يعنى إيه مراتى انتحرت؟ هونت حاططها في مقلب زبالة. نزل عليه جملته كالصاعقة، تقسمها لنصفين. وشعرت بأن الدنيا توقفت لهذي اللحظة. كان الغضب يمتلك ياسين وهو يتكلم. لف وانصدم برؤية فريدة واقفة عند الباب وتنظر له بعينين غائبتين. -فريدة. -انت قلت إيه؟ مراتك. لقد سمعته، لقد عرفت كل شيء. كانت عيناها تدمع والصدمة تمتلكها. قرب منها وقال: -فريدة، رد عليا. مراتك مين؟ -دارين. نظرت له واردفت بصدمة: -هي كانت عايشة أصلاً؟ وانت...
انت متجوز؟ -أهدى، هفهمك كل حاجة. -تفهمني إيه؟ وفى ثوانٍ، أتت ذاكرتها عبر السنين الفائتة حين كانت تعيش معه. -عندي سفرية شغل لازم أروحها. -هتتأخر؟ -يومين وراجع، مش هطول. -تمام، هستناك. افتكرت نقاشهم لتقول باستدراك وهي تنظر له بشدة: -كنت معاه. نظر إليها لتردف: -كنت بتروحلها وبتقولي إنك مسافر للشغل، وهي كانت شغلك؟ مش كده؟ لم يكن يستطيع الرد، ويشعر بالأسى الشديد. لكنه لا يملك جواباً.
لم يفعل لذلك اليوم حساباً، أنه يرى حلمه يخرب فوق رأسه. ما كان يخشاه قد حدث. -كنت بتكذب عليا وكلمني إنك وصلت وإنك معاها... اتكلم. -محصلش يا فريدة، أنا... ليجد دموعها تسيل لكسرتها، لتصرخ به ببكاء: -لي... لي يا ياسين؟ قرب منها ومسك وشها وهو يحاول تهدئتها. -بس متعيطيش، أرجوكي. بعدت يده وقالت: -ابعد عني، متلمسنيش. مش طيقاك ولا طايقة نفسي... حتى كرهت إني حبيتك في يوم. شعر بألم شديد من سماع تلك الحملة التي فتكت بقلبه.
-إزاي كنت غبية كده؟ -فريدة، اسمعيني. -مكنتش عايزني، لأنها موجودة عندك اللي يسد حاجتك، وأنا... أنا سد خانة ليها. -بس ارحميني. والله ما قربت منها طول ما انتي معايا، كنت مكدبتش عليكي والله. كنت ببقى في شغل وزرتها مرة واحدة مش أكتر. -بطل كذب بقى، هتكدب عليا أكتر من كده؟ أنت كده. سمعتني، كذاب وخاين. أنا كنت في حياتك زوجة تانية. شعر بالحزن من كلامها التي تبصقه عليه، ولم يكن يتحدث لأنه يعلم حزنها منه.
-لما هي لسه عايشة ومعاك، بتتجوزني ليه؟ -هي على ذمتي، بس مش أكتر. ملمستهاش ولا خونتك. مسكها من كتفها وقال: -أنا مش خاين يا فريدة، سمعتني. نظرت له يحنق وقالت: -دارين على ذمتك، عياله مثلاً؟ -بس هي مش مراتى، هي انتهت من زمان أوي. جزء من ماضي أنا مش عايز أفتحه. -دارين اللي كنت بتحاول تنساها؟ -كنت بحاول أنسى الكسر اللي جوايا منه. تنهد، فهو لم يخبر بأحد عن ذلك، لكن ما باليد حيلة. -خانتني. نظرت له بشدة مما قاله. -خانتك؟
كان سيكمل سرده لتتفهمه. لكنها وجدتها تبتسم وتقول: -دارين... خانتك؟ اللي كنت عايش بتتوهم باسمها وبتشرب بسببه؟ تعجب منها كثيراً، ألا تصدقه؟ أنها تضحك على ألمه؟ قالت بغضب: -وأنا... أنا خنتك أنا كمان عشان تعمل معايا كده؟ -فريدة، اسمعيني، أرجوكي. كفاية... هحكيلك كل حاجة والله. بعدت خطوة وقالت: -أنا مش عايزة أسمع حاجة منك. نظرت له وقالت والدموع تسيل من عيناها بحزن شديد:
-أقل حاجة تعملها إنك تخرجها معايا. كنت عايش بذنب أنت معملتوش وبتحاسب نفسك على غلطها، ودلوقتي هتعيش بذنبى أنا... أنا اللي حبيتك من قلبي يا ياسين. كنت عارف كل كبيرة وصغيرة عني... كنت فاكر إني هخونك زيها عشان كده كنت بتديني نصايح. -لا يا فريدة، أنا... صمتت وهي تشعر بغصتها لتردف بصوت خالٍ من المشاعر: -هي خانتك، بس أنا مستاهلش منك ده.
ألقت عليه جملتها ومشيت وسابته ودموعها تسيل على خديها مختلطة بمساحيق التجميل الذي ذاب وأظهر انكسار قلبها وشحوب وجهها. تبعها ياسين ليوقفها قال: -فريدة، استني. لم ترد عليه. شافتهم موجودين وينظرون إليهم بالتحديد، ومن شكلها وإلى ياسين الذي لحقها، ولا يفهمون شيء. قالت تسنيم: -فريدة، انتي كويسة؟ لم ترد على أحد وهي تكمل سيرها. نظرت كل من يارا وتسنيم لما يحدث. قرب ياسين من فريدة عشان ميسبهاش تمشي وهي كده. مسك أيدها بس هي
أفلتتها بضيق وقالت بغضب: -متفكرش تيجي ورايا، سمعتني؟ نظر إليها بحزن من عينيها المتتلئة بالدموع ويريد أن يرتب عليها. تلك طفلته، حبيبته، الذي تبكي أمامه بسببهم. مشت، بس وقفت. نظرت لتجد إيهاب أمامها برفق والدته وعمها أشرف. فكانوا من المدعوين. كانوا للتو قد أتوا ورأوا ما يحدث. تقدمت منه وهي تتخطى ياسين والجميع. نظروا إليها. راحت عند إيهاب وقفت عنده. نظر إليها من وجهها وبكائها: -إيهاب... تتجوزني؟
لينصدم الجميع من ما قالته فريدة. وشعر ياسين بأنه قديم خطأ منها. هل تعرض الزواج على رجل آخر وهي متزوجة به؟ نظرت تسنيم لها بشدة ونظرت إلى إيهاب الذي وقف متصنماً لا يصدق ما قالته. نظر إلي ياسين الذي كان ينظر إليهم. قرب منها ومسك أيدها. نظر إليهم بشدة ليجده ينظر إلى فريدة ويقول: -تعالي. خدها إيهاب ومشي. نظرت سلوى وأشرف إلى ابنهما بشدة. وكذلك ياسين. جمع قبضته وأعينه امتلأت بالغضب. مشي، بس وقف أنور في وجهه بيمنعه.
-أهدأ، مش وقت عصبية دلوقتي. نظر له وهو في أوج غضبه، لكن إن فعل شيئاً سيجعلها تبغضه أكثر، وهو لا يريد ذلك. قالت داليا: -اللي حصل، البنت خارجة بتعيط من عندك لي بعد ما كانت فرحانة؟ نظر لها وشعر ببعض الحزن، فهي بالفعل كانت سعيدة للغاية، وهو الآخر كان أسعد منها، لكن سعادتهم لم تكتمل. مشي ولم يرد عليها، متجاهلاً الأنظار التي تثقبه. تبعته ميرال وأنور. دخلا، شافوا ياسين واقف ويفكر في فريدة. قال أنور: -اللي حصل يا ياسين.
سكتت قليلاً ثم قال بضيق: -فريدة عرفت بدارين. تفاجؤوا كثيراً. قال: -عرفت منين؟ -سمعتني وأنا بتكلم في التليفون مع المستشفى. قالت ميرال: -هما اتصلوا بيك تاني لي؟ مش روحت الإجازة اللي فاتت؟ تساد لحظات من الصمت حتى قال: -دارين انتحرت. أنصدم أنور. وضعت ميرال يدها على فمها بصدمة تحتل وجهها. لتدمع عينها وتقول بصوت مبحوح: -دارين مين؟ اختي يا ياسين... اختي ماتت. كان ياسين لا يريد أن يعرفها، لكنها كانت ستعلم. -كذابين.
نظروا إليها. قالت: -مش صح. اتصل بيهم تاني واسألهم. لم يعلق عليها حزن أنور من رؤية صدمتها. -أنا هكلم بابا وأسأله. رفعت هاتفها. منعها أنور. نظرت له. قال: -أهدأ يا ميرال. زمنهم فيهم اللي مكفيهم. الانتحار هناك مش بالساهل. سكتت وسالت دمعة من عينها وكأنه يفيقها على الواقع الأليم. فهي بالفعل كانت مريضة مغيبة لا تعلم أين هي ومن الذي حولها، وليس على المريض حرج. لتستوعب ما حدث بألم شديد وحسرة. ربت أنور على كتفها.
نظرت له ثم نظرت إلى ياسين وهو ينظر إلى الفراغ بشرود والحزن يملأ وجهه. لم يعلموا هل هو حزين على أي منهما، دارين أم فريدة؟ أم الاثنان. قال أنور: -هتعمل إيه؟ -هسافر. -هشوف فريدة الأول... مش همشي وأسيبها كده. فهو لا يريد أن يترك للخلاف أن يتسع بينهم وأن تكون حزينة منه أكثر. نظرت له ميرال وأنه يفكر فيها. قالت: -لو موافقتش. نظر إليها لتردف: -مشفتش قالت إيه لإيهاب؟ -أضايق من التذكر، بس قال بهدوء عكس الذي بداخله.
-مكنتش عارفة بتقول إيه. حبيت تضايقني وخلاص... هرجعها يا النهارده أو بكرة. كان قلبه يعطيه الثقة بها وبحبها، وستعود إليه. -بعدين أقدر أسافر. نظروا إليه. كان ياسين مدرك ما حدث لدارين ويشعر بالأسى عليها. ليتحدث داخل نفسه: -لي عملتي كده يا دارين... لي. لم يكن يعلم هل هو حزين من الخبر أم يشعر بالحزن من حبيبته التي تركته ورأى كسرتها أم يشعر بالحزن على نفسه. كان في مثل تلك الليلة، كانت ستكون معه ويمتلكها، كانت ستصبح زوجته.
لكن كل شيء قد تطاير في نسمة هواء. لماذا اليوم؟ لماذا حدث ذلك اليوم في يوم زفافه؟ لطالما تعذبت في حياتي بسببك يا دارين، حتى حين رحلتِ لم تتركيني وخربتِ حياتي بأكملها. كأن لعنة حلت عليّ، لن تسمح لي بالراحة، وقد كتب لقلبي المشقة الدائمة. *** في بيت أشرف، كانت فريدة جالسة وسلوى بجانبها. -أهدئي يا فريدة وافهمينا إيه اللي حصل. كانت لا تتحدث، فقط الحزن ظاهر عليها. كان إيهاب ينظر لها وغاضب وهو يراها هكذا. -ما تقولي عملك إيه؟
هتفضلي ساكتة كده كتير؟ نظرت إليه. تنهد، انحنى إليها قال: -فريدة... أنا معاكي. اتكلمي، متخافيش. نظرت إلى إيهاب للحظة في عينه. سالت دمعة من عينها. نظر لها ولم يفهم. خفضت عينيها وقالت بصوت مبحوح: -خاين. نظروا إليها بشدة. تفاجأ أشرف كثيراً. قال: -قلتي إيه؟ غضب إيهاب قال: -دي آخرتها، بعد ما حبته خانته. نظر والده إليه بحدة، فهذا ليس وقته. تنهد ونظر إلى فريدة قال: -فهميني إيه اللي حصل.
كانت ساكتة ومبتردش، فقط غارقة في خيبات قلبها والكحل الذي جف على خديها. قالت: -قلت لي قبل كده، لو عاوز حاجة اطلبها منك، مش كده. وما إيجاباً بتأكيد لتردف: -عايزة أطلق. نظرت لها سلوى بشدة. قالت: -طلاق إيه يا فريدة؟ وياسين مش هيرضى. صاحت وهي تقول بانكسار: -أنا مش عايزة أسمع اسمه. نظروا إليها لتردف والدموع تسيل: -ياسين... ياسين... ياسين... هاخد الإذن منه كمان في طلاقي. استغرب كثيراً منها وتحولها ذلك.
أليس هذا كان حبيبها الذي بمثابة والدها وزوجها وعائلته؟ كيف انقلب الوضع هكذا؟ نظرت سلوى إلى أشرف الذي كان حائر. تنهد وقال: -نتكلم بعدين تكوني هديتي. وقف ومشي. نظروا إليه. قالت سلوى: -تعالي غيري الفستان ده الأول. أخذتها وذهبوا. نظر إيهاب إلى فريدة وهي تغادر. راح لأشرف شافه بيكلم حد. قال: -بابا بتكلم مين؟ -ياسين. نظر له بشدة. قال: -لي؟ -هقوله إنها عندي، وبالمرة ممكن يفهمني إيه اللي حصل. قلبهم كده. -قالت خانها، تهم إيه؟
-ياسين مش من النوع ده من الرجال. -عاشت معاه فوق التلت سنين وهي بتقول ده بنفسها، جاي انت تبرر له يا بابا؟ -أنا عارف أنا بقول إيه، وليا نظرة في اللي قدامي. -وبالنسبة ليها هي إيه؟ -معرفش، ادينا هنسأل. -مش محتاجين نسأل يا بابا، فريدة هتقولنا وهى واخدة قرارها من الأول. نظر أشرف إلى ابنه. مشي أوقفه وقال: -إيهاب. وقف لما ناداه أبوه ليكمل: -فريدة مكنتش عارفة هي بتقول إيه وهي هناك... إياك تفكر في كلامها أنه جد. -ولو كان جد...
مفيش حاجة هتوقفني عن اللي هعمله. نظر له بشدة. نظر إيهاب أمامه بلا مبالاة وذهب، ليشعر أشرف بالريبة من ابنه وما ممكن أن يحدث في وجود فريدة هنا وابنه معها. وهو الذي سعى لإبعادها، لكنها عادت. ويبدو أن الأمر سيطور أكثر عن ذي قبل. *** في المنزل، رجع كل من يارا وداليا. تعجب محمود من رؤيتهم. -محضرتوش الفرح ولا إيه؟ قالت يارا: -فرح إيه؟ ما خلاص. -خلاص إيه؟ قعدت جنبه وقالت: -مفيش فرح، اتلغى تقريباً. -اتلغى إزاي؟
جلست داليا بتنهيدة قالت: -منعرفش، ممكن يكونوا اتخانقوا. -خناقة تبوظ الفرح كله كده؟ قالت يارا: -عادي، بتحصل. رن تلفونها. نظرت، ذهبت لترد قالت: -الو، يا أنس. -انتي فين؟ -في البيت. -في البيت إزاي؟ -اهو اللي حصل. -مالك؟ -مملل يعني، مش معقولة تكون جهزت نفسي بعد ده كله، وفي الآخر مخرجش ولا اتصور. -هعدي عليكِ كمان خمس دقايق. قالت بدهشة: -انت برا؟ -مش سامعة صوت الطريق... ابقي خرجيلي، ماشي؟ -تمام. قفلت معاه.
راحت خدت شنطتها قالت: -أنا خارجة، عايز حاجة يا بابي؟ قالت داليا: -راحة فين؟ -أنس هيعدي عليا نخرج... باي. مشت. نظروا إليها. قالت داليا: -أنا مش عاجبني الخروج الكتير ده يا محمود. -انتي مش عاجبك أنس كله يا داليا... من يوم ما جه هو وخليل وحاسس إنه مش داخل دماغك أو مجبرة توافقي عليه. -عشان يارا مرديتش أضايقها، بس أنا يشوفه عيل. -عيل؟!! اتخرج من سنة وبيشتغل مع والده غير شغله الخاص. -الأمر يرجع ليارا...
أنا عايزة بنتي تبقى مبسوطة مع البني آدم اللي تحبه ويقدرها. -أنا أول واحد لو شفت فعل منه معجبنيش، هلغي الموضوع من أصله... دي بنتي الوحيدة واللي هيتجوزها لازم يعرف هو واخد مين. خرجت يارا ومكنش لسا جه. بصت في التليفون لقت سيارة تقف أمامها. اتخضت. نظرت له وكان هو. -اركبي. فتحت الباب وهي بتركب: -انت مش هتبطل الحركة بتاعتك دي... كنت هدوسني. ابتسم نظر إليها وهي تجلس بجانبه من الأعلى للأسفل. -إيه الجمدان ده؟
نظرت له وإلى نظراته عليها. اتكسفت. ابتسمت وقالت: -طب بص قدامك وامشي. *** كان إيهاب جالس بيفكر في فريدة. رن تليفونه. نظر ليجدها تسنيم. ففي تلك السنوات نشأت صداقة بينه وبينها. كان قليلاً ما يتحدثا، لكنها كانت رفيقة جيدة له. حيث شهد اهتمام منها، تعلق به لوهلة. أنها الشيء الجيد الذي اكتسبه عن طريق فريدة. كانت تسنيم في أوضتها وهي باصة التليفون والتوتر ممتلأ على وجهها. فتح إيهاب. ردت: -إيهاب. -أي يا تسنيم.
-فريدة عاملة إيه؟ مبتردش على تليفونها. تنهد وقال: -ساكتة، بس عايزة تعيط. -وانت عرفت منين؟ -عشان أنا عارف فريدة واللي جواها. سكتت وهي تشعر في كلامها فيه من حب وضيق. قالت: -مالك؟ -يعني مشفتيش اللي حصل؟ عرفت أنها محبة أنه يفكر فيها فقط. قالت: -كلنا مضايقين عشانها. إنشاء الله يرجعوا لبعض عادي. صمت إيهاب. فهل بالفعل ستعود له؟ كملت تسنيم بتأكيد: -ياما بيتخانقوا وياسين يصالحها. -بس المرة دي غير.
-معاك حق، واضح إن الخناقة كبيرة. الفرح وكل حاجة اتلغت في لحظة... بس هما بيحبوا بعض. كانت ترمق لها. حيث شعر بالضيق من مغزى كلامها عن حبهم. قال: -أكلمك بعدين. -فريدة عندك؟ -مع ماما... لي؟ -ممكن أكلمها. سكت قليلاً. فهل ستخبرها أن تعود إليه؟ تنهد وذهب. راح الأوضة اللي هي فيها، وكانت مفتوحة. نظر وجدها جالسة ووالدتها قريبة منها. -أنا عارفة إنك زعلانة دلوقتي، بس أي كان اللي حصل يا فريدة مش طول الوقت كده. طلاق يا بنتي.
-أنا مش هرجع تاني. -ماشي، خدي موقف تجنبيه لفترة، بس فكري تاني. الطلاق مش بالساهل ولا لعب عيال. سكتت فريدة، لكن بكت. نظرت لها بتفاجؤ من بكائها. قالت: -فريدة، مالك؟ كانت تبكي بحزن شديد. قالت: -أول مرة أحس إني مكسورة كده. كأن ما كان ياسين يسد فراغه قد ظهر، أنها لا شيء بدونه. حتى هما لا يسعهم مساعدتها فيها. تريده. أضايق إيهاب. دخل قال: -فريدة. نظرت له سلوى. تقدم منها جلس بجانبها. قال: -انتي مش لوحدك، أنا معاكي...
وأي حاجة أنتِ عايزاها هتحصل. نظرت له مما يقوله وعيناها مدمعة. مسح دمعتها وقال: -عايزة تطلقي... هيحصل. أنصدمت سلوى. وقالت: -انت بتقول إيه يا إيهاب؟ لازم ترجع لبيت جوزها. -فريدة مش هتخرج من هنا يا ماما، ومش هترجعله. -مالكش دعوة انت... ده بينا وبينهم وهما هيحلو بنفسهم. -كان في الأول، معدتش دلوقتي. نظرت له سلوى لتحده ينظر إلى فريدة التي كانت تخفض رأسها ولم تعلق على أي من كلامهم. قالت سلوى: -انت كنت جاي لي؟
افتكر إيهاب الذي كان حتى عشانه. افتكر أن تسنيم معاه على المكالمة. بص، لكن وجدها قفلت المكالمة. تعجب. قال: -كان في تليفون عشان فريدة. نظرت له. قالت: -مين؟ -تسنيم، بس قفلت. ممكن عشان طولت عليها. شعرت بالخيبة، فقد ظنت أنه هو. على الجانب الآخر، بعدما قفلت تسنيم المكالمة وامتزج وجهها بمعالم الحزن. قالت: -معقول اللي بفكر فيه يحصل؟ لا فريدة متعملش كده. تذكر في الصباح وهي تعرض نفسها للزواج من إيهاب.
إيهاب الذي أحبته هي طوال هذه السنوات. تعمل على التقرب منه وأصبحوا أصدقاء. لكنها كانت معجبة به واهتمامها به لم يكن سوى حب. *** في السيارة، كانت يارا جالسة مع أنس وشاردة. -فضيت وقتك الثمين ليا، كان بقالنا كتير مخرجناش. مسك أيدها وقال: -معلش... في الحالتين مبعجبش. -أه. رفع حاجبه باستغراب. ابتسمت وقالت: -كنت عارفة إنك اللي هتخليني أضحك. بما أن اليوم اتقلب نكد. ابتسم وسار بأنامله على يدها. قال: -نكد وأنا معاكي. نظرت له.
بعدت أيدها وهي تضرب كفه وتقول: -أنس. -إيه؟ تنهدت بقله حيلة، فهي تكلمه في شيء وهو ليس معها كعادته. قليل الاهتمام بأقل شيء من أمورها ولا يستمع إليها. -مقولتيش مالك؟ كنتي مخنوقة الصبح. -كويس إنك سألت. -اللي أعرفه إنك كنتي في فرح أخوكي، يعني جاية مبسوطة. -الفرح مكملش. -يعني إيه؟ -معرفش... افتكرت فريدة وهي تخرج باكية ودموعها تملأ وجهها وما قالته لإيهاب الذي أذهل الجميع. -كل حاجة اتغيرت فجأة ومنعرفش حصلهم إيه والفرح اتلغى.
-ممكن حصل حاجة بينهم. أردف ببساطة: -اكتشفت إنه بيخونها مثلاً. -إيه ال انت بتقوله ده؟ لا طبعاً. -أمال هيكون إيه اللي يخليهم يقرروا يلغوا الفرح بعد ده كله؟ -معرفش، بس أكيد مش زي تفكيرك. ياسين مش كده، وهما بيحبوا بعض من زمان، فجأة كده هيخونها يوم فرحهم. -والله يا روحي، أي راجل بيخون. قالت بثقة: -الراجل اللي بجد مبيخونش يا أنس... لأن في قلبه واحدة وبس. -مم، أنواع، حسب الواحدة اللي معاه. قربت منه وقالت بابتسامة سمجة:
-انت بقى بتخون؟ نظر إليها وقال: -لو خنتك هتعملي إيه؟ -هتعرفي وقتها. -متعرفيني دلوقتي. -ممم، جايز. مسكته من ملابسه بقوة ليصبح قريب منها لتقول: -أنا متخونتش، سمعتني؟ اتخضت أنس من فعلتها وهي تمسكه هكذا. قال: -يارا، في إيه؟ -عايز تعرف هعمل فيك إيه؟ هشوهك انت وهيا. توترت من كلامها الجدي. مسك أيدها وبيبعدها لتتركه. قال: -أهدأ يا يارا، أنا بهزر. -بعرفك بس. لا تكون ناوي تهرب ومن خطوبتنا اللي بعد شهرين. -هي بعد شهرين؟
-كمان مش فاكر؟ -ل... لا فاكر. -طب يوم إيه؟ سكتت. شعرت بالخيبة. سابته وبعدت عنه وهي تضم ذراعيها. قالت: -امشي. -يارا... -عايزة أروح. سكت ولم يجاملها. بص قدامه ومشي ولم يفتح الأمر، وكأنه تهرب كي لا تنكد عليه في يومه. فالصمت أفضل. *** رجع ياسين البيت الذي كان مهتماً بدونها. لم يتوقع أن يأتي يوم ولا تكون هنا معه. فلقد اعتاد وجودها. طلع أوضته وفتح أزرار قميصه. قعد ع الكنبة وهو يريح ظهره للخلف. رن تليفونه.
خرجه ليجد المكالمة من والد دارين. تنهد وفتح ليرد عليه. -ياسين... عرفت الخبر. -أيوه، كلموني الصبح. -كلموني بعدك ع كده، قولهم يدوني دارين. مش معقول، أخد الإذن منك عشان استلم بنتي... مش هستنى لما تيجي لسه وأمشي في إجراءات جنازتها. -محدش قال كده، هما بس ميعرفوش حضرتك. -هكلمهم حاضر. -تمام، شكراً يا ياسين. لسه هيقفل. قالت ديانا: -ياسين... انت كنت بتتكلم معاه؟ -لا. -هات أكلمه...
هات أسأله، اتجوز وعايش حياته وبنتي انتحرت بسببه. كان ياسين لا يزال معه ع الهاتف. -أهدأ. -اللعنة عليك يا ياسين... اللعنة على معرفتك اللي دمرت ابنتي. كانت تتحسن قبل معرفة زفافك من هذه الفتاة. قمت أنت بإعلان زواجك لتقم هي بقتل نفسها. قال بحده: -ديانا. بكت وقالت بحنق: -انت سعيد الآن؟ اتقضي ليلتك مع زوجتك... اللعنة عليك وعلى حبها اللي دمرها. أنتم الرجال لا تستحقون ذلك. ضمها وهو يربت عليها لتبكي بانهيار.
كان ياسين يستمع لكل هذا وصامتاً، راسخاً مثل الجبال. -ياسين... اعتذر لك. -لا بأس. -أرسل لها أسفي. -يصل. أنهى مكالمته وترك هاتفه مع صدى كلماتها تتردد بإذنه. -حبها. قتلت نفسها لأنها تحبه حين علمت أنه سيتزوج. ماتت بيوم زفافه. إذن، ألم يكن هذا صدفة؟ كانت تعلم أن اليوم سيتزوج. لم يكن حباً، بل كان أنانية. لا أحد يعرف الحقيقة التي يعرفها هو. فهو من تعمد ألا يخبر بها والديها. لذلك تركها على ذمته كي لا يكون محض أسئلة.
فبرغم أن والدها عاش في الخارج، لكنه عربي، رجل شرقي متمسك بتقاليد. وإن كان عرف شيئاً كما عرفه هو، كان سيؤذيها، بل سيتبرأ منها وليس كالآن. لهذا صمت ياسين لأنه لم يريد أن ينفرها والدها هو الآخر، فتسوء حالتها. انتظر حتى تتعافى وتعود كما كانت، ويقطع هذا الرباط. بقى معها لأنسانيته، برغم كسر قلبه الذي عاش يتألم بسببه، لكنه لم يفعل مثلها. بعد ذلك يصبح السيء... أنه السيء في رواية الجميع.
حط دراعه على عينه وهو يتنهد، تنهيظه عميقة مليئة بالحزن. وكأنه يشعر بأشواك عالقة في قلبه. -انتي فين؟ كان يناديها راجياً. فلو كانت معه لما كان هكذا. سيشعر بدفء فقط بوجودها وتربت على قلبه كما تفعل. أنه يحتاجها في ذلك الوقت كثيراً، وهي من تخلت عنه. خرج تذاكر من جيبه، وكانت تذاكر سفر. -فريدة. دخل وهو ينادي عليها، لقاها واقفة وبتبص في المراية. قال: -بتعملي إيه؟ -ياسين، أنا تخنت. تصلها باستغراب من سؤالها. ابتسم.
نظرت له وقالت: -بتضحك على إيه؟ دي مشكلة كبيرة. -لي؟ -كده الفستان مش هيجي عليا، وهبقى شكلي وحش. -زي ما انتي يا فريدة... جميلة. ابتسمت إليه. قالت: -أنا عارفة إنك بتقول كده عشان مأجلش الفرح. -فرح إيه اللي يتأجل؟ -فرحنا... منا لو تخنت هتستنى عقبال ما أخس ونعمله براحتنا. -مين اللي قالك إني هلغيه؟ أنا كنت بعد الأيام عقبال ما يجي اليوم ده. اتكسفت. لتلمع عيناها وتقول بسعادة: -وأنا كمان... مسكت أيده واردفت بمرح:
-مش مصدقة إن بعد يومين فرحنا، أنا فرحانة أوي يا ياسين. كان سعيداً وهو ينظر إليها. فهو سعيد أكثر منها. قال: -عايز أشوفك دايماً فرحانة. نظرت له بابتسامة رقيقة. ثم قالت: -كنت عايز إيه صحيح؟ -أه... خرج تذاكر من يده. نظرت له. خدتها منه قالت: -إيه ده. نظرت لتجد تذاكر لرحلة جوية. قالت بدهشة: -باريس... -كنتي عايزة تروحيها مش كده؟ -أيوه أوي... -إحنا هنروح الهاني مول في باريس. أومأ لها إيجاباً. لتعانقه وتقول بفرحة: -شكراً.
بادلها العناق النقي. بعدت عنه ونظرت إلى التذاكر. قالت: -انت بدلعني أوي على فكرة. -لو مش هعمل كده معاكي، هعمل مع مين؟ قال بحده: -ولا حد، أنا بس. ابتسم بخفة. لتبادله الابتسامة وسط أجواء هادئة تعمها الفرحة والسعادة. ها هو الآن جالس في غرفته بمفرده. بعدما كان من المفترض أن يكون معها، تجمعها غرفة وسقف واحد كما تمنى. لكن لا شيء يحدث كما يريده. لطالما أمنياته تنقلب ضده.
ويخشى أن تنقلب أمنيته في فريدة، فهذه لن يتحمل فيها خسارة أكثر. أنه جالس يشعر بالوحدة ليوم واحد غابت عنه فيه. -ياريتك بس سمعتيني. قال هذا بترجٍ وخيبة. كلما يتذكر كلماتها في الصباح وهي تنعته بالخائن والكاذب. حين يتذكر دموعها يشعر بالندم الشديد والضيق من نفسه. لكنه لطالما كان مخلص لها. لم يخنها بجسده أو بقلبه يوماً. ليتك تفهمين ذلك يا فريدة. أخشى أن تعاندي في كبريائك، فنجد أنفسنا لسنا سوى ذكرى عابرة بداخل الأخرى.
هذا من إحدى كوابيسي التي أخشاه ولم أفعل له حساباً. تنهد واستلقى على الأريكة بأرق من اليوم. وكان يفكر فيها لحين طلوع الصباح. سيكون عندها ليعيدها إليه. لا شك أنها تنتظره. *** كانت داليا جالسة وكل ما يشغل تفكيرها هو ياسين وحول ما حدث معه وفريدة. -داليا. نظرت لتجد محمود اقترب وجلس معها. قال: -لسا صاحية؟ -تقدر تكلم لي حد من معارفك في كندا؟ -كندا... لي يعني؟ -عايزة أعرف حاجة مهمة...
حاسة إن اللي حصل النهارده مع ياسين وفريدة ليه علاقة بهناك. *** بعد مرور يومين. في منزل أشرف، كان واقفاً ينتظره. جه ياسين. نظر له إيهاب. تجاهله ياسين واقترب من أشرف. قال: -فريدة فين؟ -قولتلها إنك جاية، بس هي رافضة. -أنا سبتها امبارح، زي ما قولت. أنها مش هتعرف تتكلم. قال إيهاب: -إحنا هنكدب عليك ليه؟ قال أشرف بحده: -إيهاب. كان ياسين متمالكاً نفسه. قال أشرف إليه: -فريدة موصلتش لقرار سليم. اعقدوا مع بعض واتفاهموا بنفسك...
بس منصحكش دلوقتي. تساءل هل زالت متضايقة منه ولا تريد رؤيته؟ وهو مشتاق إليها. أم أنهم يريدون أن يبعدوها عنه؟ قال: -نده لي... هشوفها وأمشي. كان قلقاً عليه ويريد أن يطمئن قلبه برؤيتها. فهو لم يراها بيومين بالكامل. نظر له أشرف. مشي، بس جت فريدة. وقالت: -جاي لي يا ياسين؟ نظر إليها وهي تدير بوجهها الخالي من مشاعر. وكأنها كانت تعلم بوجوده وهي من تمتنع لمقابلته بالفعل. -ممكن نتكلم لوحدنا؟ -مفيش حاجة نتكلم فيها.
وكأنها مصممة إخراجه أمام الجميع. قالت: -هو عمي مقلكش؟ استغرب ونظر إلى أشرف. وقال: -مقليش إيه؟ -إني عايزة أطلق. نظر لها بشدة. فهل لا تزال هذه الفكرة برأسها؟ قال: -تطلقي؟ -اه. ها هي كوابيسه تتحقق وترسمها أمامه بالابتعاد عنه. قال: -فريدة، أنتِ مش عارفة بتقولي إيه، ممكن تهدأي. -أنا عارفة كويس كلامي وبقولهولك دلوقتي إني مبقتش عايزة العلاقة دي تستمر أكتر من كده. نظرت له واردفت: -هي كانت غلط من الأول وهتفضل غلط.
سكت حين قال ذلك، وكأنها سلبت كل الكلام الذي يريد قوله. قال: -هجيلك في وقت تاني تكوني هديتي. كان حاسس أن نقاش سينتهي بشيء لم يرضيهما. لذلك قرر الذهاب. لكنها قالت: -وحتى لو جيت ياسين، قراري مش هيتغير. -إلى هو... نطلق؟ شايفة إن ده قرار صح. سكتت. تنهد واردف: -فريدة، أنا محتاجك جنبي. -إيه؟ عايزني أخفف عن جروحك ولا أطبطب عليك عشان مراتك ماتت؟ اللي هي تبقى ضرتي... مش أنا ياسين، أنا مبقتش عايزك وكفاية لحد هنا...
علاقتنا كانت غلط من الأول. صمت. ابتسمت وقالت: -طبعاً مش هترد، بس أنا قلبي بيتحرق لمجرد التخيل إني كنت طرف تالت، كنت عايشة معاك ده كله وكنت بتغفل، كنت بتروحلها وأنا قاعدة أستناك ومعرفش إنك معاها كل ده وأنت بتقولي إنك بتحبني عشان أكتشف يوم فرحي إنك متجوز. -أنا محبتش غيرك يا فريدة، حقك عليا متزعليش مني. بعدت وهي تقول: -كان الأول يا ياسين، بس مش دلوقتي. -يعني إيه؟ -ملفتهوش ده نظرك لحاجة ياسين؟
إن ربنا بينبهني من اللي كنت هقع فيه. -أنتِ مش فاهمة، أنتِ بتقولي إيه. -فاهمة وعارفة إن كنتي غلط من الأول. ولما نطلق هاخد إنسان بيحبني وبحبه. نظرت له مما قالته، ليقول ببرود: -عايزة تتجوزي؟ -اه، افتكرتني هعيش على ذكرياتك. -مين اللي بيحبك وتقصديه بكلامك يا فريدة؟ سكتت. ومرديتش وهي تنظر إليه وتعلمه أنه إيهاب. -أنا مش هطلق يا فريدة. نظرت له بشدة من ما قاله. ليردف: -همنعك من اللي بتحاولي تعمليه.
-مش هتقدر تمنعني يا ياسين، أنا معدتش العيلة اللي بتسمع كلامك على طول. قال أشرف: -فريدة... ادخلي دلوقتي. نظرت له وقالت: -أنا اديتك قراري، ولو كنت خايف تقف معايا في طلاقي منه، فأنا مش بخاف. نظرت له أشرف بشدة من ما قالته، فهي تعلن أن الكل يهاب ياسين. قالت سلوى بضيق: -فريدة، اعرفي إنك بتكلمي عمك اللي في مقام والدك. -مقصدتش حاجة، بس دي الحقيقة وأنا عارفاها. ياسين طلقني، أنا مش عايزة ألجأ للمحاكم. نظر لها بشدة. قال:
-محاكم؟ أدارت وجهها كي لا تنظر في عينه، وكان يعلمها أنها لا تستطيع النظر كي لا يكشف حبها. قال بغضب: -ما تردي... لو مش هطلقك هترفعي قضية؟ فاكرة إن القضية ممكن تكسبيها ضدي؟ نظرت له. فهل يهددها بفشلها وأنها لن تقدر عليه؟ -غلطانة يا فريدة، هتبقى زي ما دخلتي زي ما خرجتي. أنا محدش يجبرني على حاجة. -هتخليني معاك لي؟ هاا، هتعيش مع واحدة مش عايزك. خلاص، حتى قعدتي معاك مبقتش عايزها، هو بالعافية.
نظر لها الجميع بشدة، ولتدرك هي ما قالته. لم يجب قوله البتا. نظرت إلى ياسين. تقدم منها وتخطى أشرف الذي نظر إليه وقلق من ردة فعله. وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. رفع يده. نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام. تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها. قبل رأسها بحسرة شديدة. تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه. ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخالية، ليفجر هذا الصمت
بقنبلته الموقوتة ويقول: -انتي طالق. بارت ٢١ تفااااااااااااااااااعل🧡 منك لله يا فريدة😭، معلش ع التأخير بس كان ورايا امتحانات وباخد هدنة ومعرفتش أكتب. قال ياسين: -أنا مش هطلق يا فريدة. قالت فريدة بغضب: -هتخليني معاك لي؟ افهم بقى، إحنا خلاص مش لبعض... هتعيش مع واحدة مش عايزك، هو بالعافية. نظر لها الجميع بشدة، ولتدرك هي ما قالته. لم يجب قوله البتا. نظرت إلى ياسين. تقدم منها وتخطى أشرف الذي نظر إليه وقلق من فعله.
وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. رفع يده. نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام. تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها. قبل رأسها بحسرة شديدة. تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه. ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخالية، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول: -انتي طالق. تصل الجملة في مسامعهم جميعاً. نظرت فريدة له بشدة، بعد عنها وكأنه كان يودعها. ليلفت وهو يذهب.
صاحت فريدة وهي تقول: -بكرهك يا ياسين. توقف ليتردف بصوت أجش: -ندمانة إني عرفتك. شعر بالحزن لتسهيل دمعة صامتة من شدة قهره. نظر أمامه وذهب دون أن ينطق ببند كلمة أخرى أو يلتفت وينظر إليها حتى. نظرت له بعدما ذهب، وكان الغضب ممتلكها. ذهبت بضيق شديد لتختفي عن ناظري الجميع. دمعت عينيها بحزن وغضب وضيق. كانت مشاعر مختلطة تتأجج في غضبه. دخلت الأوضة لتسيل دموع من عينيها.
ارتمت على السرير وهي تبكي بحزن شديد، ولا تزال الجملة تتردد بأذنها. -بكرهك ياسين... بكرهك. لقد طلقها، انتهى الأمر إلى هنا بعد حبهما. كل ذلك قد انتهى في لحظة. كان إيهاب عينه معلقة على غرفة فريدة. تنهد أشرف وجلس بضيق من ما حدث. ذهب إيهاب. نظرت له سلوى. قالت: -إيهاب. -رايح فين؟ -هشوف فريدة. -يفضل تسيبها دلوقتي. سكت، بس كان مضايق من اللي حصل. وهل ممكن أن تكون حزينة على طلاقها؟ لم يستمع إلى والدته وراح يشوفها. طرق ع الباب.
دخل شافها قاعدة وكانت تمسح وجهها. -فريدة. لفت نظر إليها، لم تكن تظهر دمعة واحدة، لكن عينيها يبدو عليها الدمع. -انتي كويسة؟ ردت بلا مبالاة: -أفضل. تعجب كثيراً. لتردف: -فكرت في اللي قولته لك. لم يفهم، لكن نظرت له وعرف ما ترمق إليه. *** رجع ياسين إلى بيته والحزن متتلأ وجه. مشي. قالت الخادمة: -ياسين بيه، نحط الغداء؟ -لا... مش عايز حد يدخل علي. نظر إليه وهو يتوجه لغرفة فريدة. دخل وأقفل الباب عليه. تعجب.
وكان واقف في غرفتها يخطو بقدماه. لا تزال رائحتها تملأ الغرفة، رائحة العطر الزهوري الذي تفوح منها. سمع صوت صريخ داخل رأسه لمشهد لها وهي تركض إليه وتمطى على ظهره. "ياسين... ف... ف فاار... ورا الستارة." حين اكتشف أنه لم يكن سوى طائر صغير قد علق. "أهدأ، ده هو اللي خايف منك." لتخفض عينيها بحرج من نفسها ولم تنطق. ليبتسم عليها. رفعت عينيها ونظرت إلى ابتسامته، فبادلته البسمة الرقيقة التي كان يعشق رؤيتها.
شعر ياسين بغصة قوية في حلقه من التذكر وحرقة في عينه تهلك أوتار بصره. "تعرف إن بحس إن بابا لسا موجود وأنت معايا." "لما بتقولي كده بحس إني كبير في مقام والدك." "في حنانه مش في السن، اهتمامك بيا وإنك بتحاول ترضيني ده كفيل يحسسني بالأمان اللي كنت حاسة بيه في وجود بابا... كنت مدلعة زيادة، حتى صحابي كانوا بيضايقوا من تصرفاتي شوية، بس ده كان بسبب دلع بابا." "خدت بالي." "كنت مدلعة؟ أومأ وهو يقول: "شويه." نظرت
له وقالت وهي تحسن الأمر: "وانت كمان هدلعني زيه كده واهتمامك ميقلش بعد الجواز زي بقيت الرجالة... وإلا... رفع حاجبه باستنكار: "إلا إيه؟ قالت ببساطة: "هرفض طلبك مني للجواز." "ده على أساس إننا مش متجوزين؟ "امم، لا مفيش حاجة تثبت ده." اقترب منها وقال: "بس أنا أقدر أثبتلك." نظرت له بشدة من مغزى كلامه الجريء، لتحمر وجنتيها بخجل شديد وتذم بشفتيها وتقول بضيق وحرج: "مكنتش أعرف إنك قليل الأدب." رد عليها بهدوء:
"هتتأكدي بعد الجواز." صاحت وهي تنكزه: "يااااااسين." ابتسم عليها. فكان يجب رؤيتها خجلة وجهها محمر ولا تستطيع النظر إليه. يحب رؤية حيائها كثيراً ومضايقتها، ليرى أنه لم يحب سوى طفلة. لحد اليوم، أنه تأكد أنه أحب طفلة غير مسؤولة لا تدري أي شيء عن ماهية العلاقة وقوتها. فلقد أنهت حبهم في لحظة غضب دون أن تعطيه فرصة. لتستمتع له، وهو الذي أفنى سنين بجانبها، يستمع إليها فقط.
"أنا عايزة أطلق، مش عايزك. هتخليني أعيش معاك بالعافية، هو إجبار، متفهم بقى، انتهينا." جمع قبضته بضيق شديد وهو يتذكر كلامها. لقد تحكم في غضبه، لكنه متضايق منها كثيراً. لقد مست رجولته وتحمل لأنها متضايقة منه، لكن لم يستطع أن يرفض ما تقوله وأن يجعلها على عاتقه وهي لا تريده. فذلك كان سيقلل من نفسه، ليس إلا. لهذا أنها كل شيء كما تريد هي. -انتي اللي نهيتينا يا فريدة. دمعت عينه ليخفض رأسه ويقول بصوت مبحوح وقهر:
-الشخص الوحيد اللي قدر يفهم معنى اللي جوايا هو والدك، وهو بنفسه اللي نصحني متكلمش. *** -كل ده حصل معاك هنا؟ نظر إلي يعقوب الذي قالها وهو يجلس بجانب ياسين الذي لا يزال لديه ضمادة ملتفة حول رأسه أثر الحادث. -انت الوحيد اللي قدرت أتكلم معاه وأحكيله... ممكن لأن أول مرة أحس نفسي تايه أوي وحاسس بنار تدمرها وتدمرني معاها... نظر إلى يده وقال: -حاسس بالعجز. -وأول ما سمحوا لك تخرج جيت ع مصر...
زي عادتك ملجأك الهروب من أي مشكلة بتحصلك. -بس دي مشكلة... دي خيانة. لو كنت مشيت خوفاً عليها، أنا مش عايز أعمل حاجة أندم عليها وأحس بالذنب. -الذنب الحقيقي هو نفسك يا ياسين، اللي هي فيه بسببك. أنت ذنبها. سكت. نظر يعقوب إليه ومن حالته الذي لأول مرة يرى ياسين فيها شخص تمتلأ عينه بالغضب ونيران قلبه الذي تريد الانتقام، وبين شخص قليل الحيلة يشعر بما تعانيه ويشفق عليها ولا يريد أن يؤذيها أكثر مما تعرضت له.
كان يعقوب يعلم ما يحول في بال ياسين. ابتسم بهدوء قال: -انت مش عايز تأذيها، مش كده؟ نظر له من ما قاله: -لحد الآن لا، ممكن لأن جوايا حاجات كتير مانعاني. أولهم إني عايزها ترجع عشان أعرف كل حاجة. -تفتكر لو عرفت ده هيكون في صالحك؟ انت مبين شخص بيقولك إنها مخنتكش، وده لأنك حبيتها، وشخص بيقولك إنك اتخانت، والغضب عاميه، وده ياسين اللي أنت بتحاول تمنعه. سكت رأسه من كثرة التفكير الذي كان خطأ عليه. قال:
-كل حاجة ضدي، مبقتش عارف أعمل إيه... ممكن العيب مني. -لو هتتحمل أخطاء غيرك، يبقى هتتعب في الدنيا دي كتير. الشخص الناقص ده بيبقى من عنده، مش عيب في غيره خلاه يعمل كده. شعر ياسين بالحزن. فلماذا إذا؟ لماذا تخونه وهو كان يعطيها كل شيء؟ -طلقتها؟ -لسا... الطلاق هناك بيقولوا هيسألوا عن سبب الانفصال وأهلها. -مش عايز تذكر السبب. سكت ياسين، فهو لا يريد أن يبعدها عن والدها أيضاً أو ينفرها منه.
مد يعقوب يده بزجاجة مياه لياخذها منه. -متقولش لحد. نظر له ياسين من ما قاله: -كفاية اللي حصلها... في النهاية ربنا مبيسبش حق حد. واديك شايف خسارة النفس بتهلك البنأدم. ومتفتحش الموضوع مع أي حد كان، سواء كان حاضر أو ماضي، فهو انتهى وركز في حياتك الجاية. الدنيا موقفتش. كان يحفزه ويديه دعماً. قال: -أنت شايف كده؟ -مش ده نفس تفكيرك؟ وكأنه كان يعلم أن هذا كلام ياسين أيضاً، فقاله تأكيداً له أنه صحيح ولم يخطأ.
ربت على كتفه الهزيل أثر التعب البادي عليه. *** كان يعقوب لم يكن سوى تحريك ذهني لياسين الذي سار على منهجه. فكان قريب لمكانه والده. وهو بنفسه الذي أخبره أن الماضي لن يفعل شيئاً سوى تدمير حاضره. لذلك فلا داعي من فتحه. بالفعل ياسين التزم صمته المهيم طوال سنواته الذي كان يصارع داخله. لكن لم يأتِ يوم ويبوح لأحد عن شيء وفضل الصمت. لمن لم يعلم أن هذا سيأتي بخراب لحياته أيضاً.
وكأن في الحالتين مقدر له أن لا تكون حياته مستقرة يوماً. "انت كداب وخاين... مش انت ياسين اللي رسمتهولي... كنت بتستغفلني وتروحلها وتقولي شغل... عايزني أداوي جرحك من مراتك الأولى اللي هي تبقى ضرتي... مش أنا ياسين، أنا مبقتش عايزك وكفاية لحد هنا... علاقتنا كانت غلط من الأول." سالت دمعة من عينه من تذكر كل كلامها. كأنها انتهزت فرصة لتتركه كالذي يبحث لحجة لشخص ولم يجد. فرأى كثرة حبه خطأ ليتركه. -حبك كان ضعيف أوي كده.
"بكرهك يا ياسين... سمعتني، بكرهك... وندمانة إني عرفتك." لتخور قواه عند تذكر ما قالته له. أنها الآن نادمة عليه. لماذا؟ ماذا فعل حتى تنهيه هكذا؟ لم يكن يريد غيرها. وكانت تعلم وتثق بحبه الشديد لها. لذلك أرادت إخضاعه. استغلت حبه وأنه لحد الآن غير حزين منها. لماذا استغلتي ضعفي يا فريدة؟ تثقين بحبي وإني لن أتخلى عنك، فتخليتي أنتِ. فقط كنت أسعى للبقاء معك. ما لي لا أرى سوى نفسي غارقاً في خيبات قلبي وذكريات تركتيها لي. أنتِ.
*** في اليوم التالي، على السفرة كانت تجلس سلوى مع أشرف ع الغداء. جه إيهاب وجلس. قال: -فين فريدة؟ نظروا إليه. قالت سلوى: -دخلت عليها لقيتها نايمة، محبتش أصحّيها. قال أشرف: -بس دي مأكلتش من امبارح... كده يحصلها حاجة. قالت سلوى: -أول ما تصحى هبعتلها الأكل. كانت سهرانة امبارح ومنمتش. أومأ بتفهم. قالت سلوى: -ياسين مكلمش. نظر لها إيهاب من ذكر اسمه. قال أشرف: -هيكلمني إيه؟ هو مش خلاص؟ -يعني إيه؟ مش هتعمل حاجة؟
-هعمل إيه يا سوي؟ هي مش كانت عايزة تطلق؟ أهو طلقها من غير ما أنا أكلمه حتى. -ممكن لحظة غضب ويرجعها. قال إيهاب: -فريدة مش لعبة عشان يطلقها وقت ما هو عايز ويرجعها تاني. لي؟ معندهاش كرامة؟ نظر له والده من كلامه. قال: -وانت عايز إيه يا إيهاب؟ تتجوزها مثلاً؟ -أه. نظروا إليه بشدة. قال: -إيه؟ قلت حاجة غلط؟ أنا بحب فريدة من زمان وعايزها، وهو اللي خدها مني. -محدش خدها، هي اللي حبته. -ودلوقتي حبهم خلص، ومعدش فيه ياسين.
-وهي بقا عايزة إياك زي ما أنت عايزها؟ -فريدة هي اللي قايلالي، وأنا موافق. نظرت له سلوى بشدة. قالت: -قالتلك إيه؟ قال أشرف: -إمتى؟ قال إيهاب: -امبارح. -قدر لسا بتحبه؟ فاكر هتنساه بالسهولة دي؟ انت اللي هتتأذى مش هي. بتستخدمك عشان هو؟ تفتكر قالتلك كده يومها لي؟ لأنه كان موجود. -وامبارح مكنش موجود... فريدة ليا ومش هتكون لغيري، وأنا عارف أرجعها إزاي. نظر له أشرف من إصرار ابنه وما يحول في عقله. قالت سلوى:
-أنا مش موافقة ع جوازك منها. هي نفس البنت اللي اتخليت عنك يا إيهاب، أنا مش عايزك تنكسر تاني. -وأنا كنت نسيت الأولاني. أنا لحد النهارده بحبها ومش فارق معايا حاجة غير أنها تبقى معايا. -بس اديك استقريت، هترجع للهم ده تاني؟ مش كنا خلصنا؟ -أنا قلت اللي عندي، لو عايزين تقفوا لابنك في جوازه بجد. وكأنه أبداً أمام الأمر. قالت سلوى: -ما تتكلم يا أشرف. كان صامتاً. نظر له إيهاب، وهل ممكن أن يمنعه؟ قال: -بابا، بعد إذنك. -انت حر.
نظرت له سلوى بشدة. ليردف: -بس أنت اللي هتتحمل نتيجة اختيارك. أومأ له بتفهم ومشي، وكأنه غير مبالي. قالت سلوى: -انت هتسيبه يتجوزها؟ -مش انتي شايفة ابنك؟ فكرك لو اعترضت مش هيعمل اللي في دماغه؟ منتي عرفاه. لو كان عندي اعتراض ع جوازهم، فهي ع الطريقة والنتيجة بعدين. بس فريدة مفيهاش حاجة تعيبها، دي بنت أخويا. -بس عيلة، واللي حصل أثبت إن تفكيرها متسرع لما خلت ياسين يطلقها. مش بعيد تكون بتستغل ابني عشانه.
-سيبها ع ربنا يا سلوى. سكتت بقله حيلة وكانت قلقة. *** كانت داليا بتتكلم في التليفون. -ماتت؟!! قالت ذلك بصدمة. -انت متأكد من اللي بتقوله؟ روحت واتأكدت من المستشفى... تمام. قفلت الهاتف وهي في دهشة. قالت: -دارين ماتت. تفتكر ياسين وفريدة وما حدث بينهم. معقول لهذا السبب إذا كان زواجهم قد فشل بسبب ذلك الخبر. -هي فريدة مكنتش تعرف إنه متجوز؟!!! كانت عايزة تكلم ياسين وزعلانة عليه، فبطبع فيه هموم الدنيا الآن.
لكن تعلم أنه لن يرحب بوجودها وسييراها تتطفل عليه. لكنها حزينة عليه بالفعل، وحزينة على فريدة. أنهما الاثنان قد تأخذهم الحياة لمجرى الغرباء. -أستاذة داليا. كانت مساعدتها تقاطع شرودها. -نعم. -مستنين حضرتك عشان يبدأوا البرنامج. أومأت لها وذهبت معها. *** الشركة. دخل ياسين متوجهاً لمكتبه. نظر له موظفينه، فهو كان سيأتي بعد شهر على الأقل. نظر إليهم قال بحده: -كل واحد ع شغله. التفت جميعهم بخوف. رآه ميرال وأنور.
تفاجؤوا، فليس من عادة ياسين أن يغضب في الصباح هكذا. قال أنور: -ياسين ماله؟ قالت ميرال: -مش عارفة، هروح أشوفه. شكله ميطمنش. مشيت. نظر لها أنور. دخلت ميرال لمكتب ياسين، وكان يقلب في ملف ويقول: -الملف ده مترجعش لي لحد دلوقتي. حطه على جنب بضيق. نظرت له وإلى انفعالاته. قالت: -هرجعه بنفسي. قربت ونظرت إليه وملامحه. قالت: -ياسين... مالك؟ نظر إليها من سؤالها ونظراتها إليه المليئة باهتمام. امتثل البرود. وقال: -مفيش.
قربت منه وبصتله. قالت: -فيه... نظر إليها لتردف: -أول مرة أشوفك مضايق كده. لم يرد عليها. قالت باستدراك: -فريدة مش كده؟ روحت لها ولا لسا؟ حين تذكر ياسين البارحة، خارت قواه. -ياسين... اتصالحته؟ فهمت الحقيقة ولا لسا؟ -طلقتها. اتسعت عيناها بصدمة. ورأت حزنه الظاهر في عينه، لاول مرة لا يستطيع ياسين في كبحه. -مأدتنيش فرصة أفهمها. شعر بغصة في حلقه، وكانت ميرال لا تصدق ما تسمعه. ألم يعد هناك فريدة بعد الآن؟ هل طلقها؟
نظرت إليه وشعرت بالحزن عليه. قالت: -زعلان؟ مسكت أيده واردفت: -ده قدر، ومحدش عارف إيه اللي مستخبي. -أنا اللي وصلنا لهنا. -كان مفروض تسمعك. هي اتسرعت لما حكمت عليك. نظر إليها وهي تمسك بيده وتحاول تهدأته. قال: -مسافرتيش لي؟ -مش هاين عليا أسيبك لوحدك. صمت قليلاً من ما قالته واهتمامها به الذي لطالما كانت هكذا تفضله من بين الجميع وتقف بجانبه. مثلما كان في المشفى وفتح عينه وجدها هي الباقية بجانبه. -شكراً يا ميرال.
وكأنه ممتن لها على كل ما فعلته معه. ابتسمت له. قالت: -ع إيه؟ كان أنور واقفاً عند الباب ومجمع قبضته وهو ينظر إليهم من ميرال الذي تمسك يد ياسين وقريبه منه ومن نظراتها إليه. ابتعدت. وقالت: -أعملك قهوة معايا؟ -مش عايز. -هعملك أنا، عارفة نوع قهوتك المفضلة. قالت ده بحزم وهي تخرج وتتركه. تنهد ياسين ليبدأ في عمله، لكن تذكر فريدة. "هقعد معاك بس متطردنيش زي المرة اللي فاتت." "لسه زعلانة؟ "مش هفتكر اللي فات لأنك كنت غريب."
"ودلوقتي؟ "بقيت أغرب... بس غرابتك دي أحلى من عموضك اللي بيخوف." "ممكن لأن دلوقتي مش غريب... أنا بقيت قادر أتنفس برجودك." "عايزاك كده طول الوقت." كانت ذكرياته تحرقه من الداخل، وكأن نيران اجتمعت وتأمرت على حرقه. أنها لا تسعى من مغادرة رأسه حتى العمل لا يستطيع أن يديره بسببها. مسك رأسه بضيق، يشعر بأنه السبب فيما هو عليه. يشعر بالعجز والغضب منها، لكن وبرغم ذلك... لا يزال يحبها ويشتاق لها كثيراً.
كانت ميرال تعمل القهوة إلى ياسين وهي تريد أن تنال إعجابه. -فرحانة. نظرت إلى الصوت، وكان أنور الواقف عند الباب وينظر إليها. قالت: -أنور... انت هنا من إمتى؟ -من وانتي بتعمليله القهوة بدقة عشان تعجبها. استغربت من لهجته. قالت: -مالك؟ انت كويس؟ -أنا كويس، بس بسألك انتي إذا كنتي كويسة ولا أفضل عن أي يوم. كانت تقلب بالملعقة. قالت: -هبقى أفضل لي؟ عادي يعني. -عشان طلقها، مثلًا. توقفت عن التقليب حين قال ذلك. نظرت له. قالت:
-عرفت منين؟ -سمعته وهو بيقول. أومأت بتفهم. قالت: -اممم، زعلت عشانهم. -زعلتي بجد. استغربت كثيراً ونظرت له من نظراته الموجه نحوها. ارتبكت وقالت: -قصدك إيه؟ -فكرك إن ياسين نسيها بين يوم وليلة... بالعكس، هيفضل فاكرها حتى لو مرجعوش، لأنه حبها بجد... زيك كده يا ميرال. -زي إيه؟ قرب منها وقال: -متعلقة بيه أوي ومش قادرة تمشي حياتك اللي وقفتيها عليه من ١٠ سنين. أفادت نظراته الذي تتقربها، وكأن أمرها قد كشف. قالت:
-مش عارفة انت بتتكلم عن إيه. -انتي أكتر واحدة عارفة كل حاجة ماشية إزاي، بس بتعملي عبيطة... نظرت له ليردف: -الحكاية مخلصتش، مدام لسا بيحبوا بعض. نظرت له بشدة. قال: -ياسين بيحبها، وده سبب عصبيته دلوقتي... هتعرف تخلصه من حبها؟ -طلقها. استغربت من إلى قالته. كملت: -معدش فيه فريدة، وهي اللي اختارت ده. معناه مجرد وقت وهينساها. -ومنسيس دارين ليه؟ وقف حياته عشانها. -منسيبهاش من الجرح اللي عملتهوله، بس اتخلص من حبها.
-وفريدة معملتش حاجة، بالعكس عملت اللي تخليه يفتكر بيها، وهي إنها رجعت ياسين وخلصته من ماضيه. ياسين لو بقى سوي نفسياً مع نفسه، فده بسببها وعيشته معاها. -اديك قلت، خليته سوي، قادر ينسي ويعالج نفسه بنفسه، معدش محتاج حد... معاناته هيفتكرني كذكرى ويشزف حياته. نظر لها من ردودها عليه. قال: -انتي فرحانة بجد فيهم؟ نظرت له حين قال ذلك. -أنا لا فرحانة ولا مضايقة، مش عارفة انت بتقول كده لي... أنا بس بفكر في ياسين، هو اللي يهمني.
-ومفكرتيش في نفسك لي قبله؟ لم تفهم ما يقوله. قالت: -أفكر في نفسي إزاي؟ -عيبك إنك بتفكرى فيه... والدليل إنك خدتي كلامي كله على ياسين ومخدتهوش عليكي، وإلى أنا قصده. توترت. خدت الفنجان. قالت: -مالك يا أنور، انهارده عمال تقول كلام فلسفي زيادة. قرب منها قبل أن تذهب. نظرت له. تقدم منها، عادت للخلف. مسك أيدها. قال: -لي؟ تعجبت لتجده يقبض على يدها بقوة. نظرت له، فهي لأول مرة ترى تلك النظرة الباهتة من أنور وعينه الحادة تلك.
قرب منها أكثر حتى لم يعد هناك ما يفصلهم سوى بضع بوصات. اقترب من شفتاها. نظرت له ميرال. قالت: -أنور. لكنه لم يتوقف. شعرت بشفتاه، وكان على وشك تقبيلها. لكنه همس من بينهم وهو يقول: -تعبتي أنور معاكي ياميرال... اتعذب كتير أوي، ولسه هيتعذب أكتر الفترة الجاية. نظرت له. ليرفع أعينه إليها: -فريدة بعدت، فياسين قلبه معاها، مش هيتخطاها يالسهولة دي... متتوهميش نفسك. قال ذلك وبعد عنها ومشي. نظرت له من كلامها حتى اختفى عن عينيها.
وكانت تشعر بالضيق والحزن. مسكت ذراعها بقله حيلة وهي تجز على شفتاها وتقول بصوت أجش: -مش بإيدي. لتسيل دمعة من عينها وهي تعلم أن ما يقوله صحيح. أنها وقعت في حب معتم. وقعت في خطيئة ستؤدي لهلاكها، وهي استسلمت لذلك. *** في اليوم التالي، كانت فريدة جالسة تنظر في الفراغ بتفكير مما أصبحت عليه. طرق الباب. سمحت له بالدخول. دخل إيهاب. نظر إليها. قال: -فريدة، انتي ماشية؟ -اه. -لي؟ -عايزة أبقى لوحدي ومش عايزة أتقل على حد.
-بابا قالك حاجة زعلتك؟ -لا. هو رافض خروجي من هنا لوحدي، أنا اللي عايزة ده. وقف لتذهب. نظرت له. قالت: -انت كنت عايز إيه؟ -حضري نفسك بليق. قالت بعدم فهم: -لي؟ -هنروح عند المأذون. نظرت إليه واردف: -هكتب عليكي. نظرت له بشدة ولم تستطع الرد، وكأن الكلام علق في حلقها. نظر لها إيهاب من تعبيراتها. قال: -قلتي إنك عايزة نتجوز، مش كده؟ وأنا موافق. -أيوه ب... بس... انهارده... بسرعة دي؟ -أه... -ولا انتي معترضة؟ -لا يا إيهاب.
-يبقى مفيش مشكلة. مشي. أوقفته وقالت ببرجلة في كلامها: -بس ليه الاستعجال؟ إحنا مورناش حاجة... لسا من يومين كنت... قاطعها وهو يقول: -لو انتي عايزاني بجد يا فريدة. نظر لها بطرف عينه. وقال بجدية: -تبقى مراتي، يلا... قولتي إيه؟ *** كان ياسين خارج رايح لشغله، وكان هيركب العربية. وقف لما شاف داليا واقفة عند عربيتها وتنظر له وكأنها كانت منتظرة رؤيته. تعجب كثيراً من رؤيتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!