الفصل 25 | من 56 فصل

رواية زهرة الاشواك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نور

المشاهدات
21
كلمة
5,473
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 45%
حجم الخط: 18

فتح ياسين عليها، شافها واقفة في ركن الأوضة وبتعيط بشدة. نظرت له والدموع نازلة منها، لينصدم لما شافها ماسكة عصفور مرتخي من بين إيديها. قرب منها ونظر للقفص، ليلاقيهم ماتوا. حزن من المنظر وقال: -فريدة. -ماتوا. قال ذلك وهي بتبكي وماسكة واحد منهم وتمسد على ريشه الناعم. بكت بحرقة وقالت: -مبيتحركوش ليه؟ ليه مش سامعة صوتهم؟ زعل عليها، قرب منها وقال: -سيبيه. -لا... هيصحوا... مماتوش. هزت القفص كأنها بترجو عودتهم وقالت:

-هيقوموا... ليه؟ كانوا كويسين، كنت لسه بكلمهم امبارح. بكت وصوتها كان بيردد في أذن ياسين وهو حزين عليها. قرب منها، ربت عليها وقال: -أهدي يا فريدة. -قتلوا. نظرت له بأعين مليانة دموع وقالت: -حتى دول... خدوهن مني... كل حاجة بتتاخد مني يا ياسين. ارتمت على كتفه وبكت، وشعر برجفة جسدها وصراخ بكائها اللي كان بيألمه قلبه. -ليه ماتوا؟ عملوا إيه؟ مسك وشها ومسح دموعها وقال: -أهدي، أرجوكي. لكنها لم تكن تسمع إليه. قال:

-متزعليش، هجيب لك غيره. نفت له وهي بتبعد إيده وبتقول بصراخ: -لااااا! أنا عايزهم هما... عايز دول اللي عاشوا معايا ومحسيتش بالوحدة في وجودهم. حزن كثيراً، حضنها ليهدأها بينما لم تكن تصمت. أمسكت بزراعه بأظافرها وقالت: -رجعهم لي، أرجوك.

دفنت وجهها في صدره وتبكي بقهر، ويتألم من صوتها. لأول مرة يراها تبكي بهذا القدر وصراخها يعلو بحرقة ويحرقه معها. كان يربت عليها، يحاول أن يهدئها، متجاهلاً ميرال التي كانت واقفة تشاهد ما يحدث وترى فريدة القابعة داخل أحضان ياسين. كان الخدم واقفين عند الباب في الخارج، وحزينون عليها وخائفون في ذات الوقت مما ينتظرهم. كانت تبكي وهو يمسد على شعرها بحنان، مثلما كان يفعل في السابق ويحنوا عليها لتهدأ، بينما كانت لا تزال تنشج.

نظر إلى الخادم، أشار له بعينه على القفص. أومأ له إيجاباً واقترب من القفص، وياسين يعانقها ويضع يده عند رأسها كي لا تنظر. أخذهم الخادم وذهب. -أنسة فريدة هتتأثر أوي. -أكيد، كانوا جزء من يومها. -من ساعة ما ياسين بيه جابهم وهي بتعتبرهم كأنهم عيلتها، عكس أول لما جت هنا كانت حاسة بالغربة. -بس ماتوا إزاي؟ -معرفش، أهو قدر. -قدر يموتهم فجأة كده؟

سند ياسين فريدة وذهب بها إلى سريرها، وهي تتكئ عليه. أنامها، وكان هيبعد، وجدها متشبثة بملابسه كي لا يتركها. جلس بجانبها حتى تغفو. نظر إلى ميرال التي كانت تنظر إليه، لكنه لم يكن يفكر سوى بفريدة، وشارد الذهن. نظر لها، فهو يقلق عليها من تلك الصدمات. من الجيد أنها نامت، لا تتحمل الحزن وما رأته. قال ميرال: -ياسين... أنا مش فاهمة حاجة. مين دول؟ وليه انهرت كده؟ الطيور شكلهم كان كده إزاي أصلاً؟ -معرفش يا ميرال...

فريدة كانت متعلقة بيهم. حصل كده إزاي... هعرف ده بنفسي.

نظرت له حين قال ذلك بجدية، وهو ينظر إلى فريدة والحزن الذي تسبب به إليها وحالتها تلك. كانت متعلقة بهم كثيراً منذ أن جاءت هنا. أول بسمة كانت حين أحضرهم لها، وأول عناق بينهم كان بسببهم. لقد كان يخرج لشركته وهي تبقى في المنزل معهم كأنهم أصدقائها، حتى أنها كانت تبكي معهم أكثر منه، فهو كان يعود في الليل، أما هم فملازمين غرفتها. وها هم قد ماتوا، ولا يعلم السبب. معقول أنه عدم اهتمام أم البرودة، أم شيء نقصهم... أم تسمموا؟

بعد عند فريدة بعد أن نامت وخرج. نزل وسأل الخادم أين أخذهم. أخبره، فذهب ليلقي نظرة عليهم، لكن كل شيء كان كما هو. نظر إلى الطعام الخاص بهم، كان متبقياً منه خده. أمسك حبات من بين أصبعيه وفركه ليتفتت. اقترب منه وتشمم رائحته ليتعجب. ابتعد ونظر إلى أصبعيه. نظر له الخادم بعدم فهم. حط ياسين الطبق وقال: -تمام، خده. أومأ له وذهب. قالت ميرال: -في إيه يا ياسين؟ -مفيش حاجة. راح للمطبخ. نظروا له الخدم. قال:

-مين اللي كان بيحط الأكل لهم؟ -أنا... بس الأنسة فريدة كانت معظم الأوقات هي اللي تحطلهم، فكنت بحطلهم أنا وهي مش موجودة. -أنتي اللي حطيتلهم امبارح؟ -آه، بس سبته عندهم وهي لما ترجع تاكلهم. هو في حاجة يا ياسين بيه؟ -لو حد ليه دخل باللي حصل يقولي من دلوقتي، عشان لو عرفت لوحدي مش هيبقى لصالحه. ذهب، نظروا له بخوف وريبة. قالت: -إنني عملتي إيه؟ أوعي تكوني حطيتي لهم حاجة. -أنتي عبيطة؟ هحطلهم إيه؟

هو الأكل بتاعهم اللي بحط منه مبقاش موجود. -أمال ياسين بيه مضايق ليه؟ كأننا السبب في موتهم. -كده كده الطيور عمرها قصير، من أقل إهمال أو نسمة هوا بارد ممكن يموتوا. -يلا، ربنا يعوضها. في المساء، طرق ياسين الباب على فريدة. فهل ممكن أن تكون نائمة كل هذا الوقت؟ فتح، شافها جالسة وتنظر في الفراغ. -صحيتي امتى؟ -من شوية. نظر على ما تنظر، وكان مكان القفص الذي أصبح خالياً. تنهد، اقترب وجلس على حافة السرير بعيداً عنها وقال:

-أنتي اللي أكلتيهم امبارح. أومأت له إيجاباً. نظر لها وقال: -الأكل كان فيه بيكربونات. نظرت له بصدمة وقالت: -إيه؟ قصدك إنهم اتسمموا؟ زي ما قلت، اتقتلوا؟ -أهدي يا فريدة. تذكرت البارحة والطبق الذي وضعوه عند القفص، وهي حسبته طعاماً فوضعته لهم. قالت: -أنا اللي حطيت لهم... ماتوا بسببى يا ياسين. مسك وجهها وقال: -فريدة، خلاص. سالت دموعها وقالت: -والله ما كنت أعرف... ما كنت أعرف إن فيه حاجة. -عارف، ممكن تهدى، كفاية عياط.

نظر إلى كلتا عينيها، فكانت مرهقة. مسح دمعتها وقال: -خلاص. أغمضت عينيها وهي تشعر بحنانه الذي اشتاقت له، ويده التي تمسك وجهها. نظر إليها ومن قربه منها، لينظر إلى شفتاها. نظرت إليه، تنهد وابتعد عنها. دخلت الخادمة وهي تحمل صينية. -الأكل. أخبرها ياسين أن تضعه، لكن فريدة قالت: -مش عايزة. -أنتي ما أكلتيش من الصبح. -مش عايزة أكل خالص... ماليش نفس... شيليه. نظرت الخادمة إلى ياسين، فهل تفعل ذلك أم لا؟

أشار لها أن تذهب، فذهبت وتركتهما. قال ياسين: -فين الدوا بتاعك؟ -في الدرج. راحت وفتحته ليخرجه ويضعه على الكمود. استغربت. قال: -حطيه قدامك عشان تعرفي إن أكلك ليه... حتى لو مش جعانة، كلي عشان العلاج. -معدتش تفرق. نظرت إليه حين قالت ذلك وكانت منطفئة. تنهد وقال: -فريدة، عارف إنك زعلانة بسبب اللي حصل، بس مش هقدر أسيبك على راحتك في الأكل. نظرت له ليردف: -بكرة بداية دراستك. مش عايزة تاكلي؟ مش هقدر أوديكي. -بتهددني؟ -بعرفك...

لو عايزة تروحي، كلي. أدارت وجهها بعند وقالت: -أصلاً كنت ناسيه بكرة إيه... انت اللي فكرتني. أخذت الصينية بضيق لتبدأ في الأكل، فهي تريد الذهاب. سعد ياسين. سالت دمعة منها وهي تأكل، مسحتها بكفها، فكان حزنها لم يغفو، وصدمتها لا تزال عالقة في ذهنها.

وجدت يد تمتد وتضع منديل بجانبها. نظرت لتجده ياسين. وضع يده على رأسها يمسد على شعرها بحنان. خجلت ونظرت له من ملامحه الهادئة، ويده التي تحب ملمسها. لكنه ابتعد عنها ولم يطل كثيراً وخرج، وهو يتركها. نظرت إلى المنديل، تشممته وكان به رائحة عطره. وضعت يدها على شعرها مكان يده، فظهرت حمرة طفيفة على وجنتيها وهي تتذكره. في اليوم التالي، خرجت فريدة. قابلت ميرال التي نظرت إليها. لم تهتم فريدة بها، لكنها قالت: -فريدة.

توقفت ونظرت لها. -عايزة إيه؟ -عاملة إيه؟ استغربت من سؤالها وقالت: -الحمد لله. -كويس... لو عايزة حاجة قولي لي. كانت مستغربة منها وقالت: -أنا هعوز حاجة منك ليه؟ اللي بعوزه بكلبه من ياسين. تنهدت ميرال من تلك الفتاة وقالت: -أنا قولت أعرفك عشان متكونيش فاهمة إن عندي مشكلة ناحيتك... موفقة في يومك الدراسي. -شكراً.

مشيت بعير مبالاة، بينما ميرال ذهبت، فهي كانت فقط تشفق عليها من البارحة. كانت فريدة مستغرباها، فهي كانت تستفزها الأيام الماضية. أليست غاضبة، أم أنها تسخر منها؟ لو كنتي فقط يا ميرال لم تفعلي ما في رأسك وتتزوجي من ياسين، لكنا أصدقاء، لكن هذا لن يحدث. أنك تعشقيه ولم تتركيه منذ زمن، فهل ستتركيه الآن؟ ياسين هو النزاع بيننا. إن عاد لي، فقضيتنا تنتهي. ليته فقط يعود.

كان ياسين في شغله بيفكر في فريدة، فهو لم يراها في الصباح وكيف أصبحت، وهل وصلت الجامعة. جت ميرال قاطعت تفكيره. -ياسين... الميتنج. أومأ لها. سبقته، أقفل هاتفه، كان يريد الاتصال عليها. ومشي. كانت فريدة جالسة في المدرج تنظر حولها، لتلقي عينيها تسنيم. لكنها لم تأت، فاستغربت، فاليوم الأول للجامعة بعد انتهاء الإجازة، ولا تتأخر عادة.

ألقت الدكتورة دخلت، وقفل الباب بعدم دخول أحد بعدها. استلمت بيأس وحاولت تركز بعيداً عن تلك الأمور، لكن قلبها كان يشعر بالحزن. خلصت المحاضرة وخرجت، قابلت يارا وكانت واقفة مع أصحابها. نظرت لها، قربت منها وقالت: -مشوفتكيش وإنتي جاية... دخلتي على طول. لم تعلق فريدة، بينما قالت: -تسنيم مجتش. -عارفة. -منين؟ -ملقتهاش في السكشن. -مكنتش عايزة تيجي الجامعة النهارده، بس جيت عشان أشوفها... وفي الآخر مجتش. أردفت بحزن وندم:

-أنا السبب. نظرت لها يارا وقالت: -خلاص يا فريدة، اللي حصل حصل... هتيجي بكرة. -وممكن متجيش... ممكن نروح لها نشوفها. فتحت تلفونها وقالت: -أنا معايا العنوان، بس معرفش المكان بالتحديد. -أنا عارفة... يلا. أخذتها وذهبوا. نظروا لها أصدقائها: -راحة فين يا يارا؟ -راحة أقابل بكرة. -تمام، باي. مشيت مع فريدة، وقربت من عربيتها. بس وقت ونظرت للسائق والحراس. قالت: -ودول هنمشي إزاي منهم؟ قالت فريدة: -متحاوليش...

حاولت قبلك معرفتش، هيروحوا معانا عشان أروح وإحنا راجعين. ركبت فريدة مع يارا وذهبوا. نظرت يارا للخلف وكانت السيارة خلفها. قالت: -لما كان البودي جارد معاكي أول مرة، كان الكل بيخاف يقرب لك منهم... الدليل أول خناقة ما بينا. افتكرت فريدة حين صفعته أمس، وكان هيمتد عليها، لكنهم وقفوا أمامهم. ابتسمت وقالت: -مش عايزة افتكر. -ولا أنا... شكل ياسين لسه بيخاف عليكي. الوضع زي الأول. قالت بمرارة:

-بيتهيأ لك، هو أسوأ لأنك مش عايشة اللي أنا عايشاه. شافت حزنها وقالت: -في إيه؟ أنتي غريبة أوي النهارده. حصل حاجة؟ -بعدين. وصل كل منهم إلى منزل. نزلوا. قالت فريدة: -ده... تقريباً... تعالي نشوف. دخلوا وقرعوا الجرس. انتظروا قليلاً، فلن يأتهم رد. رنت يارا ثانياً. فتح الباب لهم وطلت امرأة. نظرت لهم. قالت يارا: -تسنيم هنا. -تسنيم... لا، هي برا. صمت الاثنان بخيبة، لكن أعين فريدة التقطت أقدام واقفة من خلف الباب. -هقولها مين؟

ردت فريدة عليها وقالت: -قولي لها أصحابك جم يشوفوكي عشان قلقانين عليكي من تلفونها المقفول وغيابها عن الكلية. كأنها توجه كلامها إليها وتردف: -بس هييجوا تاني لأنك صحبتنا ومش ناسينك. -هقولها مين؟ ردت فريدة: -يلا يا يارا. أخذتها وذهبوا. نظرت لهم المرأة، أقفلت الباب لتنظر إلى تسنيم التي كانت واقفة خلفه وسمعت كل الكلام الموجه إليها. -كده تخليني أكدب يا تسنيم. -معلش يا داده. -مش عايزة تقابليهم ليه؟ شكلهم قلقانين عليكي فعلاً.

-كده أفضل. في السيارة كانت فريدة صامتة. قالت يارا: -مالك؟ -أنا غلطت أوي. كان معاكي حق يا يارا، خسرت صحبتي. -ليه بتقولي كده؟ طنط قالت إنها مش موجودة. -كانت واقفة ورا الباب. تفاجأت كثيراً وقالت: -تسنيم... أومأت لها إيجاباً وقالت: -هي اللي قالت لها تقول كده. مكنتش عايزة تقابلنا... أو بلا صح، تقابلني. أردفت بتفكير: -معقول إيهاب لحد دلوقتي مكلمهاش؟ -ومال إيهاب؟

-لو كان كلمها كانت قابلتني، كانت على الأقل عرفت إن أنا وهو اتطلقنا. -ده هيفرق معاها. -معرفش... بس ممكن لحد دلوقتي يفرق معاها. -وممكن معددش يفرق. -صدقيني لو كانت حبته بجد زي ما قلتي لي، فهيبقى فارق... لأنها مش هتنساه في شهر. وكأنها تقصدها هي، فهي لم تنس ياسين حتى حين طلبت طلاقهم. كان كلامها ندمت عليه كثيراً، كلام ساعة غضب لفرك حبها له... وحبها هو الذي أوصلها لهنا... وغيرتها وأنانتها أداها لخسارة...

كسر عميق بينهم تريد إصلاحه، لكنها لم تنساه يومهم، بل فعلت كل ذلك من أجله. على العشاء، كانا جالسين بصمت. نظر ياسين إلى فريدة، فلم تكن تلك التي يعرفها. إنها صامتة، خافضة عينيها، لا تتحدث، تأكل بصمت. انطفأ بصغيرتها لم يراه سوى لأول مرة رآه فيها... كانت حزينة على وفاة والدها، وهي هي دخلت في حالة أخرى. يريد إخراجها منها، لا يحب رؤيتها كذلك. -يومك كان عامل إيه؟ قال ذلك بتساؤل. نظرت له، فهل يحدثها هي؟

نظرت لميرال، عادت لطبقها. -تمام. لم يكن ذلك ردها، كانت تخبره ما فعلته وما تذمرت فيه، لأنها كثيرة الحكي والكلام، لكنها لا تريد التكلم حتى. -ياسين. نظر لها من نظرتها لتقول: -بتروح المصنع امتى؟ استغرب، فهي لم تسأله يوماً عن ذاك. -رايح بكرة... ليه؟ -هاجي معاك. تفاجأ لتردف: -عايزة أشوفه وأفهم شغل بابا كان بيمشي إزاي. -تمام. قالت ميرال: -فكرة كويسة. نظرت لها فريدة، فهي أول مرة تؤيدها.

-إنك عايزة تشوفي المصنع، تبقى عايزة تعرفي شغل والدك عشان هيكون شغلك قدام. لم تفهم فريدة معنى كلامها ذلك، لكن شعرت وكأنها تتلاعب بها. هل تريد إبعادها عن طريق ياسين كي تكن مسؤولة أمامه وتجعله يتركها؟ أنك خبيثة يا ميرال... وأنا سألته بحسن نية، لكنك تقلبين الطاوله، ولم أعلم أن ذلك لصالحك. طلعت على أوضتها، فهل تلغي رحلتها معه؟

أنها تريد أن تكون في صحبته، لكن ذلك بمثابة ابتعادها عنه. نظرت مكان فارغ، وكان موضع القفص سابقاً، الذي لم يعد موجوداً الآن. شعر بالحزن الشديد. اقترب وجلس، فهي لن تعد هناك ما تحاكيه. كانت تنظر لهم تتذكر ياسين... تسمع زقزقة تملأ وحدتها وخوفها من الظلام. بات الهدوء والظلام واضحاً. الآن لم يعد لها شيء خاص به سوى هذا الأنسيال الملتف حول معصمها، وتخشي فقدانه. كانت ميرال جالسة مع ياسين. -كويس إن فريدة افتكرت مصنعها. -ليه؟

-عايزة تشوفه، يبقى عايزة تعرف الشغل أو تاخد نبذة عنه. -ممكن تبقى زيارة عادية، وده من حقها. لو عايزة تعرف، هعرفها. مش عايزة، ده يرجع لها. -لو شالت هي شغلها، هتريحك بعدين ومتكونيش بين المشغلين وتتعب. لازم تتعلم عشان تدير شغل أبوها وفلوسها. أنت شلته كتير يا ياسين، هي مصيرها تكمل لأنه شغل باباها. أنت تعبت كفاية لحد كده. -ميرال، أنا مش بتعب. قربت منه وقالت بحب:

-بس أنا شايف التعب عليك. مسرحياتك كتير من ساعة ما دخلت حياتك، وأنا مش معترضة، بس أنت عايز تتعب كده الحياة كلها؟ نفسك أولى بالراحة. أنت اللي تهمني. -متخافيش... أنا كويس. نظرت له ولجديته، تنهدت وقالت: -زي ما تحب. قامت وتركته. وفكر هو بكلامها. نظر، وجد هاتفها. تركته، خد راح أوضته. مر على غرفتها، لقى الباب مفتوح. دخل، لكنها لم تكن بالداخل. التفت، لكن توقفت عينه على شيء بركن الزاوية عند السرير. -ياسين.

قالت ميرال ذلك وهي تخرج من الحمام. نظر لها، قربت منه وقالت: -في حاجة؟ صمت قليلاً. لم تفهم صمته. مد يده وقال: -نسيتي تليفونك. نظرت إليه، ابتسمت وقالت: -آه، ما أخدتش بالي... شكراً. أخذته منه. نظر لها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: -هتيجي الشركة امتى؟

-هخلص وأجي، مش هتطول. -تمام، هستنّك. خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم. -يلا. -فريدة. -اممم. -مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: -قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت: -لا، مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها. -اركبي. نظرت له وقالت: -هي قصيرة أوي. -معرفش، بدام عجباكي، يلا. -أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. -يلا يا فريدة.

ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق وقال: -ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال: -استناها. نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه.

نظرت له وقالت: -كده حلو. -غيرتيها ليه؟ -عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. قال: -جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟ في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال: -ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.

فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. -لازم أقول. -لا، تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. -خلي بالك. أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: -فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: -بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:

-فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه. -ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: -اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين وقالت: -لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال: -في حد هنا؟

-ياسين بيه جه. -وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده. -إيه؟ -لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات. فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال: -لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة. أنصدم وقال: -فريدة هنا؟ -آه. -طب روح على شغلك.

كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله. -هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.

قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها. كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.

قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع. -مش قادرة... عايزة أستخبى. فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال: -خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟ -كفاية كده...

ابعت عصير على المكتب. -حاضر. أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال: -معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك. كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول: -بابا وحشني أوي. بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد. -متعيطيش... ادعيله. -بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.

تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال: -خلاص... عشاني. نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال: -أنت داخل زريبة. -معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة. نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.

-نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة. جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم. تقدم ياسين منه وقال: -تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع. انحرج مدحت وقال: -على نفسها إن ليا نسبه هنا. -نسبتك تبل ميتها...

وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده. -إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟ -هتعرف إزاي. غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول: -لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي. نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت: -هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟

-هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان. -مش شفت عمل إيه. -لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة. سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال: -دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي. نظرت إلى كم الأوراق وقالت: -وأنا هقرأ ده كله؟ -أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟

لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير. -أحفظ؟ طرق الباب. سمع له بالدخول. قال: -العصير يا ياسين بيه. أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت: -شكراً. أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال: -فريدة. -نعم. أشار على فمها. لم تفهم. قالت: -في حاجة؟

قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: -هتيجي الشركة امتى؟ -هخلص وأجي، مش هتطول. -تمام، هستنّك.

خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم. -يلا. -فريدة. -اممم. -مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: -قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت: -لا، مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها. -اركبي. نظرت له وقالت: -هي قصيرة أوي. -معرفش، بدام عجباكي، يلا. -أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. -يلا يا فريدة.

ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق وقال: -ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال: -استناها. نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه.

نظرت له وقالت: -كده حلو. -غيرتيها ليه؟ -عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. قال: -جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟ في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال: -ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.

فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. -لازم أقول. -لا، تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. -خلي بالك. أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: -فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: -بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:

-فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه. -ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: -اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين وقالت: -لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال: -في حد هنا؟

-ياسين بيه جه. -وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده. -إيه؟ -لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات. فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال: -لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة. أنصدم وقال: -فريدة هنا؟ -آه. -طب روح على شغلك.

كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله. -هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.

قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها. كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.

قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع. -مش قادرة... عايزة أستخبى. فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال: -خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟ -كفاية كده...

ابعت عصير على المكتب. -حاضر. أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال: -معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك. كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول: -بابا وحشني أوي. بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد. -متعيطيش... ادعيله. -بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.

تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال: -خلاص... عشاني. نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال: -أنت داخل زريبة. -معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة. نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.

-نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة. جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم. تقدم ياسين منه وقال: -تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع. انحرج مدحت وقال: -على نفسها إن ليا نسبه هنا. -نسبتك تبل ميتها...

وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده. -إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟ -هتعرف إزاي. غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول: -لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي. نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت: -هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟

-هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان. -مش شفت عمل إيه. -لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة. سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال: -دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي. نظرت إلى كم الأوراق وقالت: -وأنا هقرأ ده كله؟ -أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟

لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير. -أحفظ؟ طرق الباب. سمع له بالدخول. قال: -العصير يا ياسين بيه. أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت: -شكراً. أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال: -فريدة. -نعم. أشار على فمها. لم تفهم. قالت: -في حاجة؟

قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: -هتيجي الشركة امتى؟ -هخلص وأجي، مش هتطول. -تمام، هستنّك.

خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم. -يلا. -فريدة. -اممم. -مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: -قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت: -لا، مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها. -اركبي. نظرت له وقالت: -هي قصيرة أوي. -معرفش، بدام عجباكي، يلا. -أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. -يلا يا فريدة.

ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق وقال: -ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال: -استناها. نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه.

نظرت له وقالت: -كده حلو. -غيرتيها ليه؟ -عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. قال: -جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟ في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال: -ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.

فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. -لازم أقول. -لا، تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. -خلي بالك. أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: -فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: -بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:

-فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه. -ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: -اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين وقالت: -لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال: -في حد هنا؟

-ياسين بيه جه. -وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده. -إيه؟ -لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات. فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال: -لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة. أنصدم وقال: -فريدة هنا؟ -آه. -طب روح على شغلك.

كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله. -هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.

قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها. كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.

قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع. -مش قادرة... عايزة أستخبى. فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال: -خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟ -كفاية كده...

ابعت عصير على المكتب. -حاضر. أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال: -معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك. كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول: -بابا وحشني أوي. بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد. -متعيطيش... ادعيله. -بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.

تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال: -خلاص... عشاني. نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال: -أنت داخل زريبة. -معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة. نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.

-نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة. جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم. تقدم ياسين منه وقال: -تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع. انحرج مدحت وقال: -على نفسها إن ليا نسبه هنا. -نسبتك تبل ميتها...

وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده. -إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟ -هتعرف إزاي. غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول: -لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي. نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت: -هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟

-هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان. -مش شفت عمل إيه. -لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة. سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال: -دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي. نظرت إلى كم الأوراق وقالت: -وأنا هقرأ ده كله؟ -أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟

لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير. -أحفظ؟ طرق الباب. سمع له بالدخول. قال: -العصير يا ياسين بيه. أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت: -شكراً. أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال: -فريدة. -نعم. أشار على فمها. لم تفهم. قالت: -في حاجة؟

قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: -هتيجي الشركة امتى؟ -هخلص وأجي، مش هتطول. -تمام، هستنّك.

خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم. -يلا. -فريدة. -اممم. -مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: -قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت: -لا، مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها. -اركبي. نظرت له وقالت: -هي قصيرة أوي. -معرفش، بدام عجباكي، يلا. -أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. -يلا يا فريدة.

ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق وقال: -ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال: -استناها. نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه.

نظرت له وقالت: -كده حلو. -غيرتيها ليه؟ -عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. قال: -جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟ في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال: -ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.

فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. -لازم أقول. -لا، تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. -خلي بالك. أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: -فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: -بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:

-فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه. -ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: -اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين وقالت: -لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال: -في حد هنا؟

-ياسين بيه جه. -وده جه ليه؟ ده هو ملوش غير المصنع ده. -إيه؟ -لا، مفيش... طلب أوراق الحسابات. فكان يأتي دوماً يتابع كل الأمور التي هنا بحدّة، والكل يهابه. قال: -لا، شكله جاي على الهادي النهارده... أصل الأنسة فريدة معاه. أقصد المدام، مش عارف أميز العلاقة. أنصدم وقال: -فريدة هنا؟ -آه. -طب روح على شغلك.

كانت فريدة برفقة ياسين تسير معه، ترى العمال، وكانوا يعملون بجد. لحدة ياسين وشخصيته القوية، الذي ضبطتهم ليزيد أرباح التجارة، كما ترى حين كان يعلمها بالتفاصيل عن عملها، لكنها كانت تثق به. وثقتها في محلها، فقد رفع مالها كثيراً. كان يعلمها بالجديد، على الرغم أنها تركت الأمر له، وكان جديراً بالثقة ويهتم بمصادر أموالها بجانب عمله. -هنا بيتم الإنتاج وبنصدر في السوق بفضل الله، وياسين بيه المصنع وقف على رجله تاني.

قال ذلك الرجل. نظرت فريدة إلى ياسين. نظر إليها وكأنها تشكره أنها أوقفت مصنع أبيها من جديد. وقفت عن المشي لما شافت صورة يعقوب معلقة، فتوقفت عندها. كان الرجل يتحدث، بس وقف ياسين. بص لها. شافها واقفة وباصة لصورة يعقوب، وكانت تجمع قبضتها التي كانت ترتجف وتشد عليها، لإمساك نفسها.

قرب منها، وقف جمبها. مسك قبضتها الصغيرة من بين يده، وكأنها كانت تقاوم البكاء. نظرت له والدموع تتغلغل بين عينيها. أنفطر قلبه من رؤيتها وهي تجز على شفتاها خشية البكاء أمام الجميع. -مش قادرة... عايزة أستخبى. فهي لا تريد أن يراها أحد تنهار. تتماسك قدر الإمكان. ضمها إليه وهو يخبأها بداخله. لم تبعده، بل دفنت وجهها في جسده الصلب وهو يدخلها بين أضلعه القوية. قرب الرجل وقال: -خير يا ياسين بيه، في حاجة؟ هي كويسة؟ -كفاية كده...

ابعت عصير على المكتب. -حاضر. أخذ فريدة ومشي راح إلى مكتب. دخلها، بعد عنها وقعدها وقعد بجانبها. قال: -معدش في حد هنا، تقدري تاخدي راحتك. كانت تخفض رأسها لتسيل الدموع من عينيها وتجهش بالبكاء لتقول: -بابا وحشني أوي. بكت بحزن. زعل عليها، فهو أخرجها لتسعد قليلاً وينسيها ما حدث. لم يتوقع أن تبكي في الخارج أيضاً وترى حزنها أشد. -متعيطيش... ادعيله. -بدعيله... منستوش، كل يوم بدعيله، بس... بس وحشني.

تنهد من بكائها ذلك. قرب يده، مسح دمعتها وقال: -خلاص... عشاني. نظرت له وصمتت من يده التي على وجهها وحنانه، لينظر إليها ويتبادلان النظرات. انفتح الباب ليقاطع جلستهم دخول مدحت. ابتعد ياسين عنها وقال: -أنت داخل زريبة. -معلش يا ياسين، معرفش إن المدام معاك. هي لسه مدام ولا طلقتك؟ مبقتش عارف أميز العلاقة. نظرت له فريدة، نظر لها، خافت منه، فهي تتذكر آخر مقابلة بينهم. لاحظ ياسين خوفها.

-نسيت أباركلك. أنتي مش اتجوزتي من إيهاب بردو؟ ابن عمك أولى بيكي. اختيارك صحيح... أناديكي إيه عشان بقيت حيران الصراحة. جمع ياسين قبضته. نظرت له فريدة وحزنت، فبطبع تذكر ما تسعى بأن تجعله ينساه. أتى عمها وذكره ليقلب كل شيء عليها ويعكرهم. تقدم ياسين منه وقال: -تقدر تناديها باللقب اللي شكلك نسيته... صاحبة المصنع. انحرج مدحت وقال: -على نفسها إن ليا نسبه هنا. -نسبتك تبل ميتها...

وأنا قولت لك لو عايز أخرجك من هنا هعملها، بس أنا اللي مش عايز ده. -إزاي بقى؟ فاكرني هبيع؟ -هتعرف إزاي. غضب له، وأذله أمام تلك الفتاة، ليعطيه ظهره ويذهب ويقول: -لو خلصت، روح على شغلك. أنا مبدفعش مرتب ع الفاضي. نظر إلى فريدة، خافت من نظرته. مشي بالفعل ولم يتحدث. استغرب، هل يمسك ياسين عليه ذلة؟ ألا يزال يهدده حين حاول قتلها قديماً ورقبتها بين يديه؟ نظرت فريدة إلى ياسين وقالت: -هو بيعمل إيه في مصنع بابا؟ مشيتهوش ليه؟

-هو له نسبته يا فريدة، وكان بيشتغل فيه زمان. -مش شفت عمل إيه. -لو صدر حاجة منه، أنا اللي واقف له، بس متخافيش. هو مش مغفل عشان يفكر في حاجة. سكتت. جاء عامل ومعه أوراق كثيرة. وضعها على مكتب وخرج. نظرت له فريدة. قال: -دي الحسابات. لو في حاجة وقفت معاكي، قولي لي. نظرت إلى كم الأوراق وقالت: -وأنا هقرأ ده كله؟ -أمال هتعرفي بتدفعي كام، وبيدخلك قد إيه، وبيصدر إيه من مصنعك إزاي؟

لازم إقرار وتكتبي. تحسبي كل صغيرة ويسهل لو تحفظي عشان متعقديش تقلبي كتير. -أحفظ؟ طرق الباب. سمع له بالدخول. قال: -العصير يا ياسين بيه. أخذه ياسين منه، خرج وتركهم. أعطاه لفريدة. نظرت له وقالت: -شكراً. أخذته منه. نظر ياسين لها. شربت، وضعت الكوب جانباً. ليجد فون تركم فوق شفتاها. حمحم وقال: -فريدة. -نعم. أشار على فمها. لم تفهم. قالت: -في حاجة؟

قامت عشان تشوف في المراية، واتكسفت حين رأته. خرج ياسين منديل وأعطاه لها. خدته منه. نظر إليها، ثم ذهب. نظرت ميرال إليه بعدما غادر، لتنظر إلى مكان ما ينظر إليه، فكانت قد رأته. ذهبت وتقفلت الباب ورمت هاتفها على السرير. في اليوم التالي، كان ياسين ينتظر فريدة، لكنها تأخرت. قالت ميرال: -هتيجي الشركة امتى؟ -هخلص وأجي، مش هتطول. -تمام، هستنّك.

خرجت فريدة. تقدمت منهم، وكانت ترتدي جيب قصيرة قليلاً وجزمة وتيشرت بينك، وكانت جميلة. نظر لها ياسين، فكانت ناسفة ملابسها كمثل سيدات الذين يذهبون لأعمالهم. -يلا. -فريدة. -اممم. -مش شايفة إن الجيبة قصيرة؟ بصت لنفسها وقالت: -قصيرة إزاي؟ م... لكن صمتت ونظرت له وقالت: -لا، مش قصيرة، بتهيألك.

نظرت ميرال إليها وتضايق ياسين منها. مشي، فهي حرة فيما تريده. نظرت له فريدة، تبعته بلا مبالاة، لكنه لم يكن ينظر إليها. فهل أغضبته لهذا الحد؟ أنها تريده يغار عليها. -اركبي. نظرت له وقالت: -هي قصيرة أوي. -معرفش، بدام عجباكي، يلا. -أمال مضايق ليه؟ لو كده قولي. -يلا يا فريدة.

ركبت ببرود ولم يرد عليها. تضايقت. نظرت إلى ميرال وهي تغادر بسيارتها، فهي ستشمتها بها. أنها تريد أن تعيد ياسين إليها، لا أن تبعده، وبأفعالها الحمقاء تلك تجعله يحزن منها ويبتعد أكثر. مشيت ودخلت للمنزل. استغرب السائق وقال: -ياسين بيه، الأنسة هتيجي ولا نمشي؟ استغرب، وبص لقاها دخلت. تنهد من تلك الفتاة وقال: -استناها. نظر إلى الساعة، بعد قليل خرجت فريدة. نظر، وكانت غيرت الجيبة إلى جيبة أطول منها بيضاء تناسقها. ركبت معه.

نظرت له وقالت: -كده حلو. -غيرتيها ليه؟ -عشانك... أنت عارف إني بحب آخد رأيك، فغيرتها. ها، حلو؟ لم يرد عليها. تضايقت. قال: -جميل. نظرت له وسعدت بتلك الجملة التي اشتاقت لها. كان يخبرها دائماً أنها جميلة. ألا تزال جميلة في عينه، أم ميرال أجمل؟ في المصنع، وصل كل من فريدة وياسين، الذي حين دخلا سمعت صوت ضجيج. لم تعلم مصدره، هل هو صوت الآلات؟ اقترب منه رجل وقال: -ياسين بيه، مقولتش إن حضرتك جاي.

فكان قد أتى على غفلة بالنسبة لهم. -لازم أقول. -لا، تنور حضرتك في أي وقت. نظرت فريدة حولها، كان في حد يعدي وسائل أشياء ثقيلة، كان هيخبط فيها. مسك ياسين إيدها. نظرت له ورأت ما كان سيصدم بها ولم تلحظ. -خلي بالك. أومأت له بحرج. نظرت إلى ياسين ويده الممسكة بيدها، وكانت تقف بجانبه. قال ياسين بتعريف: -فريدة... طبعاً عارفها. الرجل بدهشة وهو ينظر إليها: -بنت يعقوب بيه؟ أومأ له إيجاباً. سلم عليها وقال:

-فرحان إني اتعرفت عليكي. أبوكي كان فخر لينا، وشوفتك هنا يرجع الأمل فينا إنه لسه موجود. سعدت فريدة وشعرت بالفخر بأبيها لكونه رجل طيب الجميع يحبه. -ربنا يرحمه. أومأت له بحزن. أشار لهم وقال: -اتفضلوا... تحبوا تقعدوا في المكتب بعيد عن الدوشة؟ نظرت إلى ياسين وقالت: -لا، عايزة أشوف المصنع. نظر الرجل إلى ياسين، فذهب وتبعته. في مكان آخر، كان مدحت يقف مع العملاء. شاف العربية والحراس. استغرب، نادى على أحدهم وقال: -في حد هنا؟

-ياسين بيه جه

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...