الفصل 63 | من 87 فصل

رواية زهور بنت سلسبيل الفصل الثالث والستون 63 - بقلم منى عبدالعزيز

المشاهدات
19
كلمة
1,728
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

زهور ممددة على الأرض تقوس قدميها وتضم يدها محتضنة عدة ورقات تتمسك بهم بشدة. تئن بصوت متحشرج من البكاء. يهرع إليها الواقف بخوف وذهول من حالتها. يجثو أمامها ينادي عليها. الشاب: زهور زهور فيك إيه؟ إيه ال حصلك؟ وفين إمي أحلام؟ فهميني ليه بتعيطي؟ عملت فيها إيه يا حيوان انت؟ قالها وهو ينظر تجاه عبد الرؤوف، الذي ينظر له بغضب على نعته بالحيوان. زهور: فتحت عينها للمتحدث. اعتدلت تحدثه بصوت ضعيف من بين شهقاتها.

زهور: خالي وائل، شفت ال حصل؟ طلع مظلوم. مسبنيش زي ما كنت فاكرة. طلع ميت وأنا ال كنت بستنى اليوم ال هقبلله فيه. وائل: هو مين اللي طلع ميت؟ فهمني وإيه الكلام ده؟ يلتفت حوله. جيتي إزاي لهنا؟ وأمي أحلام فين؟ ومين البنى آدم ده؟ زهور: أبويا طلع ميت. زياد ال فضلت سنين طويلة بتهمة إنه رماني طلع ميت. ومش بس كده، ده مات من بعد أمي ما سيبته. عارف يعني إيه؟ وائل: بحزن ينظر لها وحالتها المزرية بشفقة.

وائل: اهدي يا حبيبتي وفهميني. وحدة واحدة. زهور: بحسرة. من وقت ما وعيت على الدنيا وأنا بتهم بأبشع الاتهامات. ومش بس كده، كنت بلعنه وبحقد عليه. ولما الدنيا كانت تضيق بيا كنت بدعي عليه دعوات. بعد ما بفوق كنت بترعب إن دعوة منهم تتحقق. زهور: وفي الآخر طلع ميت. تعتدل في جلستها. زهور: فاكرة مرة قلت لي إن حالنا زي بعض؟

انت مشفتش ابوك ولا أنا أنت معرفتوش، بس حبيته وفخورة بيه من كلام الناس عنه وعن أصله وأخلاقه الطيبة ورجولته وشهامته وحب الناس ليه. كلام والدتك وستي أحلام عنه. وقتها انت قلت إيه؟ كنت تتمنى لو فضل عايش. فاكرة يومها قلت إيه؟

بالرغم إن ال عرفته عن ظروف ولادتك والحقيقة الصعبة ال عرفتها، إلا إنك مش زعلان منه. انت فخور إنك ابن راجل محترم وجدع متخلاش عنك وكتبك بإسمه. منكرش فعلته وهرب ولا اتبرا منك. بالعكس، ده ضحى بكل حاجة وبروحه وفضل إنه يتسجن ويتهم بتهمة بريء منها عشان يحافظ على سمعة الإنسانة اللي حبها وعشان الناس وكلامهم ومتعيش ذليل وتتوسم بعار هيفضل ملازمك العمر كله. لتكمل ببكاء وهي ترفع الخطاب بيدها.

زهور: أنا بقى سمعت بودني قد إيه أبويا كان طيب وحنين. قد إيه ابن بار بأهله. وكان بيحب أمي لدرجة إنه مستحملش إنها تبعد عنه. مات من حزنه على فراقها. قريت ال كتبه بعيوني. كلام يدخل القلب على طول. كلام تحس بكل كلمة تقرأها إن شاعر ب يوصف حبه لحبيبته. منسنيش في كتاباته. حتى إنه طلب مني أسامحه ووصاني بوصية صعبة عليا أوي. وصاني إني أترحم عليه.

لتنهار وتبكي بهستيريا وتنظر لوائل بعيون جاحظة تكاد تخرج من مقلتيها. تضربه على صدره وتصرخ به. زهور: انت إزاي تدوس برجلك على الورق ده؟ انت مش بتشوف؟ حرام عليك؟ دي آخر ذكرى ليه؟ هي دي كل اللي ليا منه؟ لتدفعه وتبعده عن الأوراق وتقوم بجمعها وتنفضها بيدها تذيل ما علق بها من أتربة. تصرخ به بهستيريا وهي ترى عبد الرؤوف يقترب منها وكاد يضع قدمه على إحدى الأوراق التي تحتوي على إحدى رسوماتها له.

ليتوقف من شدة صرخاتها. ينظر لها بهلع وهي تحبو على يدها وتجذب الأوراق والرسومات المنثورة بالغرفة وهي تبكي بنحيب. زهور: سامحني يا بابا. سامحني. لتنظر لهم وتصرخ بهم. زهور: أخرجوا بره. مش عاوزة حد فيكم هنا. لتنظر لهم وهم لا زالوا متسمرين مكانهم. زهور: قلت أخرجوا برة. مبتفهموش الكلام ليه؟ عاوزة أكون لوحدي. لتصرخ مرة أخرى بصوت موجع. زهور: سيبوني مع نفسي ومع ذكريات أبويا. سيبونا لوحدنا.

ليخرج عبد الرؤوف وخلفه وائل مغلق الباب خلفه. زهور ممسكة بإحدى رسوماتها ترفعها لأعلى. تحدثها وهي تجفف دموعها. زهور: سامحني. متزعلش مني. مكنتش عارفة إنهم ها يدوسوا على صورتك. سامحني. وأوعدك. أنا هنفذ كل كلمة كتبتها في وصيتك. هكون قوية زي ما قلت لي. هاخد حقي من كل اللي ظلموني وظلموك. مش بس كده، هروح بنفسي لعائلتك وأوجههم. بس قبل كل ده، هدور على سلسبيل وأعرف باقي الحقيقة منها. ووقتها بس، هروح وأنا زهروان زياد الغمراوي.

زهروان ال هتاخد بتارها من كل حد جرحها. ومش هنسى حسابي الطويل مع سلسبيل. لتضم الصورة لصدرها وهي تمحو خط من الدموع يسيل على وجنتها.

زهور: وبحق حضنك اللي اتحرمت منه وقد إيه مشتاقة ليه. ما هسيب حقي أبدا. ومرة تانية بوعدك. لا أترحم عليك كل لحظة طول ما أنا عايشة على وش الدنيا. ولا أدعي ربنا بصلاتي إنه يجمعني بيك. حتى لو كنت في نار جهنم. مع إن متأكدة إن واحد ب حنيتك وطيبتك وال قريته بخط إيدك يدل إنك في الجنة ونعمها. ويارب يجمعني بيك تعوضني عن سنين بعدك عني. بس أعرف حكاية سلسبيل. وقتها بس، لو مت وكنت جنبك، هموت وأنا أسعد إنسانة بالدنيا. وقتها هزعل ليه؟

ما أنا هكون بحضنك ال اتحرمت منه سنين. تجمع الأوراق وترتبها وتزيح دمعاتها التي تتحرج بدون شعور منها. وتهب واقفة وتجذب حقيبتها من على الأرض وتجلس على الفراش. تفتح تلك المذكرة التي خطها لها بيده وتبدأ بقراءتها. بسم الله الرحمن الرحيم. حبيبتي ألآن أبدأ بسرد حكايتي من أنا حتى تعلمي كل شئ عن والدك من هو، كيف عاش، ما احب وما كره، متى عشق ولما إبتعد عنك. أروى لك، برعمتي، كل ما مررت به من يوم مولدي حتى آخر نفس التقطته.

وأنت بعيدة عني. أنا زياد الغمراوي. اليوم أكملت عامي الخامس والعشرون. ولكن لو حسبت الأيام بسعادة، فعمري ساعات أو بالادق أيام. ولو حسبت بالحزن، فعمري سبعون. ولو حسبت بالخذلان، فعمري يعتبر ملايين السنين. أنا الفتى المدلل كما يعتقد الجميع. لكن أنا منذ نعومة أظافري أتحمل مسئولية جبال عاتية. نعم صغيرتي، لا تتعجبي!

فانا كنت أصغر أخواتي. ولدت بعجز في يدي اليسرى وتشوه في جسدي. لدي حدبة بظهري يشمئز منها أقرب الناس إلي. لكن أمي الغالية لم تشعرني أبدا بعجزي. ولدت في عائلة ثرية. والدي من أشهر رجال المعمار والبناء في البلد. صاحب أكبر شركات الهندسة. مجموعة شركات الغمراوي جروب للانشاءات الهندسية المعمارية.

لدي أربع أخوة أكبر مني. ولدين وبنتين. لم ترتبط بينا علاقة أخوة على عكسهم، هم مترابطين وصداقتهم قوية. لم أشعر بحنان الأب كما كنت أعتقد. سوف أخبرك بكل شئ بوقته. لا تتعجلي. كانت أمي هي كل عالمي. عندما يسخر مني أحد الأولاد بالمدرسة كانت هي ملجأي. في عمر السادسة توفى زوج خالتي وأصبحت وحيدة وليس لها أولاد. طلبت من أمي إحدى شقيقاتي لتمكث معها وتراعيها. أبي رفض بشدة.

ولكن قال لها: "خدي زياد لو تودي". وافقت خالتي. وكان ذلك طوق نجاتي. مكثت مع خالتي. وتأتي أمي لزيارتي كل أسبوع. تصطحبني معها لقضاء يومي الخميس والجمعة مع أشقائي. حتى لا يحدث فجوة كبيرة بيننا. لكن كانوا يمروا علي بصعوبة بالغة. فقد تعودت على خالتي وحنانها ودلالها. تعودت على حكايتها قبل النوم. فكثيرا كنت أتصل بها تقص علي إحدى قصصها حتى أستطيع أن أنام. وحبها عوضني كل شئ. قامت بتحفظي القرآن، تعلمي الصلاة. لم تشمئز يوما من تلك الكتلة بظهري.

علمتني دعاء أقوله وقت الحزن. كيف أدافع عن نفسي ببعض كلمات حتى مع أخواتي وأبي. كانت توصلني إلى المدرسة كل يوم. تعرفت على صديقي الوحيد حسن. شجعتني أن أقوي علاقتي به. للاسف، بسبب إعاقة يدي لم أدخل مثل أشقائي كلية الهندسة التي تعتبر معبد ومحراب لأبي. فهو يود أن يصير كل أفراد العائلة يعملون بشركاته. وجميع العائلة يصبحوا خريجي هندسة.

شجعتني خالتي أدرس إدارة أعمال. ولا أحد يعلم بذلك من العاملين بشركات أبي. فكما الأموال تورث، فالألقاب بعائلتي تورث. أصبحت بلا تعب ألقب بالمهندس زياد. أصبح يلازمني ذلك اللقب الذي مثل الطوق حول عنقي. درست إدارة أعمال وتفوقت بها. كل ذلك بتشجيع من خالتي. حتى أستطيع إدارة أملاكها. وهي عبارة عن فندق كبير تملكه خالتي وبازار سياحي ومركب سياحي. وكثير من الأراضي ومحلات بيع الأزهار. طوال تلك السنوات وأنا على نفس المنوال أعيش مع

خالتي. ليس لي أصدقاء سوى حسن صديقي. بعيد كل البعد عن أشقائي. لكن شقيقي زيدان بدأ يتقرب مني. يتحدث معي عكس طفولتنا. كان بعيد كل البعد. اندمجت معه. أصبح بيننا اتصال هاتفي يوميا. نتسأل عن حال بعض. اعترف لي بحبه لابنة عمي. خاف أن يرفض عمي تزوجها لأنها الوسطى. وهناك أخرى أكبر منها. كنت معه أشجعه على التكلم مع أبي لإقناع عمي. حتى وافق عمي. لكن بشرط. ومن هنا بدأت معاناة بشكل آخر للجميع. كل منا له معاناة.

لتستمر زهور في قراءة مذكرات والدها بتمعن حتى ارتخت جفونها وغفت مكانها. خرج وائل وعبد الرؤوف من الغرفة. جالس كل واحد منهم على أريكة.

وائل عينه على باب غرفة زهور. يشعر بحزن في قلبه. يهز رأسه بحزن وألم. يضرب يديه ببعضهما يحدث نفسه بكلمات غير مسموعة. وعبد الرؤوف لا يقل ألماً عن وائل. ينظر على باب الغرفة بحزن. يلتف ناحية وائل وينظر له. ويمتعض وجه باستغراب من نظرات وائل المصوبة عليه. ليبعد نظره بعيداً عن وائل. يهمس بصوت ظاهر لمن حوله. وائل محدثاً نفسه: يااااااه يا زهور بكام كلمة صحيتي نار بحاول أخمدها جوايا. نار بتحرقني من جوه. ليه توجعي قلبي عليكي؟

أنا مصدقت أتعايش مع ماضي ملوث وعار قتل فيا كل المشاعر. لحد ما جيتي انتي وداويتني. كلامك كان بلسم يطيب جروحي وأوجاعي. روحي اتعلقت بيك. كنت زي العيل الصغير الفرح برجوعه من المدرسة لقى أمه مستنياه وفاردة إيديها بضمه. قلبي كان طاير من الفرحة ورجليه مش لامسة الأرض. من وقت ما جالي الغفير يقولي إنك رجعتي البلد من تاني. سنين طويلة وأنا عايش بلا قلب. لحد قلبي ما انشغل بيك. وعقلي مش بيفكر غير فيك. ياترى أنا رايح على فين بحكايتي معاك؟

يلتف تجاه عبد الرؤوف الجالس على يساره بغل وغيره. يود أن يفتك به. يود سؤاله ما علاقته بزهور ولما هو هنا معها وبأي صفة. هل هو من أخبارها عن وفاة والدها؟ عبد الرؤوف يكاد ينقض على وائل الذي ينظر له باستعلاء وحقد. يهز رأسه بنفي يحدث نفسه بصوت مسموع كعادته. عبد الرؤوف: والله هذا مجنون. ماذا فعلت له؟ هاد زلمة غريب. من وقت ما دق الباب وهو مو طايقني. ويش يكون لزهور؟ ليغمض عينيه ويتنفس بعمق ويخرجه ببطء ويضع يده على قلبه.

عبد الرؤوف: والله حيران. والله ليش القلب عورني بكاك. يسقط من بين جفونك يحرقوني. ليش من وقت ما نظرتك أول مرة وطيفك ما فرجني. صوتك كروان ينشد تسابيحه في جوف الليل. يحرم علي النعاس ويضل يفكر بيك. كلماتك عشقتها. حفظتها حتى أمثالك وتشبهاتك. وكل كلمة تخرج من بين شفاتك أعشقها. يا ترى القدر وضعك في طريقي ليش؟ من قبل شهر كنت ما أشتهي أضحك أو حتى الابتسامة تقرب ناحية فمي. ويش صار وايش ناوي عليه القدر. يعد على يده ويكمل حديثه.

نجاتي من الموت كانت على يدك لولاك، كنت الآن في عداد الموتى. مرمى قريب من أي مكب نفايات. ما تركتني ضلتك معي، ما خفتي ولا تخليتِ عني. ضليت حادي من مكان لمكان، حتى بيتك جيتني. ليه ما خفتي ولا قلتِ كلام الناس والشيطان؟ قوية رغم أنك صغيرة وأنا ضعف عمرك، لكن تعلمت منك أكبر درس بالحياة. ليكز على أسنانه وهو يتذكر دخول وائل الغرفة عليها. يقوم بالربت على كتفها. يلتفت إليه بعيون تكاد تشتعل بها النيران.

يضرب يديه ببعضهما، يكور إحداهما ويضرب الأخرى بها. ليهب واقفاً أثر اقتراب وائل منه. استغفروا لعلها تكون ساعة إستجابة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...