يرهقني وجودك في مخيلتي فيزداد شوقي إليك. فيُحييني الحنين إليك مرة ويقتلني الألف مرات. *** بعد رحيل شفيق وكلماته التي أشعلت النيران بداخلها، خرجت تنادي بصوت عالٍ. روحية: سعاد بت يا سعاد! انتي يابت. تصمت وتنفخ بضيق على إثر خروج امرأة متوسطة الطول، جسد ممتلئ، ملابس مزخرفة، تهز يدها يمين ويسار تصدر جلجلة بكم الأساور في يديها. وبجوارها سيدة عجوز تحمل بيدها أرجيلة، تنظر إلى روحية بمكر.
نادرة، زوجة شفيق الثانية، تزوجها بعد وفاة والده وأحضرها للمنزل لمجاكرة روحية. أنجب منها ولد وبنت. تكره روحية، تجيد كيدها، كانت زميلة لها بالمدرسة مع أحلام. تزوجت بشفيق بعد رحيل أحلام من البلدة. استطاعت إغواءه. تحقد على أحلام لعشق شفيق لها ومناداتها بأحلامه. نادرة: إصباح الخير يا أم وائل. سمعاكي بتنادي على البت سعاد. روحية بضيق: صباح الخير يا أم صافي. نمسيتك كوحلي ولا إيه؟
صباح إيه بقي وخلاص العصر أذن من شوية. وإيوة زي ما سمعتي كده بالظبط بنادي على البت سعاد. نادرة: آآآآلاله! انتي متعرفيش؟ مش شفيق مشاها. جلست روحية تحدث نفسها بغيظ، لم تعقب على كلام نادرة. روحية: ياترى ناوي على إيه يا شفيق؟ مش مرتحالك، حاسة بمصيبة كبيرة بتخططلها. نادرة تنظر إلى أحلام الشاردة، تبتسم بمكر، تشير للسيدة العجوز وتمد يدها تأخذ الأرجيلة منها كما الماضي. نادرة للعجوز: ورجعت من امته يا أم محمود؟
ولساتها حلوة زي ما هي ولا حصل إيه؟ أم محمود: رجعت أولت إمبارح، حلوة بس دي قمر أربعتاشر حاجة كده تخطف القلب. نادرة بغيظ من عدم تجاوب روحية: أحلام طول عمرها جميلة، زمان كانت بتوقف البلد كلها على رجل واحدة من جمالها. العجوز: زمان إيه يا ست الستات دي؟ دي يدوب طالت في السوق والكبير والصغير وقف ليها تعظيم سلام. نادرة تنظر إلى روحية بغيظ، تجدها شاردة، تحدث نفسها، تسمع صوت همهماتها لكن لا تفهم ما تقول.
نادرة: روحيه يا روحيه، روحتي فين؟ روحية تلتفت لها: في إيه؟ بتنادي عليا كده ليه؟ نادرة بخبث: متعرفيش إيه اللي رجع أحلام هنا من تاني؟ روحية: أحلام مين؟ لتصمت وتهب واقفة، بتقولي إيه؟ أحلام رجعت؟ رجعت إمته؟ نادرة: أم محمود بتقول من أولت إمبارح، بس بتقول إيه؟ جمي... روحية رحلت من أمام نادرة وأسرعت في خطاها تجاه غرفتها، لتفتح الباب وتغلقه خلفها وتقف خلفه، تضع رأسها، دموعها تهبط دون صوت، صدرها يعلو ويهبط، أنفاسها متلاحقة.
تغمض عينيها تتذكر آخر لقاء لهن منذ سنوات. بعد أن علم شفيق بحملها ومساومته لوالدتها ليصمت ولا يتحدث عن الأمر مرة أخرى. شفيق بدأ في مشروعه، كلما انتهى من مرحلة ويبدأ بأخرى، يتبدد حلمه وسعادته من تدخل الحكومة. مهما حاول أن يرشي اللجنة، يتم الحجز على المشروع. كاد أن يجن، من له مصلحة بتعطيل مشروعه؟
وزاد الأمر سوء عندما علم أن والده كتب كل ثروته العائلة من أراضي وعقارات وأموال بالبنك مناصفة بينه وبين روحية، ولا يستطيع طرف منهم أن يتصرف دون موافقة الآخر. حن جنونه عندما علم أن من أقنع والده ما هي إلا سميحة. أقسم على الانتقام منها. بدأ بمراقبتها، علم باتصالها ببكر، وهما سبب ما يحدث لمشروعاته. والغريب أن سميحة هي من كشفت خطتها لشفيق عندما واجهها. رحل شفيق متوعدًا لبكر، يقسم بإنهاء حياته والانتقام منه.
روحية مصدومة مما سمعت، شقيقتها هي من خططت لكل تلك الأمور. لما تنتقم منها؟ فهي من هددتها بإخبار عمها وشفيق بما حدث بينها وبين بكر. هي من أقنعها بإنكار كل شيء أمام عمها ووالد أحلام. والأدهى من ذلك، أنها أرسلت إلى بكر تعلمه بحمل أحلام. روحية: ليه تعملي كل ده؟ مش حرام عليكي؟ هتستفادي إيه من الأذية دي كلها؟ عملولك إيه بكر وأحلام عشان تأذيهم بالشكل ده؟ وأنا أختك من لحمك ودمك، ليه تأذيني بالشكل ده؟ سميحة
تنظر لها بعينها السليمة: كلكم عملتوا وأنا خلفت، يمين أني أنتقم منكم كلكم واحد واحد، بس ربنا بيخبني، كلكم جيتوا قدامي شروة واحدة. إنتي بدأت بيها، عارفة ليه؟ عشان ساعدتي شفيق وأحلام يحبوا بعض وبعدتي شفيق عني وأنا كنت بحبه، وكنا موعودين لبعض من واحنا صغيرين. حب أمي ليكي، تسمع كلامك، بتعمل أي حاجة عشان تراضيكي، وأنا مهما عملت ولا تعبرني، ولا عمرها اهتمت بيا.
عمك الخاين اللي أجوز مرات أخوه عشان الورث، وأخد مال بنات أخوه في كرشه، ومكتفاش بكده، لا عشان يضمن الورث، كسر بخاطري وجوزكم لبعض في نفس اليوم اللي عملت فيه الحادثة، مصبرش لما يطمنوا عليا. روحية: أحلام؟ طيب بكر وأحلام ليه تأذيهم؟ عملولك إيه؟
سميحة: أحلام عشان باصت لحاجة غيرها. طمعت في اللي يخصني، ولا عملت نفسها قوية وجت تتشفي فيا وتنتقم لنفسها. ههههههه، متعرفش إني أنا كنت عارفة بكل حاجة، بس جارتها عشان أنتقم من شفيق ومنك من بعيد من غير ما ينشاف ولا من دري. لا وبكر أفندي ضميره صحي من وقت ما عرفت إنك حبلى وعاوز يوقف الانتقام، بعد ما قربت أنتقم من شفيق جاي يتوب؟
لا أنا بقي هديت المعبد على الكل. شفيق هيقتل بكر ويسجن، وعمك هيموت بحسرته، وإنتي عارك هيبان، وأمك خلاص معتش في إيديها تساعدك، وكل الأراضي والفلوس باسمك إنتي وشفيق، وشفيق مسجون وعمره ما هيوافق يمضي على مليم واحد. ههههههه ههههههه، شفتي بقي أنا اللي فزت في الآخر، انتقمت منكم كلكم مرة واحدة. روحية بصريخ: إنتي مجنونة! مجنونة!
وأخذت تصرخ وتهرول بالطريق، كادت تسقط على الأرض عدة مرات وهي تتعثر بالطريق، حتى وصلت لبيت بكر تدق عليه بعنف، حتى فتح لها الباب. روحية دخلت إلى المنزل تنادي: بكر بكر. لتلتفت لأحلام التي تنظر لها بذهول. اقتربت منها: أحلام، بكر فين؟ بكر فين؟ أحلام نطرت يدها بعيدًا: ولك عين تيجي هنا؟ يا جبروتك يا شيخة. روحية: مش وقته أي كلام، قولي لي بكر فين. أحلام تركتها وجلست بغرور: معرفش هو فين، خرج من بدري، ومجاش. رايح فين؟
روحية: يادي المصيبة! يادي المصيبة! هدور عليه فين يا ربي؟ بس يارب يارب استرها يارب. أحلام اقتربت منها: مالك؟ مش على بعضك، في إيه؟ روحية: سميحة، سميحة قالت لشفيق كل حاجة، وإن بكر هو وراه كل اللي بيحصله ده، وشفيق اتجنن وحالف لا يقتل بكر. أحلام بصوت مهزوز: إنتي بتقولي إيه؟ سميحة، إزاي يعني؟ وهي اللي خططت لكل حاجة؟ روحية: بعدين هفهمك، بس جولي بكر فين؟ الله لا يسيئك.
أحلام: بكر مع بابا بالمستشفى بيعمل شوية فحوصات، وزمانهم راجعين بالطريق. روحية: بينا بسرعة نلحقهم قبل ما شفيق ما يقتل بكر. خرجتا أحلام وروحية بخطى سريعة، حتى اقتربوا من الطريق المؤدي للمستشفى، لتقف روحية بصدمة وهم يسمعون صوت طلقات نارية، لتصرخ أحلام وتهرول تجاه بكر وهو يسند والدها الذي سقط على الأرض إثر تلقيه طلق ناري بصدره.
روحية أفاقت من ذكرياتها، ابتعدت عن الباب وتوجهت إلى خزانة ملابسها وأخرجت ملابس لها وأبدلت ملابسها وخرجت من المنزل وهي على شرودها. *** أحلام أسندت سلسبيل وقامت بمساعدتها تتمشى عدة خطوات وجلستا يتناولون الطعام، كل منهم شاردة في حياتها. سلسبيل: خالتي، مكملتليش اللي حصل، والراجل اللي كان هنا ده عمل إيه؟ وجوزك فين؟ عمرك ما جبتي سيرته ولا شفت صورة ليه. أحلام وضعت ما بيدها ونظرت
لسلسبيل بابتسامة ضعيفة: بكر شايل نفسه، موت أبويا، وأنه السبب في اللي حصل له، وخصوصًا إن الفاعل مجهول ومحدش قدر يثبت إن شفيق وراه، وروحية كالعادة خافت تتكلم. بعد كام شهر، روحية جات ليا البيت هنا وقالت إن الولد ابن بكر، وإنها عاوزة بكر هو اللي ياخده يربيه بعيد عن البلد، بس بشرط إنه يخليها تشوفه من وقت للتاني. بكر كان فرحان إنه هياخد ابنه وهيربيه هو، ووافق وفعلاً يوم ولادتها أمها جابت الولد وبكر أخده وكتبه باسمه واسمي من غير ما أعرف إني أنا الأم. وعشان ما يظلمنيش لما يسيبني ويمشي من البلد، كتب البيت والأرض اللي حواليه باسمي، وأخد ابنه ومشي. كام شهر ومحدش عارف عنه حاجة.
أمي قالت: بكفايانا اللي حصل لينا في البلد دي، نروح نعيش في بيتنا من تاني.
قلت لها: استني شوية صغيرين، أصرف في البيت والأرض ونلم حاجتنا ونمشي. كل ما يجي مشتري للأرض يروح وما يرجعش. شهر وراء شهر لحد ما في يوم صحينا من النوم على صوت هبد على الباب، وبكر شايل عايل صغير على إيده ودخل البيت ونفسه مقطوع. بعد ما هدي شوية عرفنا إن شفيق راقب روحية وهي جاية تشوف ابنها، وهو هرب بمعجزة عشان شفيق ما ياخدهوش. لسه بكر ما كملش كلامه لقينا البوليس داخل علينا وقابض على بكر وبيقول إنه خطف ابن شفيق، وكان بيسومه
على الفلوس. وروحية كالعادة خزلت بكر، واتحكم عليه بخمس سنين سجن. بعد تلات سنين شفت فيهم اللي محدش شافه، شفيق كل يوم والتاني جاي عاوز يجوزني، وكلام الناس مش بيرحم، وبكر رفض يطلق وفاكر كده إنه بينتقم من شفيق. لحد ما في يوم جالي خبر وفاته بالسجن. ماما صممت إننا نمشي ونسيب كل حاجة هنا، حتى هدومنا سبناها، لكن شفيق كان مراقبنا كويس وهددني إنه هيموت أمي لو مشيت وسبت البلد. شفت أيام ما يعلم بها إلا ربنا، لحد ما جأت الفرصة يوم
موت العمدة وسميحة والبلد كلها مشغولة، وشفيق أخدت ماما وهربنا، وعشنا عند جدتي في بيتها. كنت بخاف أخرج من البيت، جدتي ماتت وأمي تعبت، واضطريت إني أخرج أشتغل وأصرف على البيت، بس أبوكي الله يرحمه رفض، وأخدني أنا وماما عنده، وخالتك إيمان كانت اتجوزت وسافرت وانقطعت أخبارها. وفضلنا عايشين معاكم في البيت، والباقي إنتي عرفاه.
سلسبيل: ليه رجعتي لهنا بعد اللي مريتي بيه وشفتيه؟ أحلام: معرفش، كل اللي جه في بالي وقتها إني أهرب في مكان محدش يقدر يوصله ولا يعرفه، لأن عمري ما قلت لحد عليه. لتصمت مع سماعها دقات على الباب، لتقف أحلام وتفتح الباب، تقف مصدومة وهي ترى دخول آخر شخص تتوقعه. *** المحامي مسعود: احكلي كل حاجة حصلت بالظبط، ومين اللي كان واقف وقت اللي حصل، وحصل إمته وفين. قص شفيق كل ما أخبره به الغفير رجب وما أخبرته به سعاد.
مسعود بخبث: حظك في رجليك يا عمدة، جاية بالمقاس مظبوطة بالملي. شفيق: يعني إيه؟ فهمني قصدك. مسعود: هو فين دلوقتي؟ شفيق: حتة من الاتنين، يا في طنطا، يا في حضن أمه. مسعود: اتأكد لينا من مكانه بس، وهقولك هنعمل إيه. أخرج شفيق هاتفه وأجرى اتصالًا هاتفيًا. وابتسم لمسعود بانتصار. أغلق شفيق الهاتف في الطريق، داخل على البلد. مسعود: التف إلى مبروكه التي تولول: اخرسي بقى يا ولية يا خرفانة!
اسمعي كويس هقولك إيه تنفذيه بالحرف الواحد. هتروحي على بيت العمدة، أول ما تشوفي وائل نازل من العربية، تجري عليه وتقولي: وديت سعاد فين؟ وبعد ما تصوتي وتلمي البلد عليه، تروحي على القسم، وهبعت معاكي محامي تبعي ياخد باله منك من بعيد لبعيد. تبلغي باختفاء سعاد بنت جوزك، وتقولي كل اللي حصل، وكمان تبلغي فيه.
وانت يا عمدة، شوف غفير اللي بتثق فيهم يرمي الجثة في الاتجاه التاني للترعة، على ما تظهر الجثة وتخبط في الشبك الحاجز، ويعثروا عليها. يكون عند البوليس نشرة بأوصافها، وبكده القضية لبساه لبساه، وكمان المية هتساعد على طمس كتير من آثار الاعتداء عليها، وبكده القضية ما فيهاش غير مشتبه واحد. شفيق: عفارم عليك يا مسعود، مش خسارة فيك. مسعود: المليون جنيه، المليون جنيه يا عمدة، دي حبل المشنقة مش حاجة قليلة.
شفيق: المليون يا مسعود مش خسارة فيك. مسعود: لمبروكه: انتي يا ولية، خلي بالك، أي غلطة هتروحي في داهية. إنتي كنتي معاها هنا، والأمن شاهد، يعني ممكن تلبسي إنتي كمان القضية. فاهمة؟ يعني عقلك يوزك كده ولا كده، يبق إيه؟ إنتي الجانية على نفسك. تعالي يلا، اختمي على ورق الأرض وخدي الفلوس. مبروكه برعب: حاضر حاضر، تحت أمركم، كل اللي هتقولوا عليه هنفذه بالحرف الواحد. *** خرج الطبيب من غرفة العناية وملامحه غير مبشرة بالخير.
عبد الرحيم: طمني يا دكتور. الطبيب: الحمد لله، المدام فاقت، بس... عبد الرحيم: بس إيه؟ اتكلم مرة واحدة. الطبيب: المدام للأسف مش هتقدر تتكلم مرة تانية. عبد الرحيم فقد توازنه، ترك الطبيب ودخل غرفة العناية. اقترب من زهور المغمضة عينيها، انحنى ليقبل وجنتها. ابتعد عنها وهو يستمع لهمهماتها وهي تهز رأسها. استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!