حجم الخط:
18
طيب إيه اللي خلاك توافق على كل اللي إحنا فيه ده وانت عارف إنه كله ظلم وافتري وإني بريئة وعمري ما غلطت.
بكر:
لو ما كنتش عملت ده كانوا جوزوك لواحد من الغفر، ممكن يكون رجب ولا برعي. وهم كلاب سيدهم بينفذوا اللي عاوزه. وأنا ما لقتش حد يقهر روحية وأخليها تموت كل يوم غيرك. انتي جوازي منك أكتر حاجة هتقهرها.
أحلام:
بزهول، اتجوزتني عشان تنتقم منها؟
بكر:
لا، عشان ننتقم منهم أنا وانتي. ننتقم من روحية والصافي وشفيق وسميحة.
أحلام:
أنا محتاجك جنبي، وانتقامي منهم مش هيتم إلا بوجودك معايا. سميحة بتكرهك وبتغير منك ومن جمالك، وروحية نفسها بتغير منك.
أحلام:
معقول الكلام ده؟
بكر:
أيوه، وأكتر من كده. ياما حكتلي عنك وعن شطارتك وحاجات كتير أوي.
أحلام:
بس إزاي عرفت إنهم هيجوزوني غفير، وإزاي العمدة وافق على كده؟
بكر:
من شفيق، هو اللي طلب مني أجوزك عشان يضمن إنك...
أحلام:
مش فاهمة، إن إيه؟
بكر:
إنك تكوني بأمان وإني ما ألمسكش، وبعد فترة آخدك ونبعد عن البلد ونطلق، وبعدها يجوزك.
ويهرب روحية بره البلد بعد ما يضمن ورثه من أبوه، زي ما قاله إنه هيكتب له أرض وهيمله المشروع اللي عاوزه.
أحلام:
يعني كل همه الورث والأرض؟ ما همهوش الفضيحة واللي حصل لأبويا.
بكر:
شفيق طماع، عاوز يكوش على كل حاجة. وبيحبك. وأول ما حصل اللي حصل شيع ليا واتفق معايا إني ألحقك وأعترف قدام أبوكي إني أنا وانتي بنحب بعض ودي مش أول مرة نتقابل وحصل ما بينا.
أحلام:
سكت ليه؟ قلت لبابا إيه؟
بكر:
قلت له كل اللي قاله عليه شفيق.
أحلام:
انطق، قلت إيه تاني.
بكر:
أنا وريته دليل.
أحلام:
دليل إيه؟ انطق، فهمني. إيه هو اللي شافه بابا كسرني بالشكل ده.
بكر:
دليل إنك مش بنت وإني أنا وانتي زي المتجوزين، وإن شفيق كان جاي يقابلك. تقبلي قرشين وتعملي عملية.
أحلام:
بانهيار صرخت به، تضربه بيدها على صدره ووجنتيه.
عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟
بكر:
مسك إيدها.
أنا حكيت لك كل اللي حصل. ممكن ما كنتش عرفتك حاجة وسبتك على غماكِ، بس أنا عاوزك تعرفي إني غيرت الخطة وهنتقم منهم كلهم. وده مش هيتم غير لو اتفقت أنا وانتي.
أحلام:
أنا عاوزة انتقم منكم كلكم، انت وشفيق وروحية. ربنا ينتقم منكم. اخرج بره، مش عاوزة أشوف وشك. منك لله، كنت شهدت شهادة حق وقلت محصلش الكلام ده بدل ما فضحتني قدام أهلي وخلّيت أبويا يغضب عليا. منك لله يا شيخ، منك لله.
بكر:
بغضب.
كلكم زي بعض، بترمي الاتهام على غيركم. شفيق يقول أبويا والأرض والفلوس، وروحية تقول هيقتلوها والورث. وانتي زيك زيهم، ما فرقتيش عنهم. عاوزة مصلحتك إيه؟ خلاكي توافقي تقبلي شفيق في حتة مقطوعة وفي الضلمة؟ ويا ترى كام مرة لمسك فيهم؟ ما سألتش نفسك إيه اللي خلى أبوكي يصدق إنك مش عفيفة وإني نمت معاكي؟ عشان وصفت جسمك حتة حتة قدامه هو وأمك اللي مقدرتش تنكر كلمة أنا قلتها.
أحلام:
انت بتقول إيه؟ حصل ده إزاي؟ امتى شفتني عشان توصف جسمي؟
بكر:
باستهزاء.
قولي إنتِ كام مرة غيرتي قدام روحية، وكام مرة وصفتك ليا؟ أنا حافظك أكتر ما إنتي حافظة نفسك.
_______
عادت أحلام من ذكرياتها على صوت بكاء طفل صغير.
سلسبيل:
ببكاء. خالتي، البنت عايزة تتغير وما جبتش ليها أي غيارات.
أحلام:
مسحت دموعها. وقفت. أنا جبت ليها من الصيدلية كل حاجة تلزمها. خليكي إنتي وأنا هغيرها.
سلسبيل:
أومأت برأسها وشكرت خالتها. يااه يا خالتي، إنتي اتظلمتي كتير أوي.
أحلام:
تعالي، افردي ضهرك شوية عشان أغير لك على الجرح.
سلسبيل:
حاولت النهوض، شعرت بدوار خفيف، لتجلس مكانها مرة أخرى.
أحلام:
وضعت الفتاة على السرير وخرجت لسلسبيل.
سلسبيل يا سلسبيل، مالك في إيه؟
سلسبيل:
مش عارفة، روحي مسحوبة ومش قادرة أقف. حاسة إني هقع لو وقفت وبردانة أوي.
أحلام:
اقتربت منها ووضعت يدها على جبينها.
أحلام:
إنتي جسمك قايد نار. تعالي، اسندي عليا. هدخلك تنامي على السرير لحد ما أروح أجيب دكتور من المستشفى وأجي بسرعة.
سلسبيل:
ما تسبينيش يا خالتي، أنا حاسة إني خلاص بموت.
أحلام:
متقوليش كده، إن شاء الله هتخفي وهتبقي كويسة. إنتي بس دايخة من قلة الأكل وما خدتيش علاجك. هعمل لك كمادات وأحضر لك حاجة تاكليها وهتكوني عال العال.
سلسبيل:
أصبحت لا تقوى على النطق، عيناها زائغة، جسدها ينتفض مع وضع أحلام الكمادات على جبينها. تهتف باسم زياد بين شفتيها.
أحلام:
قلبها يدق بعنف، عيناها تفيض بدموع حسرة على حال ابنة شقيقتها. أحست بانتظام أنفاسها، وضعت يدها تتحسس حرارتها، وجدتها كما هي. قامت مسرعة، جزبت حجابها ومفتاح المنزل وخرجت مسرعة. عادت بعد مدة تلهث ومعها طبيب شاب. سمعوا صوت بكاء طفل صغير.
___________________
دخلت أحلام وخلفها الطبيب، وجدوا سلسبيل تحاول النهوض.
أحلام:
سلسبيل، بتعملي إيه؟
سلسبيل:
بصوت يكاد يسمع. البنت كانت بتبكي، كنت بسكتها بس مقدرتش أرضعها.
الدكتور:
ممكن تساعدني أكشف عليها.
أخرج الطبيب أدواته وبدأ في الكشف وقياس حرارتها، حتى جرحها قام بمعاينته.
الدكتور:
خرج من الغرفة بعد الانتهاء من الكشف. أخرج ورقة وكتب عليها أدوية كثيرة.
أحلام:
دثرت سلسبيل جيداً وخرجت للطبيب.
أحلام:
طمني يا دكتور، الحالة إيه؟
الطبيب:
اطمني يا مدام، الحمد لله. دي حرارة عادية، لكن لو أهملتم في العلاج ممكن تتدهور. أنا كتبت لها محاليل وحقن ومسكنات، ونظام غذائي تمشي عليه. إن شاء الله هتستعيد عافيتها، ولبن للطفل، وممنوع ترضعها طول ما حرارتها عالية. وأنا همر عليها مرة تانية.
أحلام:
متشكرة يا دكتور، تعبتك معايا.
الطبيب:
في حد يديها الحقن ولا أبعت لها ممرضة من المستشفى؟
أحلام:
أنا بعرف أدي حقن وأعلق المحلول.
الطبيب:
شرح لأحلام طريقة إعطائها الدواء ومواعيده ورحل. دخلت أحلام غرفة سلسبيل، وجدتها نائمة، لتخرج تحضر الدواء وعادت سريعا. وضعت المحلول بعد تجهيز كل ما قاله الطبيب بيد سلسبيل.
اطمأنت بسريان المحلول بوريدها وخرجت تحضر اللبن للصغيرة التي أصبحت تبكي من الجوع.
أحلام:
ممسكة ببرونة اللبن، تقوم بتبريدها. حملت الصغيرة على يدها ترضعها، تجلس على حافة السرير. تنظر إلى الصغيرة على يدها، تنهدت بحزن. لو كان عاش كان زمانه ابن عشرين سنة، كان زمانه راجل ملو هدومه. عادت بذكرياتها.
______
عادت مرة أخرى لذكرياتها.
ظلت أحلام جالسة كما هي تفكر في كلمات بكر. عينها على الباب، تتذكر كم مرة أتت روحية لها بملابس جديدة تطلب أخذ رأيها فيهم، وكم مرة ألحت عليها قياسهم أمامها، حتى ملابس النوم كثيراً ما ألحت عليها. أغمضت عينيها تبكي بحسرة. قلبها حزين على تلك الثقة التي أعطتها لصديقة خائنة غدرت بها.
لازالت على تلك الحالة حتى سمعت غلق باب المنزل.
رفعت رأسها لأعلى، تكاد لا ترى شيئاً من تلك السحابة التي على عينها.
نهضت أحلام من على سريرها، خرجت من الغرفة ودخلت الحمام، توضأت وخرجت تصلي الفجر، تدعي ربها في الوقوف بجوارها.
أنهت صلاتها بعد أن أحست براحة شديدة داخل قلبها. عزمت على تحقيق ما اهتدى إليها قلبها. دخلت المطبخ وبدأت تفتح كل علبة تتعرف على محتوياتها. نظفته ورتبت بشكل جميل ومنسق. أعدت فطوراً وأشعلت الموقد وشرعت في تحضير الشاي.
أنهت كل شيء ووضعته على صينية وخرجت للصالة. وضعته على طاولة وجلست تنتظر عودة بكر من المسجد.
بعد فترة طويلة دخل بكر منزله، وجد أحلام غافية وهي جالسة على الكرسي ويدها متكئة عليها، وأمامها صينية بها طعام وكوبان من الشاي.
بكر:
ابتسم عند رؤيتها. وقف قليلاً ينظر لها. أفاق من شروده على نغزة في قلبه.
اقترب بكر من أحلام، وضع يده على كتفها.
أحلام.
أحلام:
قامت مفزوعة. إيه؟ في إيه؟
بكر:
صباح الخير. نايمة كده ليه؟ قومي ارتاحي في فراشك.
أحلام:
أنا حضرت الفطار وأنت اتأخرت. غفيت وأنا قاعدة.
بكر:
كان عندي مشوار مهم، خلصته ورجعت على طول. أبلغك إني راجع شغلي من النهاردة. لو عاوزة تروحي بيت أهلك ولما أرجع آخر النهار هعدي عليكي نرجع سوا.
أحلام:
بغصة في حلقها. المدرسة. أنا عاوزة أرجع المدرسة.
بكر:
ببعض الرقة حاول أن يتحدث.
أحلام، أنا لو عليا هخليكي تروحي المدرسة، بس جوازنا المفاجئ وكثير من صحابكم عارفين. روحية ممكن تؤذيكي بالكلام. أنا بقول ذكري بالبيت وروحي على الامتحانات، واللي يصعب عليكي أنا هذاكره لكِ.
ودلوقتي حضري نفسك، هوديكي معايا على بيت أهلك لحد ما أرجع من الشغل وتجيبي كتبك.
أحلام:
بكر، مش هتفطر؟
بكر:
بابتسامة لأول مرة يسمعها تنادي عليه. التفت لها. هعمل شاي بدل اللي برد. تكوني غيرتي هدومك.
أومأت أحلام برأسها وذهبت تبدل ملابسها. بعد قليل خرجت، وجدت بكر أعد الشاي. بدأوا بتناول الفطور. بعد وقت من الصمت، كل شارداً في حاله.
بكر ممسكاً بكوبه، يرتشف منه ببطء شديد، حتى تساقطت قطرات منه على فمه إثر ارتشافه رشفة طويلة جعلته ينتفض من سخونتها.
أحلام تنظر إلى لا شيء، ممسكة بقطعة خبز، تقدم منها قطعة صغيرة تلوكها بفمها ويدها ممسكة بالباقي، تضعها أمامها تفكر في حالة بكر وما قاله لها. داخلها تتلمس له الأعذار، ولكن تتذكر ما فعله واتفاقه مع شفيق، وما فعله معها واعتدائه عليها. تضيق عينها كأنها تتحدث مع شخص آخر، وتقسم بداخلها أنها سوف تستغل عذاب ضميره وتنتهاز الفرصة وتتقرب منه، وتعلم كل شيء حدث بينه وبين روحية لتبدأ في الانتقام منها، وبعدها تتفرغ لشفيق وله.
لتفيق من شرودها على صوت سعال شديد، لتنتفض وهي تنظر إلى بكر بخوف، وهي تراه يدمع ويسعل ويضرب على صدره بيده. لتقترب منه ممسكة بكوب ماء تعطيه له.
أحلام: أشهد أن لا إله إلا الله. اشرب شوية ميه والشرقة هتروح.
بكر تناول منها الكوب بيده، وسم الله، ارتشف منه قليلاً، ووضع الكوب أمامه، ورفع عينه لها لتلتقي عيناه العسليتان الصافيتان بعينها السوداء الذابلة.
بكر: يبتعد عن الطاولة ويهب واقفاً، يتحمحم من شدة سعاله، يتحدث:
الحمد لله، أنا شبعت. تسلم إيدك.
أحلام: أبعدت عينها عنه، لا تعلم ما سر تلك النظرة التي رأتها بعينيه، لتخفض نظرها بعيداً وتقف هي الأخرى.
هدخل الأكل ونمشي على طول.
أومأ بكر وهو ينظر في أثرها، يتنهد بحزن وقلب ممزق، وحبات العرق انتشرت على جبينه، يهمس:
ياترى هتسامحني بعد اللي هيحصل.
أحلام: انتهت من تبديل ملابسها، وقفت أمام المرآة تنظر بها، تحدث نفسها:
قلبي بينغز عليا، حاسة في حاجة مش طبيعية، شكل بكر وكلامه ونظرة عيونه.
لتفيق على صوت مناداة بكر عليها، لتخرج متحدثة:
يلا بينا، أنا خلصت.
بكر:
عاوز أقولك على حاجة، مهما قابلنا ناس واتكلموا، ولا تردي.
أومأت أحلام برأسها وخرجت من المنزل خلف بكر. أغلق بكر الباب وأعطى لها المفتاح.
دي مفتاح البيت، خليه معاكي، وأوعي تضيعيه. مهما حصل يفضل معاكي، البيت ده ليكي فيه أكتر ما ليا.
أخذت منه وصارت بجواره شاردة، بيعمل له كدة وإزاي بيقول البيت ليا فيه أكتر، يا ترى بيفكر في إيه يا بكر. لتشرد مرة أخرى وهي تتنفس نسيم الصباح، تتذكر الأيام الماضية وهي تمر من نفس الطريق ذاهبة للقرية المجاورة لمدرستها، لتنظر له وهو يخطو بجوارها رأسه منكسة لأسفل. فور اقترابه من أحد الكباري الفاصلة بين القريتين، تتساءل:
يا ترى هيعمل إيه؟ أنا كنت حابة أرجع المدرسة وأبدأ أنتقم منهم واحد واحد. هعمل إيه وليه؟ هيوديني بيت بابا، لا هعرف أروح ولا هاجي. لو أفهم إيه اللي في دماغه كنت ارتحت. كل اللي خططت له راح، بس لا لا يمكن أستسلم، هنتقم منهم يعني هنتقم منهم، وروحية الأول وسميحة، وبعدين بكر شفيق، هعرف آخد حقي إزاي.
لتكمل الطريق شاردة في مخططها، دون الالتفاف أو التركيز في طول المسافة، حتى فاقت على صوت:
بكر:
وصلنا، تعالي ندخل.
أحلام: باستغراب وهي تنظر حولها، لتجد نفسها أمام المستشفى الخاص بالقرية المجاورة لقرية بكر.
وصلنا فين؟ إحنا جينا المستشفى إزاي وإمتى؟
بكر:
شكلك كنتي سرحانة، مشيتي معايا مركزتيش في الطريق. تعالي ادخلي وانتي هتفهمي كل حاجة.
أحلام دخلت خلفه بعد طرق الباب، لتتفاجأ مما رأت.
دخلت أحلام خلف بكر لتشهق وهي ترى والدها ممدداً على السرير، وجهه شاحب، وهناك قناع الأكسجين على أنفه، لتهرول تجاه والدها فور أن أشار لها، ترتمي بأحضانه، تقبل يده ورأسه، دموعها تتساقط على يد والدها وهي تقبلها.
أحلام:
سامحني يا بابا، والله أنا مظلومة، ما عملتش حاجة. والله ما غلطت ولا عملت حاجة غلط غير أني صدقت كلام روحية، والله عمري ما عملت حاجة غلط، أنا تربية إيدك، سامحني أبوس إيدك.
الأب: انتي غلطتي لما خبيتي علينا، وكنتي بتكدبي على أمك وتقولي رايحة لصاحبتك. غلطتي في حق ربنا وحقي أنا وأمك وفي حق نفسك. عرضتي نفسك وعرضتينا للإهانة والذل، فضحتيني وأنا اللي طول عمري ماشي بما يرضي الله. خيبتي ظني بيكي، كسرتي جوايا حاجات كتير أوي. خلتني أندم على الحرية اللي عطيتها لك. ثقتي فيكي خلاص راحت. لو كنتي جيتي حكيتي لوالدتك أو ليا كان حاجات كتير اتغيرت.
شهقاتها العالية نيران واندلعت بداخله، تلك الرعشة التي انتابتها جعلته يقترب منها دون شعور منه، ليلف يده حول كتفها ويخطو بها عدة خطوات ليجلسها على حافة السرير جوار والدها.
بكر: يجلي صوته محمحماً.
أنا آسف إني هدخل في الكلام وعتابك لها يا عمي، بس راعي أنها لسه صغيرة. وفرحت بالكلام، وحضرتك عارف إن سنها ده من السهل أي حد يلعب بمشاعرها، والكلام أشد من السحر لما يجي من صديقة وتثق فيها، وكله معاها عيش وملح ليل ونهار معاها، تحكي لها وتتحكى على حب ابن عمها ليها، أكيد هتصدق وتثق في كلامها. أنا مش هنفي غلطنا إحنا الاتنين، أنا كمان غلطت أكتر بكتير، بس القلوب ما فيش عليها سلطان، بتلغي تفكيرنا وبتحولنا لمغيبين، بنمشي وراها بنفكر بيها وبنلغي عقولنا لدرجة أننا بنبقى شايفين الغلط وعارفين إنه غلط، لكن عنينا معمية عنه. بنفكر بس بده، ولما الغشاوة تشال من على عنينا بننصدم بمرارة وحنضل الفكر، بنلغي كل حواسنا والعقل هو اللي يتحكم فينا لدرجة تخلينا مكنة مالهاش أي مشاعر وأحاسيس، كل اللي بنهتم بيه إزاي ناخد حقوقنا أو نستمتع بكل حاجة حواليه على حساب كتير غيرنا، المهم إحنا وبس. قالها بضحكة ساخرة. كتير ظهرت قدامنا حقايق وأفعال ترجعنا، بس لا كنا شايفين ولا سامعين. متلومهاش على اللي مش في إيدها، لومها لو ضيعت حقها وضعفت ومتتعلمش من اللي حصل ليها. علمها من الأول وعرفها إن الضربة اللي ما تموتش توجع وتقوي. علمها تاخد حقها بإيديها وبكل ما فيها من قوة وعزم، ما تقفش تتفرج على اللي ظلموها وتقول هنتقم وهاخد حقي.
أحلام تنظر لبكر وهي مش مستوعبة ما يقول، كلماته تنزل عليها كالصاعقة، تود أن تضربه بكل ما أوتي لها من قوة، فهو أيضاً من ضمن من ظلموها، حتى أنها كلماته بطلب والدها بتعليمها كيف تأخذ بثأرها ممن ظلموها.
تقترب والدتها منها، تزيح دموعها بيدها من وجنتها.
أمها: وهي تبتسم بوجهها وتتلمس وجنتها الشاحبة.
دموعك دي معادش عاوزة أشوفها. اللي حصل حصل، إحنا عرفنا الحقيقة وبكر راجل جه من كام يوم وفهمنا كل حاجة، وحقه نفسه قدمنا، وأبوكي سامحه لأنه قال كل حاجة حصلت، حتى اتفاق شفيق معاه، وكمان قال على تعبك الكام يوم اللي فاتوا، وأنه اتأخر في زيارته لينا عشان ما يسبكيش لوحدك، وهو اللي نقله هنا ودفع كل مصاريف العلاج من جيبه بعد ما كنا في مستشفى البلد اللي كل اللي بيعملوه يعلقوا له محلول ومحدش عارف عنده إيه. سامحي بكر يا بنتي، وقّفوا مع بعض وخدوا حقكم، بس من غير ما تغضبوا ربنا. خلوا اللي حصل ده درس ليكم من غير ما تغضبوه، وأنا يا بنتي مسامحاكي.
لترتمي أحلام في أحضان والدتها، تتمسك بها بشدة حتى أفضت بكل ما بداخلها، لتخرج من أحضان أمها، تقبل يدها، وتلتف لوالدها من غير أن تتحدث بكلمة، انحنت تقبل يده، ووقفت واتجهت بجوار بكر، ومدت يدها له.
أحلام: تعاهدني قدام ربنا وأهلي إنك تقف جنبي وتساعدني في أخد حقي من اللي ظلموني.
بكر ينظر إلى والديها، يبلع ريقه بصعوبة، أومأ برأسه ومد يده لها.
أعهدك قدام ربنا وأهلك إني هقف جنبك بما يرضي الله، من غير ما آجي عليكي ولا على حد، وعهد إني ما أغصبكيش على حاجة، لكن طول ما انتي مراتي وعلى ذمتي مسؤولة مني. وتعليمك هساعدك تخلصيه، وبعدين تعملي وتختاري اللي انتي عاوزاه، تنتقمي وتاخدي حقك، وشهادتك في إيدك.
لتومئ له برأسها بالموافقة، وتجلس مرة أخرى بجوار والدها حتى انتهاء موعد الزيارة، وترحل من غرفة والدها.
يخرجا سوياً، وبعد نزولهم الدرج، تري خروج أحد الأشخاص من غرفة قريبة منه، لتقف مكانها تنظر في أثر هبوطه الدرج.
أحلام: هو العمدة ده ولا أنا بيتهيأ لي؟
بكر: أيوه هو، بتسألي ليه؟
أحلام: تشير على الغرفة التي خرج منها. أصل أنا شفته خارج من هنا.
بكر: ما هي دي أوضة سميحة أخت روحية، بعد ما الكارثة اتقلبت بيها. أنا عرفت يوم ما نقلت والدك هنا وشفت العمدة وأمها وهما بيدخلوا عندها، وسألت الممرضة وعرفت منها كل حاجة.
أحلام: بفرحة التفتت له.
أنا عاوزة أدخل ليها الأوضة وأشوفها بنفسي. في كلمتين عاوزة أخرجهم من جوايا.
بكر: بلاش يا أحلام، ربنا أخد حقك منها، بلاش تشمتي في المرض.
أحلام: متخافش، أنا عارفة ربنا كويس أوي، بس أنا عاوزة أشوفها ودي فرصة مش هتتكرر مرة تانية.
بكر هم يعترض، لتقاطعه أحلام.
انت عاهدتني إنك هتساعدني.
بكر: استسلم لها وأشار لها بالدخول، بعد أن تأكد من وجود سميحة لوحدها بالغرفة.
دخلت أحلام تنظر بعينها للنائمة على الفراش، ويداها وقدماها معلقتان، وهناك ضمادة على عينها اليمنى. اقتربت منها للحظة قررت الرحيل، ولكن عادت برأيها وابتسمت بسخرية وهي تستمع لكلام سميحة.
سميحة: جاية ليه يا خطافة الرجالة؟ وعرفتي تدخلي هنا إزاي؟ سابوكي تدخلي المستشفى إزاي؟ وأنتي آخرك تشتغلي تمرجية زي أبوكي.
لتضغط أحلام على أسنانها واقتربت منها وانحنت قليلاً بالقرب منها.
أنا كنت هخرج من غير ما أكلم بعد ما صعبتي عليا وأنا شيفاكي متربطة من كل حتة، وقلت ارحموا عزيز قوم ذل، ولكن انتي بقى اللي طلبتيها وهتنوليها. خطافة الرجالة هي أختك روحية، عارفة هي فين دلوقتي وبتعمل إيه ومع مين؟ عارفة كل كلمة قولتيها مهزتش فيا حاجة، لأن ربنا اسمه العدل. في الوقت اللي كنتي بترمي ورق الشجر والطين وشماتك فيا وتلقيحك عليا، قد إيه مسكت نفسي متهورتش، وقتها أنا قلت يارب خد حقي، قلتها وأنا بكوي من جوايا من القهر والحزن. سبحان الله، ما مرش اليوم إلا اللي حصلك ده، اتحقق والكارثة اتقلبت بيكي، اللهم لا شماتة. بس ده ولا حاجة من اللي هقوله لك. عارفة روحية فين دلوقتي؟
سميحة تنظر لها بعينها السليمة، تسمع لكل كلمة وتكز على أنيابها، تود أن تمسك بأحلام تفتك بها. ل تنتفض وتصرخ بصوت زلزل الحجرة، وأحلام تلقي بكلماتها.
أحلام: لو عليتي صوتك أكتر من كده مفيش حد هيسمعك. عارفة روحية فين ومع مين؟ روحية اتجوزت شفيق ودخلتهم النهاردة.
سميحة بصدمة: أنتي كدابة، عمي وأمي كانوا هنا، إزاي هيكون فرح ولادهم ويجوا عندي؟ ههههههههههه ضحكة رنانة دوت بالغرفة وهي ترد على سميحة. طيب ليه أمك مشيت ومقعدتش معاكي؟ ولا ليه روحية ما زارتكيش معاها؟
لتقف عند الباب وتلتفت لها.
اتبلتي عليا واتهمتني ظلم وهنتِ أبويا، شوفي أنا ربنا نصرني واتجوزت والكل عارف مين بكر وأخلاقه وهو ابن مين، وأنتي بصي لنفسك والطعنة جاتلك منين، فعلاً إن ربك لبال المرصاد.
لتخرج أحلام من الغرفة وتغلق الباب خلفها وسط صرخات سميحة. لتشير لبكر دون أن تتحدث وتسرع في خطواتها، تعدوا خارج المستشفى حتى وصلت لمنزل بكر. وطوال الطريق صامته، حتى بكر لم يقوى على التحدث إليها وهو يستمع لهمهماتها وصوت أنفاسها العالية. لتفيق أحلام من ذكرياتها على صوت بكاء الصغيرة ومناداة خافتة باسمها.
استغفروا الله لعلها تكون ساعه استجابه .
ابق قريبًا من جديدنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!