الفصل 40 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل الأربعون 40 - بقلم نور

المشاهدات
20
كلمة
5,320
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 71%
حجم الخط: 18

فتح ياسين عليها، شافها واقفة في ركن الأوضة وبتعيط بشدة. نظرت له والدموع بتنزل منها، لينصدم لما رأها ماسكة عصفور مرتخي من بين إيديها. قرب منها ونظر للقفص، ليجدهم ميتين لا روح فيهم. حزن من المنظر وقال: –فريدة. –ماتوا. قال ذلك وهي بتبكي وماسكة في واحد منهم وبتمسد على ريشه الناعم. بكت بحرقة وقالت: –مبيتحركوش ليه؟ ليه مش سامعه صوتهم؟ زعل عليها، قرب منها وقال: –سيبيه. –لا... هيصحوا... مماتوش. هزت القفص كأنها بترجو عودتهم.

قالت: –هيقوموا... ليه... كانوا كويسين... كنت لسه بكلمهم إمبارح. بكت وصوتها بيتردد في ودن ياسين وزعل عليها. قرب منها، ربت عليها وقال: –أهدي يا فريدة. –قتلوا. نظرت له بعينين مليانين دموع وقالت: –حتى دول... خدوهُم مني... كل حاجة بتتاخد مني يا ياسين. ارتمت على كتفه وبكت. شعر برجفة جسدها وصراخ بكائها بيؤلم قلبه. –ليه بيموتوا؟ عملوا إيه؟ مسك وشها ومسح دموعها وقال: –أهدي أرجوكي. لكنها لم تكن تسمع إليه. قال: –متزعليش...

هجبلك غيره. نفخت له وهي بتبعد إيده وبتقول بصراخ: –لااااا! أنا عايزهم هما... عايز دول اللي عاشوا معايا وحسيت بالوحدة في وجودهم. حزن كثيراً، حضنها ليهدئها، بينما كانت لا تصمت. أمسكت بذراعه بأظافرها وقالت: –رجعهملي أرجوك. دفنت وجهها داخل صدره وتبكي بقهر، ويتألم من صوتها. لأول مرة يراها تبكي بذلك القدر وصراخها يعلو بحرقة ويحرقه معها.

كان يربت عليها، يحاول أن يهدئها، متجاهلاً ميرال التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث وترى فريدة القابعة داخل أحضان ياسين. كان الخدم واقفين عند الباب في الخارج، وحزينون عليها وخائفون في ذات الوقت مما ينتظرهم. كانت تبكي وهو يمسد على شعرها بحنان، مثلما كان يفعل في السابق ويحنوا عليها لتهدأ، بينما كانت لا تزال تنشج.

نظر إلى الخادم، أشار له بعينه على القفص. أومأ له إيجاباً واقترب من القفص، وياسين يعانقها ويضع يده عند رأسها كي لا تنظر. أخذهم الخادم وذهب. –الآنسة فريدة هتتأثر أوي. –أكيد كانوا جزء من يومها. –من ساعة ما ياسين بيه جابهم وهي بتعتبرهم كأنهم عيلتها، عكس أول ما جت هنا كانت حاسة بالغربة. –بس ماتوا إزاي؟ –منعرفش، أهو قدر. –قدر يموتهم فجأة كده.

سند ياسين فريدة وذهب بها إلى سريرها، وهي تتكئ عليه وأنامها. وكان هيبعد، وجدها متشبثة بملابسه كي لا يتركها. جلس بجانبها حتى تغفو. نظر إلى ميرال التي كانت تنظر إليه، لكنه لم يكن يفكر سوى بفريدة وشارد الذهن. نظر لها، فهو يقلق عليها من تلك الصدمات. من الجيد أنها نامت. لا تتحمل الحزن وما رأته. قال لميرال: –ياسين... أنا مش فاهمة حاجة. مين دول؟ وليه انهرت كده؟ الطيور شكلهم كان كده إزاي أصلاً؟

–معرفش يا ميرال. فريدة كانت متعلقة بيهم. حصل كده إزاي؟ هعرف ده بنفسي.

نظرت له حين قال ذلك بجدية، وهو ينظر إلى فريدة والحزن الذي تسبب به إليها وحالتها تلك. كانت متعلقة بهم كثيراً منذ أن جاءت هنا. أول بسمة كانت حين أحضرهم لها، وأول عناق بينهم كان بسببهم. لقد كان يخرج لشركته وهي تبقى في المنزل معهم كأنهم أصدقائها، حتى أنها كانت تبكي معهم أكثر منه، فهو كان يعود في الليل، أما هم ملازمين غرفتها. وها هم قد ماتوا، ولا يعلم السبب. معقول أنه عدم اهتمام أم البرودة أم شيء نقصهم... أم تسمموا؟!

بعد أما فريدة نامت وخرج، نزل وسأل الخادم أين أخذهم. أخبره، فذهب ليلقي نظرة عليهم، لكن كل شيء كان كما هو. نظر إلى الطعام الخاص بهم، كان متبقي منه. أخذه وأمسك حبات من بين أصبعيه وفركه ليتفتت. اقترب منه وتشمم رائحته ليتعجب. ابتعد ونظر إلى أصبعيه. نظر له الخادم بعدم فهم. حط ياسين الطبق وقال: –تمام. أومأ له وذهب. قالت ميرال: –في إيه يا ياسين؟ –مفيش حاجة. راح للمطبخ. نظروا له الخدم. قال: –مين اللي كان بيحط الأكل ليهم؟

–أنا... بس الآنسة فريدة كانت معظم الأوقات هي اللي بتحطلهم، فكنت بحطلهم أنا وهي مش موجودة. –أنتي اللي حطيتلهم امبارح؟ –آه، بس سبته عندهم وهي لما ترجع تاكلهم. هو في حاجة يا ياسين بيه؟ –لو حد ليه دخل باللي حصل يقولي من دلوقتي، عشان لو عرفت لوحدي مش هيبقى لصالحه. ذهب. نظروا له بخوف وريبة. قالت: –إني عملت إيه؟ أوعى تكوني حطيتلهم حاجة. –أنتي عبيطة؟ هحطلهم إيه؟ هو الأكل بتاعهم اللي بحط منه مبقاش موجود.

–أمال ياسين بيه مضايق ليه؟ كأننا السبب في موتهم. –كده كده الطيور عمرها قصير، من أقل إهمال أو نسمة هوا بارد ممكن يموتوا. –يلا ربنا يعوضها. *** في المساء، طرق ياسين الباب على فريدة، فهل ممكن أن تكون نائمة كل هذا الوقت؟ فتح، شافها جالسة وتنظر في الفراغ. –صحيتي إمتى؟ –من شوية. نظر على ما تنظر، وكان مكان القفص الذي أصبح خالياً. تنهد. اقترب وجلس على حافة السرير بعيداً عنها وقال: –أنتي اللي أكلتيهم امبارح. أومأت له إيجاباً.

نظر لها وقال: –الأكل كان فيه بيكربونات. نظرت له بصدمة وقالت: –إيه؟ قصدك أنهم اتسمموا؟ زي ما قلت اتقتلوا؟ –أهدي يا فريدة. تذكرت البارحة الطبق الذي وضعوه عند القفص، وهي حسبته طعاماً فوضعته لهم. قالت: –أنا اللي حطيتلهم... ماتوا بسببى يا ياسين. مسك وجهها وقال: –فريدة خلاص. سالت دموعها وقالت: –والله ما كنت أعرف... ما كنت أعرف إن فيه حاجة. –عارف... ممكن تهدّي. كفاية عياط. نظر إلى كلتا عينيها، فكانت مرهقة. مسح دمعتها وقال:

–خلاص. أغمضت عينيها وهي تشعر بحنانه الذي اشتاقت له، ويده التي تمسك وجهها. نظر إليها ومن قربه منها، لينظر إلى شفتيها. نظرت إليه، تنهد وابتعد عنها. دخلت الخادمة وهي تحمل صينية. –الأكل. أخبرها ياسين أن تضعه، لكن فريدة قالت: –مش عايزة. –أنتي ما أكلتيش من الصبح. –مش عايزة أكل خالص... مليش نفس... شيليه. نظرت الخادمة إلى ياسين، فهل تفعل ذلك أم لا؟ أشار لها أن تذهب، فذهبت وتركتهم. قال ياسين: –فين الدوا بتاعك؟ –في الدرج.

راحت وفتحته ليخرجه ويضعه على الكومود. استغربت. قال: –حطيه قدامك عشان تعرف إن أكلك ليه... حتى لو مش جعانة كلي عشان العلاج. –معدش تفرق. نظرت إليه حين قالت ذلك، وكانت منطفئة. تنهد وقال: –فريدة... عارف إنك زعلانة بسبب اللي حصل، بس مش هقدر أسيبك على راحتك في الأكل. نظرت له ليردف: –بكرة بداية دراستك. مش عايزة تاكلي؟ مش هقدر أوديكي. –بتهددني؟ –بعرفك... لو عايزة تروحي كلي. أدارت وجهها بعند، وقالت:

–أصلاً كنت ناسيه بكرة إيه... أنتي اللي فكرتني. أخذت الصينية بضيق لتبدأ في الأكل، فهي تريد الذهاب. سعد ياسين. سالت دمعة منها وهي تأكل، مسحتها بكفها. فكان حزنها لم يغفو، وصدمتها لا تزال عالقة في ذهنها. وجدت يد تمتد وتضع منديلاً بجانبها. نظرت لتجده ياسين. وضع يده على رأسها يمسد على شعرها بحنان. خجلت ونظرت له من ملامحه الهادئة ويده التي تحب ملمسها، لكنه ابتعد عنها ولم يطل كثيراً وخرج، وهو يتركها.

نظرت إلى المنديل، تشممته وكان به رائحة عطره. وضعت يدها على شعرها مكان يده، فظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها وهي تتذكره. *** في اليوم التالي، خرجت فريدة، قابلت ميرال التي نظرت إليها. لم تهتم فريدة بها، لكنها قالت: –فريدة. –عايزة إيه؟ –عاملة إيه؟ استغربت من سؤالها، وقالت: –الحمد لله. –كويس... لو عايزة حاجة قوليلي. كانت مستغربة منها، وقالت: –أنا هعوز حاجة منك ليه؟ اللي بعوزه بكلبه من ياسين. تنهدت ميرال من تلك الفتاة، وقالت:

–أنا قولت أعرفك عشان متكونيش فاهمة إني عندي مشكلة ناحيتك... موفقة في يومك الدراسي. –شكراً. مشيت بعير مبالاة، بينما ميرال ذهبت. فهي كانت فقط تشفق عليها من البارحة. كانت فريدة مستغرباها، فهي كانت تستفزها الأيام الماضية. أليست غاضبة؟ أم أنها تسخر منها؟ لو كنتِ فقط يا ميرال لم تفعلي ما في رأسك وتتزوجي من ياسين، لكنا أصدقاء، لكن هذا لن يحدث. أنك تعشقيه ولم تتركيه منذ زمن. فعل ستتركيه الآن؟

ياسين هو النزاع بيننا. إن عاد لي، فقضيتنا تنتهي. ليته فقط يعود. *** كان ياسين في شغله بيفكر في فريدة، فهو لم يراها في الصباح وكيف أصبحت، وهل وصلت الجامعة. جت ميرال قاطعت تفكيره. –ياسين... الميتنج. أومأ لها، سبقته. أغلق هاتفه، كان يريد الاتصال عليها ومشى. *** كانت فريدة جالسة في المدرج تنظر حولها، لتلقي عيناها تسنيم، لكنها لم تأت. استغربت، فاليوم الأول للجامعة بعد انتهاء الإجازة، ولا تتأخر عادة.

ألقت الدكتورة دخلت وأغلقت الباب بعدم دخول أحد بعدها. استلمت بيأس وحاولت تركز بعيداً عن تلك الأمور، لكن قلبها كان يشعر بالحزن. خلصت المحاضرة وخرجت، قابلت يارا وكانت واقفة مع أصحابها. نظرت لها. قربت منها وقالت: –مشوفتكيش وإنتي جاية... دخلتي علطول. لم تعلق فريدة، بينما قالت: –تسنيم مجتش. –عارفة. –منين؟ –ملقتهاش في السكشن. –مكنتش عايزة أجي الجامعة النهارده، بس جيت عشان أشوفها... وفي الآخر مجتش. أردفت بحزن وندم:

–أنا السبب. نظرت لها يارا، وقالت: –خلاص يا فريدة، اللي حصل حصل. هتيجي بكرة؟ –وممكن متجيش... ممكن نروح لها نشوفها. فتحت تلفونها وقالت: –أنا معايا العنوان، بس معرفش المكان بالتحديد. –أنا عارفة... يلا. أخذتها وذهبوا. نظرت لهم أصدقائها. –راحة فين يا يارا؟ –راحة أقابل بكرة. –تمام، باي. مشيت مع فريدة وقربت من عربيتها، بس وقت ونظرت للسائق والحراس. قالت: –ودول هنمشي إزاي منهم؟ قالت فريدة: –متحاوليش...

حاولت قبلك معرفتش. هيروحوا معانا عشان أروح وإحنا راجعين. ركبت فريدة مع يارا وذهبوا. نظرت يارا للخلف، وكانت السيارة خلفها. قالت: –لما كان البودي جارد معاكي أول مرة، كان الكل بيخاف يقربلك منهم... الدليل أول خناقة ما بينا. افتكرت فريدة حين صفعته أمس، وكان هيمتد عليها، لكنهم وقفوا أمامهم. ابتسمت وقالت: –مش عايزة أفتكر. –ولا أنا... شكل ياسين لسه بيخاف عليكي... الوضع زي الأول. قالت بمرارة: –بيتخيلك...

هو أسوأ لأنك مش عايشة اللي أنا عايشاه. شافت حزنها، وقالت: –في إيه؟ أنتي غريبة أوي انهارده. حصل حاجة؟ –بعدين. وصل كل منهم إلى منزل. نزلوا. قالت فريدة: –ده... –تقريباً... تعالي نشوف. دخلوا وقرعوا الجرس. انتظروا قليلاً، فلن يأتيهم رد. رنت يارا ثانياً، فتح الباب لهم وطلت امرأة. نظرت لهم. –تسنيم هنا. –تسنيم... لا هي برا. صمت الاثنان بخيبة، لكن أعين فريدة التقطت أقدام واقفة من خلف الباب. –أقولها مين؟ ردت فريدة عليها،

وقالت: –قولي لها أصحابك جم يشوفوكي عشان قلقانين عليكي من تلفونها المقفول وغيابها عن الكلية. كأنها توجه كلامها إليها وتردف: –بس هييجوا تاني لأنك صحبتنا ومش ناسينكم. تنهدت المرأة وقالت: –أقولها مين؟ –أصحابها... هي هتعرف هما مين. استغربت، فهي كانت تريد أسماء. قالت فريدة: –يلا يا يارا. أخذتها وذهبوا. نظرت لهم المرأة. أقفلت الباب لتنظر إلى تسنيم التي كانت واقفة خلفه وسمعت كل الكلام الموجه إليها. –كده تخليني أكدب يا تسنيم.

–معلش يا داده. –مش عايزة تقابليهم ليه؟ شكلهم قلقانين عليكي فعلاً. –كده أفضل. في السيارة، كانت فريدة صامتة. قالت يارا: –مالك؟ –أنا غلطت أوي... كان معاكي حق يا يارا خسرت صحبتي. –ليه بتقولي كده؟ طنط قالت إنها مش موجودة. –كانت واقفة ورا الباب. تفاجأت كثيراً، وقالت: –تسنيم! وأومأت لها إيجاباً. قالت: –هي اللي قالت لها تقول كده. مكنتش عايزة تقابلنا... أو بالأصح تقابلني. أردفت بتفكير: –معقول إيهاب لحد دلوقتي مكلمهاش؟

–ومال إيهاب؟ –لو كان كلمها كانت قابلتني، كانت على الأقل عرفت إن أنا وهو اتطلقنا. –ده هيفرق معاها؟ –معرفش... بس ممكن لحد دلوقتي يفرق معاها. –وممكن معدتش يفرق. –صدقيني لو كانت حبته بجد زي ما قلتي لي، فهيبقى فارق... لأنها مش هتنساه في شهر. وكأنها تقصدها هي، فهي لم تنسَ ياسين حتى حين طلبت طلاقه. كان كلامها ندمت عليه كثيراً. كلام ساعة غضب لفرك حبها له... وحبها هو الذي أوصلها لهنا... وغيرتها وأنانتها أدت لخسارة...

كسر عميق بينهم. تريد إصلاحه، لكنها لم تنسه يومهم، بل فعلت كل ذلك من أجله. *** على العشاء، كانا جالسين بصمت. نظر ياسين إلى فريدة، فلم تكن تلك التي يعرفها. إنها صامتة، خافضة عينيها، لا تتحدث، تأكل بصمت. انطفأ بصغيرتها، لم يراها إلا لأول مرة رآها فيها... كانت حزينة على وفاة والدها، وهي هي. دخلت في حالة أخرى. يريد إخراجها منها. لا يحب رؤيتها كذلك. –يومك كان عامل إيه؟ قال ذلك بتساؤل. نظرت له، فهل يحدثها هي؟

نظرت لميرال، عادت لطبقها، وقالت: –تمام. لم يكن ذلك ردها. كانت تخبره ما فعلته وما تذمرت فيه، لأنها كثيرة الحكي والكلام، لكنها لا تريد التكلم حتى. –ياسين. نظرت له من نظرتها، لتقول: –بتروح المصنع إمتى؟ استغرب، فهي لم تسأله يوماً عن ذاك. قال: –رايح بكرة... ليه؟ –هاجي معاك. تفاجأ، لتردف: –عايزة أشوفه وأفهم شغل بابا كان بيمشي إزاي. –تمام. قالت ميرال: –فكرة كويسة. نظرت لها فريدة، فهي أول مرة تؤيدها.

–إنك عايزة تشوفي المصنع، تبقى عايزة تعرفي شغل والدك عشان هيكون شغلك قدام. لم تفهم فريدة معنى كلامها ذلك، لكن شعرت وكأنها تتلاعب بها. هل تريد إبعادها عن طريق ياسين كي تكون مسؤولة أمامه وتجعله يتركها؟ أنك خبيثة يا ميرال... وأنا سألته بحسن نية، لكنك تقلبين الطاولة، ولم أعلم أن ذلك لصالحك. طلعت على أوضتها، فهل تلغي رحلتها معه؟

إنها تريد أن تكون بصحبته، لكن ذلك بمثابة ابتعادها عنه. نظرت لمكان فارغ، وكان موضع القفص سابقاً، الذي لم يعد موجوداً الآن. شعر بالحزن الشديد. اقترب وجلس، فهي لن تعد هناك ما تحاكيه. كانت تنظر لهم، تتذكر ياسين... تسمع زقزقة تملأ وحدتها وخوفها من الظلام. بات الهدوء والظلام واضحاً. الآن لم يعد لها شيء خاص به سوى هذا الانسيال الملتف حول معصمها، وتخشى فقدانه. كانت ميرال جالسة مع ياسين. –كويس إن فريدة افتكرت مصنعها. –ليه؟

–عايزة أشوفه، يبقى عايزة تعرف الشغل أو تاخد نبذة عنه. –ممكن تبقى زيارة عادية، وده من حقها. لو عايزة تعرف، هعرفها. مش عايزة، ده يرجع لها. –لو شالت هي شغلها، هتريحك بعدين ومتكنش مبين المشغلين وتتعب. لازم تتعلم عشان تدير شغل أبوها وفلوسها. أنت شلته كتير يا ياسين، هي مسيرها تكمل لأنه شغل باباها. أنت تعبت كفاية لحد كده. –ميرال، أنا مششتكي. اقتربت منه وقالت بحب:

–بس أنا شايف التعب عليك. سرعاتك كتيرة من ساعة ما دخلت حياتك، وأنا مش معترضة، بس أنت عايز تتعب كده الحياة كلها؟ نفسك أولى بالراحة. أنت اللي تهمني. –متخافيش... أنا كويس. نظرت له ولجديته، تنهدت وقالت: –زي ما تحب. قامت وتركته، وفكر هو بكلامها. نظر، وجد هاتفها تركته. خده، راح أوضته. مر على غرفتها، لقى الباب مفتوح، دخل، لكنها لم تكن بالداخل. التفت، لكن توقفت عينه على شيء في ركن الزاوية عند السرير. –ياسين.

قالت ميرال ذلك وهي تخرج من الحمام. نظر لها. قربت منه وقالت: –في حاجة؟ صمت قليلاً، لم تفهم صمته. مد يده وقال: –نسيتي تلفونك. نظرت إليه، ابتسمت وقالت: –آه. مأخدتش بالي. شكراً. أخذته منه. نظر لها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. *** في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: –هتيجي الشركة إمتى؟

–هخلص وأجي، مش هطول. –تمام، هستنا. خرجت فريدة، تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات اللاتي يذهبن لأعمالهن. –يلا. –فريدة. –إممم. –مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: –قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت، ونظرت له، وقالت: –لا مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تتبعه بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ إنها تريده أن يغار عليها. –اركبي. نظرت له، وقالت: –هي قصيرة أوي. –معرفش، بدام عجباكي يلا. –أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. –يلا يا فريدة.

ركب ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. إنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق، وقال: –ياسين بيه، الآنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص، لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة، وقال: –استناها.

نظر إلى الساعة. بعد قليل، خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيب إلى جيب أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه. نظرت له، وقالت: –كده حلو. –غيرتيها ليه؟ –عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. –جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه؟ أم ميرال أجمل؟

في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين. الذي حين دخلا، سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقتربه رجل، وقال: –ياسين بيه، مقلتش إن حضرتك جاي. فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. قال: –أنا لازم أقول. –لا تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان فيه حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين يدها، نظرت له، ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. –خلي بالك.

أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: –فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: –بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال: –فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا ترجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالافتخار بوالدها، كونه رجل طيب الجميع يحبه. –ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: –اتفضلوا...

تحبوا تقعدي في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين، وقالت: –لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس، استغرب. نادى على أحدهم وقال: –في حد هنا؟ –ياسين بيه جه. –وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده. –إيه؟! –لا مفيش... طلب أوراق الحسابات. فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدة، والحل يهابه. قال: –لا شكله جاي على الهادي النهارده...

أصل الآنسة فريدة معاه... أقصد المدام، مش عارف. أنصدم، وقال: –فريدة هنا؟ –آه. –طب روح على شغلك. كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها. لكنها كانت تثق به، وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً...

كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله. –هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني. قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها.

كان الرجل يتحدث، فسكت ياسين. بص لها، شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لتمسك نفسها. قرب منها، وقف جنبها، مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. انفطر قلبه من رؤيتها، وهي تجز على شفتيها خشية البكاء أمام الجميع. –مش قادرة... عايزة أستخبى.

فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب، وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال: –خير يا ياسين بيه؟ في حاجة؟ هي كويسة؟ –كفاية كده... ابعت عصير على المكتب. –حاضر. أخذ فريدة ومشى راح إلى المكتب. دخلها، بعد عنها، وقعدها، وقعد بجانبها. قال: –مأعدش في حد هنا. تقدري تاخدي راحتك. كانت تخفض رأسها، لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء، لتقول:

–بابا وحشني أوي. بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وتنسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد. –متعيطيش... ادعيله. –بدعيله... منستوش كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني. تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال: –خلاص... عشاني. نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم، دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال: –أنت داخل زريبة.

–معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة. نظرت له فريدة. نظر لها، فخافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها. –نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران بصراحة. جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم.

تقدم ياسين منه وقال: –تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع. انحرج مدحت، وقال: –على نفسها إن ليا نسبة هنا. –نسبتك تبل ميتها. وأنا قلت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده. –إزاي بقا؟ فاكرني هبيع؟ –هتعرف إزاي. غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول: –لو خلصت روح على شغلك، أنا مبدفعش مرتب على الفاضي.

نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين، وقالت: –هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتوش ليه؟ –هو ليه نسبة يا فريدة، وكان بيشتغل في زمان. –مشفتش عمل إيه. –لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش، هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة. سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة، وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال:

–دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي. نظرت إلى كم الأوراق، وقالت: –وأنا هقرأ ده كله؟ –أمال هتعرفي بتدفعي كان وبيدخلك قد إيه وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟ لازم إقرار وتكتبي تحسبي كل صغيرة، ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير. –أحفظ؟ طرق الباب، سمع له بالدخول. قال: –العصير يا ياسين بيه. أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أداه لفريدة. نظرت له، وقالت: –شكراً.

أخذته منه. نظر ياسين لها، شربت. وضعت الكوب جانباً، ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال: –فريدة. –نعم. أشار على فمها. لم تفهم. قالت: –في حاجة؟ قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه له. أخذته منه. نظر إلى الساعة. –فريدة. نظرت له، وقالت: –أنت هتروح الشركة إمتى؟ –لما نمشي، معرفش هروح ولا لا. ابتسمت، لكن قالت: –آخرتك؟ نظر لها ولحزنها، وقال: –لا عادي، خلصي بس. وضعت الملف على وجهها بتافف،

وقالت: –خلاص، أنا كمان تعبت. ممكن نكل بكرة تاني؟ –تمام. اقترب منها واقفاً، الملف ورأى ما دونته. قالت: –الحسابات مظبوطة. –آه. ابتسمت، قامت، لكن أمسكت معدتها، وقالت: –ياسين، أنا جعانة. نظرت له، فهي ستعود للمنزل، بامكانها أن تأكل، لكنها قالت: –ممكن نأكل برا واحنا مروحين؟ –أنتي كده كده رايحة. –لسه، عقبال ما أوصل... أنا عايزة آكل برا، زهقت من البيت، مبقتش أحب أقعد فيه أساساً.

نظر لها وإلى الساعة، وميرال التي تنتظره، ولم يعلم ماذا يفعل، لكنه كان يريد أن يخرج فريدة مما هي فيه. نسي عمله وكل شيء، أمام أن تنسى حزنها من اليوم وما يحدث معها... لذلك وافق. –تمام. اسبقيني على العربية، هخلص وأجي. ابتسمت وقالت: –شكراً. نظر إلى ابتسامتها، فتلك التي أراد رؤيتها. *** كانت ميرال في الشركة بترن على ياسين، لكنه لم يكن يرد عليها. –معقول لسه ده كله في المصنع معاها؟

سكتت، وافتكرت فريدة لحظة. أكانت تريد الذهاب لأن تقضي معه يوم لا غير، وتكون معه؟ شعرت بالغضب من تلك الفتاة الماكرة. لقد خدعتها، وقد ظنت تريد أن تعلم ما هي أبيها، لكنها فقط تحاول إبعاده. رنت على ياسين ثانياً، فأين هم الآن؟ *** في المطعم، كان ياسين جالس ينظر إلى فريدة وهي تأكل. نظرت له، وقالت: –مبتاكلش ليه؟ –مش جعان. خافت يكون لا يريد أن يأكل، لكي حين يعود يأكل معها، قالت بحزن: –مش عايز تاكل معايا. نظر لها، لتردف:

–خلاص، مكناش نيجي أحسن. –مفيش حاجة من دي يا فريدة. –أمال مبتاكلش ليه؟ –قولت لك مش جعان. كلي أنتي. لم ترد عليه قطعت بسكينه قطعة لحم، وأخذتها بشوكة. قالت: –لو مأكلتش مش هاكل. نظر لها باستغراب، فهل تريد أن تطعمه؟ قال: –فريدة خلاص هاكل. –شوفت؟ مش عايز تاكل مني. حزنت. نظر الناس إليهم. مسك يدها قبل أن تنزل يدها، وأكل منها. نظرت له، عاد جلسته. قال: –كلي بقى. ابتسمت في الخفاء، وجدته يأكل كما أرادت، فشعرت بالانتصار.

–بتبسمي لي. –شكلك حلو. أردفت وهي تكتم ضحكتها: –وأنت بتسمع الكلام. نظر لها، فصمتت بحرج. عاد ياسين لطبقه، لكن ابتسم. نظرت فريدة إليه من ابتسامته، فرحت. لياكلا الاثنان، وياسين ينظر إليها. فماذا ستفعل به ثانياً؟ ماذا تعد له تلك الفتاة؟ خرج من المطعم، فتح تلفونه، وشاف مكالمات ميرال. نظرت له فريدة، وقالت: –هتروح الشركة؟ –اليوم راح، وميرال زمانها روحت. –أنا آسفة. –عادي... يلا.

ذهب، ابتسمت وتبعته وهي تسير. جاء حد وخبط بها بشدة، تألمت. –معلش. وأمضى في طريقه دون أن ينظر لها. نظر ياسين إليها، وقال: –أنتي كويسة؟ أومأت له. نظر إلى ذلك الشخص الغريب، فكيف ذهب دون أن يتوقف بعدما اصطدم بها ويخفض رأسه هكذا؟ قالت: –يلامشي. معاه. خرجوا، وكانت هتركب، لكن شعرت بألم مرة واحدة. رفعت يدها لتجدها مجروحة، لكنها انصدمت. –انسيال.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...