الفراق لأي عزيز علينا يكون بقمة الصعوبة، وخاصة عندما يكون هذا الفراق فراق روح لروح، كفراق الحبيب لمحبوه. نائم بفراشه، يهز رأسه يمين ويسار، يرى نفسه يقف على حافة مكان شاهق، خلفه ظل يسمع أنفاسه، وهناك في أسفل المكان ظلام حالك لا يكاد يرى شيئًا. وهناك يد تنزف ممدودة له، كلما ارتد للخلف يدفعه ذاك الظل للأمام حتى كاد أن يسقط، وكلما نظر للأسفل ارتعب من ذاك الظلام.
هناك فحيح يتردد في أذنيه لا يفقه منه شيئًا، يد حرة طليقة وأخرى مكبلة، ظل هكذا، كلما ارتد للخلف دفعه الظل للأمام، وكلما تقدم للأمام تراجع للخلف برعب ليختل توازنه ويسقط في الظلام لتنقذه اليد قبل الارتطام بالقاع. ليرفع رأسه يشكر اليد، ينعقد لسانه عن الكلام وهو يرى هوية الظل وتلك اليد الممسكة به، لينتفض من نومه صارخًا مناديًا عليه. ليجلس على فراشه فزعًا يتنفس بلهث، صدره يعلو ويهبط، دقات قلبه سريعة ومتلاحقة.
صوت صرخاته فزعًا أيقظ النائمة بجواره. فزعة من صراخه تضع يدها على كتفه. زوجته: بسم الله الرحمن الرحيم، إيه في إيه مالك يا زايد؟ حصل إيه خلاك تقوم مخضوض كده؟ زايد: لازال يحاول التقاط أنفاسه، يشير على الماء. لتسكب له كوبًا وتعطيه له. يرفعه على فمه يرتشف منه بيد مرتعشة، تتساقط المياه من الكوب وهو يتناوله. يعطيه لها الكوب مرة أخرى شاكرًا. زايد: يضع يده على وجهه، يبتلع لعابه كأنه خناجر.
إيمان: وضعت الكوب بجوارها على الكمود، والتفت إليه، مالك يا زايد، فيك إيه؟ زايد: مافيش حاجة، نامي انتي تعبانة وبكرة يوم طويل. إيمان: أنام إزاي بس وأسيبك بالحالة دي.
زايد: ده مجرد كابوس، قالها وهب واقفًا من على الفراش، أنا هنزل أتمشى شوية بالجنينة. فتح الكمود وأخذ منه شيئًا وخرج مسرعًا من الغرفة. نزل إلى الحديقة يتمشى قليلًا. وجلس بجوار شجرة نخيل وأسند ظهره عليها، وفتح يده ينظر إلى ما بها بشوق، يتلمسها بيده الأخرى يحدثها. زايد: ياترى فيكي إيه؟
قلبي قلقان عليكي، حاسس إنك تعبانة، موجوعة، حقك علي قلبي، أنا السبب في حزنك، صدقني لو الأيام ترجع من تاني مكنتش هعمل اللي عملته. كفاية إني أكون مطمئن عليكي، صحيح هتكوني لغيري، بس كفاية عليا أعرف إنك بخير. سامحيني يا أغلى ما ليا. يقربها من فمه يقبلها عدة مرات، ثم يضمها موضعها على قلبه، مغمض عينيه، يدعو الله أن يراها ويصل إلى مكانها، يعوضها عما صار. ظل على تلك الحالة يحدث الصورة فترة حتى غفى مكانه. ***
روحيه صعدت إلى السيارة بجوار والدها، تنظر له بشوق، قلبها نغزها فجأة، التفتت إلى الطريق تنظر إلى الأراضي من زجاج السيارة ودموعها تسيل مع تزايد نغزات قلبها. تدعو الله أن يهون القادم عليها. وائل: ماما مالك ساكتة ليه؟ مسألتنيش زي العادة عن نيرة. روحيه: جففت دموعها والتفتت له تحاول الابتسام. اصبر على رزقك، هسألك في حاجات كتير قوي عاوزة أعرفها منك، بس بما إنك فتحت الموضوع، قولي اللي عندك، في كلام كتير شيفاه بعيونك.
وائل: فعلاً في كلام كتير أوي جوايا، بقالي سنين عاوز أعرفه، كتير بسمعك انتي وبابا تتخانقوا وهو يقولك كلام بتفضلي تبكي، بق عاوز أسألك وحاولت أكتر من مرة وانتي كنتي بتهربي مني. ماما أنا ونيرة اتطلقنا وسبتلها الشقة ومشيت. روحيه: صكت صدرها، طلقتِها؟ يا لهوي، ليه تعمل كده؟ تطلقها ليه؟ إزاي تصرف من دماغك؟ مش قايلة لك شوريني في أي قرار تاخده، بلاش تهورك واستعجالك ده.
وائل: خلاص حصل اللي حصل واتطلقنا، بس أبوها هو اللي أصر المرة دي وحابب المأذون بنفسه، والغريب إنه أبرأني قدام المأذون وكتب ورقة بده. روحيه: حصل إيه خلاه يعمل كده؟ وائل: الهانم زهقت ومالت، حاسة إنها استعجلت لما اتجوزنا وهي معشتش حياتها وعاوزة تعمل كرير ليها. روحيه: إيه؟ وابوها وافقها على كده؟ لتلتفت ناحية الزجاج تهمس: يا دي المصيبة السودة، شفيق ما هيصدق ويشتري ويبيع فيك، حماك كان ملجمه، ربنا يستر من اللي جاي.
وائل: ماما مقلتليش عاوزة تروحي فين؟ روحيه: رجعني الدوار، لتهمس: عاوزة أقعد لحالي شوية أشوف هعمل إيه في اللي جاي وهقدر أوقف شفيق عند حده إزاي. أومأ وائل لها وأدار السيارة مرة أخرى لطريق العودة للدوار. قليلًا وصلوا إلى الدوار وهبطوا من السيارة، لتتوقف فور رؤيتها لسيارة شفيق مصطفة أمام المنزل، لتشعر بانقباضة في قلبها ورجفة في جسدها. ليدخلوه معًا للمنزل.
روحيه: التفتت لوالدها، اطلع على أوضتك، متنزلش منها غير لما أقولك، بلاش أبوك يعرف دلوقتي خالص، بوصولك وكويس إننا جينا من الباب الوراني، دخل العربية الجراج قبل ما حد من الغفر ياخد باله منها، واطلع على أوضتك لحد ما أنادي عليك أو أجيلك بنفسي. وائل: قلقانة كده ليه؟ هيحصل إيه يعني؟ زي العادة قلمين على توبيخ وإهانة وهتعدي. روحيه: اسمع الكلام واللي بقوله يتنفذ في الحال، فاهم؟
يلا دخل العربية واطلع طوالي على أوضتك. لتضع يدها على قلبها، ربنا يعدي اللي جاي على خير. رجوع أحلام في الوقت ده، يا خير وهيريحنا كلنا، يا نار هتحرق الكل. لتدخل المنزل بعد تأكدها من صعود ابنها لغرفته، وتتجه إلى غرفة المكتب لتقف متسمرة مكانها وهي تستمع لحديثه مع شخص في الهاتف. *** شفيق وصل إلى منزله، وجد نادرة وابنه الصافي يجلسان سويًا.
شفيق: يلعن حظه، لن تتركه نادرة على راحته، سوف تستفسر على سبب عودته بعد أن أخبرها بالمبيت في الشقة بالمصنع. الق السلام وجلس بجوار ابنه يسأله عن أحواله ودراسته، ودخل سريعا إلى مكتبه فور قدوم اتصال هاتفي له. ليدخل المكتب مغلقًا خلفه، لتتسع ابتسامته، دع سماعه ما يقال. شفيق: هههههه، باين الحظ معايا، أخيرًا هشوف غليلي من ابن بكر واللي كان ملجمني ومربط إيدي، خلاص راح، طلقك لبنته، كده العب، هيحلوا قوي يا روحيه.
ليجلس بسعادة وزهو ليكمل حديثه لنفسه. أحلام رجعت وابن بكر وهيغور، وروحيه مش بعيد تروح فيها، مقدميش غير بوز الأخص، نادرة غلطت عمري، كنت عاوز أكيد روحيه، كدت نفسي. ليجلس على كرسيه ينظر للفراغ، يضرب بأصابعه على المكتب، كل العواقب بتتفتح واحدة وراء الأخرى، مقدميش غير كده يا نادرة، لازمك تخطيط ولعب عشان أخلص منك ومن قرفك. ليفيق من شروده على دقات على الباب الخارجي لمكتبه، وصوت رجب يطلب الدخول.
ليدخل رجب بعد إذن له، وخلفه الطبيب علي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!