تحميل رواية زهور بنت سلسبيل بقلم منى عبدالعزيز pdf
بقلم منى عبدالعزيز
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها. أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا. تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها. ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن...
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الأول 1 - بقلم منى عبدالعزيز
أحلام تركت سلسبيل ودخلت غرفتها تدور حول نفسها.
أحلام: هعمل إيه في المصيبة دي؟ لازم أتصرف قبل ما يحصله حاجة أو يفوق. وساعتها هيِهد الدنيا على دماغي ومش بعيد يستغل ده ويورطني معاه. لأ، لازم أبعد من هنا.
تَمد يدها وترفع قدميها تقف على أطراف أصابعها، تجذب حقيبة من فوق خزانة الملابس. تضعها على الفراش وتلتف، تفتح دولابها تجمع ملابسها وأشيائها في حقيبة قديمة. فتحت أحد الأدراج أخرجت ما به من نقود وأوراق، وضعتهم بعشوائية على ملابسها. أغلقت الحقيبة بإهمال من شدة توترها.
ورعشة جسدها ظلت تجوب الغرفة تبحث عن شيء، حتى وجدته وخرجت سريعًا.
أحلام تخرج من غرفتها حاملة حقيبة ملابسها، تنظر إلى الغارق بدمه. جسدها ينتفض، تبلع لعابها بصعوبة.
أحلام بصوت مهزوز وأوصال مرتعشة: سا سا سلسبيل، يا يا يا يلا بينا منها قبل ما يفوق ولا يحصله حاجة ونروح في داهية. بسرعة أوصلك على بيتك قبل ما أمشي من الحارة، ولا زياد يجي ويشوف البلوة دي.
سلسبيل تنحني تحمل صغيرتها وحقيبة يدها، تومئ برأسها. دموعها تسيل على وجنتيها. خرجت خلف أحلام التي خرجت من المنزل سريعًا قبل أن تنتظر رد سلسبيل. تخطو سلسبيل تاركة الباب دون غلقه، لعل أحد الجيران يرى المدد بالداخل وينقذه. ليقابلا أحد جيرانهم على بعد خطوات من الشقة، وأحلام تضع إحدى قدميها على أول درجة فتقف مكانها.
أبو بولس: مساء الخير يا ست أحلام، عاملة إيه؟ يا سلسبيل يا بنتي...
ليبتَر باقي كلماته بعد أن وقعت عيناه على الحقيبة بيد أحلام.
أبو بولس: على فين الساعة دي يا ست أحلام؟ أنتي وسلسبيل.
أحلام: أغمضت عينيها تحمد ربها فقد أرسل لها جارها نجدة. تتحدث بهمس والتفت تشير إلى شقتها وهمست له بشيء. لتبدأ بالنزول درجات السلم فور ترك أبو بولس لها بعد ما همست له بكلماتها. لتتوقف تنادي على سلسبيل الواقفة عند حافة الدرج لتصعد مرة أخرى. تمسك سلسبيل الواقفة دون أن تخطو خطوة بيدها، والأخرى تحمل حقيبتها. لتترجلا سريعًا وتخطوا بضع خطوات مبتعدة عن المنزل. أشارت إلى تاكسي.
أحلام: ساعدت سلسبيل تصعد السيارة بعد أن حمل السائق حقيبتها ووضعها داخل سيارته.
وصعدت جوارها: اطلع بينا على...
سلسبيل: قطعتها على محطة رمسيس يا أسطى.
أحلام: نظرت إليها بزهول، لترى دموعها بعينيها. أتت لتتكلم لتبتر كلماتها بعد أن نظرت لها سلسبيل بمعنٍ ليس وقته الآن.
سلسبيل تنظر لها نظرة تحذيرية وحركت أهدابها وطفلتها لصدرها. هنا فقط لفتت الصغيرة نظر أحلام، لتنظر لها وإلى الطفلة تارة أخرى. لتمد يدها تأخذها من يدها وتشير لها بأن تجفف دموعها.
السائق: اتفضلي يا مدام، وصلنا محطة رمسيس.
أحلام: مدت يدها تعطي له الأجرة. متشكرين يا أسطى، بس كمل جميلك وطلع لنا الشنطة.
السائق: ينظر إلى ما دفعته. كمان أطلع الشنطة، أومال لو دفعت مبلغ وقدره.
أحلام: أجرتك وأخدتها، ولولم أخف على عربيتك أنا هطلع الشنطة أنا، وانت حر.
السائق: نزل وقد فهم مخزى كلامها.
أحلام: انزلي يلا يا سلسبيل بسرعة وخدي من إيدي البنت وهاتي الشنطة. أنا همسكها في إيديا.
نزلت سلسبيل من العربة بألم جسدي ونفسي رهيب، وتمد يدها تحمل صغيرتها وتبتعد خطوة. لتترجل أحلام تقف جوارها.
السائق: اتفضلي الشنطة أهي.
أحلام: شكراً، ما كان من الأول. أمسكت أحلام حقيبتها وحقيبة سلسبيل بيد، والأخرى تحمل يد سلسبيل، وصعدت درجات المحطة.
وقفت عند شباك التذاكر.
أحلام: تذكرتين طنطا لو سمحت.
المحصل: قطار طنطا فاضل عشر دقايق ويطلع، اتفضلي عشان تلحقي، لأن القطار التاني ٥ الفجر.
أمسكت أحلام التذاكر بيدها وجذبت سلسبيل سريعًا. لتلحق بالقطار بعد معاناة من الأسئلة والتزاحم، لتصعد أخيراً على آخر لحظة. لتقف، تحمد ربها أنهن وصلتا قبل أن يتحرك.
لتعود بمسك يد سلسبيل وتجوب بعينيها عربة القطار وتتجه إلى أحد المقاعد الفارغة.
جلست سلسبيل وأحلام بمكان منعزل قليلاً، أمامها حقيبة ملابسها، وبالمقعد أمامها ساعدت سلسبيل على الجلوس.
وضعت أحلام رأسها تستند على جانب الكرسي، والهواء يداعب وجنتيها وتلك الدموع المنهمرة.
شاردت بذاكرتها، لقُبل ساعة أو أكثر.
أحلام امرأة بأواخر الثلاثين من عمرها، أرملة لم تنجب أولاد. أتت لتعيش مع شقيقتها وابنتها وتعمل بالسوق لتقتات لقمة عيشها في محل زوج شقيقتها المتوفي. توفت شقيقتها منذ أشهر. تحملت عناء طمع الكثيرين فيها لكونها شابة تحمل ملامح جميلة. افتتن بها أحد أبناء أكبر وأشهر تجار بسوق الخضار. حاول مرارًا وتكرارًا أن يصل إليها بكل الطرق.
أغمضت عينيها لتنزل تلك الدمعة الحزينة على وجنتها وهي تتذكر.
خبط الباب.
أحلام: أيوه، أيوه يا أم بولس، أنا جاية أهو.
فتحت أحلام الباب لتجد من يدخل بسرعة إليها غالق الباب خلفه. لتحاول أن تصرخ، ليكمم فمها وهي تنظر له بخوف من أن يأذيها.
: أنا قلتلك مش هسيبك يا عني مش هسيبك. قلتلك نتجوز ونعيش يومين حلو مع بعض، رفضتي. أنا بقي هاخد اللي أنا عايزة برضه من غير جواز. أربع سنين وأنا بموت عليكي وأنتي ولا معبراني. قلتلك مليون مرة هعيشك ملكة وأنتي رافضة. شوفي نتيجة رفضك.
أحلام تحاول أن تتحدث بين يده التي تكمم فمها.
أممم، تحاول بكل قوتها أن ترفع يده من على فمها وتحرر يدها منه.
حركتها المستمرة ومحاولتها نزع يده جعلته يحاول جذبها. لأقرب غرفة. سمعت طرقات على الباب. أشار لها أن تصمت. انشغل بإخراج شيء من جيبه. استغلت أحلام تراخي يده وقامت بدفعه بعيداً. ومنتهزة سمعها خبطات الباب وصوت من تنادي، خالتي افتحي أنا سلسبيل. لتسرع بنفضه بعيدًا عنها ليسقط شيء من يده. ينحني يلتقطه. لتستغل انشغاله وتتجه ممسكة تمثال على الطاولة بجوارها وقامت بضربه برأسه وترمي التمثال بعيدًا ليسقط أرضًا مصدرًا صوت عالي أثر ارتطامه بالأرض. انهارت كليًا، قدماها أصبحت كهلام. جسدها ينتفض بشدة. عيناها لا ترى بهم من تدفق دموعها.
جرت قدماها وجسدها المنتفض حتى تفتح الباب التي تعالت دقاته وصوت سلسبيل ينادي: افتحي، افتحي يا خالتي، طمنيني عليكي، أنا سلسبيل، افتحي.
لتفتح الباب وتدخل سلسبيل. تشهق عندما ترى ذاك الشخص ممدد على الأرض تسيل من رأسه الدماء.
وضعت ما تحمله بيدها على أقرب كرسي وانحنت بصعوبة تتحسس رقبته. تحمد ربها على بقائه على قيد الحياة. لتسرع لجمع مدخراتها وملابسها في حقيبتها لتهرب من مصيرها، بالحبس أو عقاب ذلك الممدد على الأرض للانتقام منها على ما فعلته به. لتعود مرة أخرى للواقع وهي تنظر إلى ما بيدها. تتنهد بشكر لله أنها لم تفرط به، فهو مفتاح نجاتها.
ذلك البيت الصغير في قرية زوجها تعود إليه لتحتمي بجدرانه. ليلفت نظرها ومسمعها صوت بكاء يشبه مواء القطة الصغيرة.
تنظر إلى الجالسة أمامها وتهزها لإسكات تلك الصغيرة التي تحملها بيدها.
سلسبيل مغيبة ألم روحها وجسدها مشتعلان. أمالت برأسها تسندها على جانب شباك القطار. تعود بذاكرتها على أصعب لحظاتها في الحياة، على رفيقها زوجها وحبيبها والد ابنتها الذي حطمها، كسرها، قلبها يقطر دماً مما حدث لها. دموعها طوفان يغرق وجنتها وهي تعود إلى أصعب لحظاتها في الحياة.
ممددة على فراش أبيض تأن بالألم، أفاقه من ولادتها لابنتها وتلك الساعات المؤلمة التي سبقتها حتى وضعت طفلتها تلك الزهرة البريئة كما أطلق عليها حبيبها منذ علمه بحملها بفتاة. لتفتح عيناها ببطء عدة مرات حتى قويت على فتحهما، تجوب بهما بالمكان لا تجد أحد جوارها. أين زوجها؟ رفعت يدها بصعوبة بالغة تتحسس بطنها، تجاهد على إخراج صوتها تنادي باسم زوجها: زياد، زياد.
تأتي لها سيدة بشوش تحمل بيدها بعض الأدوية ومصل وضعته في ذلك السيروم.
حمد الله على سلامتك، مبروك ما جا لك بنت، بسم الله ما شاء الله قمر، سبحان من صور، ربنا يحميها ويبارك فيها.
ابتسمت سلسبيل على كلمات السيدة. نطقت بوهن شديد: الله.
سلسبيل: الله يبارك فيكي. ابتلعت ريقها بصعوبة من شدة الألم وهي تحاول أن تعتدل بنومتها. صرخة طفيفة خرجت منها: آآآه. لتقترب منها الممرضة.
: متحركيش، الحركة غلط عليكي، اصبري شوية الغرز لسه بتشد.
سلسبيل: جوزي بره، ممكن تنادي عليه؟
الممرضة: جوز حضرتك بيسجل البنت وبيخلص شوية إجراءات وطلب مني أبلغك لما تفوقي بأنه مش هيتأخر عليكي، غصب عنه لازم ينهي الأوراق دي.
سلسبيل: نغزها قلبها بشدة. أحست بوجود خطأ ما. هي تعلم مقدار حب زوجها لها، لا يمكن مهما حدث أن يتركها وحيدة في مكان، وخاصة بحالتها هذه.
بنتي عاوزة أشوفها. قالتها برعب وبصوت متحشرج من الخوف.
الممرضة: اهدي، متقلقيش، بيجهزوه وشوية صغيرة وهتكون هنا.
سلسبيل: لو سمحتي، ممكن تليفون أكلم جوزي منه.
أخرجت الممرضة هاتفها من جيبها.
سلسبيل: اطلبي رقم ٠١٠ ٢٦...
صدح رنة الجرس. أتاها صوت الهاتف الذي طلبته: غير موجود بالخدمة.
سلسبيل توترت، لا يمكن أن تغلط في رقم هاتف زوجها الخاص بهما فقط. حاولي تاني معلش، يمكن كتبتي رقم غلط.
أعادت الممرضة مرة واثنين من شدة إلحاح سلسبيل عليها. ولكن لا فائدة. أتاها صوت تلك المرأة المزعجة: الرقم الذي طالبته غير موجود بالخدمة.
سلسبيل...
ببكاء: أكيد في حاجة مش طبيعية، إحساسي بيقولي كده. فين بنتي؟ اتأخروا ليه؟ هاتولي بنتي.
حاولت تعدل نفسها لتقف، صرخت من شدة الألم اللي أحست بيه. كادت أن تسقط أرضًا لولا تلك اليد التي لحقت بها.
"براحة يا سلسبيل، اللي بتعمليه ده غلط على الجرح."
سلسبيل رفعت عينها وجدته صديق زوجها المقرب.
"دكتور حسن، زياد برن عليه تليفونه مقفول أو الرقم مغلق. أنت صحبه أكيد عارف هو فين."
الطبيب نكس عينيه أرضًا. زاغت عيناه بعيدًا عنها، تلعثم بالكلام: "أنا... أنا كنت في العمليات ومعرفش إنه خرج غير من شوية. وأنا بمر على المرضى، جالي اتصاله منه إنه خارج برة المستشفى ووصاني عليكي أنتي وعروستي."
سلسبيل: "بنغزة في قلبها، مقالش رايح فين؟ وهيرجع امتى؟"
حسن ات... تكلم ليصمت. حمد الله فور سماعهم خبطات على باب الغرفة.
سلسبيل تحاول أن تعتدل بفرحة: "الحمد لله، شكل زياد رجع."
فتحت باب الغرفة ودخلت ممرضة تحمل تلك الزهرة على يدها.
الممرضة: "يلا يا ماما، شوفي مين جت تسلم عليكي."
مدت سلسبيل يدها تحمل زهرتها. نبتة حبها هي وزوجها. تنظر لها بحب، تضمها إلى صدرها، تقربها من أنفها تشم تلك الرائحة الذكية التي تنبعث منها.
عينها على الباب، قلبها يحدثها بأن غياب زوجها ليس طبيعيًا. فقد تجاوزت الساعة منتصف الليل. ليرحل الطبيب هربًا من أسئلتها ويخرج سريعًا، تاركًا سلسبيل تتخبط في أفكارها.
ظلت هكذا فترة طويلة حتى...
أتاها الطبيب للاطمئنان عليها.
الطبيب: بابتسامة وعيون زائغة، "ممكن أطمن عليكي وعلى القمرة الصغيرة؟"
سلسبيل: "بسرعة، لو لو سمحت يا دكتور، زياد اتأخر أوي وأنا خايفة يكون حصل له حاجة. ممكن تتصل عليه وتطمنيني؟"
الطبيب: "متقلقيش، زياد بخير. لسه متصل عليا واطمن عليكي وعلى زهرة هانم وقال إن شاء الله الصبح هيكون هنا. ممكن بقي أطمن عليكي عشان أطمّنه؟"
ليبداً بفحصها.
الطبيب: "الحمد لله، الضغط مظبوط. في حاجة تعباكي؟"
ليكمل بعد عدم تلقيه أي إجابة: "الممرضة هتعدي عليكي تاخد البنت وتديكي علاجك."
ظلت طوال الليل تقاوم النوم خوفًا من قدوم زوجها دون رؤيته. مع أن قلبها يخبّرها بوجود شيء ما قد حدث. ظلت تقاوم النوم فترة طويلة حتى غلبها ونامت من شدة تعبها.
تململت من نومها تهمس باسمه. دمعة حارة تدحرجت قرب أذنها تحدث نفسها.
"زياد، فينك يا زياد؟ إيه اللي آخرك؟ تسبني في الوقت ده."
دخلت الممرضة تحمل الصغيرة.
"صباح الخير يا ماما، شوفي مين جايه تصبح عليكي."
سلسبيل بابتسامة تحاول أن تجلس. اقتربت منها الممرضة، وضعت الفتاة على صدرها، أعدلت الوسادة خلفها وساعدتها في جلستها.
"يلا بقي كده يا ماما نشرب حاجة سخنة ونعمل تس رضاعة عشان أنا جعانة."
سلسبيل: "جوزي لسه مرجعش. هو جه وأنا نايمة ولا لأ؟"
الممرضة: "آسفة معرفش، أنا لسه مستلمة النبطشية من شوية ومعرفش جه ولا لأ."
طرق على الباب تلاه دخول الطبيب.
الطبيب: "صباح الخير، أخبارنا إيه؟ ممكن نكشف على ماما يا ست زهرة."
سلسبيل: "بلهفة، زياد يا دكتور جه مش كده؟ طمنيني عنه وقولي جه وهو اللي قالك على الاسم."
حسن بتلجلج: "زياد مجاش، بس اتصل بالتليفون وقال أطمنك عنه. حصل مشكلة في الشغل هيحلها ويرجع على طول. حتى طلب مني أصورك أنتي والست زهرة عشان وحشوه ومش قادر يصبر على بعدكم أكتر من كده."
سلسبيل بدموع وصوت متحشرج: "حاسة إن الدكتور مخبي عليها حاجة."
الدكتور حسن صديق زياد، زوجها. والشاهد على زواجهم.
"ليه الدموع دي بس يا سلسبيل."
سلسبيل: "قولي الحقيقة، زياد فين؟ جراله حاجة؟"
حسن: يبعد عينه عنها، "ليه بتقولي كده؟ أقسم لك زياد بخير."
سلسبيل: "لا، إحساسي بيقول غير كده. أنا متأكدة إن زياد استحالة يسيبنا كل الوقت ده مهما كان مشغول."
حسن بتهرب من كلامها، يحاول أن يغير الحديث.
"يلا يا ست زهرة هانم، نصور بابا مستني صورتك على نار. ممكن نمسح الدموع دي، مش عاوزين نقلق زياد."
سلسبيل: جففت دموعها وحاولت رسم الابتسامة على وجهها. ورفعت صغيرتها لأعلى. التقطت عدة صور. ابتسم لها: "خلاص كده يا ست زوزو؟ بعت صورتنا الحلوة لبابا نطمنه عليكي أنتي وماما لحد ما يجي بالسلامة."
سلسبيل: "بعد إذنك يا دكتور، ممكن تتصل وتطمني على زياد."
حسن: "هه."
سلسبيل: "اتصل على زياد، عاوزة أسمع صوته."
حسن: بتوتر، "طبعًا طبعًا، ثواني هتصل عليه. بس ثواني أبعت له الصور وأتصل عليه بسرعة."
أرسل حسن الصورة لصديقه زياد وكتب له شيئاً وأغلق الهاتف.
حسن: يده تمسك الهاتف، يحاول رسم ابتسامة على وجهه. شرد كيف سيتصل عليه. أرسل الصور ولكن الاتصال صعب في ذلك الوقت. لو علم أحد باتصاله سيعرفون مكانها هي والصغيرة.
آفاق على صوت دقات متتالية على الباب ودخول ممرضة. تنهد براحة.
الممرضة: "دكتور، في حالة صعبة جدًا والدكتورة سهام طالبة حضرتك."
حسن: "اهتمي بمدام سلسبيل والبيبي." وخرج مسرعًا هربًا من حصار سلسبيل له بأسئلتها.
الممرضة: "تحت أمرك يا دكتور."
خرج حسن سريعًا من الغرفة، يتنفس براحة.
الممرضة: أعطت الممرضة سلمي العلاج. "ثواني والفطار يكون عندك. بس ممكن ناخد القمر الصغيرة نغير لها تكوني فطرتي."
سلسبيل: "زميلتك لسه جايباها وهنعمل تس رضاعة."
الممرضة: "نغير على الجرح ونفطر ونعمل التس."
أومأت سلسبيل. وبعد الانتهاء من كل ذلك...
سلسبيل: "ممكن تجيبيلي شنطتي لو سمحتي."
الممرضة: ذهبت إلى الخزانة الموجودة بالغرفة وأحضرتها لها. وأخذت الطفلة منها ووضعتها بجوارها على السرير وخرجت تتابع عملها.
سلسبيل: فتحت حقيبتها، أخرجت هاتفها. اتصلت عدة مرات على رقم زوجها لم يجيب، مغلق أو غير متاح.
ظلت طوال اليوم تحاول الاتصال به دون جدوى.
حضرت الممرضة مساءً تعطيها الأدوية وتبدل ملابس الصغيرة النائمة طوال اليوم.
سلسبيل: بعد انتهاء الممرضة من إعطائها الدواء ومساعدتها على إرضاع الصغيرة. ارتخت يدها. تجاهد في فتح عينها، لم تقو وأغمضت عينيها ولم تدري بأي شيء حولها.
فاقت صباحًا تشعر بألم في رأسها. عيونها ثقيلة. تحاول أن تفتحها. داعب أنفها رائحة تخترقه. فتحت عينيها سريعًا ابتسمت بفرحة شديدة تنادي: "زياد! زياد!" عينها تجوب في الغرفة لم تر أحد. تحاملت على نفسها ترفع رأسها لأعلى. لم تر صغيرتها. كادت تلامس قدمها الأرض. فتح باب الغرفة ودخلت الممرضة تحمل الطفلة. تنفست براحة وأعدلت نفسها وهي تتألم.
وقع نظرها على شيء بجوار حقيبتها.
الممرضة: "استني أساعدك تقفي. شكلك تعبانة ممكن تقعي."
سلسبيل: بألم شديد لم تعد تقوى على الحركة. دورا شديد دهمها مع غثيان. كادت تسقط أرضًا لولا إسناد الممرضة لها بعد ترك الصغيرة على السرير.
سلسبيل: تجاهد على إخراج الكلام. "شكرًا. ساعديني أدخل الحمام وأبدل هدومي. تعبت من اللبس ده. بس الأول ياريت تقفلي باب الأوضة بالمفتاح."
الممرضة: "حاضر. بس ممكن الأول تاخدي علاجك وتفطري؟ أنتي تعبانة وبقالك كتير نايمة لازم تحسي بهبوط."
أومأت دون أن تفتح فاها بكلمة. بعد مدة ساعدتها الممرضة في تبديل ملابسها وقامت بتمشيتها فترة في الغرفة. وأيضاً أرضعت زهرتها.
اقترب المساء. نزلت من على سريرها بعد تذكرها ما رأته بجوار حقيبتها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثاني 2 - بقلم منى عبدالعزيز
مر الليل سريعاً وأتى الصباح، سطعت خيوط الشمس الذهبية تضيء الكون، ولكن كان هناك عتمة قوية في قلب ساكن ذلك المكان. جلس على كرسي هزاز، غارقاً في أفكاره، وجهه عابس حزين. كان ممسكاً بهاتفه ينظر إلى صورة.
يضمها قلبه، يكاد يخرج منه للاطمئنان على حبيبته، وزهرته، وبرعمته، نبتته الأولى من زوجته، من هواها فؤاده، عشقتها عيناه من أول لحظة رآها. يغمض عينيه يتذكر أول لقاء بينهما، ومن أثرته ببطلتها، وابتسامتها، ووجهها البريء، أخلاقها وخجلها.
دموعه لا تتوقف. تنهد بحسرة على حالتها وهي نائمة. تنادي عليه. عاد بذكرته للأمس.
"حسن.. الو زياد. سلسبيل نامت، تقدر تيجي حالا؟"
"زياد.. أنا قربت من أوضتها، متأكد إنها نامت."
"حسن.. أيوه متأكد، واخدة منوم، هتفوق منه الصبح."
"زياد.. سلام، أنا خلاص قدام باب الأوضة، شوية وهعدي عليك في مكتبك."
"حسن.. مستنيك، سلام."
فتح باب الغرفة بعد أن أغلق هاتفه. اقترب من تلك النائمة، تهذي باسمه وتنادي عليه. انحنى وقبّل جبينها ووجنتها، ينظر إليها، وجهها شاحب. تهذي باسمه. اقترب.
"زياد.. ليه بتصعبيها عليا يا حتة من روحي." انحنى وقبّل منها. قبل شفتها، دمعة نزلت من عيناه على وجنتها. جففها بيده، جلس جوارها.
"زياد.. (بصوت كاد أن يسمع) آسف، سامحيني. مقدرتش أقاوم، خوفت عليكي وعلى بنتي، بحميكم. بس أوعدك هاخد حقي من كل اللي ظلمونا وحرمونا من بعض. أوعدك إن حبك هيفضل لآخر يوم في عمري، عايش جوه قلبي. أنا كتبت كل ورثي، ما أملك، باسمك وباسم زهرتي."
تعالت شهقاته، رفع يدها يقبّلها. "أسف، أسف. خوفي عليكي وعلى زهرتي عملت كده. سامحني. مقدرتش أواجهك، خفت أشوف نظرة خذلان في عنيكي، خوفت أضعف وحبي وشوقي يكونوا السبب في موتك. بعدي عنك هو موتي بالبطيء، لكن حياتك عندي أهم."
أخرج زياد من جيب سترته أوراقاً ومبلغاً مالياً، وضعهم بحقيبة يدها. قبل جبينها وشفتها مرة أخرى. مد يده يمررها على وجهها، وقفت عند شفتيها يتلمسها. "آه..." قوية خرجت منه. وقف، ثم قبّل يدها. نظر إليها مرة أخرى واتجه ناحية الباب. توقف والتفت لها، يلقي عليها نظرة الوداع. قطع المسافة مرة أخرى عائداً إليها، رفعها إلى أحضانه يبكي بقوة. "آه يا رب قويني على بعدها وعلى بعد بنتي. آه... آه."
"يا رب صبرني على وجع قلبي. آه..."
ظل وقتاً طويلاً يضمها إليه، حتى علت رنات هاتفه معلنة على اتصال. نظر زياد إلى هاتفه. قام بإغلاقه، وضعه بجوار محبوبته ببطء شديد. قبّل شفتها مرة أخرى، وخرج من الغرفة سريعاً، مغلقاً الباب خلفه للأبد.
توجه إلى مكان صغيرته، زهرته. وقف بجوار سريرها الصغير، يتلمس يدها. وضع إصبعه بين راحة يدها الصغيرة. جسّ على ركبتيه، انحنى يقبّلها ويتلمس وجهها، يشم رائحتها. "ياترى يا زهرتي هتسامحيني؟ هشوفي تاني؟ هاخدك في حضني في يوم؟"
ظل فترة لا يعلم كم مر وقت، حتى أتته الممرضة.
"الممرضة: لو سمحت حضرتك ممنوع دخولك هنا، ولو حد من المسؤولين عدا هتجازى. لولا دكتور حسن ما كنتش هسمح بكده."
أومأ بتفهم، وقف مرة أخرى، أخذ يسحب إصبعه من يد صغيرته. خرج منها صوت بكائها الذي يشبه مواء القطة الصغيرة. انتفض قلبه برجفة وعالت دقاته، فصغيرته تبكي على ابتعاده عنها. لم تعد قدماه تحمله. علت شهقاته.
"زياد.. سامحيني يا زهرتي." وخرج مسرعاً قبل أن يضعف أكثر ويأخذها ويهرب بها عن العالم أجمع، ولكن خوفه على معشوقته، أمها، منعه من ذلك.
أفاق من ذكرى تلك اللحظة على صوت هاتفه. رفعه أمام عينه، تنهد بضيق وحزن شديد. فتح الاتصال ليجيب وهو يجفف دموعه بيده.
"زياد.. الو." قالها وحيداً وهو يستمع للطرف الآخر.
"الطرف الآخر: ......"
"زياد.. أنا بالطريق، مش هتأخر."
"الطرف الآخر: ...... "
"زياد.. أيوه، نفذت كل اللي طلبته، ورقة الطلاق وصلتها، وكل حاجة انتهت."
"الطرف الآخر: ...... "
"زياد.. حضرتك عايز تعرف مكانها ليه؟ خلاص اللي انت عايزه حصل، وطلقتها قدامك بتلاتة. سيبها بحالها."
"الطرف الآخر: ...... "
"زياد.. قلت لحضرتك مسافة الطريق وهكون بالبيت."
"الطرف الآخر: ...... "
"زياد.. حاضر، الفندق حاضر. هروح على هناك."
ليكمل: "بعد إذن حضرتك، هقفل. خلاص قربت أوصل."
أغلق الهاتف سريعاً، حتى قبل انتهاء المتصل من إكمال حديثه، وهب واقفاً، يجفف دموعه ورحل بسيارته متوجهاً لمكان ما أخبره به المتصل.
وقف بسيارته أمام فندق كبير يطل على النيل. تنهد بقهر ودخل، وأسرع بالدخول إليه، وجد شقيقه الأكبر يجلس في انتظاره. اقترب منه يحاول السيطرة على أعصابه، تكلم بصوت رزين.
"زياد.. السلام عليكم."
"شقيقه.. عليكم السلام. اتاخرت ليه؟ بابا قالب الدنيا عليك."
"زياد.. كان عندي شغل مهم، خلصته وجيت. فين بابا؟ قالي أجي الفندق على طول."
"شقيقه زيدان.. بيشرف على تجهيزات الفرح بنفسه، وماما ونهال والكوافير، وأخواتك البنات فوق بجناح العائلة بيجهزوا. وزيد بيخلص شغل بابا كلفه بيه."
ارتجف قلب زياد ونطق سريعاً: "شغل إيه ده يا زيدان؟"
"زيدان.. معرفش، بس اللي فهمته، دعوة مخصوصة لحد مهم."
زياد.. الخوف ملا قلبه، أومأ برأسه، وجلس على أقرب كرسي بعد إحساسه بدوار شديد.
اقترب منه شقيقه: "مالك يا زياد؟ فيك إيه؟"
"زياد.. مفيش حاجة، متقلقش. مجهد شوية. هات مفتاح الأوضة، أطلع أرتاح شوية."
"زيدان.. يدوب تلحق تجهز، الساعة قربت على ستة، والمعازيم هيبدأوا بالوصول. بابا حاجز ليكم طيارة الساعة عشرة، والفرح هيبدأ بدري."
أومأ زياد وهو يجاهد فتح عينيه من الألم، وقف متحاملاً على نفسه: "اوك، فين المفتاح؟"
"زيدان.. تعال معايا، أوصلك. شكلك مرهق أوي."
وصلا الغرفة، وجد مصفف الشعر وبعض أصدقائه وأزواج شقيقاته يضحكون ويتحدثون. ألقى السلام برتابة وسط مباركتهم له. استأذن ودخل الحمام يغسل وجهه بالماء المختلط بدموعه. رفع عينيه ينظر إلى المرآة، يلعن ضعفه. خرج بعد أن بدل ملابسه. رفض أن يهذب لحيته، قام المصفف بتهذيب شعره بعد إلحاح من شقيقه، واستغراب الجالسين من هيئته. انتهى من تصفيف شعره. حضر شقيقه الأوسط يطلب منه الحضور لبدء الاحتفال.
نظر إلى شقيقه بخوف، لا يعلم لما تلك النظرة التي بثها له شقيقه كتهديد أو إنذار. اقترب منه.
"زياد.. عملتلها إيه يا زايد؟"
"زايد.. ربّت على كتفه. كل خير، متقلقش. أنا وعدتك إني مش هلمسها، لا هي ولا بنتك، اللي شبهك أوي."
زياد.. ارتخت يده، قدمه لم تعد تحمله. كادت دموعه تنزل من الخوف، قلبه ارتفعت ضرباته. "أنا نفذت كل اللي قولتم عليه. ابعدوا عنهم. لو آذيتوهم، أنا اللي هقف ليكم وههد المعبد على روسكم."
"زيدان.. أنا مش برجع في كلمتي. وأقسمت ليك، لا أنا ولا حد من طرفي هيؤذيهم. وبابا وعدك. وميعرفش إنها خلفت، والا كان أخد البنت منها، وأنت عارف بابا، إلا أحفاده."
زياد بضحكة ساخرة خرج من الغرفة بمناداة شقيقه الأكبر.
عيناه مغرورقة بالدموع، قلبه ينتفض، روحه تسحب من جسده، قدماه أشبه بهلام يذوب من شدة الحرارة. "آه..." خافتة تخرج من بين حنايا شفتيه. يدعو ربه بحفظ ابنته التي اشتاقها بجنون فور أن أتت على مخيلته.
"زياد: يناجي ربه: ربي أنت أعلم ما في نفسي، ارحم ضعفي وقلة حيلتي، هون عليّ ما بي. ربي أنت تعلم ما في قلبي، وإني لا أبغي هذه الزيجة من ابنة عمي التي تبغضني. كل ما أريد زوجتي حبيبتي وابنتي التي اشتقت لها. أود ضمها، أستنشق عبيرها، ألمس بشرتها الرقيقة. أقبّل يدها الصغيرة. قلبي يشتاق لوضع إصبعتها الصغيرة في يدي. يارب، أود فقط من هذه الحياة أن أشبع من ضمة ابنتي التي لم أهنأ بها. ربي اجعل آخر ما أراه قبل أن تصعد روحي للسماء، وجه حبيبة قلبي وبنيتي الصغيرة. يارب أنت تعلم قوة إيماني ومحبتي للقياك. ربي ارحم ضعفي واجبر خاطري وارحمني من هذه الفتاة المغرورة. لا تجعل يوماً يجمعني بها ولا اسمها يقترن باسمي. ربي اجعل زوجتي رفيقتي في جنتك."
رفع عينه لأعلى، ثم التفت إلى يمناه ونظر خارج الشرفة، رافعاً عينه للسماء كأنه يرسل رسالة بعينيه. ليبتلع لعابه بصعوبة شديدة، وتلك النزعة القوية بقلبه. ارتجفت صدره وضاق نفسه أشد من الأول بعدة مرات، فور اقترابه من مكان تجمع عائلته.
استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث 3 - بقلم منى عبدالعزيز
سلسبيل ببطء شديد ترجلت من على الفراش تتحامل على نفسها بعد أن رأت شيئًا بجوار حقيبتها. تئن من الألم، تخطو خطواتها وهي منحنية، تضع يدها على جرحها أسفل بطنها كي تتحمل الألم. تحرك قدمها ببطء، كلما خطت خطوة تهبط دمعة من عينها من شدة الألم. تزحف بقدمها على أرضية غرفة المشفى حتى لا تنقل قدمها بخطوة تؤلمها. تنهدت الصعداء حين اقتربت من حقيبتها. يدها على الطاولة، انحنت تمسك ما رأته لتشهق بصدمة، لترتد للخلف حتى كادت أن تسقط لدوار أصابها. أحست بترنح جسدها الذي ينتفض. لم تعد ترى شيئًا أمامها. برودة شديدة تحاوطها. صرخة داخلية انتشلتها من دوامة أفكارها. رفعت ما بيدها نصب عينيها تقرأ مرة أخرى. شفتها ترتعشان وهي تقرأ. أسنانها تصطك ببعضها. أصبحت الرؤية معدومة من كثرة الدموع في عينها. تشهق بألم، شهقات متلاحقة وقلبها ممزق ينتفض بداخلها. تحرك رأسها يمينًا ويسارًا غير مصدقة ما قرأته، لتستند على الطاولة بيدها تتحامل بها بعد أن كادت تسقط أرضًا. ظلت ثوانٍ على تلك الحالة، لترفع رأسها تنظر إلى اللا شيء. صدرها يعلو ويهبط.
سلسبيل: مش قادرة أصدق عينيّ. معقولة اللي مكتوب ده؟ طيب امتى وإزاي عمل ده؟ يارب يارب ليه؟ ليه عملت إيه عشان يحصلي كده وأتصدم فيه بالشكل ده؟ لازم أعرف عمل كده ليه.
لترفع نفسها لأعلى غير عابئة بألمها، فألم روحها أقوى وأشد من ألم جسدها، لتكمل.
سلسبيل: فين وعودك إن العالم كله لازم يعرف إني مراتك وأم بنتك؟ راحت فين وعودك إنك هتعمل أكبر احتفال في سبوع زهرة والدنيا كلها تعرف إننا متجوزين؟ هو ده الاحتفال؟ هي دي المفاجأة اللي قلتلي عليها وفضلت أتخيلها من كتر ما قلتلي عليها؟ لأ لأ أنا مش مصدقة. أنا لازم أعرف عملت فيا كده ليه؟ ليه يا زياد؟
لتعلو صوت بكائها وهي ترفع تلك الدعوة بيدها، تقرأ ما بها ودموعها تتساقط، وتجر حقيبتها وتتجه إلى الخزانة بالغرفة وتبدل ملابسها بصعوبة بالغة مع تزايد هبوط دموعها التي لا تتوقف. لتعود ممسكة بحقيبتها وتتوجه إلى ابنتها. تنظر لها تارة ولتلك الدعوة بيدها أخرى، تغمض عينيها بقهر، تسأل صغيرتها.
سلسبيل: أصحيح ما قرأت أم أنها تحلم بكابوس وسوف تفيق من نومها؟
تحاملت على نفسها، حملتها وخرجت من الغرفة. تنظر يمينًا ويسارًا تتأكد من خلو المكان وأسرعت في خطاها، تئن بصمت وتضغط على شفتها كاتمة الألم الذي تشعر به، ووقفت قليلاً أمام المصعد لتشعر ببعض الخوف من أن يراها أحد. ل تلتف للجهة الأخرى وتتجه للنزول من على الدرج حتى لا يراها أحد ويمنعها من الخروج.
سلسبيل: أكيد لو نزلت بالاسانسير مش بعيد حد من الدكاترة ولا زميلي يشوفوني. وقتها مش هعرف أخرج. ولا الدكتور حسن.
لتبكي بنحيب وتستند على الحائط القريب من الدرج. تلاقيه جنب صحبة وحبيبه. ماهو مش ممكن يسيبه في يوم زي ده. لتعتدل ببطء، رفعت حقيبتها على كتفها وضمت صغيرتها لصدرها، وباليد الأخرى تمسكت بحافة الدرج (الترابزين). تضع قدمها على درجة وهي تكاد تصرخ من شدة الألم. ظلت وقتًا على تلك الحالة، تهبط عدة درجات وتتوقف قليلاً تستريح وتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، لتنتهي من هبوط الدرج.
سلسبيل كادت أن تتعرقل عدة مرات لعدم رؤيتها الطريق أمامها من تلك السحابة السوداء التي تقطر دمعًا. تحدث نفسها.
سلسبيل: ليه؟ ليه؟ سبب واحد يقنعني باللي عملته ده. فين وعودك ليا؟ فين كلامك؟ ليه الوقت ده؟ بنتك ذنبها إيه طيب؟ لما أنت عاوز تسبني وتبعد ما قلتليش ليه؟ وأنا كنت بعدت. ليه تغدر بيا وتوجعني بالشكل المهين والموجع ده؟ كنت قلتلي خلاص مش عاوزك بحياتي. كان وجعها خفيف عن النار اللي بتحرقني. مليون سؤال جوايا عاوزة إجابتهم منك.
لترفع يدها تجفف دمعتها وعدلت صغيرتها على يدها وأخذت نفسها عميقًا. حين وصلت أمام الباب الخارجي للمشفى، تحمد ربها أن لم يرها أو يوقفها أحد.
سلسبيل: وهي تتنفس بصوت مسموع للقريب منها. الحمد لله. ألف حمد وشكر لله. ما حدش أخد باله.
لتبتعد قليلاً عن المستشفى. أشارت إلى تاكسي، صعدت إليه وهي تئن من الألم. كفكفت دمعاتها حتى لا يرتاب بأمرها السائق.
سلسبيل: صعدت إلى التاكسي بصعوبة بالغة.
السائق: على فين يا مدام؟
سلسبيل: فندق زهروان المعادي، لو سمحت.
السائق: ياااه، بعيد أوي يا مدام. دي أقل حاجة ساعة من هنا لهناك.
سلسبيل: بحدة طفيفة. أجرتك اللي هتطلبها هتأخدها كاملة. اتفضل امشي عشان منتأخرش.
السائق: ليه العصبية دي يا مدام؟ على العموم مش هنختلف. العداد هو اللي هيحدد المبلغ. لا تظلميني ولا أظلمك.
سلسبيل: جات عليك أنت كمان تظلمني. ما الدنيا كلها ظلماني ولسه بتظلم فيا.
قالتها هامسة وبحرقة. من سمع نبرة صوتها كان يبكي من شدة الألم والوجع والحزن به. لتشرد سلسبيل وتتساءل: لما ترك لها الدعوة وكيف دخل الغرفة ولم تشعر به؟ وهي تشعر به فور دخوله عليها. أي مكان! ومن دخل الغرفة ووضع الدعوة وهي لم تغفو إلا قليلاً؟
لترفع تلك الدعوة أمام عينها بقهر، تعيد تقرأ ما بها لتزرف دموعها. لتتلاش الرؤية أمامها ولم تعد ترى الكلمات من كثافة الدموع.
السائق: اتفضلي يا مدام وصلنا.
لم يجد أي رد، ليلتفت لسلسبيل.
السائق: وصلنا يا مدام، يا مدام، يا مدام وصلنا.
لم يجد أي استجابة، ليكمل: استغفر الله العظيم. ليضع يده على كلاكس السيارة ويقوم بإطلاق البوق عدة مرات بصوت قوي. وأعاد مناداتها.
سلسبيل: انتفضت انتفاضة قوية وأفاقت على صوت بوق عالي افتعله السائق كي يرد عليه.
سلسبيل: أسفة سرحت شوية.
لتلتفت حولها تجد أنها وصلت أمام باب الفندق. لتعود النظر للسائق.
سلسبيل: حسابك قد إيه؟
سلسبيل: تفتح حقيبتها تخرج جزلانها وتخرج الأجرة. اتفضل بس لو سمحت ممكن تستناني هنا خمس دقائق ومش هتأخر عليك.
السائق: متتأخريش يا مدام. الوقت متأخر ويدوب ألحق أعمل كام مشوار قبل ما أروح.
سلمي: متقلقش خمس دقائق ومش هتأخر.
ترجلت سلمي من التاكسي تقف أمام الفندق تنظر له بحزن تتذكر كلمات زياد حين أتى بها أحد المرات واصطحبها في جولة داخله وتلك الليالي التي مكثوها بأحد أجنحته وقضائهم أجمل أيام حياتها في ذلك الجناح الذي شهد على لحظاتهم سويًا ومعسول الكلام الذي ألقاه زياد عليها. كم سعدت وقتها. شعرت بأنها تلمس السحاب بيدها. لتتنهد بألم، فكل ذلك وهم كان سراب. وتوجهت لداخل الفندق.
سألت عن مكان قاعة أفراح المكتوب اسمها بدعوة الزفاف التي وجدتها بجوار حقيبتها.
سلسبيل: لو سمحت قاعة اللؤلؤة من أي اتجاه؟
العامل: أشار إليها أحد العاملين على مكانها. طلب منها مسئول الأمن دعوة الفرح. رفعت يدها بالدعوة. وقفت على باب القاعة متسمرة مكانها. قلبها يكاد يقفز من قفصها الصدري. دقات زادت. دقاته. صدرها يعلو ويهبط من شدة الحزن والصدمة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الرابع 4 - بقلم منى عبدالعزيز
سلسبيل وقفت متسمرة مكانها تري زوجها يجلس بحوار فتاة لم تري وجهها، أصوات الأغاني لكبار المطربين تصدح بالمكان. تغمض عينها بألم فور سماعها تلك الغنوة التي كانت تشدو له بها كل صباح.
استجمعت شتاتها أخيراً وأتت تقترب من مكان جلوسه، لتقف مكانها فور وقوع عينه عليها.
لتنظر له نظرة عتاب، عينها تحدثت بمكنون ما بجوفها.
سلسبيل: طول الطريق وأنا بكدب الكلام اللي قريته، وأقول لا يمكن زياد جوزي وحبيبي اللي يوم ما اعترفلي بحبه قال عايزك بالحلال. معقولة أنت زياد اللي أنا حبيته؟ ابتسمت بسخرية. لا لا يمكن تكون أنت زياد، كان راجل. أنت جبان طماع، واحد تاني أنا معرفوش.
تلتقط أنفاسها، جسدها ينتفض بشدة، أسنانها تصطك ببعضها.
جف حلقها، تحاول أن تبلع ريقها من شدة جفافه، أصابتها مرارة في حلقها لا يوصف. عيونها تسيل منها أنهار من الدموع، خرجت من دون صوت بكاء. ترفع عينها بعينه تبكي على حالها، تنظر للجالس نظرة كلها اتهام وقهر. إنكسر نظرها للطفلة على يدها وترفعها له مرة أخرى.
سلسبيل: تنظر له تسأله عملت كده ليه، غدرت بيا ليه. من كام ساعة كنت بتوعدني وتقسم إن الدنيا كلها هتعرف بجوزنا وبنتك هتعمل ليها احتفال الكل يتحاكى بيه. تدور بعينها بالقاعة، هو ده الاحتفال؟ لتنظر لابنتها، بنتك اللي مبقاش لها عمر ساعات. بعتها هي كمان. لترفع عينها مرة أخرى إليه، راح فين وعدك، كلامك، حبك؟ إيه اللي غيرك من كام ساعة كنت طاير من الفرحة بزهرتك.
سبتها ليه ولمين؟ نظرت له بحزن، نظرة مطولة كأنها تشبع عينها من ملامحه. ورفعت يدها بصغيرتها تدير وجهها ناحيته، تشير برأسها له، وبعدت عينها عنه والتفت وخرجت من القاعة.
خرجت تجر أرجلها بصعوبة بالغة، تبكي بحرقة. وقفت على بعد خطوات من القاعة تتنفس بصعوبة، تدعوا ربها أن يكون كل ذلك كابوس وستفيق منه. لترحل تجر أذيال الخيبة بعد تأكدها من حقيقة ما رأته وهي تقرأ اسم زوجها زياد وبجواره اسم عروسة نهال. لتفتح عينها بزهول، لم تلاحظ اسم العروس إلا الآن، إنها تلك الفتاة ابنة عمه التي طالما أخبرها أنه يمقتها وهي سبب الخلاف مع والده، وكم أخبرها عن غرورها وخبثها. ما غير رأيه لما تزوجها؟ أيعقل أن يكون خدعها بكلامه وكان يحب ابنة عمه وعندما سنحت له الفرصة تزوجها؟ أم أن هناك خطب ما في سر الزواج السريع. وصلت أمام التاكسي، التفت مرة أخرى للخلف تنظر لباب الفندق، تمني نفسها بأن ما رأته غير حقيقي، أو لعلها تجده خرج خلفها يطالبها بالسماح. أغمضت عينيها بحزن شديد، تنهدت بسخرية على حالها. صعدت للتاكسي، أملته العنوان وهي تئن من الألم، لا تعلم أيهم يؤلمها جسدها أم ألم روحها.
أفاقت من ذكرياتها على صوت خالتها.
سلسبيل: يلا وصلنا.
ترجلت مع خالتها من القطار متوجهين إلى مكان لأول مرة تخطوه، مع ماض مؤلم وحاضر مبهم ومستقبل مجهول.
زياد خرج من الغرفة يرد على أخيه الكبير ونيران تحرق جوفه، قلبه ينغزه بشدة.
زيدان: يلا يا زياد الزفة هتبتدي.
زياد: تنهد بضيق شديد ويده تتحرك على قلبه. أنا خلاص جهزت.
ذهب زياد مع شقيقه الأكبر ومعه أقربائه وخلفه شقيقه زايد.
وصلوا إلى الجناح التي يتم تجهيز العروس بها.
خرجت شقيقاته ووالدته، قبلته والدته، رأت دموعه تتراقص في عينيه. اشتدت في احتضانه، تربت على كتفه وتتلمس ظهره بحنان أمومي كبير.
خرج زياد من أحضان أمه بعد أن همس لها بشيء في أذنها جعلها تنظر له بخوف شديد.
خرجت إليه عروسه تبتسم، ابتسم ابتسامة لم تصل لعينيه. بعد زغد شقيقه له.
توجه إليها، أخذ يدها لتضع يدها بيدها وتوجه بها إلى مكان الاحتفال وسط عزف الفرقة الموسيقية.
وصلوا لمكان جلوسهم، بعد أن سلم على والدي العروس ووالده الذي ربّت على كتفه بقوة وكأنه يوصل إليه رسالة معينة.
جلس بجوار عروسه، قلبه يقفز من مكانه من الحزن.
يدعو ربه أن ينقذه من تلك الزيجة. يشعر بضيق في أنفاسه، جسده ينتفض كلما اقتربت منه الجالسة بجواره. تحدثت بتبتسم أو اقترب منه أحد يبارك له.
ليزيح دمعة زرفتها عيناه فور وقوع نغمات أغنيته المفضلة التي تشدو بها محبوبته، لينغزه قلبه بشدة. فكل ما حوله يذكره بها. يلتفت بعينيه يجوب المكان. أغمض عينيه وفتحهم عدة مرات لينظر بزهول على باب القاعة، ليثبت عينه على الباب بصدمة وهو يرى زوجته تحمل على يدها طفلته. قلبه يكاد يخرج منه نار اشتعلت بداخله وهو يرى دموعها تسيل على وجنتيها ونظرات الاتهام في عينها وتلك الأسئلة بها، وعاجزاً عن رفع تلك الاتهامات. عنده ينظر لها بأسف.
زياد:
حتى أنتِ يا محبوبتي تصعبين الأمور علي. أنا من حرمت منكي ومن بنيتي.
أنا من ذبح بسكين بارد. نعم أعلم أنك مصدومة ومجروحة. آه لو تعلمي كم عانيت اليوم. آآآه من تلك النظرة التي تمزقني، حزن عيناكي، تلك الدموع التي بها تحرقني. آه من ضعفي تجاهك، خوفي عليكي وعلى ابنتي هو الذي يكبلني ومكتف يداي.
نعم أعلم جرحك الغائر الذي لا يقل عن جرحي.
ليغمض عينه. آه لو تعلمي كم عانيت من تهديدات والدي لي بطلاقك وتمسكه أن أطلقك أمامه وعلى يد مأذون. روحي سحبت من جوفي، تلبدت حواسي، فقدت هويتي بعدم اقتران اسمك باسمي. لو تعلمي كم التهديدات التي تلقيتها حتى أوافق، لما وافقتِ الآن تعاتبتِ، كنتِ ضممتيني لأحضانك مواسية لي.
تخففي عني كم الألم والحزن.
هددني بحرماني مما يملك وأنه سيغضب علي... حتى بعد رفضي لكل أموالي لعائلتي للبقاء معكِ محبوبتي. هددني أبي بتدميرك، بتلفيق الاتهامات تجاهك. لم أعبئ وظللت على موقفي ليفعل ما لن أقدر عليه بقتلك. هنا لم أتحمل أبي أثناء غضبه يفعل ما يقوله دون تراجع.
جحظت عيناه وهي تنظر له نظرة مطولة كأنها تودعه للأبد. قلبه سيخرج من مكانه وهو يريها ترفع ابنتها تجاهه وتدير وجهها الصغير له، ليهب واقفاً يريد أن يلحق بها. أوقفته.
يد عروسه تصلب جسده. أراد أن يبعد يدها عنه.
أراد أن يصرخ بها.
زياد: أنا لا أريدك زوجة لي، أريدها هي من ملكت قلبي، حبيبتي، معشوقتي، نبض قلبي. من تزوجتها هي أم ابنتي. أريدها وأريد ابنتي، أريد أن أشم ريحها، أن أتنفسها.
ليعاود الجلوس مرة أخرى مكانه وعينه لازالت على باب القاعة. ليجوب بعينه في أروقة القاعة ليجد والدته بجوار والدته وشقيقاته. لينظر له نظرة مطولة.
زياد:
نظر إلى أبيه. نزلت دمعة من عينيه. أشار إلى أخيه وهو يمسك قلبه بيده.
اقترب منه أخيه همس في أذنه كلمات وصمت.
وعينيه على أبيه. لم يتحرك. أنتظر أخيه يكمل كلامه.
لم يتكلم. هزّه حتى يكمل. مال على الحافة الأخرى للكرسي. صرخ أخيه بوجع وقهر، فقد سمع آخر كلمات أخيه.
زياد: لاااااااااااااااااا لا يا زياد لا.
هرج ومرج في كل القاعة. لم يقو والده على الوقوف وعين ابنه مازالت مصلته عليه.
صرخات زوجته وأبنائه. اقتربت منه زوجته.
زهرة (والدته):
ارتحت؟ عملت اللي أنت عاوزه.
حسبي الله ونعم الوكيل فيك. حرمته من مراته اللي حبها طول عمرك. قاسي عليه. مش هسامحك. طول عمري حرمته من مراته وأهو ربنا حرمنا منه... ابني البار. صرخت وسقطت أرضاً. تصلب لم يقو على الكلام. ينظر لعين ابنه.
وعروسه بجواره. تصرخ به وتهزه. وأخواته ينادون عليه. أسرع الكثير من المدعوين، يحملون جسد ابنه يذهبون به إلى أقرب مستشفى.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الخامس 5 - بقلم منى عبدالعزيز
عبد الرحيم .. مش وقته الكلام ده، يلا تعالوا معايا بسرعة نجيب البنت، حفيدتي لازم تتربى في بيتي، لا يمكن أسيبها.
خرج زايد وزيدان خلف والدهم الذي يخطو بخطوات واسعة. صعدوا إلى السيارة، انطلق بها زايد بأقصى سرعة متوجهين إلى المستشفى لجلب ابنة شقيقهم.
زيدان: ممكن تفهمني من إمتى ده حصل وإزاي زياد خبّى علينا موضوع جوازه؟
زيد: محدش كان يعرف إن زياد متجوز، أنا عرفت من كام يوم بالصدفة. كنت خارج أنا ومعتز صاحبي بنشتري بدلة ومستلزمات عشان فرحي. كنا في مول قريب من بيت خالتي زهروان، شفت زياد ومعاه بنت جميلة فوق ما تتخيل. في الأول قلت ممكن تكون واقفة جنبه بالصدفة، ده محل كبير وممكن تكون زبونة بتشتري، لكن لقيتها بتتكلم معاه وبيضحكوا مع بعض ولف إيده وضَمّها لصدره وباس راسها. كنت مصدوم من اللي بشوفه. البنت كان كل اللي في المول عينه منها ومن جمالها. جمالها غريب يخطف قلبك. فرحت زياد وهم ماشيين وماسك إيدها. شكيت زياد كل يوم معانا بالشركة ويوم الجمعة بيقضيه معانا، إمتى وفين شافها واتعرف بيها؟ استأذنت من معتز ومشيت وراهم لحد ما دخلوا العمارة اللي ساكنة فيها خالتي. وسألت عرفت إنه متجوز من كام شهر ودي الممرضة اللي كانت مقيمة مع خالتي وعرفت اسمها وكل حاجة عنها، وأنها ساكنة في حارة من حواري شبرا، منطقة قريبة من سوق روض الفرج، وأبوها بياع خضار في السوق.
زيدان: بصدمة مما يسمع. ليه خبّى علينا ليه معرفناش؟ وإزاي مراته تكون بتولد ويسيبها ويجوز واحدة تانية؟
زيد: بكسرة. أنا حكيت لبابا اللي عرفته، وبعدها بابا غصب عليه يطلقها ويجوز نهال، والباقي أنت عرفته.
زيدان: وبنته عرفت إزاي إنها والدت وعند حسن صحبة؟
زيد: كنت براقبه زي بابا ما طلب مني وإني أعرف مكانه اللي خبّاها فيه بعد ما رحنا بيت خالتي وعرفنا إنهم خرجوا ومرجعوش.
بعد ذهاب سلسبيل من المستشفى، دخل حسن يطمئن عليها. وقف قليلاً ينظر لفراشها الفارغ.
حسن: دق باب الغرفة ودخل بعد وقت من عدم تلقيه استجابة. ليلقي السلام "مساء الخير" ليصمت فور رفع بصره ووقوع عينه على الفراش الفارغ وباب الحمام مفتوح. ليهرع خارج الغرفة ينادي على الممرضات.
حسن: المريضة فين؟ مين فيكم مسئولة عن متابعة حالتها؟
إحدى الممرضات: أنا يا دكتور، من ربع ساعة كنت عندها وأكلتها وعطيتها علاجها وعملت تست رضاعة والحمد لله نجح. وسبتها مع بنتها ورحت على الشفت بتاعي.
حسن: أنا مش منبه عليكم تاخدوا بالكم منها ومتسبوهاش نهائي. دوروا في المستشفى كلها لحد ما تلقوها.
حالة من الفوضى في المستشفى، الكل يبحث عن المريضة بكل غرف المستشفى. الدكتور حسن ينهَر الممرضات على إهمالهم بترك المريضة لوحدها وهو ماكد عليهم عدم تركها. الأمن يبحث بكل مكان، يتابعوا كاميرات المراقبة لم يجدوا لها أثر. لا يزال البحث جاري عنها، لا أحد يعلم كيف خرجت دون أن يراها أحد.
حسن: جالس بمكتبه، فمنذ أمس يبحث عن أمانة صديقه التي أمنه عليها. حزين كيف سيخبره عن إهماله. أخرج هاتفه يتصل به ليبلغه ما حدث. فإنه لم يترك مكان إلا وبحث فيه، حتى أنه ذهب إلى شقته التي يعيش فيها صديقه وزوجته، لم يجد أي استجابة. لا يزال الهاتف مغلق أو غير متاح. تنهد بضيق. نهض من مكانه عاقدًا نيته على الذهاب لإخبار صديقه بنفسه.
وصل عبد الرحيم المستشفى مع أبنائه. صاعدين خلف زايد الذي يعرف مكان الغرفة الموجودة بها زوجة شقيقه وابنته. تذكر زايد قبل يومين وهو يراقب شقيقه كما طلب منه والده أن يراقبه بنفسه ويعرف مكان تلك الزوجة وتهديدها بالابتعاد عنه وإلا سينتقم منها بطريقته. عرف أن زوجة شقيقه أنجبت فتاة منذ يوم واحد لتأتي فكرة شيطانية في عقله ليخرج دعوة زفاف من جيبه ويعطي إحدى الممرضات مبلغًا ماليًا كبيرًا لتضعها بمكان قريب من زوجة شقيقه.
يصل إلى الغرفة، يقوم عبد الرحيم بفتحها دون الاستئذان ليتفاجأوا بخلو الغرفة. لينادي زايد إحدى الممرضات يسألها عن المريضة.
الممرضة: المريضة خرجت ومحدش عارف مكانها.
خرج عبد الرحيم مسرعًا متجهًا إلى مكتب المدير ليسأل عما حدث.
حسن كاد يفتح الباب ليجد من يفتحه ويدخل مسرعًا إليه.
عبد الرحيم: بصوت جهوري. فين البنت يا حسن؟
حسن: بهلع ممن دخلوا عليه وتلك النظرة النارية المسلطة عليه منهم. تحدث بصوت مهزوز. بنت إيه؟ مش فاهم.
زايد: فين بنت زياد ومراته؟
حسن: بتهتهة. مرات زياد وبنته؟ أنا أنا مش فاهم قصد حضرتك إيه. قالها وهو يعدل نظارة النظر الخاصة به.
زايد: حسن بلاش لف ودوران، أنت فاهم بابا قصدة إيه ومن الآخر، إحنا عرفنا كل حاجة. قول هم فين من غير ما تكذب أو تحاول تضللنا.
حسن: بقلة حيلة بعد سماعه ما قال أخو صديقه. فلم يجد حل إلا إخبارهم الحقيقة، ولكن لابد من توضيح الأمر لصديقه حتى لا يغضب منه إذا علم منهم. معرفش خرجت من غير ما حد يعرف. بندور عليها من امبارح. حتى رحت للبيت اللي كانت عايشة فيه مع زياد ملقتهاش. وسألت جارتها قالت من وقت ما خرجت مع جوزها ما رجعتش. حتى أنا كنت جاي أبلغ زياد لأن تليفونه مغلق.
يجلس عبد الرحيم بحزن على أقرب كرسي ويقترب منه أبناؤه للاطمئنان عليه. يشير لهم إنه بخير.
حسن: بحيرة ينظر إلى عبد الرحيم وحالته المزرية ونظرات عينيه المشتتة. يضغط على موضع قلبه ليتساءل: هو زياد فين؟ وحضرتكم عرفتم موضوع بنته إزاي؟
زيدان: بحزن وصوت يكاد يسمع. نطق بصعوبة ومرارة. حسن قالها بصوت شبيه بالدوي بالمكان. زياد اتوفى امبارح ولسه حالا عارفين بموضوع بنته.
حسن: بصدمة مما سمع. إنت بتقول إيه؟ زياد مين اللي مات؟ إنت حصلك حاجة؟ زياد أنا كنت مكلمه امبارح مطمن على مراته وبنته.
زيدان: أومأ برأسه يؤكد كلامه. أيوه زياد مات وهو قاعد جنب عروسته في الكوشة.
حسن: بصدمة مقدرتش قلبه يتحمل ظلمكم ليه؟ متقولوش زياد مات، أنتم قتلتوه. اقترب من شقيقه. قولي زياد فين؟ عاوز أشوف صاحبي وأودعه.
زيدان: نطق بحزن شديد يترحم عليه. زياد الله يرحمه، دفناه في مقابر العائلة من ساعتين.
حسن: ببكاء وصوت شهقاته علت. جلس على الكرسي بصدمة. نظر إلى والد زياد نظرة استحقار وهب واقفًا وخرج من مكتبه يزيح عبراته التي تهطل حزنًا على وفاة صديقه. ليهرول في أروقة المستشفى حتى وصل إلى سيارته وصعدها وانطلق يحدث نفسه: هدور على مراتك يا صاحبي. أوعدك هحميها من أبوك واخواتك. ليوقف سيارته أمام بناية قديمة في منطقة شعبية. يترجل منها ويصعد الدرج بسرعة رهيبة ليقف يلهث أمام شقة والدة سلسبيل الذي أتى يوم خطوبة صديقه. يخبط على الباب بشدة ليخرج له رجل من الشقة المواجهة له.
الرجل: عاوز مين يا حضرت؟ مافيش حد هنا.
حسن: يتجه له ويشير بيده على الشقة. مش دي شقة والدة مدام سلسبيل؟
الرجل: أيوه هي شقتها، بس الست أم سلسبيل اتوفت من كام شهر ومحدش في البيت.
حسن: بصدمة شعر بالأرض تميد به. فذلك المكان الوحيد الذي يعلمه ممكن أن تلجأ إليه سلسبيل. طيب متعرفش سلسبيل فين؟
الرجل: يهز رأسه بلا. في حاجة أقدر أساعد حضرتك فيها؟
حسن: يهز رأسه لا. لا. ليترك المكان وينزل ببطء شديد حتى خرج من البناية. وقف أمام سيارته وضع رأسه عليها بحزن. ماذا سيفعل؟ أين يبحث عنها؟ ليصعد مرة أخرى ودق باب شقة ذلك الشخص الذي كان يحدثه منذ قليل. ليفتح الرجل الباب.
حسن: أسف لحضرتك على الإزعاج، بس ممكن تتصل بيا على الرقم ده أي وقت سلسبيل تيجي هنا أو تعرف مكانها. قال ذلك وأخرج كارت من جيبه وأعطاه له ورحل بعد أن وعده الرجل بالاتصال به. ليصعد سيارته متجهًا إلى مقبرة صديقه يجلس جوارها يحدثه.
حسن:
وصلت أحلام وسلمى أمام منزل قديم في وسط الأراضي الزراعية بمنطقة نائية بإحدى القرى في وقت متأخر من الليل. تنهدت أحلام ودخلت المنزل المظلم على إنارة هاتفها المحمول ذو الإضاءة المنخفضة. كل منهن شارد فيما حدث له. لتتحدث أحلام وهي تقترب من الصغيرة التي تبكي.
سلسبيل: مالك يا بنتي؟ شوفي ابنك بيعيط شكله جعان. رضعيه.
سلسبيل: بصوت مبحوح. زهروان يا خالتي زهروان.
أحلام: رضعيه يا بنتي، دي من بدري نايمة ومغيرتش ولا رضعت.
أومأت سلسبيل واعتدلت ترضع صغيرتها تكلمها كأنها فتاة يافعة.
سلسبيل: تقص على ابنتها كيف تخلى عنها زوجها وتزوج عليها وأرسل إليها دعوة زفافه بعد يومين فقط من ولادتها.
وسط ذهول أحلام مما تسمع لتقف بحزن تقترب من سلسبيل تربت على كتفها.
أحلام: سلسبيل إيه اللي سمعته ده؟ معقولة زياد يعمل كده؟ أنا مش قادرة أصدق.
سلسبيل تهز رأسها ودموعها تسيل على وجنتيها، تتساقط على طفلتها. تسرد لخالتها كل ما حدث وسط شهقاتها.
تنهي سلسبيل رضاعة طفلتها وقلبها يتمزق، لتردف:
"صدقي يا خالتي، زياد باعني أنا وبنته. اختار الثروة وباعنا. باع حبي وتضحيتي. إن أكون زوجة في الضل، باع بنتة اللي كل يوم يدعي ربنا يمد في عمره عشان يفرح بيها. باع مبادئه اللي كل يوم كان بيقولهالي. باع كل ده عشان الفلوس. اختار المال والجاه وباع الحب."
ربطت أحلام على كتفها واقتربت منها، ضمتها إلى صدرها بحنان، تجفف دموعها. حاولت إجلاء صوتها ليخرج مهتزًا قليلاً وهي تواسيها على ما سمعته.
"في حاجة غلط، لا يمكن أصدق إن زياد يعمل كده. من يومين اتصل بيا وقليل إنه هيزورني أول ما تقومي بالسلامة، وهيجيبك تكملي نفاسك عندي لأنه يخاف يسيبك لوحدك في البيت وهيجي يعيش معانا الفترة دي. أنا متأكدة إن في حاجة مش مظبوطة، في حاجة ضايعة في النص. الأمور بس تظبط وهتصل عليه أفهم كل حاجة. قومي يا سلسبيل، البنت نامت. قومي ريحي جنبها على السرير، أنا هروقه أي حاجة للصبح وهنزل أشتري فرش وغطا وأكل."
تركتها أحلام وقامت بترتيب السرير وتسويته بعد نفض الأتربة من عليه.
بعد قليل، نادت أحلام على سلمى بالحضور للغرفة لتستريح.
تخرج أحلام من الغرفة، تسير تجاه سلسبيل بعدم تلقيها استجابة لنادئتها، تنادي عليها وهي تخطو إليها عدة مرات.
"سلسبيل، يا سلسبيل، قومي يا بنتي أنا جهزتلك السرير، تعالي ريحي جسمك."
سلسبيل شاردة، تتذكر آخر لحظات بينها وبين زياد، تأن بصمت من ألم جرح روحها وألم جرح جسدها. فاقت على صوت أحلام تنادي عليها، لتحاول النهوض وهي تحمل صغيرتها، لتخرج منها صرخة، وضعت يدها على فمها تكتم صرخاتها بجوفها. كتمت صرخة ألم لو تركتها لدوت بالمنزل تزلزله من قوتها.
لتعود مرة أخرى بالجلوس مكانها، تجاهد في عدم تساقط دموعها، وهي تتساقط مثل حبات الندى من ورقات الشجر. تحاول أن تخرج صوتها ترد على خالتها، شعرت بانسحاب صوتها وأنفاسها.
لتغمض عينيها هاربة، تزامنًا مع خروج خالتها تنادي عليها مرة أخرى.
خرجت أحلام تنادي عليها، تنظر إليها بحزن وحسرة على حالتها.
سلسبيل فتحت عينيها تتظاهر بذهابها بالنوم، وأفاقت من نومها على صوت مناداة لها، تحاول النهوض لتئن بألم، ليقترب أحلام بلهفة.
"براحة يا سلسبيل، خليكي زي ما أنتِ قاعدة، وأنا هاخد البنت منك ألا تقع وأنامها. وأجي بسرعة أسندك براحة تنامي جنبها."
أخذت أحلام الصغيرة وتوجهت بها إلى الفراش ووضعتها، واتجهت إلى سلسبيل تساندها للدخول للغرفة.
دخلت سلسبيل تشعر بألم جرحها، كأنه يتمزق نيران به، تكتم صرخات الألم وتكز على أسنانها، تضع يدها موضعه.
"مالك يا بنتي، فيكي إيه؟ معاكي دوا تاخديه يسكن الوجع اللي أنتِ فيه ده؟"
سلسبيل تهز رأسها بلا، تغمض عينيها، تتساقط دموعها.
فهي طول اليوم لم تأخذ أي دواء مسكن أو تأكل. وضعتها أحلام بجوار صغيرتها على الفراش ومساعدتها، وتسطحت بجوار الطفلة تحاول النوم. ظلت فترة طويلة تئن من الألم، تأتي في مخيلتها صور زياد وهو جالس بجوار عروسه، لتكتم صوت بكائها من الألم الجسدي والنفسي الذي داهمها. تحاول النوم، تغمض عينيها وتضغط عليهم، تشتت أفكارها وتستغفر حتى غفت من التعب والإرهاق.
أحلام لم تذق طعم النوم، قلبها يدق، تتساءل ما حل بذلك الذي تركته بشقة شقيقتها يقبع ببركة من الدماء. ماذا سيحدث لها إذا حدث له شيء؟ هل تقوم بالاتصال بجيرانها تسألهم أم تصمت وما يحدث تتركه بيد الله؟
قامت تستغفر الله ربها على صوت أذان الفجر، تلمست الأثاث حولها بعد أن نفذ ضوء الهاتف، حتى وصلت إلى مكان النافذة وقامت بفتح النافذة لتهوية المنزل، وتلمست إضاءة أعمدة الإنارة بالخارج.
ظلت واقفة مكانها حتى بزوغ أول ضوء في الصباح، تستنشق عبير الصباح ورائحة الندى. ابتسمت على حالها، رفعت عينها للسماء تدعو ربها بإنقاذها مما حدث، فهي دافعت عن شرفها حتى لا يدنسه ذلك الحقير.
قليلاً وبدأت في تنظيف المنزل، حتى انفرجت الشمس بنورها يغزو المكان. ظلت تعمل حتى انتهت من تنظيف المنزل بالكامل. اتجهت إلى حقيبة ملابسها وأخرجت منها بعض النقود، وأخذت مفتاح المنزل بيدها وخرجت من المنزل تقضي بعض المشتريات.
لحسن حظها اليوم يوم السوق الكبير، ويأتي للقرية باعة كثيرون من القرى المجاورة.
اشترت كثير من الأغراض من أواني وموقد صغير تعد عليه الطعام، وذهبت إلى محل يبيع ملابس أطفال، وقامت بشراء بعض الملابس للصغيرة وغيارات.
عادت تحمل الكثير من الأغراض وسط نظرات المارة لها، من يقترب يسلم عليها بحفاوة بعودتها، ومنهم من يتلمز عليها، ومنهم من تساءل لما راجعت بعد تلك السنوات.
عادت إلى منزلها بتعب وإرهاق، وضعت ما أحضرته وأغلقت الباب جيدًا والشباك، وتسطحت على إحدى الكنبات تريح جسدها بتعب.
تعود لمخيلتها ما حدث، تفكر ماذا سيقول عنها أهل الحارة إذا رأوا الغارق بدمائه. شقت دموعها خط على وجنتيها، حتى دهمها النعاس لتنام بثبات عميق.
تأتي في مخيلتها ما حدث وتلك الدماء والبوليس يداهم منزلها، لتصحو على صوت خبطات عالية على باب المنزل ومناداة أحد الأشخاص باسمها.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السادس 6 - بقلم منى عبدالعزيز
حسن رفع راسه يزيح التراب من فوق القبر بيده وصوت نحيبه يتردد بالمكان.
"قوم يا زياد قوم قولي."
"هعيش إزاي من غيرك؟ كنت قولي عرفني إني خلاص مش هشوفك مرة تانية. نبهني إن روحي هتطلع مني وقلبي هيقف بعدك."
"أول مرة تكون أناني بالشكل ده وتفكر في نفسك. كان لازم أفهم من كلامك إن في حاجة هتحصلك. أول مرة تكون متشائم. أول مرة مقدرش أحس بوجعك."
"وأنت بتوصيني على الكل، أمك ومراتك وبنتك."
"زهرتك اللي ملحقتش أشبع منها. وصيتني على الكل بس نسيتني. طيب مين هياخد باله مني يا صاحبي بعدك؟ مين اللي..."
"هيشجعني ويقويني بعدك؟ لما أكون تعبان ومهموم مين هيوسيني؟ هتصل بمين في نص الليل أقوله."
"مش جايلي نوم تعال نتمشى. مين اللي هيهون عليا بعدك."
"ياريتني يا صحبي خدتك في حضني وشبعت منك."
"أنا الغبي، كنت لازم أفهم من نظرة عينيك وصوتك إن خلاص ده آخر حاجة هسمعها منك. ياريتني ما سبتك تمشي وقتها. دلوقتي بس فهمت قصدك من الكلام اللي قلته لما جيت المكتب."
ليعود بذاكرته إلى قبل يومين.
حسن بيمر على مريض عنده بيطمن عليه بعد ما فاق من العملية، لياتيه اتصال هاتفي.
"وحشني يا لورد، بقالي أربع ساعات مسمعتش صوتك."
"حسن، عاوز أتكلم معاك. لو فاضي تعال، أنا مستنيك في نفس المكان."
"عشر دقايق وهكون عندك. أنا خلاصت آخر حالة وكنت هتصل أطمن عليك وعلى سلسبيل."
"مستنيك، متتأخرش."
أنهى حسن عمله وذهب لمقابلة صديقه.
"عشر دقايق بالظبط. مفروض آخد جايزة نوبل في الالتزام بالمواعيد."
"انت تستحق جوايز كتير وأهمهم جايزة أفضل صديق."
"ههههههه، لا أنت راضي عني أوي. متريقتش ولا دبّتني كلمتين زي عادتك. أكيد حاجة هتحصل تشكر فيا من غير تريقة ولا تقلّب الطربيزة عليا."
"أبقى كذاب يا صحبي لو قلت غير كده. أنا مطلعتش من الدنيا غير بيك انت وأمي وسلسبيل وماما زهروان. انتوا بس اللي بتحسوا بيا وبتهونوا عليا كل وجع وتعب الدنيا."
حسن، ابتسامته راحت من على وشه، اقترب من صديقه، حط إيده على كتفه.
"مالك يا صحبي؟ فيك إيه؟ ليه الوجع اللي في كلامك؟ فين التفاؤل اللي كنت بتوصني بيه؟"
التفت لصحبه يبكي بقهر.
"عايزين يحرموني من حب عمري، من مراتي أم بنتي اللي لسه ما شفتهاش. ما خلوش حاجة معملتهاش. استحملت الإهانة والمرار، بس مقدرتش أستحمل أذيتها أو ألاقيها جثة والفاعل مجهول."
"مين دول؟ وعرفوا إزاي علاقتك بسلسبيل؟"
"بابا وزيد عرفوا بجوازي منها ومصممين يبعدوني عنها بحجة تافهة. قالوا إنها طمعانة فيا وفي اسم عيلتي، وإنها ممرضة وأبوها بياع خضار. عاوزة العز والجاه. ما يعرفوش إنها متعرفش غير إني ابن أخت زهروان. ما يعرفوش إنها بريئة، ملاك. كل اللي شغله بالها بيه إنها تسعدني وتهون عليا قسوة الدنيا عليا. الوحيدة بعد أمي اللي اتقبلت شكلي ومرضي."
"كتير سهرت تداويني وأنا عاجز عن كلمة شكر ليها، وأنا شايفها بتاخد بالها مني ومن ماما زهروان لحد آخر لحظة في حياتها. وحتى أمي في زيارتها كانت بتاخد بالها منها، وعمر ماما قالت ليها كلمة حلوة. إلا إنها دايماً تحسسها إنها خطفتني منها."
"سلسبيل دي روحي، إلا بعدها عني بموتي. سلسبيل بس مراتي. سلسبيل الدم اللي بيجري في عروقي."
بصوت بكاء.
"قلبي هيقف من وجعي على بعدها. مش عارف هكمل إزاي وهي بعيدة عني. ولا هي هتسامحني لما تعرف أنا مين وابن مين وإني ضعيف مقدرتش أحميها وأحافظ عليها؟ هتسامحني يا حسن؟"
"لما تعرف إني طلقتها، وبنتي اللي لسه مخرجتش للدنيا هشوفها في يوم وأحضنها وأشبع منها."
"أنت فاكر شرط سلسبيل على الجواز كان إيه؟ إني مجرحهاش ولا أوجعها. وأنا النهاردة مطلوب مني أجرحها وأديها ورقة طلاقها وأبعد عنها. تفتكر بعد كل ده هتسامحني؟ قولي يا حسن، سلسبيل اللي تعرفها هتسامحني ولا هتأسي هي كمان عليا؟"
ليأتي اتصال هاتفي ويخرج زياد الهاتف، يرى اسم سلسبيل عليه.
يفتح الهاتف سريعا.
"الو... أنا في الطريق، ثواني وهكون عندك. حسن معايا، متقلقيش مش هسوق. خليكي في نفسك انتي، وأنا مسافة السكة وهكون عندك."
"حسن بسرعة، سلسبيل بتولد وتعبانة أوي."
ليسارع زياد وخلفه حسن مهرولاً إلى سيارته، وخلفه حسن بسيارته، متوجهين لبيت زياد. يجد سلسبيل تأوه من الألم.
"حبيبتي مالك يا عمري؟"
بابتسامتها اللي بتخطف قلبه.
"متقلقش يا حبيبي، أنا كويسة خالص. بس ست زهرة مش قادرة تصبر للصبح ومصممة تنزل دلوقتي."
لتصرخ بألم ينتفض زياد.
"بسرعة يا حسن كلم الإسعاف. انت واقف تتفرج؟ تعال شوف سلسبيل واديها حاجة تخفف الوجع ده."
لينتفض مرة أخرى على صرخة سلسبيل.
"يلا بسرعه على المستشفى. عقبال الإسعاف ما تيجي هنكون وصلنا."
"زياد هات شنطتي فيها حاجات البيبي اللي هحتاجها. أنا مجهزاها جنب سريري."
"انت واقف مكانك يا حسن؟ ادخل جيب الشنطة وأنا هشيل سلسبيل وأنزل بيها."
يحضر حسن الحقيبة ويسرع بالنزول خلف زياد الذي انطلق بسيارته. ليصل للمستشفى بعد قليل ويحمل سلسبيل مرة أخرى ويدخل بها للمستشفى، منادياً على حسن الذي يهرول خلفه داخل المستشفى حتى وصلا إلى غرفة الكشف. وطلب حسن إحدى زميلاته طبيبة النساء لتجري الفحص وتخبرهم بأنها ستلد قيصري.
ليوافق زياد وهو يرى تراخي وجه زوجته وتلك الصرخات التي تخرج منها.
"حسن، ليه هتولد قيصري؟ من كام يوم الدكتورة مطمنانا وقايلة إن الوضع طبيعي والجنين وضعه كويس ومافيش حاجة تقلق."
"دي حاجة طبيعية، متقلقش. أنت خد الحباية بسرعة وهدي نفسك."
"ادخل معاهم يا حسن، خليك جنبها وطمني الله يخليك. أنا مرعوب عليها."
"اهدَ يا زياد، سلسبيل كويسة. أنت اللي حالتك بتسؤ. فين الحبوب بتاعتك؟ خرجها وخد لك حبيتين بسرعة. إيدك بدأت في الارتعاش وعينك بتهتز."
ليسقط زياد أرضاً وبدأ جسده بالانتفاض وهناك سائل يخرج من فمه. ليصرخ حسن منادياً باسمه.
وينحني يمسك بيده وبالأخرى يضرب وجنته.
"بسرعة جهزي حقنة... وابعتي اتنين من التمريض بحمالة بسرعة. لسه واقفة؟ اتحركي! اعملي اللي قلت عليه."
تهرول الممرضة تحضر ما طلبه حسن منها.
حسن ممسك بيد زياد ويضغط على قدمه بقدميه.
لتهدأ ارتجافة جسد زياد وتقل تلك الغرغرة من فمه.
"الحقنة جاهزة يا دكتور. اتفضل أهي."
"تعالي أديها له بسرعة وأنا ماسكه قبل ما الحالة ترجع مرة تانية."
بعد قليل يرتخي زياد وتهدأ حالته ويحمله حسن ومعه التمريض ويتجهون إلى إحدى غرف المستشفى.
بعد أن وضع حسن زياد على الفراش وتعليق له سيروم وحقنة ببعض العقاقير الطبية، جلس على الكرسي بجوار السرير، عينه على صديقه ينظر له بحزن وشفقة على حالته، حتى أتته ممرضة تخبره بولادة سلسبيل لفتاة بصحة جيدة وسوف تنقل لغرفة الإفاقة.
"أنا هروح أطمن عليهم وأنت خليكي هنا."
"راقب حالته كويس ولو فاق اتصلي بيا فوراً وأوعي تسمحي له بأنه يقوم من مكانه. مفهوم؟"
أومأت الممرضة برأسها.
"حاضر يا دكتور. تحت أمرك."
ليخرج حسن مسرعاً تجاه غرفة العمليات، يجد سلسبيل ممدة على الفراش ويتم نقلها إلى غرفة الإفاقة. وهناك ممرضة تحمل الصغيرة على يدها. ليقترب منها ويمد يده يحمله وعينه مغراة بالدموع.
أذن بأذنها اليمنى وكبر في اليسرى.
بعد أن انتهى قبل جبينها، نادى عليها.
"اسمك زهروان زياد عبدالرحيم، بنت زياد وسلسبيل."
لتتدحرج دمعة من عينه. ويعطيها للممرضة.
"اعملي اللازم للبنت وخلي بالك منها، وأول ما الأم تفوق تديني خبر. ومافيش حد يكلم معاها في أي حاجة. وانسوا خالص إنها كانت زميلة ليكم، هي هنا مريضة وبس."
"حاضر يا دكتور. تؤمر بحاجة تانية؟"
أشار حسن لها بالرحيل وتوجه مرة أخرى لغرفة صديقه الذي بدأ يفيق.
زياد يئن بألم، يضع يده على رأسه يتحسسها بيده.
حسن جالس على الكرسي أمامه ينظر له ويتحدث.
وزياد يتساءل ماذا جرى له وما تلك الأسلاك الموضوعة بيده.
"بقاله قد إيه ما نمتش ولا أخدت علاجك؟"
بعد أن أدرك كامل وعيه حاول التهرب من السؤال.
"حسن طمني، سلسبيل عاملة إيه؟ ولدت ولا لسه؟ وأنا بقالي قد إيه هنا؟"
"متغيرش الموضوع وتهرب من الإجابة."
"بقالك قد إيه ما نمتش والعلاج موقفة ليه؟ أنت ناسي عندك السكر مافهوش هزار والحالة دي جاتلك كام مرة الفترة دي؟ وليه مقلتليش؟ والأنسولين أخدته آخر مرة إمتى؟"
"حيلك حيلك، كل ده مرة واحدة عليا. متقلقش، أنا بقيت كويس الحمد لله. التوتر بس هو السبب."
"اخلص يا زياد، متهربش. قولي كل حاجة من غير لف ولا دوران وخلي عينك في عيني وأنت بتجاوب."
بحزن نظر لعين حسن ثم أغمض عينه.
"بقالي تلات أيام ما نمتش وعنيا ما شافتوش النوم من وقت بابا ما بعت زايد ليا وعرفت إنهم عرفوا بجوازي أنا وسلسبيل وتهديداتهم ليا، وخصوصاً بابا اللي هددني بحبسها بتهمة بطالة أو يقتلها."
"والحالة رجعت في نفس اليوم اللي بابا صمم إني أخطب نهال. يومها الحالة جات. ولولا بابا كان صمم إني أتقدم ليها في نفس اليوم."
"والأنسولين بقالك قد إيه؟"
"سيبك مني، سلسبيل عملت إيه؟ ولدت والبنت أخبارها إيه؟"
"قول يا زياد، بقالك قد إيه ما اخدتهوش."
نظر له واخفض بصره مرة أخرى.
"بقالي شهر أو أكتر. كنت كويس وبقيس النسبة باستمرار وكانت مظبوطة."
"في ممرضة هتيجي بعد شوية هتسحب عينة سكر وحضرتك هتفضل نايم مكانك مش هتتحرك لحد المحلول ما يخلص. وكمان في كيس دم هيتركب ليك بعد ساعة. مش هتقوم ولا هتروح في حتة لحد ما ينتهي. مفهوم؟"
"حسن مش وقته خالص الكلام ده. أنا عاوز أطمن على سلسبيل وزهرتي، دول أهم حاجة بالنسبالي. أجل كل حاجة لبعدين وأوعدك إني هاجي بنفسي وأقولك أنا جاهز أعمل اللي أنت عاوزه فيه."
"البنت كويسة أوي ودخلت الحضنة ساعتين يطمنوا عليها. وسلسبيل لسه ما فاقتش من البنج. أول ما تفوق هديك خبر. دلوقتي خلينا فيك نعمل التحليل ونعلق الدم وإن شاء الله هتتحسن وترتاحلك شوية وتنام تكون سلسبيل وزهروان فاقوا."
"نوم إيه يا حسن؟ مافيش وقت. لازم حاجات كتير تخلص قبل ما بابا وزايد يعرفوا بالبنت اللي هياخدوها من سلسبيل وهيحرموها منها. ارجوك سيبني أروح ليهم عشان يطمنوا وميعرفوش مكانها."
بحزن على حال صديقه.
"متقلقش، محدش يعرف مكانكم. وكمان المستشفى جديدة، لا أبوك ولا أخواتك يعرفوا مكانها."
يدق باب الغرفة وتدخل ممرضة تحمل بيدها صينية بها بعض الأدوية وكيس دم. أخذ حسن بعض المصلات وحقن بهم كيس السيروم وهو يكلم حسن حتى غاص في نوم عميق.
"اقترب منه وأخرج هاتف زياد وقام بغلقه. وأخبر الممرضة بمتابعته والاتصال به فور استيقاظه."
ليخرج حسن يتوجه إلى غرفة سلسبيل للاطمئنان عليها.
مر اليوم سريعاً وحسن بين غرفة زياد وسلسبيل ومتابعة مرضاه، حتى أخبرته الممرضة باستيقاظ زياد.
زياد أفاق من نومه يسب ويلعن في حسن ويتوعد له بالانتقام منه.
حسن / اهدي بس ونتكلم، كان لازم أعمل كده. لو مكنتش أخدت الإنسولين وارتحت، كنت ممكن تدخل في غيبوبة لا قدر الله.
زياد / تعال شيل البتاع اللي في إيدي ده، هموت وأطمن على سلسبيل وزهرتي.
حسن / متقلقش، الحمد لله هما بخير. أنا طمنت سلسبيل عليك، ودلوقتي خدت علاجها ومرتاحة، والبنت كمان.
زياد / فين تليفوني؟ في اتصال مهم كنت منتظره.
حسن أخرج هاتف زياد وقام بفتحه وأعطاه له.
لينظر زياد له بغيظ وهو يرى كم الرسائل التي صدح بها الهاتف.
زياد / أنا هخرج بسرعة، مشوار ساعة واحدة وهأرجع. وعاوزك تدي سلسبيل منوم عشان أقدر أدخل وأشوفها. ولو سألت عليا، قول: "راح يسجل البنت وهيرجع". وبعدها تتصل وتقول لي إنها نامت.
حسن / مشوار إيه دلوقتي؟ متقدرش تسوق، وأنا لا يمكن أسيبك تروح أي حتة لوحدك مهما كان اللي انت رايحه مهم، وتسجيل البنت لسه بدري.
زياد / متقلقش، خليك معايا على التليفون لحد ما أروح وأرجع. وكمان هاخد تاكسي، مش هسوق أنا. معتش في وقت، لازم أنهي كل حاجة النهاردة.
حسن / أمري لله، بس لازم تاخد علاجك الأول تحسبًا لأي عارض. ولو حسيت بدوخة ولو بسيطة، ترجع فورًا.
زياد / فور انتهاء حسن من نزع الأجهزة المتصلة به، وقف وأخذ هاتفه وحقائبه وخرج مهرولًا من المستشفى حتى وصل إلى مكتب المحامي الخاص به. وبعد قليل، خرجا سوياً متوجهين إلى السجل المدني لكتابة صغيرته زهروان زياد. وبعدها توجهوا إلى الشهر العقاري. أنهيا بعض الأوراق وخرجوا.
المحامي / اتفضل يا زياد بيه، دي الأوراق. بس ليه حضرتك كتبت كل حاجة باسم بنتك وطلقتك؟
زياد / أغمض عينيه فور سماع كلمة "طلقتك". لتتدحرج دمعة منها، يتنهد بحسرة.
حقها عليا يا أستاذ محمود. المهم محدش يعرف بالموضوع ده الفترة دي. وبعدين الورق اللي معاك، عاوزك تحتفظ بيه، وأول ما يجي معاده تخرجه وتدي كل واحد الظرف اللي مكتوب عليه اسمه. ممكن توصلني في طريقك للبيت عندي؟
أومأ المحامي وقام بتوصيل زياد.
بعد مدة، اتصل حسن بزياد، الذي أخبره بقيامه بوضع منوم لسلسبيل وأنها نائمة. ليخبره زياد أنه أمام غرفتها، وأنه سيمر عليه بالمكتب بعد أن يراها.
مر وقت ليس بقليل، ووجد حسن زياد يدخل لديه المكتب منهارًا من البكاء. لينتفض ويهب واقفًا ويقف أمامه، ليجزبه زياد ويضمه ويبكي بصوت عالٍ جعل حسن ينهار كليًا وتنزل عبراته حزنًا على صديقه. يربت على كتفه ويهدئه بكلماته.
يبتعد زياد بعد أن هدأ قليلًا وجفف دموعه وجلس على أقرب كرسي.
زياد / حسن، أنا مش هألاقي حد في الدنيا دي كلها استأمنه على مراتي وبنتي غيرك. أنت اهتم بيهم وحافظ عليهم. وعاوزك تجوز سلسبيل بعد ما عدتها تنتهي وتعوضها. هي تستحق كل خير. ليشير لحسن بعدم مقاطعته. حسن، أنا هسيب روحي بين إيديك. خلي بالك منهم، مراتي وبنتي مسؤوليتك. ومد يده.
خد يا صاحبي الظرف ده أمانة عندك، والصندوق ده فيه. تديه بإيدك لزهرتي لما تكبر. عرفها كل حاجة عني وعن صداقتنا وحبي لأمها. علمها تكون قوية وتاخد حقها بإيديها. عرفها إني بحبها أوي، وإني سميتها زهروان على اسم خالتي اللي ربتني. أحكيلها عنها. وعرفها إني بعدت عنهم عشان أحميهم، لأني ضعيف مقدرتش أحميهم وهم جنبي. خلي بالك منهم يا حسن، أنت اللي فاضل لهم من بعدي. حافظ عليهم. والورق ده افتحه ونفذ اللي فيه، بس مش دلوقتي.
ليخرج زياد مسرعًا من المكتب ويهرول مبتعدًا، وحسن جالس مكانه غير مستوعب ما قاله زياد، شاردًا فيما قاله. ليفيق ويرفع رأسه يجد زياد يخرج مسرعًا من الباب، لا يرد على مناداته له.
ليرفع حسن نفسه مبتعدًا عن القبر ويهب واقفًا.
امسح دموعي، أوعدك يا صاحبي مش هأسيب حقك وهاخده منهم. وكل اللي قلت عليه هنفذه. والأوراق هأديها لبنتك وهأعلمها إزاي تبقى قوية وتاخد حقها وتنتقم من كل واحد ظلمك، وأولهم أخواتك وأبوك.
ليرحل حسن متوجهًا إلى سيارته، يجلس بها قليلًا. وهو ناظر على قبر صديقه، ليرحل مبتعدًا.
ليصل لحارة سلسبيل مرة أخرى ويصعد الدرج بسرعة ويدق على باب شقة والدتها بعنف. ليخرج الجيران من شدة الخبطات. ليخبره نفس الشخص بأنها رحلت مع خالتها حاملين حقيبة، ولم يعرف إلى أين ذهبوا.
ليتركهم حسن ويهرول لسيارته ويذهب إلى منزل خالة زياد. وقام بدق الجرس عدة مرات والخبط على الباب دون استجابة. ليضع جبينه عليه ويبكي. راحتي فين يا سلسبيل؟ راحتي فين؟ يا ترى عرفتي إن زياد مات، ولا بعدتي عشان تنتقمي منه؟ والله لو كنتي عملتي كده، لأنـدمك وأنتقم منك زيك زيهم بالظبط. ليبتعد عن الباب ويرحل حسن إلى مشفاه، يسأل جميع الممرضات الذين يعرفون سلسبيل. لعل واحدة تعرف مكانها. ليمر اليوم وهو يبحث عنها دون جدوى.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل السابع 7 - بقلم منى عبدالعزيز
الواقف.. لا ده كان يوم المني رجوعك هنا بعد السنين ال بعدتي فيها عني جصدي بعيد عن بيتك والبلد ال نورت النهاردة برجوعك ليها.
احلام
.. متشكرة ياعمدة بعد أذنك احنا جاين من سفر وتعبانين محتاجين نرتاح عشان ورانا حجات كتير نعملها.
العمدة
.. بغيظ منها بتطرديني بالحداقه يا احلام.
علي العموم في غفير هيفضل واقف هنا جريب من البيت يحميكم ويقضي طلباتك انتي وضفتك واي نواقص تحتجيها أنا رجبتي سدادة.
احلام
.. متشكرين ياعمده خيرك سابق ياريت تأخد غفيرك وتمشي من هنا البلد صغيرة وكلام الناس كتير.
وام وائل تعرف بوقفتك دي ميحصلش كويس والحمدلله عندنا ال يكفينا ولما نحتاج ولا ينقصنا حاجه هنروح نشتري ال عوزينه بفلوسنا مش جبايه ولا منه من حد.
العمدة
.. يهمس لنفسه لسه زي ما انتي لسانك مبرد طيب مش عشانك عشان الضيفه ال معاكي.
احلام
.. دي مش ضيفة دي سلسبيل بنت المرحومة أختي جاية تقعد معايا علي طول هنفضل عايشين هنا في بيتي وارضي.
قالتها وهي تضغط علي حروفها بشدة.
العمدة
.. اهلا وسهلا بيها في بلادنا وماله يا ست احلام.
انتي وبنت اختك تقعدوا معززين مكرمين وانا والغفر نجيب كل ال ينقصكم.
احلام
.. تشكر يا عمدة شايلينك لعوزة.
بعد اذنك تعبت من الوقفه وعوزة ارتاح.
العمدة
.. بتطرديني يا احلام هي دي اتفضل بتاعتك بدل ما ترحبي بيا ودخليني بيتك بدل وجفتنا علي الباب دي قدام ال رايح وال جاي بتطرديني.
أحلام
.. بضيق عمدة انت جلتها بنفسك جدام ال رايح وال جاي وازاي عاوز تدخل بيت في حريم معهمش راجل تدخل البيت بصفتك ايه.
العمده
.. وافقي علي ال عرضته زمان وانا ادخل بصفات كتير جوي.
احلام
.. بعد اذنك ياعمدة رجليه خدلوا من الوقفه.
ومتنساش تاخد غفيرك وياك.
العمدة
.. بغيظ ماشي يا احلام لينا مقابله تانيه أن شاءالله جريب جوي.
أغلقت احلام الباب دون رد أسندت ظهرها عليه غور جاتك غورة وقفت قلبي من الخوف.
سلسبيل
.. جلست علي الكنبه وهي تضع يدها علي قلبها والاخري علي بطنها.
كان قلبي هيقف من الرعب هو في حد يخبط بالشكل ده.
احلام
.. سانده علي باب المنزل مغمضه عيناها تتنهد بوجع وحسرة.
سلسبيل
.. خالتي خالتي.
نادت بها سلسبيل علي خالتها.
احلام
.. وهي بنفس حالتها نعم يا سلسبيل.
سلسبيل
.. انتي كويسه واقفه عند الباب سنداه خايفه.
يرجع ولا أيه.
احلام
.. الخوف أنا الكلمة دي محتها من حياتي.
لو خايفه هخاف عليكي وعلي بنتك.
سلسبيل
.. بحزن لا تريد أن تظهره لخالتها تحاول أن تخرج من شعور العجز وتلك الأفكار التي تعصف بها.
ايه حكايه الراجل ده وايه سر فرحتة برجوعك هنا.
احلام
.. ده تنهدت وظفرت أنفاسها بوجع كان اكبر غلطه بحياتي الوحيد ال حبيته والوحيد ال حياتي.
إدمرت بسببه وهو بردة السبب في ال انا فيه ده.
خططت احلام مبتعدة عن الباب سحبت كرسي حول طاوله مربعه وجلست عليه وضعت يدها عليها متشبكه في بعضهما تنظر أمامها.
دموع تسيل علي وجنتها وابتسامه حزينه.
والدي كان موظف في مستشفي البلد اتنقل هنا ولما استقر والبلد عجبته بعت أخدنا أنا وأمي وخالتك إيمان وامك كانت عايشه مع جدتي ام امي في الحارة كانت مخطوبه وقتها لا أبوكي.
كان عمري سبعتاشر سنة وإيمان أختي تسعتاشر سنه كنت شطرة جدا في المدرسه محبوبه كل مدرسين المدرسه بيحبوني وإيمان أختي متمردة علي كل حاجه كانت بتاخد السنه في اتنين اتاقلمنا في البلد وحبناها كانوا ناس طيبين وبيحبوا أبويا كان تمرجي وطيب وراجل مصلي وعارف ربنا كان هنا بيعملوة كأنه دكتور كان بيشتغل ليل نهار بيعالج كل حاجه حتي الطيور.
سنه ورا سنه اتعرفت علي بنت في المدرسه اسمها روحيه كانت طيبه وليها اخت اسمها سميحه سميحه كانت بتكرهني أنا وإيمان من غير سبب المهم في يوم واحنا مروحين أنا وخالتك.
قبلنا شاب واقف مستني أخته قدام المدرسه كنت في تانيه ثانوي وإيمان بتعيد في ثالثه ثانوي.
كل يوم نقابل الشاب ده وعيونه علينا أنا وخالتك إيمان.
اتعلقت بيه وقالت إنه بيعمل حجه اخته وبيجي عشان يشفها.
رسمت كل حاجه بخيالها وخصوصا انها كانت طموحه وكرهه عشتنا وياما اتخنقت مع ماما علي لبسها ومصروفها وتلعن الفقر ال عيشينه.
ايمان اتعلقت بالشاب ده وبقت بتحلم بأنه طوق نجاتها من الفقر وخصوصا لما عرفنا هو مين وابن مين الغريبة بعد فترة لقيت روحيه صحبتي جايه تقول لي أن ابن عمها متعلق بيا وعاوز يكلمني ويتأكد أنه اعجاب متبادل ما بنا ويقدر يقول لوالدة ويتقدم رسمي ليا وقتها كنت في إجازة وإيمان خلصت وماما قررت تبعتها تعيش مع جدتي في الحارة عشان تدخل كليه زي ما هي بتحلم بعد ما طموحها في جواز الشاب ده ما اتبخرت لما سألتها قالت إنها عرفت أن خاطب بنت عمه وفرحهم قرب.
المهم روحية فضلت تحكيلي عنه وعن حبة ليا وعن شهامته ورجولته وحب الناس ال في البلد لية وازاي لا بينام ولا بياكل من التفكير فيا شغلت تفكيري بيه.
لقتني منجزبه ليه وفي يوم لقيت روحيه جايه تقولي انه مصمم يقابلني وفعلا اقنعتني ورحت معاها عند الارض القبليه عسان مش هيستحمل كل ده وقبلت الشاب ده وكانت الصدمه أنه هو نفس الشخص ال كنت بشوفه أنا وإيمان.
روحيه سبتني معاه شويه وبعدت تراقب الطريق.
تنهدت وهي تعود بذكرتها.
روحيه رايحه فين وسيباني.
روحية
.. متخفيش أنا هقف اراقب الطريق وانتوا خدوا رحتكم بالكلام.
شفيق
.. خايفه مني انا اخاف عليكي من الهوا تعالي نقعد هنا عند الخص ده عشان محدش ياخد باله مننا ونتكلم برحتنا.
أحلام
.. حاضر بس ابعد ايدك انا همشي وراك.
شفيق
/تعرفي تمشي في الطين هاتي إيدك اعديكي وبعدها همشي وأنتي برحتك.
احلام
.. لا متقلقش هعرف اعدي.
شفيق
.. برحتك براحه كنتي هتقعي.
احلام
.. الحمد لله محصلش حاجه.
شفيق
.. مالك بتتلفتي كتير ليه كده.
احلام
.. ابدا اصل روحيه بعدت عننا وو.
شفيق
/ متخفيش روحيه قاعدة هناك اهي مع بكر صاحبي.
بكر معقوله.
هههههههههههه مستغربة ليه ايوة بكر وروحيه بيحبوا بعض وانا عارف وبكر صحبي وجدع وطيب وابن ناس طيبين ومتربين سوا.
وغرضه شريف وطلب مني أيدها واكلم أبويا ولما عرفت أنها كمان بتحبه قررت أساعدهم ولما عرفت انها صحبتك اوي حكيت ليها عنك وطلبت ااقبلك واعترف بحبي ليكي من اول عيني ما شفتك مع اختك وانتم طالعين من المدرسه خطفتي قلبي وفكري بقيت بتحجج كل يوم.
عشان ااقف قدام المدرسه واشوفك وأملي عيني منك.
معقوله كلامك ده انا انا مش.
مالك انتي ايه مش بتبدليني نفس الحب ولا حتي معجبه بيا.
أنا أنا مقلتش كدة بس يعني.
خايفه.
مش خوف بس انا عرفت انك خاطب بنت عمك ووفرحكم قريب.
مين قال كدة أنا مش خاطب وروحية بنت عمي واديكي شفتها بنفسك قاعدةمع صحبي لو كنت خطيبها كانت وافقت تساعدني.
هه عندك حق.
انا عنيا وقلبي مش شايفين غيرك وكنت عاوز اتاكد من شعورك ناحيتي عشان ااقدر اقنع والدي واتقدملك.
تتقدملي أنا.
ايوا انتي في حد معايا غيرك هنا.
ايوا بس.
بس ايه في حاجه مش عجباكي فيا.
لالا مش قصدي بس انت والدك عمدة البلد وغني وانا بابا تمرجي وعلي قد حالنا.
انتي عندي بالدنيا كلها أنا بحبك انتي أهم عندي من الفلوس والعمودية.
شكرا.
شكرا بتقليها بكسوف ليه كده تعالي نقعد بقلناكتير واقفين.
لا انا اتاخرت لازم أرجع قبل الدنيا ما تليل وماما تقلق عليا.
بكرة هستناكي هنا بلاش تعرفي روحيه بكره بعد المغرب هتلاقيني هنا.
بعد المغرب.
ايوا عشان محدش يكون موجود ونعرف نتكلم ونتعرف علي بعض.
فعلا كل يوم نتقابل مرة وراء مرة اتعلقت بيه وبقيت بحلم باليوم ال هيتقدملي فيه و عدت الايام واحنا بنتقابل عرفت عنه كل حاجه بيحب ايه وبيكرة ايه كان بيدرس في الجامعه والده صمم يدخل كليه زراعه وهو كان نفسة يكون مدرس أكلته المفضلة ال بيحبها تقريبا عرفنا عن بعض كل حاجه وفي يوم واحنا بنفس المكان الدنيا مطرت وهدومي اتبلت ودخلنا علي الخص نتحامه من المطر وقتها المطر زاد وخفت معرفش ارجع البيت وفضلت اعيطت وهو يهدي فيا بس ال مكناش عاملين حسابه أن حد يكون موجود ويشفنا.
لقيت أصوات برة وانا قعده اعيط وهو جنبي بيهدي فيا لقيت العمدة داخل علينا الخص هو وسميحه وكام غفير ومسكني زي الحرمية وسميحه نزله سب ولعن فيا.
والعمدة قال لغفير روح جيب ابوها وحصلنا علي الدار وقتها أنا مقدرتش اتحمل أغم عليا ومعرفش ايه حصل غير لما فوقت ولقيت بابا قاعد جنبي بيبكي وامي كمان جنبه بتهديه فيه وتقله نمشي من البلد لكن ال بيطلبوة ده صعب ازاي توافق علي كده.
لكن خفت افتح عنيا يعرفوا اني فقت لكن مقدرتش استحمل ال سمعته.
احلام
.. بصوت مخنوق لقيت بابا بيبكي ودي اول مرة اشوفه بيبكي وان كتب الكتاب تم خلاص ومعتش في ايده غير كده عشان ميتفضحش.
ماما
.. ردت وقالت بس احلام مغلتطتش وانا متأكدة من بنتي وممكن نكشف عليها وتتأكد بنفسك من كلام الدكتور.
خلاص
.. معتش في فايدة هي السبب في ال حصل وهي ال تتحمل نتيجته و بكر بقي جوزها وكده اخر حاجه هتربطني بيها هواصلها لحد بيته.
احلام
.. قمت مفزوعه بكر ازاي بكر قلتها وانا مش فهمه.
الاب
.. بابا بص ليا بقهر لاول مرة أشوفة بالضعف ده كلمني وهو مدير وشه بعيد عني أيوة بكر يا ست أحلام بكر ال ستر عليكي.
احلام
.. تقبل يد. والدها والله يا بابا معملت حاجه الدنيا مطرت ودخلت استخبه من المطر ومحصلش حاجه ولا عمرة لمس ايدي حتي ودي اول مرة سامحني يا بابا.
اسمحك
.. ربنا ال يسمحك طول عمري عايش وراسي مرفوع عمر ماحد جل منى ولا قال كلمه وحشة في حقي بسببك اتبهدلت أنا وامك وكرمتي انهانت أنا خارج يا ام امل هاتي البنات وتعالي ورايا.
ايمان
.. بسخريه شفتي اخرت عمايلك وصلتنا لايه الحمدلله اني خلاص قدمت في الكليه وهمشي وأمل أجوزت قبل ما المصيبة دي تحصل وجوزها يعرف وجوازها يبوظ.
احلام
.. أنا معملتش حاجه.
دخلت سميحه بغرور وهي تنظر لاحلام بحقد.
سميحة
.. لا عملتي رفعتي عينك لفوق لما تقابلي واحد خاطب وفرحه بعد كام يوم وتورطيه يبق تستهلي ال يحصلك.
أحلام
.. مين ال فرحه بعد كام يوم.
سميحة
.. هههه اعمليهم عليا يا مية من تحت تبن علي اساس متعرفيش إن.
أنا وشفيق ابن عمي فرحنا بعد يومين والبلد كلها عارفة الكلام ده.
احلام
.. تشعر بزلزله الارض أسفلها ورعشة في جسدها.
فرح مين وازاي أنا معرفش ولا كلمه من ال قلتها اسالي روحية اختك وهي تقولك كل حاجه.
سميحه
../بطلي بقي تمثيل هتعمليهم علينا وتقولي روحيه.
احلام
../اقسم بالله ما كنت اعرف و روحية ما قالتش أن انه خاطب اختها ولا هو هو قال إنه.
سميحة
.. مقاطعه لكلام أحلام.
ااه اعمليهم علينا واتمسكني وقولي هو وهي. مكنش البلد كلها عارفة بخطوبتنا وبمعاد الفرح. يلا يلا من هنا خدي أبوكي وأمك اللي ماشينك ومدورنها وعاملين نفسهم مظلومين وغلبة.
إيمان: اخرسي يا ااه.
العمدة:
مين اللي يخرس يا لمامة؟ يلا برة بيتي أنتِ وأهلك، ومافيش خروج من البلد إلا بعد بكر وبتك يتمموا جوازهم، وأضمن أنها تبعد عن ابني نهائي.
أحلام: تشعر بزيادة رعشة جسدها، لم تعد تتحمل البرودة التي غزتها، تنظر بعينيها تبحث عن من ينقذها مما تسمع ويقول الحقيقة، لتري روحية عند باب الغرفة، فتهرع لها وهي تحدثها بلعثمة، لتقف أمامها.
أحلام:
روحية، واقفة بعيد كده ليه؟ أنتِ عارفة إن كل اللي بيقولوه ده محصلش، وإني معملتش حاجة، وأنك أنتِ اللي قلتلي إنه بيحبني وعاوز يتقدم ليا. مش كده يا بكر.
روحية: تبتعد عنها، عينيها على الأرض، تتحدث بصوت مهتز.
أنتِ هتلبسيني تهمة أنا كمان. اتخدعت فيكِ. كان لازم أشك وإنتِ بتسأليني عن ابن عمي وعن مكانه، وإنتي كنتي سهوانة بتخططي توقعيه وتورطيه عشان يجوزك. بس ربنا وقعك في شر أعمالك.
أحلام: بصدمة، ازداد رعشة جسدها وأسنانها تصطك ببعضها، تهز رأسها وتبكي.
أنا معملتش كده. حرام عليكي. ليه تقولي كده؟ مش أنتِ اللي جيتي وقلتلي عليه وإنه معجب بيا.
العمدة:
خلاصنا، يلا يا راجل أنت خد بنتك سراقة الرجالة وامشي من هنا، وإحمد ربنا الدنيا ليل ومحدش من البلد أخد باله، وإلا كانت فضحتكم بجلاجل.
أحلام: رجعنا أنا وبابا وماما وإيمان اللي مخلتش لعنة إلا وقالتها ولا دعوة إلا ودعتها عليا.
بابا دخل أوضته ومخرجش منها. عدي يومين وأنا بعيط من الحزن. لحد اليوم الموعود لقيت العمدة وبكر واتنين ستات داخلين علينا البيت وبينادوا على بابا.
أمي خرجت ليهم، وبعد شوية دخلت عليا بالستات وقالت: دول هيجهزوكِ عشان فرحك النهاردة.
ماما، أنتِ بتقولي إيه؟ فرحي؟ طب إزاي وعلي مين؟
خرجت أمي من غير ما ترد عليا، وأشارت للستات يخلصوا بسرعة.
استسلمت، معرفش ليه. ونار في قلبي كلام سميحة وروحية في وداني. حلفت لأنتقم منهم هما الاتنين، ومن بكر كمان لأنه هو معاهم.
خلصوا الستات شغلهم، ولبست فستان أبيض قديم كان واسع عليا ومهرول وطويل. كنت بمشي أدوس على حرفه.
طلبت من أمي تخليني أشوف أبويا وأطلب السماح منه. ولكن أبويا رفض. وقفت عند الباب وقلتله: سامحني. وقلت ليه: أقسم بالله وبغلوتك عندي وتربيتك ليا، ما عملت حاجة غلط، واللي ظلموني كده واتهموني، واهنوك، لأخد حقك منهم واحد واحد.
بست الباب ومسحت دموعي، وخرجت. لقيت زفة كبيرة وبكر واقف. برفع عيني عليه لقيته بيمسح دموعه. صعب عليا معرفش ليه، بس كان جوايا نار.
بعدت عيني عنه، وأمي مسكت إيدي ووصلتني ليه.
ومشينا في البلد والزفة قدامنا، وسميحة ركبة الكارتة وبترمي علينا بالكلام وتحدف ورق شجر كله طين.
وصلنا البيت ده ودخلت، وورايا بكر. شاور ليا على الأوضة وفضل هو في الصالة من غير ما يكلمني ولا كلمة.
بكر:
قاعد في الصالة وعلى الكنبة دي. صوت بكاه كان بيرج البيت رج. قلبي وجعني ونار جوايا. وصوت بكاه زود النار دي. طلعت ليه لقيته ماسك صورة وباصص ليها وبيعاتبها. قربت منه بشويش عشان أشوف صورة مين دي وإيه اللي بيقوله.
بكر: كده يا روحية تعملي فيا كده؟ بعد الحب اللي حبيته ليكي ليه تعملي كده؟ ليه تنكري اللي بينا؟ ليه تبيعيني؟ وأنا اللي كنت مستعد أفديكي بروحي. خفتي على نفسك؟ معقولة أنانيتك تضحي بحبي عشان الورث؟ أنا كنت بنام وبشتغل ليل ونهار عشان أجمع مهرك، والبيت اللي بنيته عشانك كنت ناوي أكتبه باسمك، هو والأرض اللي حواليه. كنت بعد الأيام عشان أتقدملك وأوفي بوعدي ليكي، ومكنتش ندل. بعد اللي حصل، طلعتي انتي اللي خاينة.
كلمات بكر هزتني، معقولة روحية أنانية كده؟ تضحي بحبها عشان الفلوس؟ ياما كلمتني عن حبها لبكر وعن شهامته ورجولته. ياما وصفت قد إيه بتحبه ومتعلقة.
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثامن 8 - بقلم منى عبدالعزيز
الثامن
بكر جزبها من قدمها .. انتي مراتي وهاخد حقي الشرعي منك وبكده هنتقم من شفيق .
ابعد عني انت اجننت .
احترمي نفسك انتي هتعملي شريفه ال تقابل واحد في نصاص الليالي متبقاش غير حاجه واحده .
احلام .. ابعد عني يا كلب أنا معملتش حاجه أنا اشرف منك ومن عشرة زيك .
احترمي نفسك وانا هاخد حقي منك وده اول انتقام .
احلام .. ابعد عني حرام عليك والله ماعملت حاجه غلط وشفيق مجاش جنبي ولا لمسني سبني يا حيوان سبني اه ابعد ايدك عني .
بكر .. الحيوان هيوريكي هيعمل فيكي. أيه.
احلام .. اااه اااه ابعد حرام عليك .
بكر هجم علي احلام نزع فستانها ينهش فيها مخالش حته فيه ال وساب علامه عليه رفع
نفسه من الصدمه يداري جسمها .
بكر والدموع ماليه عنيه رفع مفرش السرير
يغطي جسد احلام .
بكر اسف والله معرف ازاي عملت كده احلام سامحيني كلام شفيق وروحيه خالوني مفكرتش
احلام لمت ملايه السرير علي جسمها تبكي بحرقه وتتنفض نفض ومنطقتش ولا كلمه.
خرج بكر من الأوضة يبكي علي ال عمله وأنه اغتصب بنت بطريقه وحشيه فضل قاعد علي الارض قدام باب الاوضه لحد الفجر مغمضش عنيه .
اقسم ل ينتقم ألف مرة من روحيه ال كتير وصفت جسم احلام قدامه وقالت انها نامت مع شفيق
سلمت عرضها وشرفها وهو عرف كدبها لما شاف بنفسه عفة احلام
بكر وضع أيده علي وشه يبكي بندم ظل فترة طويله علي الوضع ده رفع وشه وهو بيسمع المؤذن بينادي الصلاة خير من النوم .
بكر .. استغفرك ربي و اتوب اليه قام وقف ودخل الاوضه ببطء شديد وقعت عنيه علي احلام زي ماهي مكورة نفسها وصوت بكاها وشهقاتها عاليه
قلبه وجعه كتير اقترب من السرير قعد جنبها حاول كتير يحط أيده علي جسمها خاف من ردة فعلها .
بكر ..أنا عارف اني مهما اعتزرت منك مش ممكن تسامحني بس اقسملك أني بموت من جوايا حاسس
بوجع فوق ما تتخيلي بندم علي ال عملته ده قض أية بس كل ال اقدر أاقوله انك اشرف واطهر انسان علي وش الدنيا
احلام كلامي مش هيغير ال حصل بس ياريت ما تنكسريش خاليكي قويه خالي ال حصل ده كله
دافع ليكي واقفي علي رجليكي واوعدك كل ال هتطلبيه هنفذة ليكي أنا هسيبك تفكري في كلامي
وهدخل اغير هدومي في الحمام واروح اصلي الفجر
امكن ربنا يسامحني علي تقصيري في حقه وحقك وحق نفسي هسيبك تاخدي راحتك وهتلاقي هدوم في الدولاب ده صلي وادعي ربنا ياخد لك حقك من كل ال ظلمك .
بكر ساب احلام نائمه زي ما هي بس قلبه ارتاح شوية لما صوت شهقاتها هديت دخل الحمام اتحمم وخرج من المنزل .
____________
احلام بعد بكر ما اتكلم وخرج قامت تلف جسمها بالملايه كويس خرجت من الاوضه تبص يمين وشمال دخلت الحمام ونزلت تحت المايه برغم من برودتها مهتزش جسمها وفضلت وقفه تحت المايه فترة طويله وخرجت تلف جسمها بالفوطه وراحت الاوضه وبدلت هدومها
احلام .. وقفت علي سجادة الصلاة فضلت كتير واقفه جسدها بيرتعش رفعت ايديها وكبرت بصوت عالي وبداءت تصلي بعد شويه. أنهت الصلاة وفضلت مكانها تبكي بحرقه علي نفسها زادت رعشة جسمها
مقدرتش تقف علي رجليها مشيت علي ركبتها لحد السرير اتمسكت فيه ورفعت نفسها عليه بصعوبه لفت الغطاء عليها وهي بترتجف بشدة
____________
بكر متوجه للجامع لصلاة الفجر .
بكر .. استغفرالله العظيم يارب سامحني علي تقصيري بقالي كتير بعيد عنك عصيتك كتير عملت كبيرة وانا ببرر لنفسي بحبها واني هجوزها واصلح غلطي بعدت عن صلاتي ضحكت عليا الدنيا وطمعت في ال مش ليا.
وصل الجامع وقف خلف المصلين يصلي انتهي الامام من الصلاة وبكر فضل فترة ساجد في الأرض حتي بعد خروج كل ال في المسجد يستغفر ربه ويطلب السماح ويدعي لاحلام تسامحه .
رفع رأسه وبعد شويه خرج من الجامع افكار تدور بمخيلته يحدث نفسه كل حاجه حصلت بين يوم وليله صحيح أنه أخطاء لكن عليه أن يصلح خطاءة أو علي الاقل يرجع الحق لاصحابة حتي مشي بطريق اخر عكس الطريق الذي يذهب به لمنزله .
بعد قليل وصل إلي بيت والد احلام خبط علي الباب رجع للخلف وقف قليلا ينتظر أن يفتح له الباب قليلا
سمع صوت من وراء الباب بيقول مين .
بكر ..أنا بكر يا خاله عاوز عمي في كلمه ضروري بعد أذن حضرتك .
أنا ايمان بابا تعب شويه وماما اخدته علي المستشفي .
بكر .. لا حول الله ربنا يشفيه ويعفو عنه أنا هروح اشوفه واطمن عليه بس الاول لو تحبي تروحي عند احلام في البيت هستناكي تجهزي واوصلك وامشي .
ايمان ..لا انا هفضل هنا وقفله الباب كويس عليا مش عاوزة اشوفك لا انت ولا احلام منكم لله انتم السبب
واياك تروح عند بابا كفايه ال حصلة من تحت راسك انت وهي .
بكر :بحزن بعد عن الباب ومتكلمش ولا كلمه ظل واقف بالقرب من المنزل مستند علي شجرة حتي بزوخ ضؤ النهار وغادر في اتجاة منزله وقف قدام الباب ومقدرش يدخل فضل فترة طويله علي الحال ده ساند رأسه علي الباب يفكر يدخل ولا لا يتسال هل يخبر احلام ام لا كيف سينظر الي وجهها بعد ما حدث ظل يستغفر ربه ويدعوة رفع جسدة يتنفس بعنف اخرج مفتاحه ويدة ترتجف حاول عدة مرات حتي نجح اخيرا في فتحه خط لداخل المنزل بثقل
وحزن من نفسة وعلي نفسة تسحب و إقترب من باب الغرفة النائمه بها احلام حاول الدخول ليطمئن عليها لم يقوي علي الدخول ليلتف مسرعا راميا حالة علي أأقرب كنبه قريبه منه وضع أيده علي رأسه يردد كلام ايمان اخت احلام في دماغه حتي غفي من التعب .
احلام دثرت نفسها جيدا وجسدها ينتفض من شدة البرودة التي إنتباتها أغمضت عيناها ولا تعلم أن كانت نائمه أو تهزي بنومها جسدها يذداد رجفة تخرج انين من بين شهقاتها لا تعلم كم من الوقت مر عليها بتلك الحالة .
بكر آفاق من نومه علي ألم برقبته جلس معتدل يحاول أن يحركها وصل إليه صوت انين تلفت حوله وهو يستمع ل صوت الانين واحد ينادي بصوت يكاد يسمع وقف منتفضا متتابعا الصوت ليقف أمام غرفة احلام ليدخل مسرعا لتقع عينيه علي الممدة علي الفراش ترتجف ومغمضة العينين تهزي بنومها وتنادي علي والدها .
خط في اتجاهها ليتعرقل في شئ علي الارض ل
يتوقف ويخفض بصرة للأسفل يري ما تعرقل به ليغمض عينيه ويفتحها و ينظر بزهول الي الغرفه والي مفرش السرير علي الارض وعليه بعض قطرات دماء وملابس متناثرة في كل مكان ليغمض عينه مرة أخري بحزن ليفتحهم مسرعا علي صوت احلام تنادي علي ابيها اقترب من الفراش مناديا عليها عدة مرات .
بكر/احلام احلام احلام فوقي فيكي إيه بتنادي علي والدك كده ليه.
ناداها مرة إخرى لم يجد اي رد ليقترب منها إنحن يهزها لتفيق لفت نظرة حبات العرق علي جبينها وشحوب وجهها لينحني و
يضع يده علي جبهتها يتحسس حرارة جسدها لينتفض مرتدا للخلف من شده ارتفاع حرارتها لم يفكر سريعا واسرع خارجا من المنزل متجها الي المشفي يحضر الطبيب لها .
بعد مدة
عاد بالطبيب وتركه بالخارج قليلا ورتب الغرفه ويتاكد من تدثير احلام ووضع حجاب علي شعرها وبعد قليل خرج للطبيب ودعاه للدخول و يقوم بالكشف عليها قام الطبيب بالكشف عليها والتأكد من حرارة جسدها ليخبرة الطبيب أن حرار جسدها مرتفعه ليخرج من حقيبته مصل وقام بإعداد حقنه خافضه للحرارة و أعطاها لها وأخرج دفتر من الحقيبه وكتب لها مجموعه ادويه وطلب من بكر مرعات حالتها النفسيه وأن يضع لها كمادات ماء بارده علي رأسها واتفق معه علي المرور مرة أخري لتفقد حالتها .
ظل بكر بجوارها يصنع لها الكمادات وخرج بعد شعورة بانخفاض حرارتها قليلا وأحضر العلاج الذي كتبة الطبيب ليعطي لها علاجها بانتظام وفي موعدة بعد معاناه في تناوله ورفضها أن تأخذ شي من يده حتي أقنعها بأن تأخذ علاجها و تتناول طعمها وأنه يقسم لها سينفذ ما تطلبه منه فور أن تعود لها صحتها .
بعد عدة أيام علي تلك الحالة أحلام إستعادة صحتها ولازال بكر علي حالة يعطيها دوائها ويتهرب كل لحظه من عينها وتلك الاسئله التي تحاصرة بها .
مرة عدت أيام أخري سريعا ولازال بكر علي نفس حالته يعطي لها الدواء ويذهب لعمله ولصلاتة بالمسجد ويعود للبيت لا يذهب يمين او يسار دائما يهرب بعينيه من عيون أحلام حتي تعمد أن يعود متأخرا وتكون غفت ونامت حتي يتفادى مواجهاتها
حتي عاد يوما .
احلام تفكر فيما يفعله بكر معها
أهو تكفير عن عملته الدنيئة معها وفعلا هينفذ كل ال قال عليه أم أنه سيرفض وذالك ما هو إلا عذاب ضمير سينقض بعد شفائها واستكمال عافيتها وهي شاردة في أفكارها تجد من فتح الباب .
ودخل بكر باببتسامه علي وجهه ملقيا السلام واستاذن وجلس بجوارها علي الفراش .
بكر : محمحما عدة مرات ينظر لها تارة ويهرب بعينه أخري ليتكلم
عارف انك محتارة وبتسالي نفسك أسئله كتير أنا نفسي معرفش إجابتها .
لتعتدل أحلام في جلستها هوسؤال واحد محتاجه أعرف إجابتة . ليه وافقت تجوزني بالطريقه دي وانت بتحب روحيه وال سمعته بيقول أنها وتصمت خجلا .
بكر : تنهد بكر فهي سألته اصعب سؤال في حياته
لما تزوجتها &;
ليجيب عليها
أنا معرفش ايه خلاني اوافق علي عرض شفيق .
أما بخصوص روحية وال سمعتيه
أنها غلطت معايا صح أيوا حصل غلطة فضلت نادم عليها شهور وكل يوم كنت بقع في مستنقع مش عارف اخرج منه سلمت قلبي وفكري ليها كنت عجينة سهلة في ايديها تشكلها زي ما هي عوزة بس للاسف بعتني وبعتك ياريت عشان تنقذ نفسها لكن بعتني علشان الورث والفلوس باعت كل ال بنا وكنتي انتي ضحية زيي زيك.
اعتدلت أحلام ليه تعمل ده ومحدش كان يعرف بمعاد ال بنقابل فيه أنا وشفيق .
بكر..هي ال حكت كل حاجه ووقعتك بالفخ .
شفيق ابوة غصب عليه يجوز سميحه أختها عشان الورث والأراضي ال تحت أيده ما يرحش لبعيد .
في يوم سميحه سمعت روحيه وهي بتكلمني وال حصل ما بنا واني لازم اتقدم اخطبها هددتها تقول لعمها ويحرمها من الورث
وأنه هيقتلها بعد ال حصل بنا وانا ههرب بعد ال حصل &;روحيه جبانه وضعيفه وسميحة قويه وحقوده .
استغفروا الله لعلها تكون ساعة إستجابة
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل التاسع 9 - بقلم منى عبدالعزيز
طيب إيه اللي خلاك توافق على كل اللي إحنا فيه ده وانت عارف إنه كله ظلم وافتري وإني بريئة وعمري ما غلطت.
بكر:
لو ما كنتش عملت ده كانوا جوزوك لواحد من الغفر، ممكن يكون رجب ولا برعي. وهم كلاب سيدهم بينفذوا اللي عاوزه. وأنا ما لقتش حد يقهر روحية وأخليها تموت كل يوم غيرك. انتي جوازي منك أكتر حاجة هتقهرها.
أحلام:
بزهول، اتجوزتني عشان تنتقم منها؟
بكر:
لا، عشان ننتقم منهم أنا وانتي. ننتقم من روحية والصافي وشفيق وسميحة.
أحلام:
أنا محتاجك جنبي، وانتقامي منهم مش هيتم إلا بوجودك معايا. سميحة بتكرهك وبتغير منك ومن جمالك، وروحية نفسها بتغير منك.
أحلام:
معقول الكلام ده؟
بكر:
أيوه، وأكتر من كده. ياما حكتلي عنك وعن شطارتك وحاجات كتير أوي.
أحلام:
بس إزاي عرفت إنهم هيجوزوني غفير، وإزاي العمدة وافق على كده؟
بكر:
من شفيق، هو اللي طلب مني أجوزك عشان يضمن إنك...
أحلام:
مش فاهمة، إن إيه؟
بكر:
إنك تكوني بأمان وإني ما ألمسكش، وبعد فترة آخدك ونبعد عن البلد ونطلق، وبعدها يجوزك.
ويهرب روحية بره البلد بعد ما يضمن ورثه من أبوه، زي ما قاله إنه هيكتب له أرض وهيمله المشروع اللي عاوزه.
أحلام:
يعني كل همه الورث والأرض؟ ما همهوش الفضيحة واللي حصل لأبويا.
بكر:
شفيق طماع، عاوز يكوش على كل حاجة. وبيحبك. وأول ما حصل اللي حصل شيع ليا واتفق معايا إني ألحقك وأعترف قدام أبوكي إني أنا وانتي بنحب بعض ودي مش أول مرة نتقابل وحصل ما بينا.
أحلام:
سكت ليه؟ قلت لبابا إيه؟
بكر:
قلت له كل اللي قاله عليه شفيق.
أحلام:
انطق، قلت إيه تاني.
بكر:
أنا وريته دليل.
أحلام:
دليل إيه؟ انطق، فهمني. إيه هو اللي شافه بابا كسرني بالشكل ده.
بكر:
دليل إنك مش بنت وإني أنا وانتي زي المتجوزين، وإن شفيق كان جاي يقابلك. تقبلي قرشين وتعملي عملية.
أحلام:
بانهيار صرخت به، تضربه بيدها على صدره ووجنتيه.
عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟
بكر:
مسك إيدها.
أنا حكيت لك كل اللي حصل. ممكن ما كنتش عرفتك حاجة وسبتك على غماكِ، بس أنا عاوزك تعرفي إني غيرت الخطة وهنتقم منهم كلهم. وده مش هيتم غير لو اتفقت أنا وانتي.
أحلام:
أنا عاوزة انتقم منكم كلكم، انت وشفيق وروحية. ربنا ينتقم منكم. اخرج بره، مش عاوزة أشوف وشك. منك لله، كنت شهدت شهادة حق وقلت محصلش الكلام ده بدل ما فضحتني قدام أهلي وخلّيت أبويا يغضب عليا. منك لله يا شيخ، منك لله.
بكر:
بغضب.
كلكم زي بعض، بترمي الاتهام على غيركم. شفيق يقول أبويا والأرض والفلوس، وروحية تقول هيقتلوها والورث. وانتي زيك زيهم، ما فرقتيش عنهم. عاوزة مصلحتك إيه؟ خلاكي توافقي تقبلي شفيق في حتة مقطوعة وفي الضلمة؟ ويا ترى كام مرة لمسك فيهم؟ ما سألتش نفسك إيه اللي خلى أبوكي يصدق إنك مش عفيفة وإني نمت معاكي؟ عشان وصفت جسمك حتة حتة قدامه هو وأمك اللي مقدرتش تنكر كلمة أنا قلتها.
أحلام:
انت بتقول إيه؟ حصل ده إزاي؟ امتى شفتني عشان توصف جسمي؟
بكر:
باستهزاء.
قولي إنتِ كام مرة غيرتي قدام روحية، وكام مرة وصفتك ليا؟ أنا حافظك أكتر ما إنتي حافظة نفسك.
_______
عادت أحلام من ذكرياتها على صوت بكاء طفل صغير.
سلسبيل:
ببكاء. خالتي، البنت عايزة تتغير وما جبتش ليها أي غيارات.
أحلام:
مسحت دموعها. وقفت. أنا جبت ليها من الصيدلية كل حاجة تلزمها. خليكي إنتي وأنا هغيرها.
سلسبيل:
أومأت برأسها وشكرت خالتها. يااه يا خالتي، إنتي اتظلمتي كتير أوي.
أحلام:
تعالي، افردي ضهرك شوية عشان أغير لك على الجرح.
سلسبيل:
حاولت النهوض، شعرت بدوار خفيف، لتجلس مكانها مرة أخرى.
أحلام:
وضعت الفتاة على السرير وخرجت لسلسبيل.
سلسبيل يا سلسبيل، مالك في إيه؟
سلسبيل:
مش عارفة، روحي مسحوبة ومش قادرة أقف. حاسة إني هقع لو وقفت وبردانة أوي.
أحلام:
اقتربت منها ووضعت يدها على جبينها.
أحلام:
إنتي جسمك قايد نار. تعالي، اسندي عليا. هدخلك تنامي على السرير لحد ما أروح أجيب دكتور من المستشفى وأجي بسرعة.
سلسبيل:
ما تسبينيش يا خالتي، أنا حاسة إني خلاص بموت.
أحلام:
متقوليش كده، إن شاء الله هتخفي وهتبقي كويسة. إنتي بس دايخة من قلة الأكل وما خدتيش علاجك. هعمل لك كمادات وأحضر لك حاجة تاكليها وهتكوني عال العال.
سلسبيل:
أصبحت لا تقوى على النطق، عيناها زائغة، جسدها ينتفض مع وضع أحلام الكمادات على جبينها. تهتف باسم زياد بين شفتيها.
أحلام:
قلبها يدق بعنف، عيناها تفيض بدموع حسرة على حال ابنة شقيقتها. أحست بانتظام أنفاسها، وضعت يدها تتحسس حرارتها، وجدتها كما هي. قامت مسرعة، جزبت حجابها ومفتاح المنزل وخرجت مسرعة. عادت بعد مدة تلهث ومعها طبيب شاب. سمعوا صوت بكاء طفل صغير.
___________________
دخلت أحلام وخلفها الطبيب، وجدوا سلسبيل تحاول النهوض.
أحلام:
سلسبيل، بتعملي إيه؟
سلسبيل:
بصوت يكاد يسمع. البنت كانت بتبكي، كنت بسكتها بس مقدرتش أرضعها.
الدكتور:
ممكن تساعدني أكشف عليها.
أخرج الطبيب أدواته وبدأ في الكشف وقياس حرارتها، حتى جرحها قام بمعاينته.
الدكتور:
خرج من الغرفة بعد الانتهاء من الكشف. أخرج ورقة وكتب عليها أدوية كثيرة.
أحلام:
دثرت سلسبيل جيداً وخرجت للطبيب.
أحلام:
طمني يا دكتور، الحالة إيه؟
الطبيب:
اطمني يا مدام، الحمد لله. دي حرارة عادية، لكن لو أهملتم في العلاج ممكن تتدهور. أنا كتبت لها محاليل وحقن ومسكنات، ونظام غذائي تمشي عليه. إن شاء الله هتستعيد عافيتها، ولبن للطفل، وممنوع ترضعها طول ما حرارتها عالية. وأنا همر عليها مرة تانية.
أحلام:
متشكرة يا دكتور، تعبتك معايا.
الطبيب:
في حد يديها الحقن ولا أبعت لها ممرضة من المستشفى؟
أحلام:
أنا بعرف أدي حقن وأعلق المحلول.
الطبيب:
شرح لأحلام طريقة إعطائها الدواء ومواعيده ورحل. دخلت أحلام غرفة سلسبيل، وجدتها نائمة، لتخرج تحضر الدواء وعادت سريعا. وضعت المحلول بعد تجهيز كل ما قاله الطبيب بيد سلسبيل.
اطمأنت بسريان المحلول بوريدها وخرجت تحضر اللبن للصغيرة التي أصبحت تبكي من الجوع.
أحلام:
ممسكة ببرونة اللبن، تقوم بتبريدها. حملت الصغيرة على يدها ترضعها، تجلس على حافة السرير. تنظر إلى الصغيرة على يدها، تنهدت بحزن. لو كان عاش كان زمانه ابن عشرين سنة، كان زمانه راجل ملو هدومه. عادت بذكرياتها.
______
عادت مرة أخرى لذكرياتها.
ظلت أحلام جالسة كما هي تفكر في كلمات بكر. عينها على الباب، تتذكر كم مرة أتت روحية لها بملابس جديدة تطلب أخذ رأيها فيهم، وكم مرة ألحت عليها قياسهم أمامها، حتى ملابس النوم كثيراً ما ألحت عليها. أغمضت عينيها تبكي بحسرة. قلبها حزين على تلك الثقة التي أعطتها لصديقة خائنة غدرت بها.
لازالت على تلك الحالة حتى سمعت غلق باب المنزل.
رفعت رأسها لأعلى، تكاد لا ترى شيئاً من تلك السحابة التي على عينها.
نهضت أحلام من على سريرها، خرجت من الغرفة ودخلت الحمام، توضأت وخرجت تصلي الفجر، تدعي ربها في الوقوف بجوارها.
أنهت صلاتها بعد أن أحست براحة شديدة داخل قلبها. عزمت على تحقيق ما اهتدى إليها قلبها. دخلت المطبخ وبدأت تفتح كل علبة تتعرف على محتوياتها. نظفته ورتبت بشكل جميل ومنسق. أعدت فطوراً وأشعلت الموقد وشرعت في تحضير الشاي.
أنهت كل شيء ووضعته على صينية وخرجت للصالة. وضعته على طاولة وجلست تنتظر عودة بكر من المسجد.
بعد فترة طويلة دخل بكر منزله، وجد أحلام غافية وهي جالسة على الكرسي ويدها متكئة عليها، وأمامها صينية بها طعام وكوبان من الشاي.
بكر:
ابتسم عند رؤيتها. وقف قليلاً ينظر لها. أفاق من شروده على نغزة في قلبه.
اقترب بكر من أحلام، وضع يده على كتفها.
أحلام.
أحلام:
قامت مفزوعة. إيه؟ في إيه؟
بكر:
صباح الخير. نايمة كده ليه؟ قومي ارتاحي في فراشك.
أحلام:
أنا حضرت الفطار وأنت اتأخرت. غفيت وأنا قاعدة.
بكر:
كان عندي مشوار مهم، خلصته ورجعت على طول. أبلغك إني راجع شغلي من النهاردة. لو عاوزة تروحي بيت أهلك ولما أرجع آخر النهار هعدي عليكي نرجع سوا.
أحلام:
بغصة في حلقها. المدرسة. أنا عاوزة أرجع المدرسة.
بكر:
ببعض الرقة حاول أن يتحدث.
أحلام، أنا لو عليا هخليكي تروحي المدرسة، بس جوازنا المفاجئ وكثير من صحابكم عارفين. روحية ممكن تؤذيكي بالكلام. أنا بقول ذكري بالبيت وروحي على الامتحانات، واللي يصعب عليكي أنا هذاكره لكِ.
ودلوقتي حضري نفسك، هوديكي معايا على بيت أهلك لحد ما أرجع من الشغل وتجيبي كتبك.
أحلام:
بكر، مش هتفطر؟
بكر:
بابتسامة لأول مرة يسمعها تنادي عليه. التفت لها. هعمل شاي بدل اللي برد. تكوني غيرتي هدومك.
أومأت أحلام برأسها وذهبت تبدل ملابسها. بعد قليل خرجت، وجدت بكر أعد الشاي. بدأوا بتناول الفطور. بعد وقت من الصمت، كل شارداً في حاله.
بكر ممسكاً بكوبه، يرتشف منه ببطء شديد، حتى تساقطت قطرات منه على فمه إثر ارتشافه رشفة طويلة جعلته ينتفض من سخونتها.
أحلام تنظر إلى لا شيء، ممسكة بقطعة خبز، تقدم منها قطعة صغيرة تلوكها بفمها ويدها ممسكة بالباقي، تضعها أمامها تفكر في حالة بكر وما قاله لها. داخلها تتلمس له الأعذار، ولكن تتذكر ما فعله واتفاقه مع شفيق، وما فعله معها واعتدائه عليها. تضيق عينها كأنها تتحدث مع شخص آخر، وتقسم بداخلها أنها سوف تستغل عذاب ضميره وتنتهاز الفرصة وتتقرب منه، وتعلم كل شيء حدث بينه وبين روحية لتبدأ في الانتقام منها، وبعدها تتفرغ لشفيق وله.
لتفيق من شرودها على صوت سعال شديد، لتنتفض وهي تنظر إلى بكر بخوف، وهي تراه يدمع ويسعل ويضرب على صدره بيده. لتقترب منه ممسكة بكوب ماء تعطيه له.
أحلام: أشهد أن لا إله إلا الله. اشرب شوية ميه والشرقة هتروح.
بكر تناول منها الكوب بيده، وسم الله، ارتشف منه قليلاً، ووضع الكوب أمامه، ورفع عينه لها لتلتقي عيناه العسليتان الصافيتان بعينها السوداء الذابلة.
بكر: يبتعد عن الطاولة ويهب واقفاً، يتحمحم من شدة سعاله، يتحدث:
الحمد لله، أنا شبعت. تسلم إيدك.
أحلام: أبعدت عينها عنه، لا تعلم ما سر تلك النظرة التي رأتها بعينيه، لتخفض نظرها بعيداً وتقف هي الأخرى.
هدخل الأكل ونمشي على طول.
أومأ بكر وهو ينظر في أثرها، يتنهد بحزن وقلب ممزق، وحبات العرق انتشرت على جبينه، يهمس:
ياترى هتسامحني بعد اللي هيحصل.
أحلام: انتهت من تبديل ملابسها، وقفت أمام المرآة تنظر بها، تحدث نفسها:
قلبي بينغز عليا، حاسة في حاجة مش طبيعية، شكل بكر وكلامه ونظرة عيونه.
لتفيق على صوت مناداة بكر عليها، لتخرج متحدثة:
يلا بينا، أنا خلصت.
بكر:
عاوز أقولك على حاجة، مهما قابلنا ناس واتكلموا، ولا تردي.
أومأت أحلام برأسها وخرجت من المنزل خلف بكر. أغلق بكر الباب وأعطى لها المفتاح.
دي مفتاح البيت، خليه معاكي، وأوعي تضيعيه. مهما حصل يفضل معاكي، البيت ده ليكي فيه أكتر ما ليا.
أخذت منه وصارت بجواره شاردة، بيعمل له كدة وإزاي بيقول البيت ليا فيه أكتر، يا ترى بيفكر في إيه يا بكر. لتشرد مرة أخرى وهي تتنفس نسيم الصباح، تتذكر الأيام الماضية وهي تمر من نفس الطريق ذاهبة للقرية المجاورة لمدرستها، لتنظر له وهو يخطو بجوارها رأسه منكسة لأسفل. فور اقترابه من أحد الكباري الفاصلة بين القريتين، تتساءل:
يا ترى هيعمل إيه؟ أنا كنت حابة أرجع المدرسة وأبدأ أنتقم منهم واحد واحد. هعمل إيه وليه؟ هيوديني بيت بابا، لا هعرف أروح ولا هاجي. لو أفهم إيه اللي في دماغه كنت ارتحت. كل اللي خططت له راح، بس لا لا يمكن أستسلم، هنتقم منهم يعني هنتقم منهم، وروحية الأول وسميحة، وبعدين بكر شفيق، هعرف آخد حقي إزاي.
لتكمل الطريق شاردة في مخططها، دون الالتفاف أو التركيز في طول المسافة، حتى فاقت على صوت:
بكر:
وصلنا، تعالي ندخل.
أحلام: باستغراب وهي تنظر حولها، لتجد نفسها أمام المستشفى الخاص بالقرية المجاورة لقرية بكر.
وصلنا فين؟ إحنا جينا المستشفى إزاي وإمتى؟
بكر:
شكلك كنتي سرحانة، مشيتي معايا مركزتيش في الطريق. تعالي ادخلي وانتي هتفهمي كل حاجة.
أحلام دخلت خلفه بعد طرق الباب، لتتفاجأ مما رأت.
دخلت أحلام خلف بكر لتشهق وهي ترى والدها ممدداً على السرير، وجهه شاحب، وهناك قناع الأكسجين على أنفه، لتهرول تجاه والدها فور أن أشار لها، ترتمي بأحضانه، تقبل يده ورأسه، دموعها تتساقط على يد والدها وهي تقبلها.
أحلام:
سامحني يا بابا، والله أنا مظلومة، ما عملتش حاجة. والله ما غلطت ولا عملت حاجة غلط غير أني صدقت كلام روحية، والله عمري ما عملت حاجة غلط، أنا تربية إيدك، سامحني أبوس إيدك.
الأب: انتي غلطتي لما خبيتي علينا، وكنتي بتكدبي على أمك وتقولي رايحة لصاحبتك. غلطتي في حق ربنا وحقي أنا وأمك وفي حق نفسك. عرضتي نفسك وعرضتينا للإهانة والذل، فضحتيني وأنا اللي طول عمري ماشي بما يرضي الله. خيبتي ظني بيكي، كسرتي جوايا حاجات كتير أوي. خلتني أندم على الحرية اللي عطيتها لك. ثقتي فيكي خلاص راحت. لو كنتي جيتي حكيتي لوالدتك أو ليا كان حاجات كتير اتغيرت.
شهقاتها العالية نيران واندلعت بداخله، تلك الرعشة التي انتابتها جعلته يقترب منها دون شعور منه، ليلف يده حول كتفها ويخطو بها عدة خطوات ليجلسها على حافة السرير جوار والدها.
بكر: يجلي صوته محمحماً.
أنا آسف إني هدخل في الكلام وعتابك لها يا عمي، بس راعي أنها لسه صغيرة. وفرحت بالكلام، وحضرتك عارف إن سنها ده من السهل أي حد يلعب بمشاعرها، والكلام أشد من السحر لما يجي من صديقة وتثق فيها، وكله معاها عيش وملح ليل ونهار معاها، تحكي لها وتتحكى على حب ابن عمها ليها، أكيد هتصدق وتثق في كلامها. أنا مش هنفي غلطنا إحنا الاتنين، أنا كمان غلطت أكتر بكتير، بس القلوب ما فيش عليها سلطان، بتلغي تفكيرنا وبتحولنا لمغيبين، بنمشي وراها بنفكر بيها وبنلغي عقولنا لدرجة أننا بنبقى شايفين الغلط وعارفين إنه غلط، لكن عنينا معمية عنه. بنفكر بس بده، ولما الغشاوة تشال من على عنينا بننصدم بمرارة وحنضل الفكر، بنلغي كل حواسنا والعقل هو اللي يتحكم فينا لدرجة تخلينا مكنة مالهاش أي مشاعر وأحاسيس، كل اللي بنهتم بيه إزاي ناخد حقوقنا أو نستمتع بكل حاجة حواليه على حساب كتير غيرنا، المهم إحنا وبس. قالها بضحكة ساخرة. كتير ظهرت قدامنا حقايق وأفعال ترجعنا، بس لا كنا شايفين ولا سامعين. متلومهاش على اللي مش في إيدها، لومها لو ضيعت حقها وضعفت ومتتعلمش من اللي حصل ليها. علمها من الأول وعرفها إن الضربة اللي ما تموتش توجع وتقوي. علمها تاخد حقها بإيديها وبكل ما فيها من قوة وعزم، ما تقفش تتفرج على اللي ظلموها وتقول هنتقم وهاخد حقي.
أحلام تنظر لبكر وهي مش مستوعبة ما يقول، كلماته تنزل عليها كالصاعقة، تود أن تضربه بكل ما أوتي لها من قوة، فهو أيضاً من ضمن من ظلموها، حتى أنها كلماته بطلب والدها بتعليمها كيف تأخذ بثأرها ممن ظلموها.
تقترب والدتها منها، تزيح دموعها بيدها من وجنتها.
أمها: وهي تبتسم بوجهها وتتلمس وجنتها الشاحبة.
دموعك دي معادش عاوزة أشوفها. اللي حصل حصل، إحنا عرفنا الحقيقة وبكر راجل جه من كام يوم وفهمنا كل حاجة، وحقه نفسه قدمنا، وأبوكي سامحه لأنه قال كل حاجة حصلت، حتى اتفاق شفيق معاه، وكمان قال على تعبك الكام يوم اللي فاتوا، وأنه اتأخر في زيارته لينا عشان ما يسبكيش لوحدك، وهو اللي نقله هنا ودفع كل مصاريف العلاج من جيبه بعد ما كنا في مستشفى البلد اللي كل اللي بيعملوه يعلقوا له محلول ومحدش عارف عنده إيه. سامحي بكر يا بنتي، وقّفوا مع بعض وخدوا حقكم، بس من غير ما تغضبوا ربنا. خلوا اللي حصل ده درس ليكم من غير ما تغضبوه، وأنا يا بنتي مسامحاكي.
لترتمي أحلام في أحضان والدتها، تتمسك بها بشدة حتى أفضت بكل ما بداخلها، لتخرج من أحضان أمها، تقبل يدها، وتلتف لوالدها من غير أن تتحدث بكلمة، انحنت تقبل يده، ووقفت واتجهت بجوار بكر، ومدت يدها له.
أحلام: تعاهدني قدام ربنا وأهلي إنك تقف جنبي وتساعدني في أخد حقي من اللي ظلموني.
بكر ينظر إلى والديها، يبلع ريقه بصعوبة، أومأ برأسه ومد يده لها.
أعهدك قدام ربنا وأهلك إني هقف جنبك بما يرضي الله، من غير ما آجي عليكي ولا على حد، وعهد إني ما أغصبكيش على حاجة، لكن طول ما انتي مراتي وعلى ذمتي مسؤولة مني. وتعليمك هساعدك تخلصيه، وبعدين تعملي وتختاري اللي انتي عاوزاه، تنتقمي وتاخدي حقك، وشهادتك في إيدك.
لتومئ له برأسها بالموافقة، وتجلس مرة أخرى بجوار والدها حتى انتهاء موعد الزيارة، وترحل من غرفة والدها.
يخرجا سوياً، وبعد نزولهم الدرج، تري خروج أحد الأشخاص من غرفة قريبة منه، لتقف مكانها تنظر في أثر هبوطه الدرج.
أحلام: هو العمدة ده ولا أنا بيتهيأ لي؟
بكر: أيوه هو، بتسألي ليه؟
أحلام: تشير على الغرفة التي خرج منها. أصل أنا شفته خارج من هنا.
بكر: ما هي دي أوضة سميحة أخت روحية، بعد ما الكارثة اتقلبت بيها. أنا عرفت يوم ما نقلت والدك هنا وشفت العمدة وأمها وهما بيدخلوا عندها، وسألت الممرضة وعرفت منها كل حاجة.
أحلام: بفرحة التفتت له.
أنا عاوزة أدخل ليها الأوضة وأشوفها بنفسي. في كلمتين عاوزة أخرجهم من جوايا.
بكر: بلاش يا أحلام، ربنا أخد حقك منها، بلاش تشمتي في المرض.
أحلام: متخافش، أنا عارفة ربنا كويس أوي، بس أنا عاوزة أشوفها ودي فرصة مش هتتكرر مرة تانية.
بكر هم يعترض، لتقاطعه أحلام.
انت عاهدتني إنك هتساعدني.
بكر: استسلم لها وأشار لها بالدخول، بعد أن تأكد من وجود سميحة لوحدها بالغرفة.
دخلت أحلام تنظر بعينها للنائمة على الفراش، ويداها وقدماها معلقتان، وهناك ضمادة على عينها اليمنى. اقتربت منها للحظة قررت الرحيل، ولكن عادت برأيها وابتسمت بسخرية وهي تستمع لكلام سميحة.
سميحة: جاية ليه يا خطافة الرجالة؟ وعرفتي تدخلي هنا إزاي؟ سابوكي تدخلي المستشفى إزاي؟ وأنتي آخرك تشتغلي تمرجية زي أبوكي.
لتضغط أحلام على أسنانها واقتربت منها وانحنت قليلاً بالقرب منها.
أنا كنت هخرج من غير ما أكلم بعد ما صعبتي عليا وأنا شيفاكي متربطة من كل حتة، وقلت ارحموا عزيز قوم ذل، ولكن انتي بقى اللي طلبتيها وهتنوليها. خطافة الرجالة هي أختك روحية، عارفة هي فين دلوقتي وبتعمل إيه ومع مين؟ عارفة كل كلمة قولتيها مهزتش فيا حاجة، لأن ربنا اسمه العدل. في الوقت اللي كنتي بترمي ورق الشجر والطين وشماتك فيا وتلقيحك عليا، قد إيه مسكت نفسي متهورتش، وقتها أنا قلت يارب خد حقي، قلتها وأنا بكوي من جوايا من القهر والحزن. سبحان الله، ما مرش اليوم إلا اللي حصلك ده، اتحقق والكارثة اتقلبت بيكي، اللهم لا شماتة. بس ده ولا حاجة من اللي هقوله لك. عارفة روحية فين دلوقتي؟
سميحة تنظر لها بعينها السليمة، تسمع لكل كلمة وتكز على أنيابها، تود أن تمسك بأحلام تفتك بها. ل تنتفض وتصرخ بصوت زلزل الحجرة، وأحلام تلقي بكلماتها.
أحلام: لو عليتي صوتك أكتر من كده مفيش حد هيسمعك. عارفة روحية فين ومع مين؟ روحية اتجوزت شفيق ودخلتهم النهاردة.
سميحة بصدمة: أنتي كدابة، عمي وأمي كانوا هنا، إزاي هيكون فرح ولادهم ويجوا عندي؟ ههههههههههه ضحكة رنانة دوت بالغرفة وهي ترد على سميحة. طيب ليه أمك مشيت ومقعدتش معاكي؟ ولا ليه روحية ما زارتكيش معاها؟
لتقف عند الباب وتلتفت لها.
اتبلتي عليا واتهمتني ظلم وهنتِ أبويا، شوفي أنا ربنا نصرني واتجوزت والكل عارف مين بكر وأخلاقه وهو ابن مين، وأنتي بصي لنفسك والطعنة جاتلك منين، فعلاً إن ربك لبال المرصاد.
لتخرج أحلام من الغرفة وتغلق الباب خلفها وسط صرخات سميحة. لتشير لبكر دون أن تتحدث وتسرع في خطواتها، تعدوا خارج المستشفى حتى وصلت لمنزل بكر. وطوال الطريق صامته، حتى بكر لم يقوى على التحدث إليها وهو يستمع لهمهماتها وصوت أنفاسها العالية. لتفيق أحلام من ذكرياتها على صوت بكاء الصغيرة ومناداة خافتة باسمها.
استغفروا الله لعلها تكون ساعه استجابه .
رواية زهور بنت سلسبيل الفصل العاشر 10 - بقلم منى عبدالعزيز
ليخرج أفراد العائلة مهرولين لصاحب الصوت الذي لازال على حالته، صوته يدوي بالمنزل كأنه فقد ذرات عقله.
يجتمع الجميع، الكبار والصغار. يمسك حمزة يد أخيه الأكبر زين يستقوي به، ليلتف له زين ويتراجعوا للخلف. ليلفت ذلك نظر عمهم زايد، فيشير إلى شقيقته الصغرى بعينه باتباع الصغار.
زيدان:
إيه اللي حصل يا ماما؟ مالها؟
عبدالرحيم:
زهرة مش موجودة في البيت. دورت عليها في كل مكان ومش موجودة.
زايد:
ولا في أوضة زياد؟
عبدالرحيم:
(بغصة)
لا، دخلت كل أوض البيت والمطبخ والحمام، ملقتهاش.
زينب:
ماما هتكون راحت فين دي؟ منهارة وحالتها صعبة جداً.
عبدالرحيم:
بتقولي لي الكلام ده؟ وحضرتكِ انتِ وأختك فين؟ مش قُلت لكم ما تسيبوهاش لوحدها وتاخدوا بالكم منها.
نظرت زينب للأسفل، أسفة يا بابا. انشغلنا بالعزاء وإحنا اطمنا إنها نايمة وواخدة العلاج ومش هتفوق غير بعد مدة.
عبدالرحيم:
عذر أقبح من ذنب. كلكم انشغلتم ونسيتوا أمكم. ليه ما فيش واحدة فضلت جنبها وسابت العزاء للباقي؟
ليصرخ بهم: واقفين كده ليه؟ روحوا دوروا على أمكم!
ابتعد الجميع يبحثون في كل مكان. ولا يزال الصغيران واقفين يتهامسان.
زين:
(بهَمْس لأخيه حمزة)
جدو لو عرف إن تيته وزاهر خرجوا من بدري هيقلب الدنيا، وهيُعاقب زاهر وعمّو زايد هيمنعه من الخروج من البيت نهائي. خلي بالك ومتقولش حاجة لو جدو سألك.
حمزة:
(بخوف)
لا، مش هقول.
(يتلفت حوله ويعود يهمس)
يا ريت كنا خرجنا معاهم. انت اللي خفت يا زين. كنا مع بعض وجدو مش هيعاقب حد وقتها، لكن دلوقتي هيعاقب زاهر.
زين:
أنا خفت، وكمان تيته قالت بلاش نخرج كلنا ويحسوا بينا.
لينتفضا الصغيران بخوف ورجعا للخلف من الصوت الذي دوى خلفهم.
زينة:
(بصوت عالٍ، تشير بإصبعها للأولاد وتقترب منهم وهم يرجعون للخلف كلما اقتربت منهم)
بقي انتوا عارفين مكان تيته ومتقولوش!
ليسّرع أخوها وأبوها مهرولين على صوت صراخ الأطفال وزينة ممسكة بهم وتنادي على أخيها زايد بصوت عالٍ.
زينة:
تعالوا شوفوا البهوات. عارفين جدتهم فين وبدل ما يقولوا مستخبيين هنا.
الجد:
(يقترب من أحفاده بخطوات بطيئة، ويده خلف ظهره)
حتى اقترب منهم وأمسك بيد حفيده الأصغر حمزة وعينه على حفيده الأكبر زين.
تيته فين يا حمزة؟
(قالها بصوت غليظ ويحمل في طياته الغضب)
حمزة:
(بلجلجة وعيون كلها خوف، يبتعد عن عين جده الذي يتفحصه تارة وشقيقه تارة أخرى)
ما ما معرفش يا جدو. أنا... أنا...
الجد:
(ارتفعت نبرة صوته جعلت الفتى ينتفض)
فين تيته يا حمزة؟ ده آخر مرة هسألك، لكن بعدها متلومش غير نفسك.
حمزة:
(وعينه على شقيقه الذي ينتفض من صوت جده ونظرات الجميع تجاهه، وباقترا ب عمّه زايد ونظراته المصوبة تجاهه)
تيته... تيته...
الجد:
(اخلص قول تيته فين؟ قالها بصوت أرعب الجميع)
تيته خرجت مع زاهر من بدري.
(قالها حمزة دفعة واحدة)
الجد:
(خرجوا راحوا فين يا حمزة؟ قالها بصوت مرعب جعل الطفلين ينتفضا من الخوف)
حمزة:
مش أعرف. أنا سمعت تيته بتبكي في أوضة عمو زياد وزاهر أخدها وخرجوا.
زايد:
انت وزيدان، قلبوا الدنيا لحد ما تلاقوا أمكم. نص ساعة وتكون هنا قدامي.
خرج الجميع من المنزل يبحثون عن أمهم وزاهر ابن زيد.
الجد ترك يد حمزة الذي هرول بالهروب من أمام جده وخلفه شقيقه زين تحت أنظار الجميع، ليدخلا غرفتهما وهما ينتفضان من الخوف.
زين:
انت ليه قلت إن تيته خرجت مع زاهر دلوقتي؟ جدو هيعاقبه وتيته هتزعل منك. كنت أقول معرفش، وأنا كمان كنت هقول معرفش.
حمزة:
أنا خفت من جدو، وكمان أنا خايف على تيته. انت سمعتها وهي بتقول تروح المقابر عند عمو زياد.
زين:
أيوه، بس جدو وعمو زايد هيعاقبوا زاهر.
حمزة:
تيته هتحميه زي ما كانت بتحمي عمو زياد من جدو وعمو زيد.
زين:
أنا بكرة جدو وعمو زايد وطنط نهال بكرهم كلهم. هما السبب في موت عمو زياد.
حمزة:
(ببكاء)
عمو زياد خلاص مش هنشوفه تاني زي تيته ما كانت بتقول.
ليفتح باب الغرفة بقوة، يدخل الجد وعيونه مسلطة على الأطفال، يتحدث بصوت أرعبهم من قوته.
الجد:
زين، حمزة. أنتم عارفين مكان تيته ومقلتوش.
ليقترب الجد من حفيديه وهم يرجعون للخلف، ليمسك بيد حفيده الأكبر زين.
الجد:
زين، تعال هنا. انت عارف مكان تيته ومقلتش الحقيقة ليه؟
زين:
(بخوف وجسد ينتفض وعيون باكية)
أنا... أنا... أنا معرفش. إحنا سمعناها بتقول لصورة عمو زياد، وبعدها خرجت مع زاهر.
الجد:
حسابنا بعدين، وزاهر ده حسابه معايا أنا.
أخرج الجد هاتفه واتصل على ابنه الكبير.
الجد:
زيدان، روح المقابر. زهور هناك، تجيبها وتيجي على البيت.
تسحب الطفلان سريعاً وابتعدا عن مكان وقوف الجد.
التف الجد يحدثهم، لم يجدهما. ظفر بضيق ونادى بصوته الجهوري: زين، حمزة. تعالوا هنا.
لم يتلق استجابة منهم.
زين:
(بخوف من جده)
خرج من مخبئه. أنا هنا يا جدو.
الجد:
(جلس الجد يضع قدم فوق الأخرى، أشار إلى زين)
تعال هنا، اقف قدامي.
زين:
أسف يا جدو.
الجد:
(ينظر له بنظرة شاملة، يرى تهرب الطفل بعينه)
احكي كل اللي سمعته وتعرفه حرف حرف.
زين:
(بخوف يتلفت يمين ويسار، ينظر إلى شقيقه الذي يشير له بأصبعه: لا تحكي)
الجد:
(بصوت عالٍ، انتفض على أثره حمزة الذي اختفى تماماً من المكان وارتعد زين من قوة الصوت)
زين:
أنا وزاهر وحمزة كنا قاعدين جنب تيته وهي بتبكي ومسكة صورة عمو زياد. بعدين سمعنا صوت صريخ وخبط شديد وصوت تكسير في أوضة عمو زياد. طلعنا نجري نشوف في إيه، وتيته كمان جات ورانا. لقينا طنط نهال واقفة في الأوضة وبتكسر كل حاجة فيها، حتى صورة عمو زياد كسرتها ومسكها، وبتتكلم بصوت عالٍ وبتقول كلام كلام.
الجد:
نهال قالت إيه؟ انطق!
زين:
(التفت حوله وجد أمه ونهال وعماته ينظرون له، ونهال تزغر له بوعيد)
الجد:
(بصوت أرعب جميع الواقفين)
انطق! قول كل كلمة قالتها نهال، وإياك تنسى كلمة واحدة. فاهم؟
زين:
(هز رأسه عدة مرات وبصوت مهزوز)
حاضر... حاضر يا جدو. هقول كل حاجة.
طنط نهال مسكت صورة عمو زياد وتقول: "بقي أنا نهال أجمل وأشيك بنت في العيلة اللي رجالة البلد بيركعوا تحت رجلها عشان يبصلها. أنت يا مشوّه تعمل فيا كل ده؟" ومسكت الصورة وفضلت تقطع فيها وتقول: "بقي بعد ما اتنزلت ووافقت إنها تجوزه، هو يرفض يجوزها؟ وكمان يطلع متجوز واحدة تانية؟"
فضلت تقطع في صورته وتقول عليه أحدب ومشوه. ورمت الصورة المقطعة على الأرض وفضلت تدوس عليها برجليها وتقول: "انت حشرة ولا تسوى. لولا حضرتك وعمّو زايد أقنعتوها إنها لما تجوز عمو زياد هتقدر تعمل المشروع اللي بتحلم بيه، وكمان الفندق والأرض اللي جنبه أنسب مكان لمشروعها، ولما تبقى مراته مش هيقدر يرفض ليها طلب، وكل ثروته اللي ورثها هتكون ليها هي وبس."
تيته مقدرتش تتحمل، دخلت الأوضة وضربتها بالقلم على وشها. بس طنط نهال فضلت تزعق في تيته وتقول ليها إنها هتقول لحضرتك إنها كانت عارفة بجوازه وخبت عن الكل، وهددتها إنها هتنتقم منها ومش هتنسى اللي زياد عمله وهتنتقم من مراته وابنته.
تيته ضربتها تاني مرة، بس خالتو فضلت...
(حاطة إيدها على خدها وقربت من تيته وقالت لها)
بتضربني أنا؟ نهال الغمراوي؟ أنا هعرف إزاي أدفعك تمن القلم ده كويس أوي. وكمان ابنك الأحدب المشوه اللي مكنش يحلم يكلمني، أنا هنتقم منه في بنته ومراته. وبرضه كل حاجة ليه هتكون ليها زي حضرتك وعمّو زايد ما قلتولها. وفضلت كتير تسب عمو وتقول كلام وحش عليه، وإنه لو عايش كانت انتقمت منه. وفضلت تكسر في كل حاجة في الأوضة لحد ما تيته وقعت على الأرض، وجري زاهر على خالتوا وشده وخرجها من الأوضة وقال إنه هيقول لحضرتك كل حاجة عملتها. وبعدين خالتوا دخلت أوضتها بعد ما ضربت زاهر بالقلم و...
تيته ساندتها وهي بتبكي ورمت نفسها على السرير وبتقول إنها مش هتسمحك أنت وعمّو زايد لأنكم السبب في موته، وإنها عايزة تروح عنده وتبقى جنبه، وإنها كرهت الدنيا بعد ما مشي وسابها. زاهر قرب منها وقال لها إنه هيوديها عند عمو زياد، وتيته وافقت بسرعة. دخلت مكتب حضرتك أخدت مفاتيح وخرجت مع زاهر.
وبعدين طنط نهال نادت على الخدم ورتبوا الأوضة من تاني، وقالت ليا أنا وحمزة لو حد عرف باللي حصل هتعرف تعاقبنا إزاي.
الجد هب واقفاً، أسرع بخطاه اتجاه المكتب، وتوقف ورجع لمكان وقوف نهال التي تقف تنظر في خطاه بخوف.
عبد الرحيم:
كوني واثقة إني مش هعدي اللي عملتيه ده على خير.
تركها قبل أن تفتح فاها وتتحدث، ودخل مكتبه.
فتح أحد أدراجه، تفقد ما به، وخرج سريعاً من المكتب بل من المنزل مهرولاً، نادى بصوت جهوري على السائق أرعب الجميع، وصعد إلى السيارة، وحضر السائق وانطلق للخارج.
داخل المنزل، زين يبكي في أحضان أمه التي تضمه لصدرها، تربت على كتفه وتبكي على بكائه، وسط نظرات الوعيد من خالته وحديث الجميع بمعاقبته هو وحمزة وزاهر.
وقفت زينب تتحدث بغضب: بتبصي للولد كده ليه يا نهال؟ بعد اللي انتي عملتيه وقولتيه، لازم تخافي مش تهددي الولد بنظراتك. وإزاي عرفتي بموضوع جواز زياد وبنته؟ وكلنا كنا في العزاء برة، وبابا كان مع أخواتي في المكتب. أيوه، أيوه، انتي انسحبتي من العزاء واختفيتي فجأة، وآيات قالت إنك تعبتي وجيتي تريحي. اتاري كنتي بتصنطي على بابا وهو بيكلم.
زينة:
(تقترب منها وتمسكها من يدها)
إيه الكلام اللي قلتيه لماما ده؟ ومين أصلاً هيسمحلك تقربي من بنت زياد؟
نهال:
(بغرور تقاطعها وتنطر يدها بعيداً)
أنا مكنتش بصنت، أنا سمعتهم بالصدفة. ومن امتى الحنية دي يا ست زينة؟ انتي نفسك كنتي بتستعري منه وبتخجلي تقولي إنه أخوكي، حتى ولادك بترفض إنهم يقولوا له خالو أو يحضروا أي مناسبة يكون موجود فيها. جاية تعملي حنينة وترسمي الدور علينا؟ أيوه هنتقم منه. إذا كان هو مات، هنتقم من بنته، وآخد حق نظرات الكل ليا في العزاء وهم بيتغمزوا ويتلمزوا عليا، ونظرات الشماتة اللي شفتها في عيونهم.
زينب:
(اقتربت منها بجنون)
انتي بتقولي إيه؟ هتنتقمي من مين؟ بنت صغيرة لسه لحمة حمرا، مش كفاية إنها اتيتمت من أبوها؟ انتي باينك أجننتي.
نهال:
أنا أُعقل منكم كلكم. أيوه هنتقم منها ومن أمها اللي فضلها عليا. أنا هنتقم منها وآخد كل حاجة بيمتلكها المشوه ليا.
صمتت أثر تلقيها صفعة قوية على وجهها ويد تسحبها وسط صراخها وصدمة الجميع.
الجد بالسيارة، طلع على بيت زهروان هانم بسرعة.
وجهه مكفهر، عينه على الطريق لا تحيد عنه، يحدث نفسه: "لأول مرة تخرج زوجتي منذ زواجها منذ خمسة وثلاثين عاماً دون أن تخبرني. كلام زين حفيدي لي جعل الرعب يذوب أوصالي حقاً. بعد كل تلك السنوات، جاهدت في جمع عائلتي، عقد جميع أطرافه بيدي، ومع أول كبوة سينفرط العقد من يدي."
ليضغط على يده بقوة ويصك أسنانه بعضها ببعض: "لا لا لن يحدث، سوف أمسك العقد بقوة بيد من فولاذ. لا يمكن أن يهدم ما بنيته طوال سنوات عمري مع رفيقة دربي، زوجتي وعشق عمري. لازم أمسك زمام الأمور من تاني، والولاد لازم أربيهم من أول وجديد. اللي عمله زياد وجوازه من ورايا هيخلي الكل يعمل اللي هو عايزه، لا لا يمكن هسمح بكده."
ليلفت الناحية الأخرى على صوت السائق يحدثه.
السائق: يابيه، يابيه. وصلنا حضرتك.
قالها عدة مرات حتى نظر له عبد الرحيم ليعيد السائق كلامه.
السائق: وصلنا يا بيه.
لينزل من السيارة مسرعاً متوجهاً إلى منزل زهروان، شقيق زوجته. يدخل المصعد ويضغط زر الصعود. ينظر في ساعته كأن المصعد استغرق ساعات وليست ثوانٍ معدودة. فور توقف المصعد، خرج منه مسرعاً باتجاه الشقة، يدق على الباب ويده الأخرى على زر الجرس.