زهور وقفت قرب الباب، أخذت نفس عميق واستجمعت قواها وخرجت من الغرفة. تجد روحية جالسة وجوارها وائل، ويقابلهما بالجهة الأخرى عبدالرؤوف. لينتفض الأخير واقفًا فور سماعه صوت زهور. تلقي السلام عليهم. زهور: السلام عليكم. الجميع: عليكم السلام. لينتفض رؤوف ويقترب منها بسعادة: رؤوف: كيفك زهور؟ عورتي قلوبنا عليكي. زهور: الحمد لله بقيت أحسن. آسفة أقلقتكم. روحية تشير لها: روحية: تعالي يا زهور اقعدي جنبي هنا. زهور:
تنظر لها بامتنان: متشكرة أوي يا ستي روحيه، لولاكي كنت فضلت تايهة في اللي أنا فيه. معلش مش هقدر أقعد لآني لازم ألحق قطار الفجرية اللي رايح مصر، وقبل منه عندي مشوار مهم أوي لازم أعمله. لو سمحت يا خال وائل توصلني بعربيتك. وحاجة كمان، البيت زي ما أنتم شايفين محتاج حاجات كتير عشان مينفعش يتعاش فيه. فبعد إذنكم تشوفوا بيت ينفع يقعد فيه الأستاذ عبدالرؤوف كام يوم بس لحد مشكلته ما تتحل ويرجع لحياته من تاني. أنا عارفة بتقل عليكم بطلباتي، بس أنا ماليش غيركم دلوقتي.
لتصمت بمرارة: حتى محدش دور ولا سأل أنا فين وجرالي إيه. روحية: روحية: إزاي بس تقولي كده؟ إحنا أهل، والأستاذ يتفضل ينورنا بالدوار، وإن مشلتوش الأرض نشلوه فوق روسنا. وإزاي تقولي محدش دور عليكي؟ أكيد أحلام هتجنن عليكي. زهور: زهور: بسخرية: عندك حق، هتجنن عليا وبدليل ما اتصلتش عليا ولا مرة واحدة. وادي التليفون أهو.
تفتح زهور حقيبتها، تمد يدها تبحث عن الهاتف. لتقترب من الطاولة، تفرغ محتويات الحقيبة. لا تجد الهاتف ولا ظرف النقود التي أخذته من مديرها بالفندق. زهور: زهور: مش لاقية التليفون ولا الفلوس، وأنا متأكدة إنهم كانوا بالشنطة من قبل ما نسيب الفندق.
لتجلس على أقرب كرسي لها، تجز على أسنانها، وهي تتذكر حديثها مع زميلتها بالفندق التي كانت تتحدث معها بمواضيع غير مفهومة وكلام غير مرتب، حتى مناداة أحد زملائها واستئذانها منها وسط ابتسامة لاحت بوجهها. لتكور يدها: زهور: هم فاكرين نفسهم أذكياء ومش هينكشفوا. اتأكد بس من اللي في دماغي، ووقتها هعرف إزاي أدبهم على عملتهم دي. وائل: وائل: مالك يا زهور؟ سرحانة في إيه. زهور: تهب واقفة:
زهور: مافيش حاجة. لو مش هتعبك يلا بينا، يدوب نلحق مشوارنا، الفجر خلاص قرب. تقترب من عبدالرؤوف الذي ملتزم الصمت، غارق في أفكاره. زهور: زهور: أنت هنا هتكون في إيد أمينة. الناس هنا طيبين، ستي روحية وخالي وائل هيشلوك جوه حِبابي عنيهم. احكيلهم حكايتك وخرج اللي جواك، اعتبرهم أهلك. وإن شاء الله قريب أوي هجيب حقك، وأعرف إزاي فندق كبير عريض نظامه الأمني ضعيف بالشكل ده. عبدالرؤوف: بحزن:
عبدالرؤوف: الله معك ويوفقك. أنا عارفك قوية وتقدرين توصلين لمسؤولين الفندق. لكن كوني على علم إن اللي عمل هذا أكيد مأمن حاله ومتأكد من هذا. ثانيًا، بدك تاخذين حذرك كثير. ووقت ما يصح لك وتعرفين توصلين للسويت حقي في غرفة النوم حقي، تلاقين بالخزانة الملابس. خزانة صغيرة بعطيكِ الأرقام وكلمة السر بيها أوراق مهمة وتلاقين دفتر شيكاتي، مجموعة علب مكتوب عليها بعطيهم لمين والسبب. هجيلك مرة ثانية عليه، وإيش السبب أعطيهم لصاحبة
الاسم. وأيضًا ما أنسى، في كاميرات مراقبة بكل زاوية في السويت حقي. أنا وضعتهم بيدي من غير ما أحد يعرف، حتى بالتواليت. هدول الكاميرات فيهم نظام فائق السرعة يصوروا ويسجلوا الصوت، حتى لو أحد يهمس. بدك تخرجي التسجيلات هدول وتخرجي الخاص منهم، والباقي تسليم للشرطة لو احتجتيهم. بدك ترفعين درج أسفل المغسلة، هتلاقين فلاشات. دول مهمين كثير. بدي ياكي تحذرين ولا أحد يعلم بيهم مهما حصل. ولو تقدرين أرسليهم لي أكون مشكورة. هدول
الفلاشات وتسجيلات الكاميرات فيهم حياتي وكل ما أملك.
زهور: زهور: إن شاء الله. أول حاجة هعملها هو موضوعك، بس يا ريت ما تظهرش كثير بالبلد الفترة دي، أمان ليك. أنا لسه ما عرفتش الناس اللي وراك قدروا يوصلوا لأيه. واسمع كلام خالي وائل، هو هيكون المرسال بيني وبينك، وكمان هيعرف يحميك لو قدروا يعرفوا طريقك. يلا بعد إذنكم، يدوب ألحق القطار، الفجر أذن خلاص. وائل: وائل: يلا يا يمه، نوصلك معانا البيت وجهزي المندرة للأستاذ عبدالرؤوف، وأخذ العربية أوصل بيها زهور لمصر. زهور:
زهور: لا، للمحطة وبس. بلاش تظهر دلوقتي نهائي معايا بأي مكان، ما نعرفش إيه اللي حصل هناك والناس دول إيديهم وصلت لحد فين. روحية: روحية: كلام زهور صح، يا بابني. وصلها المحطة وما تمشيش لحد القطار ما يمشي. تخرج روحية هاتفها وتعطيه لزهور: روحية: خذي تليفونى معاكي. هتحتاجيه، وإحنا هنا نطمن عليكي بيه. عبد الرؤوف ينظر لروحية بإعجاب، بالرغم من بساطتها إلا أنها سريعة البديهة. عبدالرؤوف:
عبدالرؤوف: والله كفو يا أم وائل، كفو. الجوال هاد أجا بوقته. ليلتفت لزهور: عبدالرؤوف: بعطيكِ رقم هام لصديق لي. عرفيه كل اللي صار، وهو هيعرف ويش يعمل. لا تخبريه عن مكاني. هاتي الجوال أسجلك الرقم، وأيضًا الأرقام والباسورد للخزانة. زهور: زهور: يلا، يدوب نمشي قبل ما النهار يطلع والناس تروح وتجي. وائل: وائل: يلا، أنا جاهز. هنادي الغفير يشيل الصينية ونخرج طوالي. ليرحلوا جميعًا، مغلقين المنزل، وتوجهوا إلى الطريق للدوار.
تدخل روحية وخلفها عبدالرؤوف، ويرحل وائل وزهور بالسيارة تجاه المحطة. لتصعد زهور إلى القطار قبل رحيله بدقائق، ويرحل وائل عائدًا للدوار. زهور صعدت القطار، تبحث بعينها على مكان تستطيع الجلوس به. بعد قليل وجدت مبتغاها، تذهب إليه. مقعد وحيد ليس جواره أحد في زاوية بطرف العربة، تجلس عليه. تنظر خارج القطار من النافذة، ترى ابتعاد القطار عن المحطة. تلتف مرة أخرى، تعتدل بجلستها، تحدث نفسها. زهور:
زهور: سبحان الله اللي قال حياتنا قطار، اللي بتجي نهايته بينزل بمحطته. تبتسم بسخرية: ياترى محطتي إمتى قربت؟ ولا لسة هعاني من جديد؟ ماهو صعب أتحمل أي وجع من تاني. خلاص قلبي ما عادش يتحمل وجع وقهر. كفاية عليا الصدمات اللي خدتها في حياتي، كفاية العذاب اللي لسة فيه والحيرة اللي بتموتني بالبطيء. اللي عرفته لحد دلوقتي كفاية عليا، كفاية والله كفاية. كم الصدمات اللي عشتها في يوم واحد، ولسة اللي جاي يا ترى هيكون إزاي؟
ماهو بعد الكلام اللي قريته ده مش عارفة مين الظالم ومين المظلوم، مين الطيب ومين الشرير. ياترى ليه كتبت الكلام ده يابويا؟ قصدك من إيه؟ وبتوصل لي رسالة إيه؟ بتعرفني ماضيك؟ ولا حاضر ومستقبل أمشي عليه؟ ماضي مميت، وحاضر معتم، ومستقبل مش واضح. ألغاز محتاجة تتحل. يااه يابويا لو كنت أعرف قصدك إيه من كلامك. لتخرج المظروف من حقيبتها، تقوم بفتحه وأخذ المذكرات الخاصة بأبيها، تتصفحها بعناية، تقرأ كل كلمة بها بصدمة وذهول!
ما هذا الرجل؟
لم يترك شخص في عائلته إلا وقص لها عنه. علمت عدد أفراد عائلة والدها. وصف الجد والجدة وأشقائه شكلاً وموضوعًا. أغمضت عينيها، تكبح جموح دموعها. ابتسامة لاحت على وجهها وهي تقرأ كلمات أحد صغار العائلة مع والدها. طوال مدة جلوسها بالقطار، قرأت جزء كبير من تلك المذكرات. لم تمل للحظة. كتابة والدها وهو يحكي عن عائلته وعلاقته بكل فرد بها جعلها تعيش بأحداثها كأنها واحدة منهم. كونت فكرة عن كل فرد من العائلة. لتوقفها ورقة اعتراف من
والدها. قرأت كل كلمة فيها بذهول. لم تأخذ المذكرات بقراءتها كل هذا الوقت التي قرأت فيها تلك الورقة. تغلقها وتغمض عينيها. تتدحرج دمعة ساخنة على خديها. ترفع يدها تجففها وهي تسمع أصوات القطار معلنة على الوصول للمحطة الأخيرة. تضع تلك المذكرات بحقيبتها مرة أخرى، وتستعد للهبوط من القطار.
تمشي بالزحام، بقوة دفع المارة. ليس لديها قوة لتحريك قدمها. تأن بألم خبطات ودفعات المسافرين المهرولين للحاق بقطارهم. لتصل لباب الخروج مع بزوغ ضوء النهار. تخطو للخارج. تسير بجوار السياج الحديدي الفاصل بين المحطة والشارع الخارجي. تسير وتسير شاردة فيما قرأته. لتجلس على رصيف أحد الشوارع، تنظر لأقدام المارة بتخبط، تسأل حالها. زهور: زهور: أنا زهور ولا زهروان؟ بنت زياد وسلسبيل؟ ولا بنت الدنيا اللي استعلت عليا؟
كلام صاحب أبويا بيقول قد إيه كان طيب وعشقه لسلسبيل موته. طيب معنى الكلام اللي قريته ده إيه؟ أنا مبقتش فاهمة حاجة خالص. أسامح ولا أنتقم؟ وآخد ولا أرد حقوق؟ أفرح بأهلي وعائلتي وأرتمي بحضنهم؟ ولا أحزن وأبعد وأعيش زي ما أنا عايشة وخلاص؟ أقرب ولا أبعد؟ طيب لو قربت هواجهم إزاي؟ للأسف ما عطانيش حلول. ليه تعمل فيا كدة يابويا؟
حملتني وصية أصعب من الأولى. وصية وراء وصية. أنا مش جبل هتحمل كل ده. حكتلي عن كل واحد فيهم ووصفته حتة حتة. بخلت عليا ليه مقلتليش أتعامل إزاي؟ للدرجة دي استخسرت راحتي. عملت زي الصياد اللي عطى لابنه الشبكة والمركب وقاله صيد غداك، وما عملوش الصيد ولا إزاي يجدف ويواجه الموج.
مر وقت. زهور على حالها، تجلس تضع يدها أسفل وجهها، متكئة بها على قدمها وعينها على الأرض. ترسم بقدمها دوائر وهمية. دقائق أخرى، وصدح هاتف روحية الذي بحوزتها. نشلها من دوامة أفكارها. لتهب واقفة، تخرج الهاتف من حقيبتها وتضغط على زر الاتصال. زهور: السلام عليكم. وائل: عليكم ورحمة الله وبركاته. طمنيني وصلتي بالسلامة. زهور: وصلت وموصلتش. وائل: محتارة ليه؟ ومن إيه؟ زهور: قولي اختار طريق قلبي وأمشيه؟ معايا ولا عقلي وأمشي وراه؟
وائل: مع إني مش فاهم وحاسس فيه ألغاز كثير معرفهاش ومش هتحكيها، بس طول عمرك حكيمة ورأيك دايما صح. وبتختاري عقلك وتمشي وراه. المرة دي جربي قلبك ومشوا مع بعض، مرة تصيب ومرة تخيب. والأهم ما تطلعيش خسرانة. زهور: محتارة. عرفت كثير أوي ماضي ما عشتهوش. ومطلوب مني أعيش حاضر مفروض عليا ومستقبل مجهول. ماضي مطلوب أسدد ديون لناس معرفهمش، وحاضر أخد حقي من ناس عرفتهم، ومستقبل هحصد فيه تمن اختياري.
وائل: زي ما بتعملي دايما، اتجهي لربنا واشكيله همك. وادعيه يذلل كل الصعاب. ومهما مر عليكي مش هيكون زي اللي فات. زهور: بابتسامة: عندك حق. أنا عرفت هعمل إيه. أول حاجة. تشكر زهور وائل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!