الفصل 35 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نور

المشاهدات
19
كلمة
4,591
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

قال ياسين: –أنا مش هطلق يا فريدة. قالت فريدة بغضب: –هتخليني معاك ليه؟ افهم بقى، إحنا خلاص مش لبعض. هتعيش مع واحدة مش عاوزاك، هو بالعافية؟ نظرت إليها الجميع بشدة، لتدرك هي ما قالته. لم يجب. نظرت إلى ياسين. تقدم منها وتخطى أشرف، الذي نظر إليه وقلق من فعله.

وقف أمامها مباشرة لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها. رفع يده. نظرت له، لكن وجدته يمسك وجهها برفق تام. تعجبت من هدوئه، فهي ظنت أنه سيغضب عليها كثيراً من كلامها. قبّل رأسها بحسرة شديدة. تفاجأت من فعله، وكان الجميع ينظر إليه. ليبتعد قليلاً وينظر إليها بعينيه الخاليتين، ليفجر هذا الصمت بقنبلته الموقوتة ويقول: –أنتِ طالق. اتصلت الجملة في مسامعهم جميعاً. نظرت فريدة له بشدة. ابتعد عنها كأنه كان يودعها، ليلتفت وهو يذهب.

صاحت فريدة وهي تقول: –بكرهك يا ياسين. توقف ليتردف بصوت أجش: –ندمانة إني عرفتك. شعر بالحزن لتسيل دمعة صامتة من شدة قهره. نظر أمامه وذهب دون أن ينطق بكلمة أخرى أو يلتفت وينظر إليها حتى. نظرت له بعدما ذهب، وكان الغضب يمتلكها. ذهبت بضيق شديد لتختفي عن ناظري الجميع. دمعت عينها بحزن وغضب وضيق، كانت مشاعر مختلطة تأجج في غضبتها. دخلت الغرفة لتسيل دموع من عينها. ارتتمت على السرير وهي تبكي بحزن شديد، ولا

تزال الجملة تتردد بأذنها: –بكرهك يا ياسين.. بكرهك. لقد طلقها. انتهى الأمر إلى هنا. بعد حبهما، كل ذلك قد انتهى في لحظة. كان إيهاب عينه معلقة على غرفة فريدة. تنهد أشرف وجلس بضيق من ما حدث. ذهب إيهاب. نظرت له سلوى. قالت: –إيهاب. توقف ونظر لها. قالت: –رايح فين؟ –هشوف فريدة. –يفضل تسيبها دلوقتي.

سكت، لكن كان مضايقاً من اللي حصل، وهل ممكن أن تكون حزينة على طلاقها. لم يستمع إلى والدته وراح يشوفها. طرق الباب، دخل. شافها قاعدة وكانت تمسح وجهها. –فريدة. لفت نظر إليها. لم تكن تظهر دمعة واحدة، لكن عيناها يبدو عليها الدمع. –انتي كويسة؟ ردت بلا مبالاة: –أفضل. تعجب كثيراً لتردف: –فكرت في اللي قلتهولك. لم يفهم. لكن نظرت له وعرف ما ترمق إليه. *** رجع ياسين إلى بيته والحزن يملأ وجهه. مشى. قالت الخادمة:

–ياسين بيه، نحط الغدا؟ –لا… مش عايز حد يدخل عليّ. نظر إليه فهو يتوجه لغرفة فريدة. دخل وأقفل الباب عليه. تعجب. وكان واقفاً في غرفتها يخطو بقدميه. لا تزال رائحتها تملأ الغرفة، رائحة العطر الزهوري الذي يفوح منها. سمع صوت صراخ داخل رأسه لمشهد لها وهي تركض إليه وتمسك على ظهره: "ياسين.. ف.. فـاار.. ورا الستارة." حين اكتشف أنه لم يكن سوى طائر صغير قد علق. "اهدّي، ده هو اللي خايف منك."

لتخفض عيناها بحرج من نفسها ولم تنطق. ليبتسم عليها. رفعت أعينها ونظرت إلى ابتسامته، فبادلته البسمة الرقيقة الذي كان يعشق رؤيتها. شعر ياسين بغصة قوية في حلقه من التذكر وحرقة في عينه تهلك أوتار بصره: "تعرف إني بحس إن بابا لسه موجود وأنت معايا." "لما بتقولي كده بحس إني كبير في مقام والدك."

"في حنانه مش في السن. اهتمامك بيا وإنك بتحاول ترضيني، ده كفيل يحسسني بالأمان اللي كنت حاسة بيه في وجود بابا. كنت مدلعة زيادة، حتى صحابي كانوا بيضايقوا من تصرفاتي شوية، بس ده كان بسبب دلع بابا." "خدت بالي." "كنت مدلعة؟ أومأ وهو يقول: "شوية." نظرت له وقالت وهي تحسن الأمر: "وانت كمان هدلعني زيه كده، واهتمامك ميقلش بعد الجواز زي بقية الرجالة… وإلا؟ رفع حاجبه باستنكار: "إلا إيه؟ قالت ببساطة: "هرفض طلبك مني للجواز."

"ده على أساس إننا مش متجوزين." "امم.. لا، مفيش حاجة تثبت ده." اقترب منها وقال: "بس أنا أقدر أثبتلك." نظرت له بشدة من مغزى كلامه الجريء، لتحمر وجنتاها بخجل شديد وتضم شفتيها وتقول بضيق وحرج: "مكنتش أعرف إنك قليل الأدب." رد عليها بهدوء: "هتتأكدي بعد الجواز." صاحت وهي تنكزه: "ياااااسين." ابتسم عليها. فكان يجب رؤيتها خجله وجهها محمر ولا تستطيع النظر إليه. يحب رؤية حيائها كثيراً ومضايقتها ليرى أنه لم يحب سوى طفلة.

لحد اليوم، أنه تأكد أنه أحب طفلة غير مسؤولة لا تدري أي شيء عن ماهية العلاقة وقوتها، فلـقد أنهت حبهم في لحظة غضب دون أن تعطيه فرصة لتستمتع له، وهو الذي أفنى سنين بجانبها يستمع إليها فقط. "أنا عايزة أطلق.. مش عاوزاك. هتخليني أعيش معاك بالعافية، هو إجبار. متفهم بقى، انتهينا."

جمع قبضته بضيق شديد وهو يتذكر كلامها. لقد تحكم في غضبه، لكنه متضايق منها كثيراً. لقد مست رجولته وتحمل لأنها متضايقة منه، لكن لم يستطع أن يرفض ما تقوله وأن يجعلها على عاتقه وهي لا تريده، فهذا كان سيقلل من نفسه ليس إلا. لهذا، أنها كل شيء كما تريد هي. "أنتِ اللي نهيتـينا يا فريدة.. دمعت عينه ليخفض رأسه ويقول بصوت مبحوح وقهر: "الشخص الوحيد اللي قدر يفهم معنى اللي جوايا هو والدك، وهو بنفسه اللي نصحني متكلمش."

"كل ده حصل معاك هنا؟ نظر إليه يعقوب الذي قالها وهو يجلس بجانب ياسين، الذي لا يزال لديه ضمادة ملتفة حول رأسه إثر الحادث: "انت الوحيد اللي قدرت أتكلم معاه وأحكيله.. ممكن لأني لأول مرة أحس نفسي تايه أوي وحاسس بنار هتدمرها وهتدمرني معاها." نظر إلى يده وقال: "حاسس بالعجز." "واول ما سمحولك تخرج جيت ع مصر.. زي عادتك ملجأك الهروب من أي مشكلة بتحصلك."

"بس دي مشكلة.. دي خيانة. لو كنت مشيت خوفاً عليها، أنا مش عايز أعمل حاجة أندم عليها وأحس بالذنب." "الذنب الحقيقي هو نفسك يا ياسين، اللي هي فيه بسببك. انت ذنبها." سكت. نظر يعقوب إليه ومن حالته، الذي لأول مرة يرى ياسين فيها شخص تمتلئ عينه بالغضب ونيران قلبه الذي يريد الانتقام، وبين شخص قليل الحيلة يشعر بما تعانيه ويشفق عليها، ولا يريد أن يؤذيها أكثر مما تعرضت له. كان يعقوب يعلم ما يحول في بال ياسين. ابتسم بهدوء قال:

"انت مش عايز تؤذيها، مش كده؟ نظر له من ما قاله: "لحد الآن لا. ممكن لأن جوايا حاجات كتير مانعاني، أولهم إني عايزها ترجع عشان أعرف كل حاجة." "تفتكر لو عرفت ده هيكون في صالحك؟ انت بين شخص بيقولك إنها ما خانتكش، وده لأنك حبيتها، وشخص بيقولك إنك اتخنت والغضب عاميك، وده ياسين اللي أنت بتحاول تمنعه." سكت. رأسه من كثرة التفكير الذي كان خطأ عليه قال: "كل حاجة ضدي، مبقتش عارف أعمل إيه.. ممكن العيب مني."

"لو هتتحمل أغلاط غيرك يبقى هتتعب في الدنيا دي كتير. الشخص الناقص ده بيبقى من عنده، مش عيب في غيره خلاه يعمل كده." شعر ياسين بالحزن. فلماذا إذا؟ لماذا تخونه وهو كان يعطيها كل شيء؟ –طلقتها. –لسا.. الطلاق هناك بيقول هيسألوا عن سبب الانفصال وأهلها. –مش عايز تذكر السبب. سكت ياسين، فهو لا يريد أن يبعدها عن والدها أيضاً أو ينفرها منه. مد يعقوب يده بزجاجة مياه لياخذها منه: –متقولش لحد. نظر له ياسين من ما قاله:

–كفاية اللي حصلها.. في النهاية ربنا مبيسبش حق حد.. وأديك شايف خسارة النفس بتهلك البنآدم.. ومتفتحش الموضوع مع أي حد كان، سواء كان حاضر أو ماضي، فهو انتهى وركز في حياتك الجاية. الدنيا موقفتش. كان يحفزه ويديه داعم قال: –انت شايف كده؟ –مش ده نفس تفكيرك. وكأنه كان يعلم أن هذا كلام ياسين أيضاً، فقاله تأكيداً له أنه صحيح ولم يخطأ. ربت على كتفه الهزيل إثر التعب البادي عليه.

كان يعقوب لم يكن سوى تحريك ذهني لياسين، الذي سار على منهجه، فكان قريب لمكانة والده.. وهو بنفسه الذي أخبره أن الماضي لن يفعل شيئاً سوى تدمير حاضره، لذلك فلا داعي من فتحه. بالفعل ياسين التزم صمته المهيمن طوال سنواته الذي كان يصارع داخله، لكن لم يأتِ يوم ويبوح لأحد عن شيء، وفضل الصمت لمن لم يعلم أن هذا سيأتي بخراب لحياته أيضاً. وكأن في الحالتين مقدر له أن لا تكون حياته مستقرة يوماً.

"انت كده وغبي وخاين.. مش أنت ياسين اللي رسمتهولي.. كنت بتستغفلني وبتروحلها وتقولي شغل.. عايزني أداوي جرحك من مراتك الأولى اللي هي تبقى ضرتي.. مش أنا ياسين، أنا معدتش عاوزاك وكفاية لحد هنا.. علاقتنا كانت غلط من الأول." سالت دمعة من عينه من تذكر كل كلامها، كأنها انتهزت فرصة لتتركه كالذي يبحث لحجة لشخص ولم يجد، فرأى كثرة حبه خطأ ليتركه. –حبك كان ضعيف أوي كده. "بكرهك يا ياسين.. سمعتني بكرهك.. وندمانة إني عرفتك."

لتخور قواه عند تذكر ما قالته له. أنها الآن نادمة عليه. لماذا؟ ماذا فعل حتى تنهيه هكذا؟ لم يكن يريد غيرها، وكانت تعلم وتثق بحبه الشديد لها، لذلك أرادت إخضاعه. استغلت حبه وأنه لحد الآن غير حزين منها. لماذا استغلـيتِ ضعفي؟ تثقين بحبي وأنني لن أتخلى عنكِ فتخليتِ أنتِ؟ فقط كنت أسعى للبقاء معكِ. ما لي لا أرى سوى نفسي غارقاً في خيبات قلبي وذكريات تركتيها لي أنتِ. ***

في اليوم التالي على السفرة، كانت تجلس سلوى مع أشرف على الغداء. جاء إيهاب وجلس قال: –فين فريدة؟ نظروا إليه. قالت سلوى: –دخلت عليها لقيتها نايمة، محبتش أصحّيها. قال أشرف: –بس دي ما أكلتش من امبارح.. كده يحصلها حاجة. قالت سلوى: –أول ما تصحى هبعتلها الأكل.. كانت سهرانه امبارح ومنمتش. أومأ بتفهم. قالت سلوى: –ياسين مكلمنيش. نظر له إيهاب من ذكر اسمه. قال أشرف: –هيكلمني إيه هو مش خلاص؟ –يعني إيه مش هتعمل حاجة؟

–هعمل إيه يا سلوى.. هي مش كانت عايزة تطلق؟ أهو طلقها من غير ما أنا أكلمه حتى. –ممكن لحظة غضب ويرجعها. قال إيهاب: –فريدة مش لعبة عشان يطلقها وقت ما هو عايز ويرجعها تاني.. ليه معندهاش كرامة؟ نظر له والده من كلامه. قال: –وانت عايز إيه يا إيهاب؟ تتجوزها مثلاً؟ –اه. نظروا إليه بشدة. قال: –انت بتقول إيه؟ –إيه؟ قلت حاجة غلط. أنا بحب فريدة من زمان وعايزها، وهو اللي خدها مني. –محدش خدها، هي اللي حبته.

–ودلوقتي حبهم خلص ومعدش فيه ياسين. –وهي بقى عاوزاك زي ما أنت عايزها؟ –فريدة هي اللي قايلالي وأنا موافق. نظرت له سلوى بشدة. قالت: –قالتلك إيه؟ قال أشرف: –امتى؟ قال إيهاب: –امبارح. –لسه بتحبه؟ فاكر هتنساه بالسهولة دي؟ انت اللي هتتأذى مش هي. بتستخدمك عشان فاكرة. تفتكر قالتلك كده يومها ليه؟ لأنه كان موجود. –وامبارح مكنش موجود.. فريدة ليا ومش هتكون لغيري وأنا عارف إرجعها إزاي. نظر له أشرف من إصرار ابنه وما يحول في عقله.

قالت سلوى: –أنا مش موافقة على جوازك منها.. هي نفس البنت اللي اتخلت عنك يا إيهاب. أنا مش عايزك تنكسر تاني. –وأنا كنت نسيت الأولاني.. أنا لحد النهارده بحبها ومش فارق معايا حاجة غير إنها تبقى معايا. –بس اديك استقريت؟ هترجع لهم ده تاني؟ مش كنا خلصنا؟ –أنا قلت اللي عندي. لو عايزين تقفوا لابنك في جوازه بجد. وكأنه بضعة أظافر أمام الأمر. قالت سلوى: –ما تتكلم يا أشرف. كان صامتاً. نظر له إيهاب، وهل ممكن أن يمنعه؟ قال:

–بابا بعد إذنك. –انت حر. نظرت له سلوى بشدة. ليردف: –بس أنت اللي هتتحمل نتيجة اختيارك. أومأ له بتفهم ومشى. وكأنه غير مبالٍ. قالت سلوى: –انت هتسيبه يتجوزها؟ –مش شايفه ابنك؟ فكراك لو اعترضت مش هيعمل اللي في دماغه؟ انتي عارفاه. لو كان عندي اعتراض على جوازهم، فهي على الطريقة والنتيجة بعدين، بس فريدة مفيهاش حاجة تعيبها. دي بنت أخويا.

–بس عيلة، واللي حصل أثبت إن تفكيرها متسرع لما خلت ياسين يطلقها. مش بعيد تكون بتستغل ابني عشان هو. –سيبها على ربنا يا سلوى. صمتت بقله حيلة وكانت قلقة. *** كانت داليا تتكلم في التليفون: –ماتت؟!! قالت ذلك بصدمة: –انت متأكد من اللي بتقوله؟ روحت وتأكدت من المستشفى.. تمام. قفلت الهاتف وهي في دهشة. قالت: –دارين ماتت. تذكرت ياسين وفريدة وما حدث بينهم. معقول لهذا السبب إذا كان زواجهم قد فشل بسبب ذلك الخبر؟

–هي فريدة مكنتش تعرف إنه متجوز؟!!! كانت عايزة تكلم ياسين وزعلانة عليه، فبطبع فيه هموم الدنيا الآن. لكن تعلم أنه لن يرحب بوجودها وسيـراها تتطفل عليه. لكنها حزينة عليه بالفعل وحزينة على فريدة. أنهما الاثنان قد تأخذهما الحياة لمجرى الغرباء. –أستاذة داليا. كانت مساعدتها تقاطع شرودها: –نعم. –مستنين حضرتك عشان يبدأوا البرنامج. أومأت لها وذهبت معها. ***

الشركة. دخل ياسين متوجهاً لمكتبه. نظر له موظفوه، فهو كان سيأتي بعد شهر على الأقل. نظر إليهم قال بحده: –كل واحد على شغله. التفت جميعهم بخوف. رآه ميرال وأنور. تفاجأ. فليس من عادة ياسين أن يغضب في الصباح هكذا. قال أنور: –ياسين ماله؟ قالت ميرال: –مش عارفة. هروح أشوفه. شكله ميطمنش. مشيت. نظر لها أنور. دخلت ميرال لمكتب ياسين، وكان يقلب في ملف ويقول: –الملف ده مترجعش لي لحد دلوقتي. حطه على جنب بضيق. نظرت

له وإلى انفعالاته قالت: –هرجعه بنفسي. قربت ونظرت إليه وملامحه قالت: –ياسين… ماله؟ نظر إليها من سؤالها ونظراتها إليه المليئة باهتمام. امتثل البرود وقال: –مفيش. قربت منه وبصتله قالت: –فيه. نظر إليها لتردف: –أول مرة أشوفك مضايق كده. لم يرد عليها. قالت باستدراك: –فريدة مش كده؟ روحت لها ولا لسه؟ وحين تذكر ياسين البارحة، خارت قواه. –ياسين.. اتصالحـتو؟ فهمت الحقيقة ولا لسه؟ –طلقتها.

اتسعت عيناها بصدمة ورأت حزنه الظاهر في عينه. لأول مرة لا يستطيع ياسين كبحه. –مدتنيش فرصة أفهمها. شعر بغصة في حلقه. وكانت ميرال لا تصدق ما تسمعه. ألم يعد هناك فريدة بعد الآن؟ هل طلقها؟ نظرت إليه وشعرت بالحزن عليه. قالت: –زعلان؟ مسكت يده واردفت: –ده قدر ومحدش عارف إيه اللي مستخبى. –أنا اللي وصلنا لهنا. –كان مفروض تسمعك. هي اتسرعت لما حكمت عليك. نظر لها وهي تمسك بيده وتحاول تهدئته قال: –مسافرتيش ليه؟

–مش هاين عليا أسيبك لوحدك. صمت قليلاً من ما قالته واهتمامها به الذي لطالما كانت هكذا، تفضله من بين الجميع وتقف بجانبه مثلما كان في المشفى. وفتح عينه وجدها هي الباقية بجانبه. –شكراً يا ميرال. وكأنه ممتن لها على كل ما فعلته معه. ابتسمت له قالت: –ع إيه. كان أنور واقفاً عند الباب ومجمع قبضته وهو ينظر إليهم. من ميرال الذي تمسك يد ياسين وقريبة منه ومن نظراتها إليه. بعدت وقالت: –اعملك قهوة معايا؟ –مش عايز.

–هعملك أنا، عارفة نوع قهوتك المفضلة. قالت ذلك بحزم وهي تخرج وتتركه. تنهد ياسين ليبدأ في عمله، لكن تذكر فريدة: "هعقد معاك بس متطردنيش زي المرة اللي فاتت." "لسه زعلانة؟ "مش هفتكر اللي فات لأنك كنت غريب." "ودلوقتي؟ "بقيت أغرب.. بس غرابتك دي أحلى من غموضك اللي بيخوف." "ممكن لأن دلوقتي مش غريب.. أنا بقيت قادر أتنفس بوجودك." "عايزاك كده على طول."

كانت ذكرياته تحرقه من الداخل، وكأن نيران اجتمعت وتأمرت على حرقه. أنها لا تسعى من مغادرة رأسه، حتى العمل لا يستطيع أن يديره بسببه. أمسك رأسه بضيق، يشعر بأنه السبب فيما هو عليه، يشعر بالعجز والغضب منها، لكن وبرغم ذلك.. لا يزال يحبها ويشتاق لها كثيراً. كانت ميرال تعمل القهوة لياسين وهي تريد أن تنال إعجابه. –فرحانة؟ نظرت إلى الصوت، وكان أنور الواقف عند الباب وينظر إليها. قالت: –أنور.. انت هنا من امتى؟

–من وانتي بتعمليله القهوة بدقة عشان تعجبها. استغربت من لهجته. قالت: –مالك.. انت كويس؟ –أنا كويس، بس بسألك انتي إذا كنتي كويسة ولا أفضل عن أي يوم. كانت تقلب بالملعقة. قالت: –هبقى أفضل ليه؟ عادي يعني. –عشان طلقها. توقفت عن التقليب حين قال ذلك. نظرت له. قالت: –عرفت منين؟ –سمعته وهو بيقولك. أومأت بتفهم. قالت: –اممم.. زعلت عشانهم؟ –زعلت بجد. استغربت كثيراً ونظرت له من نظراته الموجه نحوها. ارتبكت وقالت: –قصدك إيه؟

–فاكرة إن ياسين نسيها بين يوم وليلة.. بالعكس، هيفضل فاكرها حتى لو مرجعوش، لأنه حبها بجد.. زيك كده يا ميرال. –زي إيه؟ قرب منها وقال: –متعلقة بيه أوي ومش قادرة تمشي حياتك اللي وقفتيها عليه من ١٠ سنين. أفادت نظراته الذي تتقربها، وكأن أمرها قد كشف. قالت: –مش عارفة انت بتتكلم عن إيه. –انتي أكتر واحدة عارفة كل حاجة ماشية إزاي، بس بتعملي عبيطة.. نظرت له ليردف: –الحكاية مخلصتش مادام لسه بيحبوا بعض. نظرت له بشدة. قال:

–ياسين بيحبها وده سبب عصبيته دلوقتي.. هتعرفي تخلصيه من حبها؟ –طلقها. استغربت من إلى قالته. كملت: –معدش فيه فريدة وهي اللي اختارت ده. معناه مجرد وقت وهينساها. –ومنسـيش دارين ليه؟ وقف حياته عشانها؟ –منسـيهاش من الجرح اللي عملتهوله، بس اتخلص من حبها. –وفريدة معملتش حاجة. بالعكس، عملت اللي تخليه يفتكر بيها، وهي إنها رجعت ياسين وخلصته من ماضيه. ياسين لو بقى سوى نفسياً مع نفسه، فده بسببها وعيشته معاها.

–اديك قلت خليته سوى، قادر ينسى ويعالج نفسه بنفسه. معدش محتاج حد.. معاناته هيفتكرني كذكرى ويشـف حياته. نظر لها من ردودها عليه قال: –انتي فرحانة بجد فيهم؟ نظرت له حين قال ذلك: –أنا لا فرحانة ولا مضايقة. مش عارفة انت بتقول كده ليه.. أنا بس بفكر في ياسين، هو اللي يهمني. –ومفكرتيش في نفسك ليه قبل؟ لم تفهم ما يقوله. قالت: –أفكر في نفسي إزاي؟

–عيبك إنك بتفكري فيه.. والدليل إنك خدتي كلامي كله على ياسين ومخدتيهوش على نفسك، وإلى أنا أقصدها. توترت. خدت الفنجان. قالت: –مالك يا أنور انهارده عمال تقول كلام فلسفي زيادة. قرب منها قبل أن تذهب. نظرت له. تقدم منها. عادت للخلف. مسك يدها. قال: –ليه؟

تعجبت لتجده يقبض على يدها بقوة. نظرت له، فهي لأول مرة ترى تلك النظرة الباهتة من أنور وعينه الحادة تلك. قرب منها أكثر حتى لم يعد هناك ما يفصلهم سوى بضع بوصات. اقترب من شفتيها. نظرت له ميرال. قالت: –أنور. لكنه لم يتوقف. شعرت بشفتيه وكأنه على وشك تقبيلها، لكنه همس من بينهم وهو يقول: –تعبتي أنور معاكي ياميرال.. اتعذبت كتير أوي ولسه هيتعذب أكتر الفترة الجاية. نظرت له ليرفع أعينه إليها:

–فريدة بعدت، فياسين قلبه معاها مش هيتخطاها بالسهولة دي.. متتوهميش نفسك. قال ذلك وبعد عنها ومشى. نظرت له من كلامها حتى اختفى عن عينيها، وكانت تشعر بالضيق والحزن. مسكت ذراعها بقله حيلة وهي تجز على شفتيها وتقول بصوت أجش: –مش بإيدي. لتسيل دمعة من عينها وهي تعلم أن ما يقوله صحيح. إنها وقعت في حب معتم، وقعت في خطيئة ستؤدي لهلاكها، وهي استسلمت لذلك. ***

في اليوم التالي، كانت فريدة جالسة تنظر في الفراغ بتفكير مما أصبحت عليه. طرق الباب. سمحت له بالدخول. دخل إيهاب. نظر إليها قال: –فريدة، انتي ماشية؟ –اه. –ليه؟ –عايزة أبقى لوحدي ومش عايزة أتقل على حد. –بابا قالك حاجة زعلتك؟ –لا، هو رافض خروجي من هنا لوحدي، أنا اللي عايزة ده. وقف لتذهب. نظرت له قالت: –انت كنت عايز إيه؟ –حضري نفسك بليـق. قالت بعدم فهم: –ليه؟! –هكتب عليكِ.

نظرت إليه بشدة ولم تستطع الرد، وكأن الكلام علق في حلقها. نظر لها إيهاب من تعبيراتها. قال: –قلتي إنك عايزة نتجوز، مش كده؟ وأنا موافق. –ايوه بـ… بس.. انهارده.. بسرعة دي. –اه… ولا انتي معترضة؟ –لا يا إيهاب. –يبقى مفيش مشكلة. مشي. أوقفـته وقالت ببرجلة في كلامها: –بس ليه الاستعجال؟ إحنا مورناش حاجة.. لسا من يومين كنت.. قاطعها وهو يقول: –لو انتي عايزاني بجد يا فريدة. نظر لها بطرف عينه وقال بجدية:

–تبقي مراتي الليلة.. قولي إيه؟! *** كان ياسين خارج رايح لشغله، وكان هيركب العربية. وقف لما شاف داليا واقفة عند عربيتها وتنظر له وكأنها كانت منتظرة رؤيته. تعجب كثيراً من رؤيتها. نظرت له والتقت عيناهما. تنهد. قفل الباب. قال: –خليكم هنا. أومأ له الحراس. راح لها. وقف عندها. نظر إليها ليبدأ هو ويقول: –بتعملي إيه هنا؟ –جيالك.. مرديتش أدخل عشان مضايقكش، قلت استناك لما تخرج.

سكت ياسين، لكن لا ينكر أن كلامها ضايقه وانب نفسه. هذه والدته تقف تنتظره بينما تستطيع الدخول لمنزله، لكنه خشي أن يتضايق. –تعالي نكلم جوه. نظرت له من ما قاله. ابتسمت بهدوء قالت: –أنا ماشية علطول.. كنت جايه أسألك عن حاجة. –حاجة إيه؟ سكتت قليلاً بتردد ثم قالت: –اللي حصل بينك وبين فريدة بسبب دارين، مش كده؟ نظر لها من معرفتها. قال: –مش قولتلك مدوريش ورايا.. ليه مصره تخليني أبقى وحش؟ –تبقى وحش إزاي يا ياسين؟

عايز تعمل إيه مع أمك؟ لم يرد عليها. تنهد وقالت: –أنا كنت عايزة أساعدك.. واسمعني لأول مرة.. ولو مش صلة بينا، فاعتبرها نصيحة من واحدة متعرفهاش. وكأنها تحاول إيقاظ مشاعره واستعطافه. –روحت لها ولا لسه؟ –اقفلي الموضوع ده. –اقفله إزاي؟ وفريدة.. مش ناوي تصلحها؟ –هي قفلت الباب وقالت إنها مـعدتش عايزاني. –أوعى تكون سمعتلها يا ياسين.. أنت عارف إنها عيلة وانت دايماً مبتأخدش كلامها. –هي مـعدتش صغيرة وعارفة كلامها كويس.

–معاك، بس جرب تاني. روحلها واحكيلها بهدوء بينك وبينها… البنت بتحبك، واخده على خاطرها منك شوية، وده طبعاً فينا.. حسيـسها بأهميتها. كم تبقى له لتعلم أهميتها عنده! بل هي تعلمها وإهانته لترى ما سيفعله وأنه باقٍ عليها. يشعر بالضيق منها، لكن اشتاق لها ولو رآها لعانقها شوقاً. –أنا هسيبك وأروح أقعد معاها. –متعمليش كده. –هتروح انت. –انتي مش فاهمة حاجة. –مش فاهمة إيه؟ –أنا وفريدة اطلقـنا. نظرت له بشدة. قالت: –إيه… اطلقتوا؟

–وهي رافضة فكرة الرجوع، وحالياً بتدور ع إنسان تاني بس ميكنش أنا. –انت.. انت طلقتها يا ياسين؟ –كان برغبة منها. –وانت؟ سكت ولم يرد عليها. رأت في عينه حزن شديد يخيفه. قال: –اتأخرت. نظرت له وأنه لم يعلق عليها. مشى، لكن توقف. نظر إليها قال: –متقفش كده تاني.. ابقى ادخلي.

نظر أمامه وذهب. فتح له السائق ليركب ويغادر. وكانت عيناها معلقة عليه وتتذكر ما قاله لها. تعلم أنه شئ عادي، لكن لوهلة أحست وكأنه شعر بها. تبسمت فمن أقل كلمة قالها أسعدها كثيراً. تنهدت وهي حزينة عليه: –فريدة.. ياسين عمره ما فكر إنه يطلقك.. قولتي إيه خلتيه ياخد قرار زي ده. كانت مضايقة من اللي حصل. تنهدت لترى هذا الأمر. لبست نظارتها. ركبت عربيتها ومشيت. *** كان ياسين في مكتبه ومعه أحد موظفيه يطلعه على أوراق العمل.

–ابدأوا في المبنى من بكرة. –تمام. هكلم الطقم واديهم خبر. دخلت ميرال. قالت: –طلبتني؟ –ورق التصميم فين؟ –معايا.. أجيبه. قلب ياسين في أوراق. وقف قال: –العقد لسه منفذش ليه؟ –كنا محتاجين حضرتك عشان العميل عايز يستفسر عن التشييد. –أنور مقعدش معاه لى وخلص.. لم يرد عليه. نظرت له ميرال من صمته. قال ياسين: –ابعتله إني عايزه. قفل الملف وهو يعطيه إليه ليذهب. نظر له ياسين وميرال من وقوفه. قال ياسين: –فيه حاجة؟

–مستر أنور قدم استقالته انهارده.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...