يشعر بحزن وألم بقلبه على فراق زياد، شقيقه وصديقه الوحيد. كاتم أسراره لسنوات طويلة. ينظر لصور زياد المعلقة في كل ركن من أركان الشقة، وضع وجه بين يديه وأطلق لدموعه العنان. ليرفع رأسه على صوت مناداة والده ينادي على والدته، ليهرول ناحية باب الغرفة خلف زايد أخيه. يجد والدته ممددة على الأرض بالقرب من الباب ووالده جالس جوارها يحاول إفاقتها. زايد: تائه في أحزانه، يود أن يصرخ، يخرج ما بداخله. زاد حقده على أخيه زياد.
يحدث نفسه: "على قد حزني على موتك، إلا أني أتمنى تكون عايش دلوقتي وسلسبيل هنا موجودة ما بينا. مطمن عليها حتى لو كانت بعيد عني. ليه وأنت عايش أنت ما وقفت عقبة في حياتي؟ أخذت حب ماما وحنانها واهتمامها، أبعدتها عني. كتير اتعاقبت منها بسببك، لو بس لمستك زمايلنا بالمدرسة كانوا بيعيرونا بيك. كرهت أي مكان يجمعني بيك. حتى البنت الوحيدة اللي خطفت قلبي، اللي حسيت بأنه رجع للحياة، جت أنت واخدتها مني. حتى بعد موتك، أبعدتها عني."
ليفيق على صوت مناداة والده وصريخه باسم والدته، ليدخل مسرعاً لداخل الغرفة ووالدته ممددة على الأرض وزيدان شقيقه انحنى وحملها على يده وخرج مهرولاً وخلفه والده. لا يزال واقفاً كما هو، عينه مثبتة على تلك الصورة التي على الحائط، يخطو بخطى ثابتة حتى وقف أمامها ينظر لتلك الجميلة. بعد مدة تحرك يجوب الغرفة بعينه، خطى ناحية شيء وقعت عليه عينه.
اقترب منها، مد يده عليها، جذبها بيده، قربها من أنفه، يشتم رائحتها، تنهد بحرقة، وأثناء وضعه بجيب بدلته الأمامي. اتسعت ابتسامته وهو يرى صورة صغيرة على الكومود بجوار السرير تجمعها مع شقيقه، مد يده وأمسكها، بدأ ينزع إطارها وأخرجها ورمى الإطار على الأرض. نظر إليها بحقد، أتى ليمزق الجزء الذي به زياد، تراجع خوفاً من أن يتمزق جزء من يد سلسبيل. قام بثني الصورة لاثنتين، جهة شقيقه وجه سلسبيل.
ليضعها بملابسه، وجه سلسبيل ناحية قلبه وزياد للخارج. ظل وقتاً يبحث بعينه في الغرفة، واقترب من طاولة الزينة بتلمس ما بها حتى توقفت يده على فرشاة شعرها وأمسكها، يخرج ما بها من شعر وفتح جزدانه ووضعها بداخله. لم يعد يقوى، ازدادت رغبته باقتناء متعلقاتها، بدأ يبحث في كل مكان عن أشياءها. اقترب من خزانة الملابس يفتحها واحدة تلو الأخرى حتى وجد ملابسها، ينظر لها، يجذبها إلى صدره، يضمها.
أصابته هستيريا فور وقوع عينه على ملابس نومها، يتلمسها ويجذبها، يضمها، يلعن أخيه كلما تخيلها ترتدي له تلك الملابس. رمى نفسه على الأرض يبكي بقهر ونيران بداخله، يضم ملابسها إلى صدره بقوة، يحدثها كأنها أمامه. "ليه يا سلسبيل؟ هو وأنا لا؟ أنا طول عمري بسمع كلام والدي، تابع له، أعمل ده بعمله، أجوز بنت عمك، أجوزتها. لما قلبي دق وعشقك دون عن بنات الدنيا كلها، تروحي لحد تاني؟ ولمين؟ لأخويا؟
وبعد ما قلت خلاص بعد عنك وممكن تكوني ليا، تروحي تبعدي ومعرفش مكانك؟ هنتي عليا توجعني بالشكل ده؟ نار جوايا وأنا عاجز مش عارف أطمن عليكي." ظل فترة على تلك الحالة ضاماً الملابس لصدره. يقبلها تارة ويضمها مرة أخرى. ليتأفف من صوت هاتفه الذي أخرجه مما هو فيه. ليفتح زر الاتصال، يستمع لصوت والده الغاضب يتحدث بصوت عالٍ. فور فتح زايد الهاتف: الأب: "أنت فين يا زايد؟ وصلنا المستشفى وأنت فين؟
زايد: "شويه وهكون قدام حضرتك، آسف، اضطررت أدخل الحمام ثواني وهتلاقيني قدامها." ليقف ويضع الملابس مكانها ويخرج من الغرفة ويغلقها خلفه ويذهب إلى والدته بالمشفى للاطمئنان عليها. بعد مدة وصل للمستشفى، يجد والده وأخيه وزاهر ابنه يقفون مع أحد الأطباء. ليقترب منهم ليقف مصدوماً مما سمع. الطبيب: "بعملية، آسف إني أبلغكم إن المدام للأسف أصيبت بجلطة ودخولها غيبوبة." ليرى والده ينهار ويبكي بحزن وقهر. حسن:
يجلس بمكتبه بإرهاق، فقد مر يومان ولم يتوصل لمكان سلسبيل. بعد أن يئس من البحث على سلسبيل ليل ونهار، أبلغ الشرطة بمواصفات سلسبيل للبحث عنها بين المفقودين. سأل زملاءها القدامى الذين عملوا معها قبل زواجها، لعل أحد منهم يعرف طريقها. ولم يتوصل لها. وضع
رأسه على المكتب يحدث نفسه: "ما خليتش مكان ما سألتش فيه عليها، كل المستشفيات وأقسام البوليس، اديت نشرة بأوصافها، يارب ساعدني أوصل ليها وأوفي بوعدي لصاحب عمري بأن حفظت على بنته." ظل فترة طويلة على حالته حتى غفى من شدة الإرهاق. أفاق على صوت رنات هاتفه المتلاحقة دون توقف. ليرفع رأسه يشعر بألم في رقبته وصداع شديد. يخرج هاتفه من جيبه، يرفعه أمامه ويفتح الاتصال والسماعة الخارجية. حسن: "الو." المتصل: "كده يا حسن؟
يومين يا بني لا بتتصل تطمنا عليك ولا جيت شفنا. هو مش إحنا ستات وأنت راجلنا الوحيد وملزومين منك." حسن: "بضيق وبصوت موجوع: آسف يا ماما، انشغلت، سامحوني." المتصل: "فيك إيه يا حسن؟ مالك يا بني؟ صوتك كله وجع، طمني يا حبيبي." حسن: "شوية إرهاق بس يا ست الكل." المتصل: "تعال يابني ريح لك شوية وشوف البنات هيجننوا عليك، ونسمة مش مبطلة سؤال عليك ورافضة تاكل من إمبارح حتى العلاج رافضة تاخده." حسن:
تنهد عدة مرات: "خلاص يا ماما، شوية وهكون في البيت، أنا في الطريق." المتصل: "حسن بلاش تسوق وأنت تعبان كده يا حبيبي، تعالي في تاكسي." حسن: "متقلقيش يا ماما، أنا كده كده هجيب تاكسي، أنا مش قادر أفتح عيني، محتاج أريح. سلام بقى، أنا خلاص خارج من المستشفى." قالها وأغلق الهاتف سريعاً وهب واقفاً يخطو بخطى متثاقلة حتى خرج من المستشفى وأشار إلى سيارة أجرة.
وأملى العنوان وصعد بجوار السائق، أسند رأسه للخلف وأغمض عينه من شدة الإرهاق والتعب. سالت دموعه فور أن أتى طيف ذكره مماثلة حين أتاه اتصال تخبره والدته برفض نسمة الطعام بدونه. حسن: "سلام بقى يا صاحبي، كنت حابب أقضي السهرة معاك بس أديك شفت بنفسك أول القصيدة. نسمة وعمايلها." زياد: "ههههههه جالك الموت يا تارك الصلاة." حسن: "بتضحك فعلاً بتقول فيها، بس والله أنا بصلي، بس ليه نصيبي طلع لي."
زياد: "عارف يا حسن، أنا بحسدك، عندك اللي يهتم بيك وبيدور عليك، واللي خايف على زعلك، وفي نفس الوقت عندهم استعداد يعملوا أي حاجة عشان يرضوك. وبرضه وفي الوقت نفسه، هم حياتهم من غيرك ولا حاجة. أنت برضه حياتك من غيرهم ناقصة، بترعاهم وبيراعوك. لو تعرف قد إيه بتمنى أكون مكانك، وكل شوية تليفون يجي وألاقي حد بيطمن عليا ويهتم بيا. أنا خايف أعيش وأموت كده وما ألاقيش اللي يهتم بيا.
خايف في يوم الحضن اللي يضمني ويحتويني هو تراب قبري، وأعيش وأموت كأني ما كنت. حسن متزعلش إنهم كتير، افرح بيهم وبخوفهم واهتمامهم، حلو أوي شعور إنك تكون أول اهتماماتهم."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!