زهور تسمع لكلماته تتحدث دون أن تلتفت له بصوت متحشرج ضعيف وتهته. هبطت دموعها وهي تشعر بالفعل بثقل لسانها، لتنطق أخيرًا: "عاوزة أخرج من هنا، وديني بيت أختي." صمتت وأغلقت عينها. اهتز جسدها. "بيت زياد، وديني بيته. أعيش الأيام اللي بـقـيـالي فيه بعيد عن الحقد والغيرة والطمع اللي بـيـتـك. متطلبش مني السماح. زمان كنت بسامح في اللي يخصني، دلوقتي هسامح في إيه؟ في موت ابني؟ لو أنا سمحتك، هو هيسامحك؟
هتقدر تعيش وتغمض عينك وعيونه بـصـة لعينك؟ هتكمل عادي وبنته آخر ذكرى منه، مش عارف مكانها خلاص. اللي بيني وبينك انتهى بدفن ابني وحرماني منه." عبدالرحيم لا يقوى على نطق كلمة. يستمع إلى كلماتها التي تنطقها بثقل بصدمة. ظل ينظر إليها دون أن يتحدث أو يحيد بعينه بعيدًا عنها. ليقف، تاركًا يدها، وينحني مقبلًا جبهتها. همس في أذنها:
"اليوم اللي تبعدي فيه عني ده آخر يوم بعمري. واوعدك طول ما فيا نفس استحالة تبعدي عن حضني وحفيدتي. هدّور عليها ويحرم عليا الفرح والراحة لحد ما ألاقيها وأرجعها لحضنك. والبيت اللي هعيش فيه هو اللي هتعيشي فيه. مش هسمح إنك تبعدي عني ولو للحظة واحدة." "أنا هخرج أسأل الدكتور نقدر نخرج امتى، ولحد ما يسمح بخروجك هكون جهزت البيت اللي هنعيش فيه أنا وإنتي." ليخرج متوجهًا إلى الطبيب ويشير إلى حفيده أن يدخل لجدته. عبدالرحيم
"ادخل لجدتك، خليك جنبها. أنا شوية وراجع." *** سلسبيل حاولت النهوض من على الفراش بعد رحيل الطبيب. "علي، تتحدث برعب." سلسبيل "هاتي البنت أشوفها كده يا خالتي." أحلام "خليكي مكانك، انتي مش قادرة تقفي على رجلك. أنا هجيبها، شوفيها أهو." لتحمل الصغيرة وتعطيها لسلسبيل التي شهقت فور رؤيتها لوجه الصغيرة. لتقربها لأحضانها تبكي. سلسبيل "يالهوي، البنت وشها أصفر أوي إزاي؟ ما أخدناش بالنا. البنت هتروح مني." أحلام
"لا حول ولا قوة إلا بالله. متخافيش يا بنتي، البنت هتكون كويسة. وزي الدكتور ما قال، هعمل لحد ما تخف. المشكلة دلوقتي هنعمل إيه في التطعيمات وشهادة الميلاد." سلسبيل "مش عارفة، مش عارفة. أنا معرفش أي حاجة. أنا أخدت البنت وخرجت ملحقتش أعرف أي حاجة. حتى الرضعة الأولى ملحقتش أرضعهالها." أحلام "طب والعمل؟ هنعمل إيه؟ لازم نعرف ونجيب شهادة الميلاد عشان باقي تطعيماتها." سلسبيل "مش عارفة أعمل إيه وأصرف إزاي. أتصل عليه أسأله؟
أخاف ميردش عليا، ولا عروسته ترد، وممكن يعرف مكاننا وياخد البنت مني." أحلام "مافيش غير حل واحد. أنا هروحله وأعرف ليه عمل كده وأجيب منه شهادة الميلاد وأسأله على التطعيمات اللي أخدتها البنت وأرجع على طول من غير ما أعرفه طريقنا." لتصمت أحلام بعد سماعهم لصوت خبطات على باب المنزل. أحلام "ياترى مين اللي جاينا الساعة دي؟ لتتجه إلى الباب وتقف خلفه تسأل من الطارق. أحلام "تبتعد عن الباب قليلاً بعد أن علمت هوية من بالباب."
لتأخذ نفسًا عميقًا وتفتح الباب وتتنحى جانبًا ليدخل من يقف بالخارج. *** روحيه أغلقت الهاتف ووقفت تخطو مبتعدة عن مكان ذكرياتها، تمسح وجهها من أثر الدموع. لتبتسم وهي ترى سيارة تقترب من مكان وقوفها، لتقف أمامها ويهبط منها شاب شارَف على العشرين من عمره. روحيه فتحت ذراعيها ليرمي نفسه بداخلهم. الشاب "وحشتني يا غالية." روحيه "انت أكتر يا نور عيني." الشاب "إيه اللي جابك المكان المقطوع ده يا ماما؟ وإيه سر حبك ليه؟
من وأنا صغير وإنتي بتحبي تيجي المكان ده." روحيه "ده المكان الوحيد اللي برتاح فيه. عشت فيه أجمل أيام حياتي. فيه ذكرياتي اللي عايشة عليهم." الشاب "بس الوقت اتأخر أوي. المغرب أذن من بدري والدنيا قربت تعتم. تعالي اركبي العربية ونكمل كلامنا بالبيت على راحتنا وتحكيلي الذكريات الجميلة دي." روحيه "قبل ما أروح، عاوزاك تيجي معايا. استغفروا، لعلها تكون ساعة استجابة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!