رنات متتابعة على باب الشقة دفعت تسبيح للإسراع رغم حالة قدمها لتفتح ليواجها حازم الذي اندفع للداخل بشكل هيستيري حتى وصل لغرفة ابنته بدور. تسبيح في ذعر: فيه إيه يا حازم؟ إيه اللي بيحصل؟ دفع حازم الباب لتنتفض بدور من موضعها هاتفة في تعجب: خير يا باب فيه إيه؟ جذب حازم هاتفه من جيب سترته هاتفا وهو يلتقط أنفاسه
في تتابع صارخا في انفعال: فيه ده يا آنسة. الباشا اللي كان بيحفى عشان نوافق على جوازكم. اسمعي بنفسك بقى إيه وفين. الكلام ده مش المفروض إني أسجله أصلاً بس كان لازم أعمل كده عشان تسمعيه بودانك وتبصي بقى لمستقبلك اللي هيضيع. وانت طول الوقت بتبكي وبتفكري في الباشا ورامية البكالوريوس اللي امتحاناته كمان كام أسبوع. وأنتِ ولا هنا.
دمعت عين بدور، فقد كانت هذه المرة الأولى التي يتحدث أبوها إليها بهذا الشكل الشديد اللهجة معنفا. ضغط حازم على زر التشغيل على جواله ليندفع صوت أحد القادة الزملاء مؤكدا له: أه والله يا حازم زي ما بقولك كده. ده الإدارة مقلوبة. الولد ده كان من أكفأ الظباط وكان الكل حاطين له توقعات عالية. اللي حصل ده صدمة. إيه اللي خلاه يعمل كده؟
ده سرب كل خطط المجموعة بتاعته للزفت اللي اسمه سعفان ده. واللي بقالنا سنين وراه ومش طيلينه. أنت عارف إن صاحبه ودفعته كان معاه في المأمورية. الولد حالته صعبة بين الحيا والموت في المستشفى. ده لسه عريس جديد وكان يومها لسه عارف إن مراته حامل. ربنا ينجيه. بجد الولد منتصر ده هيخلينا نعيد حساباتنا في حاجات كتير. هتف به حازم في صدمة: أنت متأكد من اللي بتقوله ده يا وفائي؟
أصل أنا أعرف منتصر كويس. الولد ظابط شاطر ومش ممكن الخيانة دي تطلع منه. أكيد فيه سر في الموضوع. هتف اللواء وفائي: السر الوحيد في الفلوس. ده اشتروه بالفلوس. وباع القضية. اغلق حازم الكلام المسجل على هاتفه لتهتف تسبيح في صدمة: أنا مش مصدقة يا حازم. هو بيتكلم على منتصر اللي كان عايز يخطب بدور؟
أكد حازم هاتفا في حنق: أيوه يا ستي. هو سي زفت. اللي بحمد ربنا ألف مرة إني سمعت كلام عمي عاصم وموافقتش إن اسمه يرتبط باسمنا. أدي آخرة أمثاله. حتى لما بيعلى بيختار الجانب الواطي ويروح له. كل واحد بيحن لأصله.
ربتت تسبيح على كتفه مهدئة ليندفع هو مبتعدا تاركا بدور التي كانت ما تزال تحاول استيعاب الموقف وتلك الصدمة التي استمعت لها منذ لحظات. لا يمكن أن يكون من يتحدث عنه أبوها بهذا الشكل هو منتصر الذي كان يعشق عمله بكل ذرة في كيانه. لا. هناك بالتأكيد أمر مريب. لكن هذه الحقائق التي أكدها صديق والدها مذكورا فيها بالاسم. كيف لها أن تكذبها؟ شهقت في قهر محاولة إنكار تلك الحقيقة الجلية أمام ناظريها كشمس الظهيرة.
لقد انتهت حكايتها مع منتصر بأسوأ نهاية يمكن أن يتخيلها بشر. حتى ذاك الأمل الذي كان يراودها والذي حلمت بتحقيقه يوما ما. واجتماعهما بعد إقناع جدته لم يعد متاحا من الأساس. حتى الأمل اغتيل بيديه. ما عاد لها أن تحلم. ما أضحى لها الحق في ذلك.
جلست منهارة موضعها، تتابع شهقاتها في وجيعة. على كل ما كان. ظلت على حالها، لا تعلم كم مر عليها وهي تبكي، لكنها أمسكت الهاتف وبلا وعي، وجدت نفسها تدق على رقمه، لعله يخبرها أن ما يدعيه أبوها عنه غير صحيح. ظل الهاتف يرن بلا إجابة، ما دفعها لتزيد من وتيرة بكائها. لم لا يرد عليها؟ لم لا يريح بالها؟
لم تشعر بنفسها إلا وهي تضع إحدى الأغنيات على حالتها على الواتس لعله يراها كما حدث سابقا. انتفضت عندما رأته يشاهدها بعدها بدقائق. رنت من جديد، فبالتأكيد سيرد الآن. لكن يا لخيبة أملها! فقد أغلق هاتفه تماما، تاركا إياها تموت من قهرها. *** أصدرت العربة صوتا مزعجا ثم توقفت فجأة على ذلك الطريق الجانبي الذي يتاخم سراي الهواري. ماذا حدث؟
لا يعلم ما عليه فعله وهو وحيدا هنا. قرر الاتصال بسمير ليأتيه. حتى يرى التصرف المناسب في مثل هذا الوضع. فقد أصبح عالقا ما بين هذه الدار والأرض المتاخمة في هذا الطريق الضيق الذي يبدو أنه سلكه عن طريق الخطأ.
تطلع لشاشة جواله وزفر في حنق. فلا إشارة تذكر ورغم ذلك داس زر الاتصال لعل وعسى. لكن فشل الاتصال. ما دفعه ليضع هاتفه بجيب سترته من جديد. ويتطلع حوله ربما يجد من يستطع مساعدته. لكن بلا جدوى. فما من بشري واحد بالجوار، وكأن العالم قد خلا من قاطنيه فجأة.
استند على مقدمة السيارة ينتظر الفرج. لكن تناهى لمسامعه صوت بكاء. أنين خافت جعله يشرئب بعنقه محاولا البحث عن صاحبه بين هذه الأشجار الممتدة حوله على طول ذاك السور الخلفي المنخفض لهذه الدار العريقة. كان ثمة فتحة طولية كشق بجدار السور أشبه بباب خلفي غير معلن. لا يعلم ما الذي دفعه لاختراق خصوصية المكان، على غير عادته، والولوج عبر هذا الشق باحثا عن موضع الهنات الموجوعة التي يسمع. والتي بدأت وتيرتها تعلو وتقترب. يبدو أنه أصبح قاب قوسين أو أدنى من صاحبها. أو صاحبتها.
نعم صاحبتها التي طالعته صورتها الجانبية وهي تجلس تبكي تتطلع لشاشة ما. تعاتب عليها شخصا في لوعة هامسة من بين أنينها: ليه كده؟ حرام عليك. كنت قلت. ليه تعمل في نفسك كده؟ تطلع في تعجب لمدى تأثرها. هل تعاتب حبيبا قاسيا قرر الرحيل؟ أم من تعاتب بهذه الحرقة وذاك الوجع؟ أقترب في جرأة، لا يعرف من أين واتته. الفضول كان قاتله، إن لم يدرك لمن كل هذه اللوعة التي مست شغاف قلبه شخصيا!
وقع ناظره على شاشة الحاسوب وكاد أن يشهق في صدمة. إنها تشاهد فيلمه المفضل. كانت تبكي بطل الفيلم الفرنسي، الذي كان يموت اللحظة، وهو يعترف بحبه لابنة عمه التي يعشق. كان يرى نفسه دميما لا يصلح للحب. فأخذ يرسل لها الخطابات يبثها لواعج قلبه وأوجاع الهوى، عبر صديقه الوسيم الذي علم أنه يحبها كذلك، والذي ظنت بنت عمه أنه هو الذي يرسلها. فأعجبت به، بل هامت به عشقا. ليقرر البطل الابتعاد والانخراط في المعارك. حتى يسلم الروح أخيرا، بأحضانها، وهو يعترف اعترافه الأخير بعشقه لها.
كان اعتراف البطل موجعا، حتى أنه كان يحفظه عن ظهر قلب، لذا هتف به دون وعي منه، بفرنسية خالصة، حتى أن سجود اختلط عليها الأمر، وهي تسمع اعترافين، أحدهما كان من فم ذاك الذي يقف خلفها، ما جعلها تنهض منتفضة من موضعها. فسقط الحاسوب من على حجرها وشهقت في صدمة وهي تتطلع له هاتفة: أنت؟ هتف هو بنفس الصدمة: أنتِ؟ ظل كلاهما على حالة الصدمة التي شملتهما حتى هتف هو أخيرا قاطعا ذاك الصمت المربك: أنا يوسف. يوسف حسام التهامي.
شهقت من جديد: حضرتك بن عمي حسام اللي في فرنسا؟ هز رأسه بالإيجاب لتستطرد: أهلاً وسهلاً. اتفضل. هتف يوسف: أنا آسف إني اقتحمت المكان كده. بس العربية عطلت بره ومعرفتش أوصل لسمير عشان مفيش شبكة. هزت رأسها متفهمة: ولا يهمك. ما ده بيتك برضو. هروح أنادي لك على عاصم أخويا يعمل اللازم. وكمان ستي زهرة. أكيد هتبقى حابة تسلم عليك. دي تبقى أخت جدتك ندى الله يرحمها. هز رأسه في إيجاب لكن ما أن همت بالابتعاد
قليلا حتى هتف متسائلا: حضرتك معرفتنيش بنفسك؟ استدارت متطلعة إليه هاتفة في حياء: سجود. اسمي سجود. وبالمناسبة. نسيت أشكرك على اللي عملته معايا من فترة. هتف مبتسما في أريحية: لا شكر على واجب. ابتسمت بدورها واندفعت لداخل السراي لتخبر الجميع بذاك الضيف الذي آتاهم من حيث لا يحتسبوا. ***
تطلع نحو شاشة الهاتف التي تضئ باسمها، كان قلبه يكاد يقفز من بين أضلعه ليرد عليها. صوتها الشقي النبرة الذي يثير بداخله مشاعر شتى، اشتاقه فوق الحد. ظل يتطلع نحو الشاشة، التي أضاءت وأغلقت عدة مرات، كأنما هو طقس لتعذيب ذاته، وجلد روحه، واختبار لقوة تحمله.
أمسك هاتفه، رغبة في غلقه، لكن يده بلا إرادة منه، ضغطت على أحد التطبيقات، دخل لمجرد رؤية صورتها، ليجدها أنزلت أغنية على حالتها على الواتس، جاهد كثيرا حتى لا يدخل لمشاهدتها، لكنه انهزم شر هزيمة، وهو يضغط لمشاهدة الحالة، ليجدها أغنية تصدح معاتبة: أنا مش هقولك حاجة. مش هلومك، مش هعاتبك. خليك كده يا حبيبي. عيش لوحدك داوي جرحك. بالعذاب. عايز تسيب نفسك كده. سبها. وتعالى على نفسك وعذابها.
بس أبقى قولي اللي أنت فيه ده نهايته إيه؟ حرام عليك. جز منتصر على أسنانه، شاعرا بالقهر من رسالتها، كان غارقا في كلمات الأغنية ولم ينتبه لتلك التي اقتربت منه في غنج، هامسة وهي تمرر أطراف أصابعها على ذراعه في إغواء: إيه يا باشا؟ نحن هنا! اللي واخد عقلك، يا رب ما يتهنى بيه إلا لو ساب لي حتة صغيرة قد كده. وصنعت دائرة قطرها باتساع ذراعيها عن آخرها، ما دفعه للابتسام هاتفا: خير يا نغم! المعلم عايزني؟
هتفت له بنبرة مغوية: المعلم موصيني عليك، وأنا بقى مش محتاجة وصاية، وأنا شايفة أك متكدر حبتين، وده ميخلصنيش، فلازم نفرفش الباشا بتاعنا، وإلا ميبقاش لينا لازمة بقى. تطلع إليها منتصر متخابثا، وهتف متسائلا في مجون: تفرفشيني إزاي؟ جذبته نغم من كفه، ودفعت به نحو حجرتها القريبة من موضع وقوفهما، هاتفة في دلال: تعالى وأنا أقول لك.
ما دفعه ليقهقه، وهي تتوجه نحو هاتفه، تضغط زر إغلاقه، وتلقي به بعيداً، قبل أن تندفع لداخل الغرفة، دافعة الباب تغلقه دونهما. ***
كانت تجلس كعادتها في الفترة الماضية، بغرفة القراءة، تنهي الرواية التي اختارها لها عاصم، قبل أن تغادر، تجري أعينها على الأسطر في نهم واضح، حتى تصل للنهاية التي كانت بانتظارها في شوق ولهفة، وأخيرا تنهدت وهي تغلق ضلفتي الرواية، تشعر بالسعادة لنهايتها السعيدة التي أثلجت صدرها. نهضت تضع الرواية موضعها بالأرفف ولم تدرك أن زهرة وصلت، وقفت خلفها في هدوء، استدارت لتجدها، فابتسمت في وداعة، لتبادرها زهرة متسائلة: خلاص هتسافري؟
أكدت فريدة في إيماءة من رأسها، وهتفت في هدوء: أه، خلاص طولت هنا، هرجع بقى، كل حاجة في إسكندرية وحشتني. هتفت زهرة، في اضطراب: يعني عمرك ما فكرتي تعيشي هنا؟ ردت فريدة متعجبة: أعيش هنا؟ هو الصراحة النجع هادي، والمكان جميل، بس إسكندرية ليها وضع مختلف عندي، مش متخيلة أعيش في أي مكان غيرها. ترددت زهرة للحظة تسألها: حتى لو حبيتي، وكان اللي بتحبيه، مش هيستقر في إسكندرية؟ صمتت فريدة للحظة،
وأخيرا هتفت متنهدة: معتقدش إني هحب وأتحب يا زهرة، الموضوع ده بعيد عني قوي، أنا بتاعت شغل وبس، موضوع الحب والارتباط ده واضح إن ليه ناسه، وأنا بقى مش ناسه، بس ليه الأسئلة العجيبة دي؟ هتفت زهرة مبررة: لا أبداً، أنا قلت يعني، يمكن لو حد معجب بيكي من هنا، هاترضي تسيبي إسكندرية وتيجي النجع، وتعيشي معاه عادي؟ ابتسمت فريدة مؤكدة: ومين ده المأسوف على شبابه؟ هتفت زهرة في عجالة: عاصم. اضطربت فريدة متعجبة: عاصم مين؟ عاصم بتاعنا؟
هتفت زهرة مؤكدة: أه، عاصم. هتفت فريدة في دهشة: عاصم آخر حد ممكن أفكر فيه! عاصم ده أخويا الكبير اللي ربنا مرزقنيش بيه، حد جدع قوي ومحترم جدا، وراجل بجد، بس مش ليا. هتفت زهرة والعجب من نصيبها هذه المرة: طب ليه؟ ده أنا كنت فاكرة إنكم.. يعني.. ابتسمت فريدة، وهتفت: لا مش اللي جه في بالك خالص، عاصم كان بيحل لي مشكلة مش أكتر، لكن موضوع الحب ده، أنا رميته ورا ضهري يا زهرة لأنه تضييع عمر ووقت من غير لازمة.
هتفت فريدة بكلماتها الأخيرة في وجع لم يكن ليخفى على سامعها، لتستشعر زهرة معاناتها، وتدرك بشفافيتها، أن فريدة هزمها العشق، كما هزم قلوب الكثيرين قبلها، وأنها فقدت الإيمان به، وكفر قلبها باعتناق مذهب العشاق، كما كفر قلبها. همت زهرة بالحديث، لكن ظهور عاصم أخرسها، وتطلعت إليه في اضطراب، ليهتف عاصم بعد نصيحة من نوارة، داعياً فريدة: يالا يا فريدة، العربية جاهزة، عشان أوصلك للمحطة. هتفت فريدة ممتنة: هتوصلني بنفسك؟
كتر خيرك يا عاصم، كلك ذوق. هتف عاصم مبتسما، ليترنح قلب زهرة بين أضلعها: على إيه يعني؟ دي حاجة بسيطة، هنوصل نوارة لشغلها، وبعدين نطلع على المحطة، يالا عشان منتأخرش. همت فريدة بالتحرك، لتهتف زهرة في تهور لم يكن يوماً من عاداتها: ممكن أجي معاكم؟ تطلع عاصم نحوها، ولم ينبس بحرف لبرهة، قبل أن يهتف مرحباً: وماله، تعالي، أهو تغيري جو شوية، بقالك كتير مخرجتيش بره السرايا. ابتسمت زهرة
هاتفة وهي تندفع لغرفتها: خمس دقايق بالظبط وهكون معاكم. تابعتها نظرات عاصم حتى غابت، وعلى شفتيه ابتسامة سعادة، فهذه هي المرة الأولى التي يجد على محياها حماسة لأمر ما منذ زمن بعيد. أما فريدة فقد عادت لتجلس على كرسيها من جديد عيونها تتابع تلك البسمات التي ظهرت على محيا عاصم، وأدركت بقلب خبر العشق وأوجاعه، أن عاصم يعشق تلك المغفلة، التي غادرتهما للتو، وعلمت لم كانت كل تلك الأسئلة العجيبة التي أمطرتها بها منذ دقائق.
تنهدت فريدة في شجن، فكم لعب العشق بقلوب! أسعد بعضها وأشقى أخرى، وما بين هؤلاء وهؤلاء، نجلس نحن متخذي دور المتفرج على مسرحية العشق والدموع التي تدور رحاها على منصة الحياة، ولا رد فعل لنا إلا التصفيق بحرارة، عندما يسدل الستار معلناً نهاية الحكاية، إما باجتماع العاشقين، أو الفراق.
اندفع عاصم يجهز العربة، ولحقت به نوارة وكذا فريدة بعد أن ودعت كل من بالسراي، محملة بالكثير من الدعوات والسلامات، وبعدها بدقيقة كانت زهرة، التي جلست بالخلف جوار فريدة، بعد أن احتلت نوارة المقعد الأمامي جوار أخيها، الذي انطلق بهن، حتى أنزل نوارة على أول الطريق لدار السليمانية كما طلبت، رغبة في مقابلة رائف كما تعودت. ***
جلس يونس في أريحية مطالباً هاتفه الجوال بينما قدمت سماحة لتقدم له الشاي. تناول الكوب من كفها ووضعه جانباً متطلعاً نحوها. ثم حاد بناظره نحو شاشة جواله ضاغطاً على زر تشغيل أغنية كانت باسمه وكان يعشقها صغيراً حتى أنه كان يحفظها عن ظهر قلب. ولم يكن يعلم أن كلماتها ستكون هي الوصف الأدق لحاله وحال قلبه. أخذ المطرب يتغنى بالكلمات وهو يردد معه في شجن: يونس في بلاد الشوق. آه يا ولد الحناوي. بتونسني دموع العين.
وأنا سايب أهالي. جلست سماحة أرضاً كعادتها، وهتفت به بصوتها الخشن الذي تصطنعه، لتصبح نسخة من رجل صارم، وسألت على استحياء: هو لسه جلبك متعلق بحبال العشق يا بيه؟ تطلع إليها يونس مستمتعاً بمشاكستها: بتسأل ليه يا سماحة؟ جلبك دج وعايز استشارة ولا إيه؟ انتفضت سماحة مؤكدة: لا. بعد الشر عليّ. أنا بس بسأل بطمن عليك. ابتسم يونس مشاكساً: يهمك جَلبي جوي كده؟ أكدت سماحة تحاول أن تظهر الثبات: معلوم يا بيه. أنت تهمنا برضه.
هتف يونس متغنيا يردد مع الأغنية التي كانت ما تزال تصدح: جَلبي ضائع مين يلاقي لي. باين نسيته حد أهلي. ما أن أنهى غناءه حتى انتفض يونس أمراً سماحة: تعال نحطب! اضطربت سماحة، ووافقه، غابت لداخل الدار برهة، وعادت بالعصي من حجرة الحناوي الكبير، مسلمة إحداها ليونس وتشبثت بالأخرى. وقف كلاهما وجهاً لوجه، وقد بدأت الأغنية تعيد نفسها من جديد.
بدأ النزال وتلاحمت العصي، وبدأ الطرق بينهما يرتفع، كأنما هي لعنات شديدة الوطأة بين طرفين متناحرين. ضغط يونس بعصاه مقترباً منها، حتى أصبح كلاهما وجهاً لوجه. وهمس مترنماً وهو يتطلع لعمق عينيها: ينفع أحبك من غير جلبي؟ لا تعرف لما اضطربت، فهي تدرك تماماً أنه يردد كلمات أغنيته المفضلة التي تتكرر اللحظة!
كلفها اضطرابها هذا غالياً. فقد فقدت تركيزها تماماً. ولان تمسك كفيها بالعصا، ليدفع بها يونس بعيداً على حين غرة، وهي تقف بلا حول ولا قوة، ليعلن فوزه مقترباً منها، هامساً بصوت رخيم ذوبها: كنت هقول أهو ده المحبوب. ويدوب جلبي قبل ما أدوب. وجدها تتطلع نحوه متسمرة، ليهتف بها منبهاً: سماحة.. يا ولد. انتبهت سماحة هاتفة: نعم يا بيه؟ ابتسم يونس متسائلاً في خباثة: إيه اللي واخد عقلك يا حزين؟ أكدت
سماحة وهي تندفع مبتعدة: كانت أمي بتنادي عليّ. هشوفها وأعاود يا بيه. هتف يونس يستوقفه: سماحة! استدارت سماحة متطلعة نحوه، ليهتف بها أمراً: جولي للخالة سعيدة، تحضر طاجن السمك بالفريك. لحسن اتوحشته. اضطربت سماحة متسائلة: لسه جلبك على حاله ما طابش يا بيه؟ طب يبقى علاج ممنوش فايدة. اتسعت ابتسامة يونس مؤكداً: وأنت مالك يا حشري. كنت شريكي. خليها تعمله وخلاص.
هزت سماحة رأسها موافقة، وقد ظهر على ملامح وجهها الكدر للمرة الأولى، معتقدة أنه ما يزال عليلاً، بعشق تلك التي تركها خلفه مخلفاً قلبه معها. يريد الشفاء من داء عشقها، والذي يبدو أنه داء عضال لا شفاء منه أبداً. *** صرخ بنعمة هاتفا: يا نعمة أعمليلي شاي. لم ترد نعمة، فلم تسمع ندائه من الأساس، فأعاد النداء في حنق: يا نعمة.. نعمة.
نهض من غرفته، باحثاً عن تلك التي تضع على أذنيها سماعات، طرق باب غرفتها فلم ترد، دفع الباب في قلق هامساً باسمها، ربما تكون نائمة، لكنه وجدها تجلس وهي تضع السماعات، فأعتقد أنها تسمع الأغاني كعادتها، فجذب إحدى طرفي السماعة، مقرراً مشاكستها، لتنتفض نعمة، متطلعة نحوه، لكنه هتف بها: سيباني أنادي عليكِ بقالي ساعة، وأنتِ قاعدة بتسمعي لي أغاني هنا! همست نعمة وهي تبعد الطرف الآخر عن أذنها، وبعد أن ضغطت زر أغلق الصوت
حتى لا يصل للطرف الآخر: أنا مش بسمع أغاني يا سيدي، أنا بكلم حسن. اضطرب وما عاد قادراً على جمع شتات نفسه، لكنه أخيرا استجمع شجاعته متسائلاً: أزيك؟ هتفت به نعمة، مشيرة لشاشة الهاتف: زي الفل، لو شفتها مش هاتعرفها، يا بني دي كانت لسه بتفرجني على أوضتها حاجة كده قد نص شقتنا دي. هتف نادر: هي لسه معاك على التليفون؟ أكدت نعمة: أه، هي راحت بس تشوف عمتها كانت بتناديها وراجعة. سمعت صوت
يناديها من الطرف الآخر: يا نعمة، أنتِ روحتي فين؟ هي الشبكة عملتها ولا إيه؟ هتفت نعمة وهي تجذب السماعات من الهاتف، لتفتح الميكروفون: لا يا حسن، أنا معاك أهو. هتفت حسن: معلش، غبت عليكي، قوليلي بقى عاملة إيه، كلكم عاملين إيه؟ وحشتوني جداً، ووحشتني الحارة. هتفت نعمة ساخرة: وحشتي مين يا بنتي! ده بعد العز اللي أنتِ فيه ده، يخليكي تنسي نفسك مش الحارة!
هتفت حسن مؤكدة: لا والله يا نعمة، محدش ينسى أصله وأهله، كتير بحن لأيام الحارة برغم صعوبتها، وبرغم أن مفيش مقارنة بينها وبين العز اللي أنا فيه. هتفت نعمة مازحة: عشان أنتِ فقرية. قهقهت حسن في أنوثة، بشكل هز قلبه، وهتفت مؤكدة: الظاهر إني فقرية بجد، بس هقول إيه بقى، القلب وما يريد. هتفت نعمة مازحة، وهي تستمع في الخلفية لصوت أغنية خليجية تصدح بقوة وبصوت عال: أيوه يا عم، وبقينا بنسمع أغاني خليجي كمان!
هتفت حسن ضاحكة: ده عبد المجيد عبد الله، عمتي بتحبه قوي، هي اللي فتحاه على طول، وأنا كمان بحب الأغنية دي قوي. هتفت نعمة: بتقول إيه بقى؟ ترجميلي، أحسن أنا عندي الخليجي بعافية شوية. هتفت حسن ضاحكة: حاضر يا ستي، بيقول: نفسي تجيني وأجيك. أعاتبك وأشتكيك. عيني بتسألني عنك. وقلبي يسلم عليك. هتفت نعمة: إيه ده! والله كلماتها حلوة. يعلم ما الذي دفعه ليهتف: أزيك يا حسن!
صمت مطبق من كلا الطرفين، ولم يكن يقطعه إلا صوت المغني الذي يأتيهما من الخلفية، ما دفع نعمة لتهتف: حسن أنتِ معايا! تمالكت حسن نفسها، هتفت بصوت متحشرج: أه يا نعمة، الظاهر الشبكة وحشة. كانت حجة مفضوحة، فلو كانت الشبكة سيئة ما وصلهما صوت المغني من جانبها، صافي وغير متقطع أو حتى كان اختفى. هتفت نعمة من جديد: مردتيش على نادر، أهو جانبي وبيسلم عليكِ. هتفت حسن محاولة السيطرة على اضطرابها: ازيك يا باشمهندس، أخبارك إيه؟
هتف نادر، وهو يدير الشاشة نحوه، حتى يراها، عندما علم أن نعمة تدير الكاميرا من البداية، وتأكد أنها ترتدي حجابها: تمام يا حسن، كويس، مرتاحة عندك؟ هتفت حسن وهي تحاول جمع حروف الكلمات المعلقة، والمبعثرة هنا وهناك بفكرها: الحمد لله، تمام، ماشي الحال. ابتسم نادر هاتفا: بقيتي بتتكلمي زيهم كمان أهو! طب أهم حاجة إنك كويسة ومرتاحة.
همت حسن بالإجابة، لكن صوت رجولي هتف يناديها من خارج غرفتها، ما أشعل النيران بشرايينه حنقا، فدفع الهاتف لنعمة، ونيران الغيرة تلتهم حطب صبره، ليخرج مهرولاً لا من الغرفة فقط، بل من الشقة كلها مندفعاً للسطح، ولا يعلم ما الذي دفعه ليضغط على أداة البحث بهاتفه، باحثاً عن هذه الأغنية الخليجية التي قالت إنها تحبها، والتي سمعها لتوه عندها، ليصدح صوت المغني شادياً: انت الأماني الجميلة. يا غايتي والوسيلة. خلاص ما بيدي حيلة.
إلا تجيني وأجيك. كان في عالم آخر، فقد سمع أخيرا صوتها ورأها، كان يشتاقها كثيرا، بشكل لم يكن يتوقعه. انتفض عندما أتاه صوت بدور هاتفا: طبعاً حضرتك هنا قاعد بتسمع أغاني، ومش دريان بالمصيبة اللي أنا فيها. تطلع نحو بدور التي تقف على أعتاب السطح تحمل كتبها، وتلتقط أنفاسها في تتابع مستطردة: أنا بضيع يا وديع. ابتسم نادر هاتفا: وإيه الجديد؟ زمت ما بين حاجبيها معترضة، لينفجر ضاحكاً على أفعالها، أمراً
إياها: تعالي يا خيبتها، فيه إيه؟ تقدمت نحوه، دافعة بالكتب على الطاولة الموجودة قبالة الأريكة التي جلس عليها لتوه، وقد مد كفه ليغلق الهاتف، ليخرس صوت الذكريات التي تنكأ جرح قلبه فيبعادها، لتهتف بدور معترضة: لا متقفلهاش، أنا بحب الأغنية دي قوي. همس نادر متعجباً: الظاهر كلكم بتحبوها، وأنا اللي مكنتش أعرفها.
لم ترد عليه بدور، فقد استندت على حافة السور، وقد غابت في ذكرياتها وذاك الخائن الذي طعن القلب بخنجر من غدر، وفر هارباً كالجبناء، حتى أنه رفض مواجهتها. أعاد المغني كلمات المقطع الأخير، كأنما يزيد الجرح وجيعة: لو توقف الناس ضدي. ما يختلف فيك ودي. ما يعادلك حد عندي. بالروح أنا مشتريك. دمعت عيناها، وهتفت بنادر حانقة: ولا أقولك، أقفل الهبل ده، هيافة مش جايبة همها، وخلينا نذاكر أحسن، مستقبلنا هيضيع عشان ناس متستاهلش.
تطلع نادر نحوها، وقد أدرك أنها مجروحة حتى النخاع، كان يعتقد في وقت ما أنه يحبها، لكنه أدرك أن ما بينه وبين بدور، لا يتعدى صداقة بحكم العلاقة العائلية التي تربطهما، والتي عضدتها دراستهما المشتركة بنفس الكلية والقسم، أما القلب، فهذا شأن آخر تماماً، شأن متعلق بتلك التي غادرته في غفلة من تعقله، تاركاً إياها تبتعد عنه، مورثاً إياه لهيباً في القلب ولوعة لن يداويها إلا قربها الذي أضحى بعيد المنال، بل يكاد يكون مستحيلاً. تنهد مغلقاً الأغنية، ممسكاً بالمذكرات، أمراً إياها بنبرة أخوية، مازحاً: أنزلي هات لنا كوبايتين شاي من تحت، وتعالي أشوف إيه اللي أنتِ مش فهماه، يا فاشلة.
هتفت به بدور مهادنة: ماشي يا هندسة، هعدي التتنيكة دي بمزاجي، عشان بس المصلحة تحكم، يا رب متحوجناش، للي يسوى واللي ما يسواش. واندفعت للأسفل تحضر الشاي، يتبعها بضحكاته، وهو يتطلع لتلك الصفحات المطوية داخل مذكراتها، والتي ترغب في فهمها. ***
طرقت أمه الباب، فلم يعد بإمكانها البقاء بعيداً أكثر من هذا، عليها التدخل لتحاول معرفة ما يفكر به، وما يجول برأسه من أفكار، من أجل تحقيق وعده لآية. دخلت تحمل طبق الفاكهة المعتاد، وضعته جانباً وتقدمت نحو مروان، الذي كان منكباً على بعض الكتب والمذكرات على غير العادة، فقد توقعت أن تجده يمسك بفرشاته، ويرسم عالمه الذي يرتضيه، لكنه خالف توقعاتها، ما دفعها لتسأله في فضول: بتعمل إيه يا مروان؟
رفع رأسه عن أوراقه، وتطلع نحو أمه مبتسما، هاتفا: هكون بعمل إيه يا ماما! هو أنتِ نسيتي إني في جامعة وفيه امتحانات ولا إيه؟ تساءلت متعجبة: هو أنت هتدخل الامتحانات السنة دي؟ أكد بإيماءة من رأسه: أيوه يا ماما، بإذن الله. ابتسمت رابتة على كتفه، وهتفت في سعادة: ربنا يوفقك يا حبيبي، بس هو.. قطعت حديثها، ليتطلع نحوها مؤكداً: هو إيه يا ماما؟ قصدك على آية؟ هزت رأسها إيجاباً،
ليستطرد هاتفا: كل اللي بعمله ده عشان خاطر آية، لازم أخلص الكلية، عشان لسه المشوار ورانا طويل. هتفت ثريا متعجبة: مشوار إيه اللي لسه طويل؟ أنت بتفكر في إيه بالظبط يا مروان؟ أكد مروان وهو يعود للتركيز بأوراقه، هاتفا في هدوء: متقلقيش يا ماما، خير إن شاء الله.
تطلعت نحوه لبرهة، قبل أن تتركه وتغادر الغرفة، لا تعلم ما عليها فعله، لكنها هدأت قليلاً عندما أيقنت أن عليها تركه ينهي اختباراته قبل الحديث عن أي أمر آخر، فما يجول بخاطرها اللحظة، غير وارد على الإطلاق. *** لم تخطُ نوارة خطوتين، بعد أن تركها عاصم ليلحق بقطار فريدة، حتى ظهر رائف كعادته، مترجلاً عن أدهم، ليسيرا جنباً إلى جنب، اندفع نحوهما سامر متسائلاً دون أن يلقي التحية حتى: هي فين الآنسة فريدة يا دكتورة؟
هتف رائف متعجباً: مش الناس تقول صباح الخير الأول؟ اضطرب سامر، بينما هتفت نوارة مبتسمة، ترد على تساؤله: فريدة سافرت. هتف سامر في صدمة: سافرت! أمتى؟ أكدت نوارة: هي رسمياً لسه مسافرتش، هو لسه عاصم أخويا منزلني، وراح بها على المحطة عشان.. لم يمهلها سامر لتكمل كلماتها، بل اندفع مهرولاً، صارخاً ينادي السائق لإحضار السيارة، رغبة في الانطلاق نحو محطة القطار في التو واللحظة، متأملاً في الوصول بالموعد قبل مغادرة القطار.
تطلع كلاهما نحوه، وانفجرا ضاحكين على أفعاله، تعلقت نظرات رائف بنوارة وضحكاتها التي أشرقت معها الشمس اللحظة، وتنبهت هي، فأخفضت نظراتها حياء، ليهتف رائف بها في وجل: نوارة! رفعت نظراتها نحوه في اضطراب، فهي المرة الأولى التي ينطق اسمها مجرداً من أية ألقاب، ليستطرد في ثبات، رغم فوضى مشاعره: أنتِ مرتبطة؟ يعني في حد في حياتك أو في قلبك؟
هزت رأسها نفياً، وهي لا تقوى على التطلع نحوه، فلم تتوقع يوماً أن تصبح في هذا الموقف، وأن تشعر بكل هذا الاضطراب الذي يشملها كلياً، ويعقد لسانها عن النطق، وأخيراً، وجدت أحرف أبجديتها، وهمست بصوت متحشرج مدعية ثباتاً وهمياً، لم يقنعه البته، وهي تسأله: ليه الأسئلة الغريبة دي كلها؟ لم يجيبها مباشرة، بل دفع كفه في سرج الأدهم، وأخرج رواية ما، سلمها لها هاتفا: الإجابة هتلاقيها في الرواية دي.
مدت كفها تتناول منه الرواية، واندفعت مبتعدة عنه، تدخل استراحتها، فما عادت تملك الجرأة على الوقوف للحظة أخرى أمامه، وهي بكل هذا الارتباك، دفعت باب الاستراحة مغلقة إياه في سرعة، تستند عليه ودقات قلبها تخلق فوضى من حواس لم تخبرها يوماً، طبول أفريقية وحشية، تعلن حرباً ضروساً، على إغفالها الاعتراف بعشقه، الذي كانت تجاهده حد الكراهية، وتنكره حد الذنب. همت بالاندفاع لتجلس وبيدها الرواية، لفتحها والبحث عن إجابة سؤالها المعلق، لكن تلك الضربات المتتابعة على باب الاستراحة جعلتها تفتح في عجالة،
تسأل الطارق المتعجل: خبر إيه؟ أكد الطارق، الذي لم يكن إلا أحد أهالي المريضات، مؤكداً في اضطراب: محتاجينك يا دكتورة، الدكتورة سميحة طلباكِ حلاً. اضطربت، فقد كان عليها ترك إجابة سؤالها معلقاً حتى تلبي نداء الواجب. أغلقت باب الاستراحة، وهرولت في اتجاه الوحدة الصحية، وعقلها معلق بإجابة مطوية بين ضلفتي رواية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!