. انتابه هذا الشعور لمدة سنتين أثناء غياب أخيه. اختبر أن تعلم أنه على قيد الحياة ولكن لا تستطيع الوصول إليه. مسح عدي على وجهه وقد لمس إسماعيل فيه وترًا حساسًا ثم قال بهدوء: يا حاج إحنا بنعمل اللي علينا وإن شاء الله هترجع بخير. عليه إسماعيل بتلهف وقال: وأنا مش عاوز غير إنها ترجع. ابتسم عدي وقال: هترجع يا حاج، بس أنت قول يا رب. رفع يده إلى أعلى وهتف بتضرع:

يا رب. ثم نهض وكذلك إسلام، فتشدق عدي باطمئنان: متقلقش هنكون ع تواصل وأي جديد هبلغك. متشكر يا حضرة الظابط، نستأذن إحنا. تحركا إلى الخارج. ليضع عدي يداه في جيبي بنطاله وزفر بضيق ثم تشدق بعبوس: قولتلك يا يونس مينفعش تاخدها معاك. **************************************

توجه إلى حديقة القصر دون أن يلتفت إلى النداءات خلفه، دفع الباب بكلتا ذراعيه وركض إلى الخارج. استند على ركبتيه وأغمض عيناه بقوة معتصرًا لجفنيه. دقائق وظل على وضعه ثم عاد ليتعدل. نظر إلى أعلى وقال بتضرع: يااارب.

ثم تمدد على الأرض العشبية فاردًا لقدماه ويداه على حد سواء. ظل يُحدق في السماء الصافية وهو بعالم آخر. شرد في ذكرياتهما معًا، لسانها السليط الذي يُفقده عقله، تصرفاتها العفوية والمحببة إلى قلبه، ابتسامتها الرائعة والتي تتغلغل إلى قلبه لتجعله يهيم بها أكثر، ركضها إلى أحضانه وعتابها له على تركها، كلمتها التي أخذت ترن في أذنيه: "أنا اخترت أثق فيك يا يونس". لا يعلم تكرار هذه العبارة أتؤلمه!

أم لتجعله يتمسك ببذور الأمل التي تنبت في خبايا هذه العبارة! يكاد رأسه ينفجر من كثرة التفكير. حزن كثيرًا وتألم أكثر عندما باحت له أن قلبها لا يزال ينبض لذلك الخائن. يريد أن يذهب ويقتلع فؤاده من بين ضلوعه. يريد أن يجبر قلبها على حبه، أن يضخ في عروقها نبضه هو. يريد أن يتردد اسمه من بين شفتيها، اسمه وحده، ولكنها تظل أحلام، أو كابوس واقعه الأسود.

استيقظ على شيء ما يداعب أنفه برقة. فتح جفنيه لتظهر بنيته الناعسة، لينتفض جالسًا وهو يراها تجلس أمامه وعلى وجهها أروع ابتسامة قد يراها يومًا. هتف بعدم تصديق: -أنتي.. آآ وضعت إصبعها على فاها ثم قالت بصوت ناعم: -هششت، ممكن تسكت شوية وخليني أتكلم. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يومئ برأسه عدة مرات ولا تزال الصدمة تضرب مراكز عقله فتمنعه من الاستيعاب. ابتسمت وهي تهتف بنبرة حانية:

-أنا عملت كدا عشان أشوف رد فعلك. قلت كدا عشان أتأكد من حبك ليا. حدق بزيتون عيناها وقال: -مش فاهم، يعني أنتي عملتي كدا عشان خاطر تتأكدي من حبي ليكي! عضت على شفتيها وأومأت برأسها ثم هتفت بحرج: -آسفة. -آسفة إيه بس! وقالها وهو يجذبها إلى أحضانه بصورة جعلت قلبه يرتج داخل قفصه الصدري. أحاطت خصره بدورها وهمست في أذنه بعذوبة: -بحبك...

وانتفض من نومته على صدى تلك الكلمة "بحبك". دار برأسه باحثًا عنها كالمجنون ولكنه لم يجدها. تيقن أنه لم يكن سوى منام وردي يريده عقله وقلبه. مسح على وجهه بعنف بالغ أدى إلى احمرار وجهه ثم هتف بيأس: -الظاهر عدي كان عنده حق، محدش هيتوجع غيري... -ما بك أيها الوسيم!

تشدقت بها أنجلي التي تتهادى في ثوبها الأسود والذي يصل إلى كاحلها، ذو فتحة ظهر واسعة أظهرت ظهرها كاملًا، وكذلك فتحة صدر أبرزت جمال نحرها البض وذراعيها المكشوفان ببذخ، فظهر وشمها الذي يزين أعلى منكبها الأيسر. تركت خصلاتها حرة تداعبها نسمات الهواء. نهض يونس عن الأرض العشبية ومن ثم رسم ابتسامة خالية من الروح وقال: -لا شيء، ديانا تستعد وأردت أن أتركها تأخذ مساحتها، تعلمين النساء. اقتربت منه وهي تضحك ثم قالت:

-أعلم جيدًا، لذلك آمل ألا تعتقد أنني كنت أتلصص عليكما ولكني سمعت صوت عراك ولم أفهم شيئًا، كنتما تتحدثان العربية كما أعتقد. رد عليها يونس بهدوء: -نعم، ديانا تنحدر من أصل عربي، جدها الأكبر ذو أصل شامي، وهي تتحدث العربية وقد تعلمتها من أجلها. وضعت يدها على فاها الملطخ بلون بني وهتفت بإعجاب: -أوه حقًا، يا له من حب! تتعلم العربية من أجل خليلتك، إنه لشيء رائع. ابتسم بسخرية وهو يومئ برأسه. تقدمت منه مرة أخرى وسارت بيدها

على صدره بنعومة وهتفت: -هيا لتستعد، سيدي على وشك الحضور. أمسك يونس يدها وقال: -حسنًا سأذهب. تحرك خطوتين ليسمع صوت أنجلي يصدح بدلال: -إن أردت مواساتي فسأكون أكثر من سعيدة لذلك. رد عليها دون أن يستدير: -أشكرك عزيزتي، أعلم جيدًا، سأذهب كي لا أتأخر. وضعت يدها في خصرها وقالت: -ستجد من يدلك على غرفتك. أومأ برأسه ثم رحل. تنهدت أنجلي بحرارة، ثم عضت على شفتيها قائلة: -متى ستعلم أني أعشقك إلى النخاع، جون!

************************************** كانت جالسة على طرف الفراش تضع رأسها بين يديها. لا تدري لما تشعر بتلك الغصة التي تنهش في صدرها. تشعر بقلبها ينقبض بقوة آلمتها. حديثها تتيقن من صحته وأنه الأصح لهما، فبعدما علمته عن عز الدين وقلبها حطام، لا تريد التورط في الحب والشعور بالخذلان مرة أخرى، ولكنها من قررت الوثوق به، ولكنها أيضًا لم تعده بالحب.

زفرت بضيق عدة مرات، ثم نهضت تبحث عن خاتم خطبتها. وجدته في أحد الأركان، توجهت إليه ثم التقطته وعادت ترتديه. حدقت به مليًا وتشدقت بشرود: -مش لابساك ذكرى أو عشان أحنلك، لأ دا عشان أفكر نفسي ديما بوساختك... سمعت طرقات رتيبة على باب الغرفة ثم دلفت بعدها أنجلي بخطواتها المتهادية. رمقتها بتول بغيظ ولم تتحدث. تبع دخول أنجلي عدد من الفتيات وشاب. نظرت لهم بتول بتعجب وتشدقت: -لما هم هنا! أشارت أنجلي إليهم وقالت:

-من أجلك عزيزتي. أشارت بتول إلى نفسها وهتفت: -لي أنا! أومأت برأسها وقالت بلطافة: -نعم عزيزتي، هيا لا وقت لدينا، الحفل على وشك البدء. ثم أشارت إلى الشاب أن يقوم بعمله. تحرك الشاب في اتجاه بتول وهي تتأهب لما سيفعله، لتجده يمد يداه لينزع عنها قميص يونس. أبعدت يده عنها بحدة وقامت بصفعه شهق الجميع على إثرها، ثم تشدقت بغضب: -ماذا يفعل هذا الوغد؟ تفاجأت أنجلي من رد فعلها وقالت: -سيقوم بمساعدتك في ارتداء ثوبك.

رفعت أحد حاجبيها باستنكار وقالت بلغتها الأم: -الستات عندنا مبتكشفش ع رجالة، ولو أني أشك أنه رجالة أصلًا. تعذر على أنجلي فهم ما تقول لتهتف بعدم فهم: -عذرًا ديانا، لم أفهم ما تقولين. ابتسمت بتول باصفرار وقالت: -لا أحتاج إلى مساعدته، سأرتدي ثيابي بنفسي، أين هو! تقدمت منها الفتاة ثم أعطتها ثوبها. أخذته بتول منها وقبل أن تدلف إلى المرحاض وقالت: -لا داعي لهم هنا، سأتدبر أمري جيدًا. رفعت أنجلي منكبيها بخفة وقالت بابتسامة:

-لك ما تريدين، هيا بنا. قالتها وهي تشير إلى الفتيات والشاب الذي رمق بتول بغضب وهو يتحسس وجنته إثر الصفعة، لتخرج بتول لسانها له وهي تقول بتشفٍ: -أحسن، أحسن.

دلفت إلى المرحاض وشرعت في ارتداء ثوبها الذي يصل إلى كاحلها من اللون الأزرق الداكن اللامع، ذو أكمام تصل إلى ما بعد مرفقيها بإنشات قليلة، وفتحة صدر مثلثية صغيرة ولكنه فتحة الظهر على النقيض تمامًا حيث أظهرت نصف ظهرها ولكن يغطيه بضع طبقات من الأقمشة الشفافة، يلتف على جسدها بنعومة مظهرًا رشاقة قدها.

خرجت من المرحاض ووقفت أمام مرآة طويلة لتتأمل مظهرها، والذي حاز على إعجابها. أمسكت فرشاة ما وصففت خصلاتها المتداخلة ما بين الأسود والبني بطريقة كلاسيكية، وتركت بعض الخصلات تحيط بوجهها وكأنه لوحة فنية. أنهت تزينها بوضع لمسات خفيفة من مستحضرات التجميل، حيث وضعت أحمر شفاه باللون الأحمر القاني ليتماشى مع ثوبها، وحددت عيناها بكحل أسود ليبرز لونهما الزيتوني.

كانت بحق لوحة فنية غاية في الفتنة والأنوثة. دلف يونس على حين غرة، ليتسمر قليلًا أمام جمالها الإلهي الفتاك. ارتفعت ضربات قلبه تدريجيًا حتى ظن أنها وصلت مسامعها. هز رأسه لكي يفيق من تلك الخيالات وأبدع حقًا في رسم الجمود واللامبالاة على وجهه. تقدم منها بخطى هادئة. التفتت هي على إثرها، فغرت فاها وهي تتأمل وسامته التي أظهرتها حلته الرمادية اللامعة والذي ترك أول أزراره مفتوحة لتظهر صلابة عضلات صدره وذراعيه القويان اللذان يعقدهما أمام صدره، وخصلاته القصيرة المصففة بعناية وكذلك شعيرات لحيته التي زادته جاذبية.

ابتلعت ريقها وهي تتقدم ناحيته في محاولة منها أن تتخطى ما حدث منذ قليل، ثم هتفت بابتسامة بلهاء: -حلوة البدلة. نظر لها من طرف عيناه وقال بجفاء: -شكرًا. ابتلعت غصة جفاء صوته التي لم تعتد عليه، لتقترب أكثر منه وأمسكت يده برقة جعلت جسده يقشعر بقوة وكأن كهرباء سرت فيه ولكنه أثر إخفاء تأثيرها عليه فيكفيه ما يشعر به من ألم وكرامته التي أهدرت في اعترافه لها بما يكنه لها. تشدقت بنبرة حزينة:

-آسفة يا يونس لو كنت جرحتك، مكنش قصدي. نظر لها بسخرية ولم يرد، لتكمل حديثها وهي تحاول الابتسام: -آسفة بجد، أنا مش عاوزاك تحس إنك اتسرعت فاللي أنت قولته. انتشل يده من يدها بقسوة ورد عليها بجمود: -وهو أنا قولت إيه! أنا نسيت أصلًا، وأنتي كمان أنسي ومتشغليش بالك بيه كتير، دا كان لعب عيال.

وتقدم خطوتين في اتجاه المرحاض وأغلق بابه بقوة جعلتها تنتفض. تعلم أنها جرحته في كرامته كرجل، وأكثر ما يكرهه يونس أن تدعس كرامته، فهو عزيز النفس كثيرًا، وإن شعر أن كرامته ستُهدر، يخرج قلبه من بين ضلوعه ويدهسه بقدميه ثم يرحل وكأن شيئًا لم يكن. وقفت بالخارج تحارب دموعها من الهطول، فيونس لا تستطيع وصف ما تشعر به تجاهه، ولكن ما باتت تتيقنه أنها تتألم بقوة لألمه وكأنها هي من أصيبت بتلك الوغزة في قلبها.

طرقات على الباب تبعها دلوف خادمة والتي تشدقت وتخفض رأسها إلى أسفل: -بدأ الحفل والسيدة أنجلي تطلب وجودكما. ردت عليها بتول بلامبالاة: -حسنًا، خمس دقائق فقط. هزت الخادمة رأسها ثم رحلت وأغلقت الباب خلفها. أخذت بتول عدة أنفاس عميقة وتوجهت إلى المرحاض. كادت أن تطرق الباب ولكنها وجدته يفتح الباب بوجهه الجامد. عادت خطوتين إلى الخلف وهتفت بتلعثم: -آآ.. أنجلي.. آآ قاطعها بيده وقال بصلابة: -سمعت، يلا. ردت عليه بخفوت: -يلا.

تحركت عدة خطوات أمامه، ليجذبها بيده إليه. توترت بتول وقبل أن تتحدث تشدق هو: -مينفعش تسبقيني كدا، هنطلع زي ما دخلنا. ولم يتسن لها الفهم، حيث قام بلف يده حول خصرها بنعومة تخالف صلابته. تضرجت وجنتي بتول بخجل ولكنها لم تبدِ أي رد فعل، فهي باتت تعشق قربه لها تستمد منه الأمان والقوة، وأصبح يونس لغز جديد بات يثير حيرتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...