دخل سيد إلى حجرته لتنفض ثريا محاولة مداراة دموعها المنسابة قهراً على ولدها وحاله. تنبه سيد متوجهاً نحوها متسائلاً في قلق: "إيه يا ثريا؟ مروان كويس؟ هم بالاندفاع نحو غرفة مروان، إلا أنها استوقفته هاتفة في استجداء: "سيبه في حاله، اللي فيه مكفيه يا سيد." هتف بعد أن عاود الجلوس جوارها: "هو فيه إيه بجد؟ حصل حاجة وأنا معرفش؟ هتفت ثريا تومئ برأسها إيجاباً:
"عملت حاجة من نفسي، محسبتهاش صح ولا غلط يا سيد، أنا قُلت أجرب، يمكن... قاطعها سيد متسائلاً: "عملتي إيه يا ثريا؟ بلاش ألغاز، أنا بدأت أقلق بجد." هتفت بلا مداراة: "رحت للحاجة وجيدة من بيت أبو منصور... عشان... قاطعها سيد متسائلاً: "وإيه اللي بينا وبينهم الناس دي تاني، عشان تروحي لهم أو تتعاملي معاهم؟ نكست ثريا رأسها أرضاً، هامسة وهي تشعر بأنها ارتكبت خطأ بعدم إخبارها سيد بما كانت تنوي القيام به:
"ما هو أصل البنت اللي مروان بيحبها، تبقى حفيدتها." تنهد سيد مسنداً جبينه على باطن كفه لبرهة، قبل أن يتطلع نحوها متعاطفاً على عكس ما كانت تتوقع، فقد كانت بانتظار لومه وتقريعه، وهتف بنبرة مرهقة: "كده أنا فهمت، وروحتِ عشان تدوبي التلج اللي ما بينا، لعل وعسى." أومأت ثريا إيجاباً، وشهقت باكية من جديد. ضمها لصدره، رابتاً على كتفها في حنو، هامساً بنبرة حانية: "هي ضايقتك قوي كده؟ همست ثريا من بين شهقات بكائها:
"مش المشكلة فيا يا سيد، المشكلة إني معرفش مروان عرف منين إني هناك، ولقيته طابب عليا وسمع كلامها الماسخ عن عجزه، وإنه مش الشخص اللي يليق ببنت بتها. أنا واجعاني وجعه وكسرة نفسه." ربت سيد على كتفها من جديد، هاتفا في حزم: "محصلش حاجة يا ثريا، لعله خير، بس هو ليه قافل على نفسه؟ أكدت ثريا: "ما ده اللي مخوفني، شكله حاطط في راسه حاجة وهينفذها، وربنا يسترها." أكد سيد:
"متقلقيش، مروان عاقل، وهيقدر ياخد القرار اللي يناسبه، ولعله خير، محدش عارف، يمكن تكون أخرتها خير." همست ثريا مبتهلة: "يا رب يا سيد. يا رب تكون أخرتها خير فعلاً." ساد صمت لبرهة، قبل أن يتسلل صوت موسيقى هادئة قادمة من حجرة مروان. تطلع سيد نحو ثريا هامساً: "رجع للموسيقى الكلاسيكية تاني. تلاقيه بيرسم." هزت ثريا رأسها إيجاباً، ووجيب قلبها يرتفع إشفاقاً على حال ولدها الوحيد. ***
تنحنحت سماحة وهي تحمل صينية الفطور للدور العلوي، حيث نقل يونس سكناه وترك لها ولأهلها الدور السفلي، لتهنأ بعيشة مريحة بعيداً عن غرفة الحديقة الضيقة والمعتمة. هتف يونس بالداخل، وهو يتمدد بإحدى الأرائك بالردهة، أمراً إياها بالدخول: "تعالى يا سماحة أدخل، أني فوجت." دفعت سماحة الباب الموارب لينفرج على مصراعيه، لتدخل حاملة الصينية واضعة إياها على الطاولة بالقرب من موضع رقاده، هاتفة في اضطراب: "الفطور يا بيه، بألف هنا."
همت بالرحيل، إلا أن يونس استوقفها أمراً: "على فين؟ كنك نسيت، أني مبعرفش آكل لحالي، اجعد شُق ريجك معايا." همت بالاعتراض، كانت تحاول على قدر طاقتها، أن تقلل من فرص تواجدهما سوياً، فما عادت تستطيع احتمال تلك المشاعر المتضاربة التي يثيرها داخلها، لكنه هتف أمراً من جديد: "ما تجعد، هو أني هتحايل عليك؟ جلست دون أن تنبس بحرف، ونهض هو ليجلس قبالتها، وبدأ في تناول الطعام بشهية كبيرة، وهتف متعجباً:
"مش خالة سعيدة اللي عاملة الأكل ده، صح؟ توقفت يدها عن رفع لقمة لفمها، فقد شعرت بغصة ما بحلقها. بالفعل لم تكن أمها من صنع طعام الإفطار له، بل كانت هي. لا تعرف ما الذي دفعها لصنعه بيدها، ربما رغبتها في أن يتذوق طعام من صنع يدها، فكل امرأة تتمنى أن تطعم حبيبها طعاماً مطهواً بنكهة الحب. عند هذا الخاطر، بدأت معدتها تتلبك حرفياً، ما دفعها لترك اللقمة التي كانت بيدها بالفعل، هاتفة في ثبات، تحاول ادعائه:
"معلش يا بيه، أني اللي عملت الفطور النهاردة، أمي صحيت تعبانة شوية وجلت أعمله بيدي." كان يونس قد قضى على الطعام الموضوع أمامه عن بكرة أبيه، هاتفا في تلذذ: "تسلم يدك يا سماحة، محدش يعمل لي الفطور إلا أنت كل يوم." ونهض في اتجاه الحمام، لتتسع ابتسامتها في سعادة ما كانت تتخيل أنها ستشعر بها يوماً من مجرد كلمات. هتفت به سماحة، تحاول مداراة فرحتها: "طب أني نازلة يا بيه أجيب الشاي، جبل ما نتوكلوا على الله."
خرج يونس من الحمام حاملاً منشفته، متطلعاً نحو سماحة في تعجب: "نتوكلوا على الله على فين؟ هتفت سماحة بدهشة: "على الأرض يا بيه! هو أنت مش رايح تطل ع الأرض برضك؟ هتف يونس وهو يضع المنشفة جانباً: "لاه، أنت مليكش نزول الأرض تاني." هتفت سماحة في اضطراب: "ليه يا بيه؟ جرى حاجة لا سمح الله؟ أكد يونس في هدوء: "لاه، مَجرى... بس بكفاياك حراسة البيت، الأرض جبت لها عمال يساعدوا فيها." همت سماحة بالاعتراض، إلا أن يونس هتف متعجباً:
"الشاي فين يا سماحة؟ خلونا نشوفوا مصالحنا. هات لي الشاي تحت فالجنينة." أومأت سماحة برأسها إيجاباً مندفعة للأسفل لجلب الشاي، لتجد أمها قد نهضت تحضر احتياجات الغذاء. فهتفت بها سماحة وهي تحمل أكواب الشاي ليونس بالحديقة الأمامية حيث أمرها: "متتعبيش نفسك ياما، أني اللي هطبخ النهاردة، البيه مش هينزلني الأرض تاني، روحي ارتاحي." همست سعيدة داعية: "ربنا يريح جلبه وباله."
لتبتسم سماحة، فطعامه منذ اليوم، سيكون من صنع يدها، وبنكهة حبها. *** دخل الورشة على قسمات وجهه علامات الحنق، كأنما أخرجه أحدهم من فراشه قسراً. ألقى التحية في اعتيادية باردة، وهتف بالصبي الذي يعمل معهم في عصبية لا مبررة: "روح هات لي كباية شاي من القهوة، ولا أقولك، خليها فنجان قهوة دبل، بس بسرعة متتلكعش." هتف راضي به في تعجب، بعد أن اندفع الصبي مهرولاً لتنفيذ طلبه، وتجنب بركان عصبيته، الذي بدأ في نفث حممه بالفعل:
"إيه في يا نادر؟ نازل من فوق متخلج على الناس، وبتشاكل دبان وشك؟ حصل حاجة لا سمح الله؟ هتف نادر في ضيق: "لا مفيش يا راضي، أنا بس اللي مش عارف مالي، مخنوق ومش على بعضي، وحاسس." وتنهد مستطرداً: "أنا مش عارف أنا حاسس بإيه، جوايا حاجات لا عارف أفسرها ولا عارف أحكيها، ولا عارف إيه اللي فيا من أساسه، كأني...
قطع حديثه متنهداً من جديد، فما عاد لديه من الكلمات ما يمكنه من توضيح أو شرح حالته تلك، لذا لزم الصمت، وابتلع أوجاعه اللا مبررة، واتكأ على باب الورشة وشرد فاللاشيء. تطلع إليه راضي يهز رأسه في تعاطف، كان يعلم علة صديقه، كان يمكنه أن يشخص مرضه بسهولة، تقريباً هي بعض الأعراض التي رآها تتجسد أمامه في حالة يونس أخيه. تعددت الأعراض والداء واحد، إنه العشق. منذ رحلت حُسن مع عمتها، وهو على هذه الحالة العجيبة، محموم بلا حمى، موجوع بلا وجع ظاهري، مريض بلا داء أو علة. لكن كيف السبيل إلى تطييبه، ولا شفاء إلا بوصل محبوبه!
عاود راضي العمل، متحسراً على حال صديقه الجاهل بحاله، أو ربما منكر له. لم يكن هروبه من العشق بلا سبب، هذه الحالة العصبية التي يرى عليها نادر ومن قبله يونس، تجعله يحمل ذيل جلباب القلب ويولي هارباً بلا نظرة واحدة للخلف. رأى نعمة تخرج من باب دارهم، تحمل الحقيبة الشبكية التي تحضر بها احتياجات السوق. لعن في صمت وجيب قلبه الذي ارتفع لمرآها فقط، ما دفعه ليلقي بما كان يعمل به، وتنبه أن حاله لا يختلف كثيراً عن حال نادر. عاد الصبي على مهل، حاملاً فنجان القهوة، ما دفع نادر ليهتف به حانقاً:
"أتأخرت ليه! كل ده عشان فنجان قهوة؟ هتف الصبي مبرراً بنبرة متلجلجة: "معلش يا باشمهندس، كنت ماشي بالراحة عشان مضيعش وش القهوة." تناول نادر منه قهوته، وأشار إليه ليعود ليكمل عمله، بينما ظل هو على حاله، متطلعاً نحو المجهول، وعيونه على شباك دار حُسن المعتمة بغيابها. ارتشف بعضاً من قهوته، وبقلبه غصة عندما تهادى إلى مسامعه صوت عبدالحليم من مذياع المقهى صادحاً:
"فرحان عايز أضحك، مهموم عايز أبكي.. لا دموعي طايلها، ولا قادر حتى أشكي.." *** دخل إلى الدار ليتناهى لمسامعه أصوات قادمة من حجرة الضيوف. طل بناظره لتقع عيناه على بن عمه أو بالأحرى بن عم أبيه يوسف حسام. أو بالأدق.. الدكتور يوسف حسام نبيل التهامي. هتف سمير مازحاً ما دلف للحجرة: "بونجور مسيو.. بونجور.. بونجور." قهقه يوسف وهو ينهض ليضمه مرحباً: "أهلاً يا أستاذ سمير.. اتحسنا خالص فالفرنش أهو." هتفت سهام ضاحكة:
"وهو عشان جالك بونجور يبقى اتحسن؟ قهقه الجميع وسمير يرمقها شزراً هاتفا في حنق مصطنع: "إيش فهمك أنتِ؟ .. دي سُجود بت خالي مهران بتديني دروس عشان منتفضحوش جدام الخواجات." تعالت ضحكات الجميع ليهتف باسل هاتفا في لوم: "خواجات مين يا واد؟ .. ده واد عمك.. يعني مننا وعلينا." هتف يوسف في تأدب: "ربنا يعزك يا عمي، هو سمير كده.. دايماً قالبها هزار. بس مين سُجود؟ همت سهام بالإجابة، لكن سندس قاطعتهم هاتفة، وهي تدلف للحجرة:
"انتوا الكلام هياخدكم ولا إيه؟ الغدا هيبرد ع السفرة. قوموا نتغدا ونتكلم واحنا قاعدين ع الأكل." هتف يوسف محتجا: "بس أنا لازم أمشي الصراحة.. المشوار قدامي طويل." تطلع إليه باسل متعجباً، وهتف مازحاً: "يعني أنا كنت لسه بقول مننا وعلينا واتريجت ع الواد أبو طويلة ده.. وأشار لسمير مستطرداً.. عشان تاجي أنت تجولي هتتأخر وإحنا حاطين الغدا!! .. طب ياللاه جوم يا خواجة اتغدا، ومنتش خارچ من هنا إلا بعد الغدا والشاي والحلو كمان."
اتسعت ابتسامة يوسف ونهض دون أن يعقب بكلمة فقد أدرك من المرات النادرة، التي زار فيها بيت عمه، خلال السنوات التي قضاها في مصر، أن تلك التقاليد لديهم تُحترم حد القداسة.. ولا يجب مخالفتها مهما حدث. لذا نهض يجلس على طاولة الطعام العامرة.. يستشعر دفء الأسرة المفتقدة التي تركها خلفه بفرنسا. جلس الجميع على المائدة، لتطل سهام وهي تسند جدتها لتنضم إليهم، والتي ما أن جلست ووقعت عيناها على يوسف، حتى هتفت في تعجب:
"مين الواد الحليوة ده، اللي شبه الواد التركي اللي كان فالمسلسل امبارح يا بت يا سهام؟ انفجر الجميع ضاحكين.. حتى أن يوسف نفسه، غص ببعض الطعام، واختلط سعاله بضحكاته. ليهتف سمير مازحاً كعادته: "ما هو الواد التركي يا ستي.. جبناهولك مخصوص.. هو إحنا عندنا أغلى منك برضك." قهقه الجميع من جديد، ليهتف باسل مؤكداً: "ده يوسف يا حاجة سهام.. يوسف واد بن عمي حسام." ظهر الحزن على محيا سهام هاتفة: "حسام أبوك.. الله يرحمه."
هتف باسل مؤكداً: "لاه.. مش أبويا.. حسام واد عمي نبيل الله يرحمه." هتفت سهام في حزن من جديد: "أيوه نبيل.. الله يرحمه." لكز سمير ذراع يوسف الذي كان يجاوره، وهو يمسك ضحكاته، هامساً: "دلوقتي تجيب لك سيرة مراحيم العيلة كلهم.. نفر نفر.. ونجلب الجعدة صوان.. وتختم بجراية الفاتحة عليهم واحد واحد."
أمسك يوسف ضحكاته بدوره، محاولاً وأدها.. بينما أخذ يحاوره عمه باسل في تصريف عمله وإدارة شؤونه.. متسائلاً متى سيتم نقله للعمل بالصعيد، ليكون معهم دوماً، أو حتى على مقربة، وخاصة مع اقتراب موعد زواج سمير وسهام. *** كانت فريدة تجلس بغرفة القراءة، في انتظار نوارة التي وعدتها باصطحابها معها إلى نجع السليمانية، حيث مقر عملها، كنوع من أنواع تغيير الجو والخروج من نجع الصالح ولو قليلاً.
تنبهت فريدة لخطوات قادمة معتقدة أنها نوارة، فاعتدلت فإذا بالقادم زهرة وليست نوارة، التي دخلت في هدوء ملقية التحية، وتناولت إحدى الروايات، وبدأت في قراءتها أو ادعاء القراءة. ولم يمر إلا بضع دقائق، حتى رفعت رأسها متطلعة لفريدة التي اندمجت في الرواية التي كانت تطالعها، فهتفت بها: "عاجباكي الرواية اللي بتقريها؟ أكدت فريدة وهي ترفع رأسها من بين الصفحات مؤكدة:
"جداً، الصراحة مكنش ليا فالقراية، كان أخري قراءة المراجع الخاصة بشغلي وبس، بس شكلي هغير رأيي وهعمل لي مكتبة زي دي أول ما أرجع إسكندرية، والفضل لعاصم." تنبهت زهرة أنها رفعت التكليف وذكرته باسمه مجرداً دون ألقاب، مستطردة: "عاصم هو اللي اختار لي الرواية دي، وبجد اختياراته مميزة جداً، واضح إنه قارئ ممتاز ومثقف على درجة كبيرة." هتفت زهرة مؤكدة بكلمات مقتضبة: "صح."
خطوات اقتربت، فنهضت فريدة معتقدة من جديد أنها نوارة، لكن كان عاصم القادم الذي هتف بالتحية، وأشار لفريدة هاتفا: "يا فريدة، عايزك ثانية." تنبهت زهرة، فيبدو أن فريدة ليست الوحيدة التي رفعت التكليف بينهما، فها هو يناديها باسمها مجرداً دون ألقاب.
تركت فريدة روايتها جانباً، واتجهت نحو موضع وقوف عاصم، على بعد بسيط من حجرة القراءة، ووقفت تتحدث معه، يبدو أن موضوعاً ما يجمعهما. تابعت زهرة كل ذلك وعيناها لم تحد عن موضع وقفهما، كانت تشتعل غضباً وحنقا، كانت تعلم لماذا، وكانت أدرى الناس بمشاعر الغيرة التي تذيب أعصابها كحمض حارق، لكن عليها الثبات. لم تكن تعلم أن الأمر سيكون بهذه الصعوبة التي تختبرها اللحظة. كيف ستحتمل كل ما هو قادم لا محالة!
لا تعلم.. وليس لديها أدنى فكرة بأية طريقة تتغلب بها على هذا الوجع القاهر الذي يسربل روحها وهي تراه يقف وحيداً مع غيرها، يتبادل حديثاً أي كان نوعه دونها، ويبدو مهتماً جداً لأمرأة سواها. لم تدرك فداحة ما قامت به، إلا عندما ألقت بروايتها على الطاولة في عنف، ما دفع كل من عاصم وفريدة إلى التطلع نحوها. شعرت بالحرج فاندفعت مبتعدة، وعاصم على شفتيه ابتسامة رضا. تعجبت منها فريدة التي هتفت في حرج: "هي زعلانة ولا إيه؟
هتف عاصم في حبور:
"متخديش في بالك، أنا بس حبيت أقولك أخر الأخبار، طبعاً جدك أو عمي حمزة، عمرهم ما هيبلغوكِ بالأخبار دي، وأنا بعرفها عن طريقي جدّي عاصم، فياريت تبيني إنك مش عارفة حاجة، بس أنا حبيت أطمنك إن الرجالة اللي حاولوا يخطفوكي اتجبض عليهم، طبعاً محدش فيهم اعترف بكلمة، واضح إنهم قابضين تمام من مرات نزار، بس عمي حمزة عرف يوصل لهم، واتأكد من تحرياته اللي عملها قبل كده، وواضح إن هيكون له كلام مع الأستاذ نزار ده، لأن مينفعش تكوني أداة لتصفية حسابات بينه وبين مرته، ده حتى مجاش يعتذر أو يقول أي حاجة."
هزت فريدة رأسها تأكيداً على كلام عاصم، هاتفة في حسرة: "للأسف فعلاً، مفكرش لا فسمعتي ولا سمعة أهلي بعد عمايل مراته دي." هم عاصم بالحديث من جديد، إلا أن وصول نوارة وعلى شفتيها ابتسامة واسعة، مستدعية فريدة: "يالاه بينا يا فريدة، عبدالباسط ظبط العربية."
استأذنت فريدة من عاصم في تأدب، بينما غمزت نوارة لعاصم بعيونها، فعلى ما يبدو أن نزول عاصم للحديث مع فريدة في هذا التوقيت بالذات، مع وجود زهرة بحجرة القراءة، كان تكتيك آخر من نوارة، التي كانت تتأخر متعمدة حتى تعطي لهم الفرصة لحبك المشهد كلياً، والذي تأكدت أنه نجح بامتياز عندما وجدت زهرة تزفر في ضيق وهي تدخل عليهن هي وسجود الغرفة، مغلقة الباب خلفها في عنف، لتتأكد نوارة أن الأمر تم بنجاح، لتنزل لاصطحاب فريدة، فقد قامت بدورها والذي لا تعلم عنه شيئاً بكل تلقائية، وعلى أكمل وجه.
اتسعت ابتسامة عاصم في سعادة طاغية، فهي المرة الأولى تماماً، التي يستشعر فيها غيرة زهرة، وهذا يعني أنها تحمل بعض المشاعر داخلها لأجله، وهذا يكفيه وزيادة. ***
هدوء مريب في هذا المكان المقفر بإحدى المناطق الصحراوية، صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت محركات بعض السيارات التي ظهرت من اتجاهين متعاكسين. توقفت السيارتان قبالة بعضهما، وظل راكبيها داخلها لبرهة قبل أن يترجل منهما بعض الرجال. وقف أحدهما ولم ينبس بحرف، وكذا الرجل الذي كان يقف قبالته، فقد كانت كل مهمتهما تبادل بعض الحقائب بآلية، وخلفهم العديد من رجال الحماية المسلحين من كلا الطرفين.
ما أن تسلم كل منهما حقيبته.. حتى أضيئت أنوار ما فجأة وسطعت أصوات تؤكد على المجموعتين تسليم أنفسهم للشرطة التي كانت تحاوط المكان. لكن ضرب النار المتبادل بدأ بين الطرفين. اندفع منتصر من خلف ستاره الرملي وتبعه وحيد وكلاهما في تشابك مع أفراد العصابة وتبادل النيران على أوجه. تصاعد الأمر.. ولم يكتف رجال العصابة بتبادل النيران العادي.. لكن بدأ أحدهم في إلقاء قنبلة حارقة في اتجاه القوة الشرطية المنوطة بالقبض عليهم.
صرخ أحد القادة بجهاز اللاسلكي أمراً بالتراجع. لكن المعركة حامية.. والدخان يغلف الأجواء ويشوش الرؤية.. وطلقات النيران المتبادلة كالمطر، تصم الآذان عما عداها. مرت إحدى الرصاصات بالقرب من أذن منتصر، كادت أن تستقر بجمجمته، ما دفعه لإطلاق المزيد من الطلقات المتتابعة في حنق، لكن للأسف، استقرت هذه الرصاصة في جسد وحيد، الذي سقط مترنحاً للحظة، قبل أن يتمدد أرضاً مدرجاً في دمائه، رافعاً رأسه في توسل، هاتفا: "ألحقني يا منتصر."
ما جعل منتصر، يقف متردداً ما بين إطلاق النيران، أو إنقاذ وحيد. استقر قراره أخيراً، مندفعاً نحو وحيد وهو يمطر الطرف الآخر بالرصاص بشكل عشوائي، حاملاً وحيد حتى وضعه في أمان خلف تبة مرتفعة نسبياً. وما أن هم بتركه، حتى تشبث به وحيد هاتفا وهو يلتقط أنفاسه في تتابع: "متسبنيش يا منتصر." هتف به منتصر في عجالة، رابتاً على كتفه: "متقلقش هتبقى بخير."
واندفع تاركاً إياه، يصرخ مقهوراً في ثورة على ما وقع لصديقه، مقتحماً بلا أي احتياطات لقلب النيران.. موتورا. *** ترجلتا من السيارة، زاد وجيب قلب نوارة تتمنى أن لا يظهر رائف اليوم، لكن دعوتها لم تستجب، فها قد ظهر قادماً على صهوة الأدهم متبختراً. وترجل ما أن وصل لموضعهما هاتفا في ترحيب: "السلام عليكم، واضح أن معاكي ضيفة يا دكتورة نوارة." هتفت نوارة، وهي تبتلع اضطرابها:
"وعليكم السلام يا دكتور، أقصد يا رائف بيه.. آه دي فريدة بنت عمي.. وعندنا في إجازة فقلت تيجي معايا و.." قاطعهما صوت صهيل، ومحاولة فارس ما السيطرة على فرسه الجامحة، الذي وبفضل الله استطاع ذلك، ما أن وصل لموضع وقوفهم، ليهتف به رائف ساخراً: "إيه يا سامر! مفيش مرة تركب الفرس إلا وتعمل مصيبة! هتف سامر في حنق، مسيطراً على فرسه في صعوبة: "أيوه طبعاً لك حق تقول كده، واخد الأدهم، وسايب لي الفرسة اللي مش ولابد دي."
وكأن الفرس أيقن أنه يتحدث عنه بالسوء، فغضب، وبدأ في الثورة من جديد، ما دفعهم جميعاً لينفجروا ضاحكين، وسامر يحاول التأسف من الفرس، مستأذناً في الترجل عنها متنفساً الصعداء. هتف رائف مازحاً: "شفت يا سامر، حتى الخيل مش طايجاك، والله أنا ليا الجنة." تطلع سامر، نحوه حانقاً: "ده أنا نسمة، بس خيلك هو اللي مجنون زي صحابه." قهقه رائف في أريحية تعجبت لها نوارة، وهتف والابتسامة ما تزال على شفتيه:
"طب تعالى أعرفك، طبعاً الدكتورة نوارة عارفها، والآنسة.." قاطعه سامر هاتفا: "الآنسة فريدة." ابتسمت فريدة هاتفة: "إزيك يا باشمهندس سامر! تطلع كل من نوارة ورائف نحوهما في تعجب، لتهتف نوارة متعجبة: "انتِ تعرفي الباشمهندس إزاي يا فريدة؟ هتفت فريدة شارحة: "الباشمهندس كان قاعد جنبي في القطر وأنا جاية على هنا، وكان نايم طول الطريق ومعرفتهوش إلا.." هتف سامر مقاطعاً إياها مازحاً: "إيه نايم طول الطريق دي!
أوعى أكون شخرت والفضايح بقت بجلاجل." قهقه الجميع، وهزت فريدة رأسها نافية، ليستطرد سامر: "الآنسة فريدة وصلتني بعربيتكم لحد هنا، الصدفة جمعتنا مع بعض في القطر اللي جاي ع الصعيد، وعم عبدالباسط الله يستره عزمني عليا بتوصيلة لهنا، قال إيه بيرد الجميل، يوم ما وصلتك على هنا أول يوم شغل، فاكرة يا دكتورة!
ابتسمت نوارة مؤكدة بإيماءة من رأسها، وسقط ناظرها لا إرادياً على رائف الذي وجدته يتطلع إليها بدوره، ما جعلها تحيد بنظراتها سريعاً عن محياه، والذي هتف مبتسماً: "شرفتينا يا آنسة فريدة، ويا رب السليمانية تعجبك." أكد سامر في مزاح: "أكيد هتعجبها، وخاصة إني طول ما الدكتورة نوارة في شغلها، هكون التور جايد، أقصد المرشد السياحي يعني، وعرفها على النجع حتة حتة." هتف رائف مازحاً:
"ربنا يستر. بصي يا آنسة فريدة، معاكِ الموبيل بتاعك، وأي مصيبة، اتصلي بالدكتورة نوارة، هتلاقينا عندك." زم سامر ما بين حاجبيه حانقاً، ما دفع الجميع ليقهقهوا على ملامح وجهه التي انقلبت سحنتها. أشار رائف لنوارة هاتفا: "راجعة معايا ع الاستراحة يا دكتورة؟
أومأت برأسها إيجاباً، لتسير جواره في هدوء ظاهري كعادتها، تاركة فريدة بصحبة سامر الذي يبدو أنه من كانت فريدة بحاجة لصحبته فعلاً، ليخرجها ولو قليلاً من حالة الحزن والشرود التي كانت تسيطر عليها منذ قدمت لنجع الصالح، ولا علم لأحد بأسبابها. *** كان ذاك المتجر العاشر على أقل تقدير، الذي ارتاداه بذاك المول الضخم. تنهدت حُسن في إرهاق: "مش كفاية كده يا ربي! أنا تعبت من اللف، أنتِ تعبتيش؟ هتفت ربى في دهشة:
"حد يتعب من الشوبنج، هاد علاااج." ابتسمت حُسن هاتفة: "بس أنا مش عيانة، كفايانا كده النهاردة." هتفت ربى بطفولية تستجديها: "متجر واحد وبنكفي، متجري المفضل هناك بالزاوية، تعالي." لم تسمع حُسن باقي نداء ربى، فلقد تسمرت موضعها ما أن سمعت امرأة ما تنادي باسمه: "يا نادر."
لا تعلم هل كانت تنادي على ابنها أو ربما زوجها، لكن نداء أحدهم باسمه جعل قلبها ينتفض بموضعه، كأنما كان غارقاً في سبات عميق، وصب عليه أحدهم دلو من ماء مثلج موقظه من سباته. تنبهت ربى لحالتها العجيبة تلك، وتيهها الغريب، لتهمس بها في قلق: "أنتِ بخير يا حُسن؟ استفاقت حُسن من شرودها، تحاول أن تبدو أكثر ثباتاً، هاتفة وعلى وجهها ابتسامة شاحبة: "آه، أنا تمام.. بس ممكن نقعد؟ أكدت ربى في تعاطف:
"طبعاً، والله أنا السبب، أرهقتك كتير، بعتذر منك." هتفت حُسن تطمئنها: "لا أبداً، أنا اللي حابة أستريح شوية قبل ما نرجع نلف تاني." هتفت ربى في لهفة: "لا، خلاص، كفينا اليوم، نبقى نرجع في يوم تاني." أكدت حُسن: "لا، تعالي بس نقعد شوية، وأنا بعدها هبقى تمام." أشارت لها ربى لمقهى بالدور السفلي، ذهبت لتجلس على إحدى طاولاته، بينما ربى اندفعت لتحضر بعض العصائر الطازجة.
جالت حُسن بناظريها في المكان الفخم، وكل تلك الأكياس القيمة التي تركتها ربى بحوزتها حتى تحضر المشروبات، حياة مرفهة مختلفة تماماً عن حياة الشقاء والضيق التي كانت تعيشها في الحارة. ورغم ذلك تشعر بالشوق إلى الحارة وإلى وجود أبيها جانبها، تفتقد كل ما كان بمصر من ذكريات حتى ولو مؤلمة، فهي نفسها التي لن تستطيع يوماً تجاهلها، أو التبرؤ منها. شعرت بغصة ما، زادت من ضيقها، وتكاثرت عليها الذكريات، ليشاركها ذاك المطرب الذي قرروا التآمر عليها، وفتح أغنيته بصوت مجسم، شادياً وصوته
يتردد بين جنبات المول: "أنا كل ما نويت أنسى.. لك الذكرى ترجعني.. وترى للحين أنا أحبك.. وأشوفك بين حين وحين.. فراقك آه يا فراقك.. كسر قلبي وعذبني.. وأنا نذرٍ علي أبقى أحبك لين يوم الدين.." انسابت دموعها، لكنها اغتالتها بسرعة، عندما تنبهت لاقتراب ربى، حاملة أكواب العصير، مؤكدة في فرحة لم تخف على حُسن، أن شعيل سينضم إليهما بعد قليل، قادماً من عمله ليقلهما للبيت. ***
تجمع الرجال في ذاك الكهف الحجري البعيد، في قلب الصحراء بأعلى الجبل، حاملين ذاك الشوال البني المصنوع من الخيش، ووضعوه أمام سيدهم، الذي كان يجلس في لامبالاة، يضع مبسم النرجيلة بفمه، معبقا الأجواء حوله بدخان أزرق يغيب العقول الواعية، أمراً إياهم في سرعة: "افتحوا الشوال، بسرعة يا بهايم."
انتفض الرجال منفذين في عجالة، لينكشف المستور داخل الشوال، كان منتصر الذي ما أن انفرج عنه ذاك القماش الرديء، إلا وانتفض يلقن حامليه درساً، مسدداً إليهم بعض اللكمات التي أسقطتهم أرضاً، رغم جروحه الطفيفة، التي لم تؤثر على لياقته. اندفع سمعان النادي من موضعه، تاركاً يد النرجيلة لهذه الفتاة فائقة الجمال، التي كانت تجاوره، مقهقها في سعادة: "يسلم زندك يا سيد الرجالة. والله يستاهلوا، معلش عندي أنا دي يا سيد البشوات."
هتف منتصر في حنق: "هو مكنش في حاجة أوسخ من دي تجيبوني فيها." هتف المعلم سمعان وهو يحتضن منتصر مرحباً من جديد: "حمد الله بالسلامة يا باشا. نورت الخن. ومتأسفين على العيال الغشيمة دي، اللي ما يعرفك يجهلك." حياه منتصر في حفاوة متبادلة، ليجذبه سمعان نحو مجلسه، هاتفا بالفتاة التي ما برحت مجلسها قيد أنملة، تراقب ما يحدث بعين خبيرة، ونظراتها تحمل إعجاباً فاضحاً منذ سقطت على محيا منتصر: "خدي لك جنب يا نغم، سيبي مكانك للباشا."
تباطأت في غنج، وهي تنهض هامسة: "ماشي يا معلم، ما هو من لقي أصحابه، نسي أحبابه." نظر إليها منتصر في مجون، هاتفا بنبرة مازحة: "على فكرة المثل كده غلط." أطلقت نغم ضحكة ماجنة مجلجلة، وهي تهتف في دلال: "أموت أنا فالغلط."
قهقه سمعان وشاركه منتصر ضحكاته، بينما اندفعت هي تضع بعض الموسيقى الراقصة، لتحتفل على شرف استقبال منتصر، الذي أصبح عضواً في عصابتهم، التي أعيت قسم مكافحة المخدرات، ولم يفلح أي من قادتها، في إسقاط سمعان عن عرش تجارة المخدرات، منذ سنوات بعيدة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!