لا تعرف كيف واتتها الجرأة لتأتي إلى هنا، لكنها كانت تريد الاطمئنان عليه بأي ثمن، ومهما كلفها الأمر. طمأنها الجميع، لكنها ما اطمأنت. كان لابد أن تراها بعينها لتتأكد أنه سيصبح على ما يرام قريبًا، كما أوهمها الكل.
تسللت في اتجاه غرفة العناية الفائقة، وتقدمت بقلب وجل وأقدام مرتجفة نحو الحائط الزجاجي الذي يكشف عن فراشه الممدد عليه بلا حول ولا قوة. كان المكان هادئًا تمامًا، وما من أحد هناك، يجعلها تتراجع عن خطواتها التي تدفعها دفعًا لتقف أمام النافذة الزجاجية تطل على جسده الساكن بلا حراك، وكل هذه الخراطيم والأنابيب الطبية تخرج وتدخل لذراعه وصدره. بكت وهمست باسمه: "راضي، قوم عشان خاطري."
سال دمعها الذي غشى الرؤية أمام ناظريها، حتى أنها ما تنبهت لاقتراب أحدهم، والذي سأل في تعجب: "أنتِ مين!؟ انتفضت مضطربة، لا تعلم ما عليها قوله أو فعله. استطرد يونس متسائلاً: "أنتِ تعرفي راضي؟! أومأت برأسها إيجابًا دون أن تنبس بحرف. ما زال الاضطراب يشملها كليًا، فما كانت تعتقد أن تُوضع في موقف كهذا يومًا. همست أخيرًا، ما أن استعادت بعضًا من ثباتها، واستشعرت تفهم يونس لحالها، فسألته: "هو هايبقى كويس!؟ صح!؟ أكد يونس،
في ثقة: "أيوه هايبجى تمام، متجلجيش، ده فاق... هتفت في لهفة: "فاق بجد!؟ الحمد لله." أكد يونس، وابتسامة تعاطف ترتسم على شفتيه، هاتفا: "أيوه والله فاق، بس هو نايم دلوجت، والدكاترة جالوا هينجلوه بكرة على أوضة عادية، وكام يوم ونخرج باذن الله." همهمت نعمة في راحة: "الحمد والشكر لك يا رب." هتف يونس بعد أن أدرك همهماتها، متسائلاً: "أنتِ نعمة مش كده!؟ أصله كان طول الوجت، بيخترف بالاسم ده." اضطربت نعمة لسؤاله،
وهتفت في عجالة: "أنا لازم أمشي، عن إذنك، ولو سمحت... قاطعها يونس مؤكدًا على فهمه لطلبها قبل أن تطلبه: "متجلجيش، محدش هيعرف إنك چيتي هنا."
أومأت برأسها في امتنان، وتطلعت من جديد نحو جسد راضي من خلف النافذة الشفافة من جديد، وأخيرًا، ألقت التحية في عجالة قبل أن تندفع راحلة. وكل ما يجول بخاطرها كلمات يونس أخيه، أنه ما كان يكرر اسمًا إلا اسمها. سال دمعها من جديد، وقد أدركت أنها تعشق هذا الراضي الشديد الحمية، مقطب الجبين، حاد اللهجة، ولا ترضى عنه بديلاً.
تبسم يونس وهو يتبعها بناظريه حتى غابت أخر الرواق، وحاد بناظريه نحو راضي، الذي كان في عالم آخر، ما زال يكرر اسمها في أحرف متقطعة، كأنما كان يعلم أنها بالخارج. ليهمس يونس وابتسامته تتسع في سعادة، مترنما: "أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين." *** لم تجف دموعها، فبعد اختفائها ولا يعلم أحد أين ذهبت، غابت كأنها فص ملح وذاب سريعًا بالماء، فلا أثر لها يجعلهم قادرين على العثور عليها. هتف حازم يحاول طمأنتها، رابتا على كتفها
رغم قلقه المضاعف بدوره: "اهدي يا تسبيح، والله هتكون بخير، زمايلي كلهم مش ساكتين، وبيحاولوا تتبع آخر مكان كانت فيه، وإيه اللي حصل." هتفت تسبيح في نواح: "بنتي بقالها ليلتين بعيد عن البيت ومش عارفة هي فين!! وتجولي أهدى يا حازم!؟ طب حتى أعرف هي فين!؟ لكن الاختفاء المفاجئ ده مخليني أفكر فمليون مصيبة، أنا بموت كل ما دماغي تروح وتودي فواحدة فيهم، وإني ممكن مشفهاش تاني يا حازم."
هتف حازم مصدومًا: "فال الله ولا فالك يا شيخة، هترجع زي الفل، قولي يا رب." هتفت تسبيح متضرعة في قهر: "يااارب." كان حازم يقف متطلعًا نحوها، يدرك وجعها، وهو عاجز لا قدرة عليه على التصرف فيما جرت به المقادير. ***
صرخات قوية جاءتها من قلب بهو الدار، جعلتها تسرع مهرولة في اتجاه الدرج، كادت أن تتعثر في اضطراب، والصرخات تزداد شدة. فالصراخ دومًا ما كان يثير توترها منذ حادثة وفاة والديها. هبطت الدرج في هرولة، مندفعة نحو جدتها، التي كانت تولول في صدمة. أخذت أية تهدئها في محاولة لفهم ما يحدث: "إيه في يا ستي!؟ إيه اللي چرى!؟ صرخت وجيدة في قهر: "منتصر!! منتصر ميعملش كده ابدًا! منتصر راجل وسيد الرچالة، لاه، اللي بينجال كدب."
هتفت أية في اضطراب: "ماله منتصر!؟ عمل إيه!!؟ هتفت وجيدة في تيه: "لما أتأخر عن ميعاد اجازته، فضلت أدور على حد يوصلني ليه، ما هو مبيردش على تليفونه، زميله جالي، إن منتصر، لاه، مش مصدجة، اكيد كداب." هتفت أية في حنق، وقد فقدت أعصابها ذعرًا: "منتصر إيه يا ستي ما تقولي، حصل له حاجة بعد الشر!؟
هتفت وجيدة في ثورة: "يا ريته مات ولا سمعت اللي سمعته، زميله بيجولي إنه باعهم لتجار المخدرات، وبجى منيهم، ومحدش عارف له طريق، وبسببه زميله اتصاب، وما بين الحيا والموت. لاه.. يا ريتني مت جبل ما أسمع اللي جاله ده، بجى منتصر يعمل كده، تصدجيها يا أية!؟
هزت أية رأسها وقد بدأت في البكاء على حال جدتها، التي كانت تدور حول نفسها كالمجذوبة، لا تصدق ما قيل لها، وكذا تبكي من أجل ما قيل في حق منتصر، الذي تعلم علم اليقين، أنه لا يمكن أن يفعل ذلك، ويجلب العار لهم جميعًا. هتفت أية، تربت على كتف جدتها في محاولة لتهدئتها: "مش ممكن منتصر يعمل كده يا ستي!؟ دفعت وجيدة كف أية في غضب شديد،
صارخة من جديد: "لاه، زميله بيجولي حصل، حصل.." وأخذت وجيدة، تكرر الكلمة الأخيرة عدة مرات، وهي تلطم خدها في قهر، حتى صمتت فجأة، وتشنجت، وسقطت ممددة أرضًا، تصحبها صرخات أية الملتاعة ذعرًا، على جدتها. ***
كان الصخب بين الطلاب، دائرًا من هنا وهناك، على طول قاعة الدراسة وعرضها، لكنها كانت تجلس كعادتها، تعيش في عالمها الخاص، وهي تضع سماعات هاتفها، تستمع لأغانيها الفرنسية، وتعيش قصصها الخاصة، حتى أنها ما لاحظت أن الضجيج الدائر قد خفت حدته، حتى ساد الصمت بالقاعة فجأة، فتنبهت منتفضة عندما وكزتها إحدى صديقاتها لتبعد عن أذنيها سماعاتها، وقد أدركت أن دكتور المادة قد دخل القاعة ليسود الصمت احترامًا له.
مدت يدها وأخرجت دفتر محاضراتها، وما أن وقع ناظرها عليه، حتى شهقت شهقة مكتومة، وعيونها مفتوحة في دهشة، فمن كان على المنصة هناك، هو يوسف التهامي، بشحمه ولحمه، والذي ظلت عيناه تجول بالقاعة، تبحث عن شيء ما، أو ربما شخص ما. وأخيرًا سقطت ناظريه عليها، ليبتسم ابتسامة واسعة، جعلتها تحاول أن تتخفى بين صديقاتها، تذوب خجلًا، ليهتف في نبرة قوية واثقة، وبفرنسية
أنيقة لا تشوبها شائبة: "أنا الدكتور يوسف حسام التهامي، أستاذ الأدب الفرنسي للسنة دي، أرجو أننا نقضي سنة لطيفة مع بعض." *** تعالت الزغاريد الصادحة خارج شقتهما، ما جعله ينتفض موضعه، يجول بناظريه حوله في تيه، حتى تنبه أين يكون.
نهض من موضعه مسرعًا، خرج من غرفته في اتجاه حجرتها، طرق الباب في هدوء، حتى لا تصل أصوات طرقاته العالية لمن يقف بالخارج. زاد الطرق على باب الشقة قوة، وبدأت القهقهات تعلو عليه، مع إلقاء بعض الملاحظات الماجنة من هنا وهناك، جعله رغما عنه، يدفع الباب بعد أن جرب الطرق عليه بشكل أكثر إلحاحًا، لكن يبدو أن نومها ثقيل لحد ما، حتى لا تسمع طرقاته هذه، ولا حتى يقلق منامها، الطرق على باب الشقة بهذه الطريقة.
تقدم نحو الفراش الذي كانت تحتل أحد جوانبه، تضم لصدرها إحدى الوسائد التي كان يتمنى لو كان قد نال بعضًا من حظها وكان الآن في موضع تلك الوسادة بين ذراعيها. هتف بها في صوت متحشرج، وهو يراها بهذه الرقة، وهذا الإغواء البريء الذي يبدو اللحظة في براءة ملامحها المستكينة: "سمية، يا سمية!
همهمت في اعتراض، ما جعل قلبه يسقط صريعًا لا قبل له على أن يحيد بناظريه عن هذا الكم اللامعقول من الجمال الرباني الذي أودعه الخالق في هذه المخلوقة التي سلبته لبه منذ اللحظة التي وعى أن له خافقًا بين جنباته. هتف من جديد، وهو يمد يدًا يدفعها في رفق، حتى تستيقظ، فإذا بها تنتفض في صدمة، متطلعة نحوه، حتى أدركت صوت الطرق على باب الشقة الصادر من الخارج، فهتفت بصوت مرتبك: "أنا جاية حالا، افتح لهم أكون جهزت حالي."
ظل يتطلع نحوها في تيه معجب، حتى هتفت به من جديد، لتخرجه من شروده: "سمير." كانت تناديه، ولا تعلم أنها زادت الطين بلة، وأغرقته حتى قمة رأسه، في دنيا من عجب، ما استفاق منها، إلا حين هتفت به من جديد، حتى يخرج ليفتح الباب، تاركًا الحجرة لها، لتبدل ملابسها.
اندفعت أمه تعلو زغاريدها، وهي تضع صينية الطعام العامرة جانبًا، وما أن خرجت سمية من الغرفة، حتى تلقفتها سندس بين ذراعيها في فرحة، تدعو لهما بدوام السعادة، والذرية الصالحة، مستأذنة حتى تلحق بالعروس الأخرى، ليتطلع كل منهما للآخر في اضطراب، وقد أصبحا وحيدين مرة أخرى. كان لابد أن يتعامل معها بشكل أكثر منطقية، بعد أن وضع القواعد الليلة الماضية، ما دفعه ليتوجه نحو صينية الطعام رافعًا غطائها الحريري،
هاتفا في جوع وهمي: "الله على الحاجات اللي تفتح النفس." وجلس على أحد المقاعد، وأشار لها في أريحية، آمرًا في ود: "تعالي يا سمية كلي، مش هتفضلي واقفة عندك كده! أطاعت وجلست في هدوء قبالته، أصبح يمد كفه يتناول ما يحلو له، يقربه لفمه مع نظرة مطولة نحو وجهها الصبوح، ليكون الطعام أشهد مما هو معتاد، بل أكثر حلاوة بفمه من حقيقته. تظاهرت أنها تأكل، فما كانت لها الشهية لتناول أي طعام على الإطلاق،
ما دفعها لتهمس متسائلة: "أنا جاية أجيب عصير، أجيب لك معايا!؟ هز رأسه نفيًا، مؤكدًا: "مليش فالعصير والحلويات، لو فيه أي مخلل عندك فالـتلاجة هاتيه." ابتسمت هاتفة في نبرة صادقة: "ودي أول حاجة أعرفها عنك، وعن عوايدك."
توقفت يده عن إيصال اللقمة التي كانت تحمل لفمه، مصوبًا ناظره نحوها في صدمة، ما لبث أن استفاق منها، وقد عادت إليه من المطبخ تحمل كوب عصيرها، وطبق به بعض المقبلات المالحة، ليعاود تناول طعامه، والذي أصبح أكثر حلاوة اللحظة، على الرغم من أنه يتناوله مع المخلل الحارق، الذي جلبته بيديها!! ***
رنين على هاتفها، جعلها تندفع نحو الغرفة في لهفة، وخاصة أنه رنين ذاك التطبيق الذي تحدثت عليه نعمة من مصر، والذي تحدث عليها نادر المرة الماضية. تمنت نفسها أن يكون هو من يتصل، فقد اشتاقت صوته كثيرًا، لكن ما أن ردت حتى أتاها صوت نعمة المتحشرج، ما جعلها تهتف في قلق، متسائلة: "فيه إيه يا نعمة!؟ كلكم بخير!!؟ أكدت نعمة باكية: "كلنا كويسين إلا هو يا حُسن." هتفت حُسن متعجبة: "مين!؟
أكدت نعمة تشهق في وجع: "راضي يا حُسن، راضي رجالة قدورة ضربوه بالمطوة وهو بيدافع عني." شهقت حُسن في صدمة، وتعجبت كيف لم يخبرها نادر بهذا الأمر، في المرة السابقة، لكنها تجاهلت الأمر، لا تعلم أن نادر يوم أن كلمها، كان بعالم آخر لا يذكر إلا أنه يحادثها بعد طول اشتياق، وما كان بخاطره إلاها. لتهتف حُسن في اضطراب: "طب هو راضي أخباره إيه دلوقتي!؟
هتفت نعمة ودمعها يسيل: "فالمستشفى يا حُسن، رحت زورته من وراهم، وكان لسه بالعناية المركزة، لكن يونس أخوه قالي إنه هايبقى كويس، وزمانهم نقلوه على أوضة عادية." هتفت حُسن مطمئنة: "طب ما هو الحمد لله، هايبقى كويس أهو، وباذن الله يقوم بالسلامة، اهدي بقى." هتفت نعمة من بين دموعها: "ما هو بعد ما يبقى كويس، أخوه هيخده ويمشوا يا حُسن، هيسبنا ويمشي يا حُسن." هتفت حُسن في تعاطف، وقلبها يشعر بوجع قلب صديقتها: "نعمة!
أنتِ بتحبي راضي!؟ ارتفع صوت نحيبها، وكان الجواب الأمثل على سؤالها. لتهتف حُسن في مشاركة لوجع صديقتها: "راضي يستاهل قلبك يا نعمة، بس يا ترى هو يعرف إنك...
أكدت نعمة: "إذا كنت أنا ما كنتش عارفة إلا لما اللي حصل ده حصل، كنت حاسة ناحيته بمشاعر عجيبة أول مرة أحسها يا حُسن، لكن لما شفته كان هيموت قدامي وعشان خاطر يحميني، عرفت إني مقدرش أعيش من غيره، أنا من يومها مش عارفة إيه اللي أنا فيه ده، ولما رحت أشوفه كان قلبي هيوقف لما شفته على سرير المستشفى متربط، أنا بموت من خوفي عليه، ومحدش حاسس بيا."
لكنها كانت مخطئة تمامًا، فمن كان بالباب وسمعها اللحظة، وهو يتجه لحجرتها كي يسألها عن أمور حُسن، وإن كانت ستعود من أجل امتحاناتها النهائية أم لا! كان من الممكن أن يقلب الدنيا ولا يقعدها عند سماعه اعتراف أخته بحب راضي، لكنه لم يفعل، فقد جعلته تلك المشاعر الذي يكنها قلبه لهذه البعيدة على الخط الآخر، يلتمس لنعمة الكثير من الأعذار للوعة قلبها، ومشاعرها التي لا يد لأحد في منعها أو تقييدها.
هم بطرق الباب رغبة في الحديث لحُسن فقد اشتاق صوتها كثيرًا، لكنه تراجع تاركًا أخته مع صديقتها على راحتها، حتى لا يحرجها إذا ما دخل عليها باكية بهذا الشكل، ولعل حُسن تهدي بعضًا من روعها. أبتعد عن باب الحجرة، هابطًا الدرج في اتجاه شقة جده، لينتفض في صدمة، ما أن أتاه خبر اختطاف بدور، ولا أحد يعلم أين تكون!؟ ***
تطلع نحوها وهي ممددة بهذا الشكل جواره، ليمد كفه جاذبًا عليها الغطاء، مدثرا إياها، لتنتفض في ذعر، وتتقابل نظراتهما، نظراته التي كانت تحمل بعضًا من ندم، مخلوطًا بمحبة، ونظراتها التي كانت تفيض هلعًا ورفضًا. تطلعت نحو موضعها، لعلها كانت تحلم، وما كان بالأمس لم يكن إلا كابوسًا قذرًا، إلا أن الحجرة، والفراش، و...
تطلعت لملابسها في صدمة، والتي لم تكن ملابسها من الأساس، فقد قام أحدهم بتغيير ثيابها، ومن المؤكد أن أحدهم هذا لم يكن إلا...
تطلعت نحوه في قهر مدثرًا بثورة عارمة، وانتفضت نحوه صارخة في وجع، تضرب صدره وتخمش وجهه، وهو يحاول أن يكون هادئًا، تاركًا إياها تخرج كل ما بجعبتها من أثر الصدمة، التي عليها تقبلها إن عاجلاً أم آجلاً، فهي منذ قدمت إلى هنا، ما عاد لها أية صلة بالعالم الخارجي، حتى يزهدها هو، ليأمر سعفان رجاله، بنيل ما يحلو لهم من جيفة الضحية، قبل الخلاص منها، وإلقائها لضباع الجبل وضواريه.
أمسك كفيها التي أشفق عليهما من شدة الضربات المسددة لصدره، هاتفا بها: "مكانك بقى هنا، حاولي تتعودي على ده، وخلي بالك أمانك معايا، يعني لو في لحظة قلت إني قرفت منك، هيبقى مصيرك أسوأ من اللي أنتِ عيشاه ده بمراحل، مع إني مش وحش قوي كده، ولا إيه!؟ قال كلماته الأخيرة في نبرة ماجنة، جعلتها تصرخ به في قرف: "اخرج بره، حالا، اخرج."
صرخت بكلمتها الأخيرة في نبرة آمرة، تنذر أنها على وشك ارتكاب جريمة، ما دفعه ليهتف مهادنًا: "طيب خلاص، خارج أهو، بس راجع لك تاني يا جميل." بدأت في إلقاء كل ما طالته كفاها نحوه، ما دفعه للهرولة خارج الغرفة، وقهقهاته تعلو في سعادة، ما دفع سعفان الذي كان يمر بالقرب من غرفته، ليهتف ماجنًا بصوت جهوري: "يتمنعهن وهن العايزاتِ."
زادت قهقهات منتصر، على تعليق سعفان، مغلقًا الغرفة خلفه بمفتاح وضعه بجيبه، قبل أن ينضم لمجلس سعفان ورجاله. *** كان ذاك الرنين المتصل لا ينقطع عن هاتفه منذ البارحة، كان يعلم أنهم لن يهدأ لهم بال حتى يعلموا ما الذي يحدث بالضبط. كان عليه أن يفكر بالعديد من الحجج التي يمكن له أن يسوقها لأجل إقناعهم بما جرى. فتح الخط أخيرًا، ورد هاتفا في مزاح: "ألو، أيوه يا عيشة، إيه الإزعاج اللي أنتِ عملاه ده، معرفش أنام لي شوية يعني!؟
هتفت عائشة أمه في حنق: "تصدقي إنك وأخوك عيال باردة، مشفتش ترباية." هتف يونس مازحًا: "غلطتك يا عيوش، مكنتش فاضية، حامد كان واخدك مننا يا جمر." امسكت ضحكاتها هاتفة: "مش بجولك معرفتش أربي، بس ملحوقة، هتروحوا مني فين انت وأخوك المعدول التاني، قاعدة أني قلبي واكلني عليكم، وما حد فيكم بل ريقي ورد على تليفونه، يجولي مجاش ليه الفرح عشية."
هتف يونس مؤكدًا: "أبدًا يا ستي، أني العربية وجفت بيا ع الطريج، وفضلت ياما مش لاجي عربية تاخدني لنجع الصالح، وفين بقى لما عثرت فحد شد معي العربية لحد بيت جدي ورجعت نمت، وراضي حصل عند المعلم خميس وأهل بيته ظرف مجدرش يفوتهم وينزل يحضر الفرح، أدي الحكاية كلها يا جميل." هتفت عائشة متسائلة: "طب وأخوك مبيردش على تليفونه ليه!؟ أوعاك تكون بتكدب عليّ يا واد يا يونس، أخوك بخير يا واد!؟
ازدرد يونس ريقه مؤكدًا في لهجة حاول أن يضفي عليها الكثير من الثبات: "أيوه بخير وزي الجرد كمان، أني لسه مكلمه من يومين، واتفقنا ننزلوا ع الفرح، بس جت الظروف مخالفة، ويا ستي عشان ترتاحي، ميتى ما رد عليّ هديله كلمتين واخليه يكلمك فساعتها، مرضية دلوجت!؟ تنهدت تحاول تصديقه، هاتفة: "مرضية يا حبة عيني، خلي بالك على حالك يا حبيبي، وربنا يجيبك انت وأخوك بالسلامة، اتوحشتكم."
دمعت عيني يونس تأثرًا، رغم ذلك هتف مازحًا: "إيه ده، جلبك بقى جلب خساية يا عيشة، لاه أني مش متعود على كده!؟ هتفت عائشة معترضة: "طول عمري يا واد قلبي مفيش فحنيته، بس انتوا عيال جبنات مبيتمرش فيكم." قهقه يونس مؤكدًا: "أيوه صح، على يدي، جلالة ترباية." قهقت عائشة، ليهتف يونس مؤكدًا: "بصي، فأجرب فرصة، هجيب لك الواد راضي وناجوا، بس يا رب متطفشيش وتجولي كانوا مريحيني أحسن."
أكدت عائشة في نبرة حانية: "على قلبي كيف الشهد المكرر، تعالوا بس، الكل اتوحشكم هنا." أكد يونس: "من عيوني يا عيوش." أغلق الهاتف، وتطلع إليه لبرهة حتى تنهد، وهو يدق على سماحة بلا وعي، رغبة في سماع صوتها الخشن، الذي تتصنعه. ابتسم وهو ينتظر ردها، الذي طال، فقد كانت تتطلع بدورها لشاشة الهاتف الساطع باسمه. وأخيرًا استجمعت ثباتها، وردت بصوتها الأجش المصطنع: "السلام عليكم." هتف يونس والذي كاد أن ينفجر ضاحكًا
ما أن تناهى صوتها لمسامعه: "السلام عليكم يا سماحة، بجولك، جهز الدنيا عندك عشان هاجيب اخوي من المستشفى علينا، تمام." أكدت سماحة في تأكيد: "اعتبر كله تمام من دلوجت يا يونس بيه، تاجوا بالسلامة." أكد يونس، وقد رأى الطبيب يتجه نحو الغرفة، فاضطر لغلق الهاتف سريعًا: "الله يسلمك يا سماحة، مع السلامة." ***
كان عليها التمسك بما تبقى من تركيز، حتى تضعه بمذاكرتها، فقد أضاعت الكثير ما بين أوجاع الفراق، وأروقة المشافي. لابد لها من أن تنتبه لما بقي حتى لا تفقد معدل درجاتها الذي كانت تعتمد عليه كي تصل لحلمها في التعيين بالجامعة مثل والديها.
جلست بغرفة القراءة، وفتحت أولى الصفحات لتبدأ في استرجاع المعلومات. غابت عن واقعها قليلًا، وهي مدفونة الرأس بين كتبها ومراجعها، لتنتفض على صوته، ذاك الأشبه بقطرات المطر المنهمر على أرض روحها الجدباء، لتزهر بساتين من فرحة. والذي هتف في فضول لم يكن من عادته يومًا: "بتذاكري إيه!؟ تلعثمت قليلًا قبل أن ترد مؤكدة: "بحاول ألحق اللي ضاع مني الفترة اللي فاتت."
ابتسم، فتشابك بداخلها الحلم بالواقع في نسيج أشبه بالميلاد الجديد، وهتف مؤكدًا: "بقولك بتذاكري إيه!! مش بتذاكري ليه!؟ تنبهت أنه على حق، ومنذ متى لم يكن عاصم يحيد عن الحق! بل كان هو الحق ذاته. ابتسمت بدورها، فكان دوره ليضيع منه طريق المنطق، ويسلب من صدره بعض الخفقات الزائدة عن المألوف في عرف الطب والأطباء. وهمست في تأكيد: "بذاكر نقد أدبي." هز رأسه متفهمًا، وسأل مازحًا: "مادة سهلة، ولا تحبي أشرح لك!؟
أكدت مبتسمة: "كويسة، الحمد لله." أكد عاصم باسمًا: "طول عمرك شاطرة، من وأنتِ صغيرة، كنت دايما الأولى على فصلك، أني فاكر يوم ما طلعتي التانية، جيتي بكيتي النهار بطوله." همست باسمة، تتذكر بدورها: "أيوه، وأنت مسكتش، فاكر تاني يوم عملت إيه!!؟ صمت لبرهة، قبل أن ينفجر ضاحكًا بقهقهات عالية على غير العادة. سكبت في فؤادها حلاوة الشهد، مؤكدًا وهو
يهز رأسه في سعادة للذكرى: "أيوه، الواد الغلبان اللي طلع الأول ملحقش يفرح، اديته علقة يوميها، خليته يندم ع اليوم اللي طلع فيه الأول، ومعدهاش، صام وفطر عليها." قهقهت بدورها، ليكون التيه الحلو من نصيبه الآن، عندما هتفت تذكره: "ساعتها جالك استدعاء من المدرسة، وخدت رفد تلت أيام، فاكر." هز رأسه مؤكدًا، وهتف باسمًا: "يومها أبويا كان هيتجن، مش عارف إني عملت له كده!!
عمري ما كنت بتاع مشاكل ولا خناقات، كان ماسك السما بيده لجل ما يعرف سبب ضربي للواد، اللي لا هو من سني ولا عمل لي حاجة من الأساس، وكل ما يسألني ما أجاوبش، لحد ما جلت له أهو كيفي كده، كنت شبه سوكة بالظبط، شكله معجبنيش فضربته."
انفجرت ضاحكة على تشبيهاته، ليشاركها الضحكات بمثلها وأكثر، وهي تدرك تمامًا أن عاصم هو شريك الماضي بكل ما به من براءة، وشريك الحاضر بكل ما به من غموض ووجع، فهل يمكن أن يكون شريك المستقبل، بكل ما يحمله من غيب، لا يعلمه إلا مقلب القلوب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!