سمع صوتها من الحمام، ولسا هيفتح سمع صوت صياحها وهي تقول: -اوعى تدخل. -انت كويسة؟ -أيوه أنا تمام، امشي انت. وسمع صوت عياطها قبل أما تكمل جملتها. مستنّاش وفتح الباب، واتجاهل كلامها. دخل وانصدم لما شافها في البانيو بملابسها الداخلية وهي تبكي بوجع. قرب منها بسرعة وقال: -ارجع، متبصليش. نظر لها، وكان محرج بشدة. رغم توجعها، إلا أنها شبه عارية أمامه. قال: -قوللي مالك طيب. -رجلي.. رجلي مش قادرة أقف عليها.
نظر لها، قرب، ولسا هيمسكها، صاحت وهي تقول: -لا بتوجع. شاف عياطها اللي لا يتوقف، انفطر قلبه وبقى حيران، مش عارف يعمل إيه. قرب منها وشالها برفق، فتشبثت في رقبته. خرج، حطها على السرير، رفع الغطاء عليها لتداري جسدها. راح فتح الدولاب، خد تي شيرت طويل أعطاه لها، قال: -تقدري تلبسيه ولا هتحتاجي مساعدة؟ أخذته منه، تركها وخرج ليحدث طبيبه ويستدعيها الآن. أنهى مكالمته، عاد إليها، وكانت قد تنزلت عليها. قرب منها، قال: -حاسة بإيه؟
إلى حصل، وقعتي؟ نفيت برأسها وهي تبكي ولا ترد عليه، لا تفهمه أي شيء، وهو قلق عليها. تنهد وأمسك وجهها، قال: -خلاص اهدى، متعطيشيش. نظرت له. مسح دموعها، قال: -هتبقى كويسة. بدأت تتوقف عن البكاء وهي تنظر في عينه. تنشج من بين يده، ويشعر برجفتها وجسدها البارد من الماء. قالت الخادمة ذلك. نظر لها ليجد الطبيبة معها. اقتربت منه، قالت: -حسناً.. هل يمكنني أن أرى؟ أومأت له. -حسناً.. هل يمكنني أن أرى؟
نظر لها ليجد الطبيبة معها. اقتربت منه، قالت: -I hope I'm not late. -لا.. لترى ما بها قدامها لا تستطيع السير عليها. أومأت له. قال: -حسناً.. هل يمكنني أن أرى؟ نظر لها ليجد الطبيبة معها. اقتربت منه، قالت: -I hope I'm not late. -لا.. لترى ما بها قدامها لا تستطيع السير عليها. أومأت له. قال: -حسناً.. هل يمكنني أن أرى؟ مشى. مسكت فريدة إيده توقفه. نظر لها. قالت: -رايحة فين؟ -هكشف عليكي. هقف برا مش همشي. -خليك جنبي متسبنيش.
نظر إليها من رجائها ودموعها التي لا تزال في عينيها. جلس بجانبها ونظر إلى الطبيبة بمعنى أن تبدأ. رفعت الغطاء من عليها لتنكشف ساقيها. كان التي شيرت يصل لفوق ركبتيها، تظهر ساقيها. -Can you pinpoint the exact location of the pain? -بلأسفل. -هنا. لمست، لكن فريدة نفت. فنزل آخر عند كاحلها، وحين أمسكته تألمت فريدة وأمسكت بزراع ياسين. نظر لها. قالت الطبيبة:
-It seems that there was a severe ankle sprain. You will dispense with it and can rely on the afterlife. -يبدو أن حدث التواء شديد الكاحل. ستستغني عنها بإمكانك التكئ على الآخرة. قالت فريدة بصدمة: -مش همشي على رجلي تاني. لم تفهم لغتها. نظرت إلى ياسين. قال: -This will last. -سيدوم ذلك. -No, for a temporary period depending on the treatment. -لا، لفترة مؤقتة على حسب العلاج. أخرجت شاش ورباط طبي متين، وفعلت لها ما يلزم.
قالت: -This is so that an x -ray of the bones can be done to confirm that no fracture occurred, and we hope so. -ذلك حتى تعمل أشعة للعظام بأنه لم يحدث كسر ونتمنى ذلك. حزنت فريدة وكأنها أصبحت عاجزة. تأملت حين لفت على كاحلها وهي تمسكها. مالت على ياسين وهي تدفن وجهها به. نظر لها. أنت تتوجع. شعر بدفء من دموعها التي تسيل منها بصمت. حزن. نظر إلى الطبيبة. قال: -Is there housing?
-أجل. ساكتبه لك مع فيتامينات أخرى، فيبدو أن عظامها هشة جزيئياً. أكملت من ما تفعله حتى انتهت. قام ياسين. وجدها لا تزال تمسك به. قال: -فريدة، هرجع تاني. نظرت له وإلى يدها. ابتعدت عنه وتركته يذهب. وقف مع الطبيبة. قال: -Is it just a sprain? -هل هو مجرد التواء؟ سألها إن كانت خبأت شيئاً كي لا تحزنها. فقالت: -Yes, Mr. Yassin, so far there is nothing to worry about. -أجل سيد ياسين، إلى الآن ليس هناك ما يقلق.
-Why are you crying like that then? -الألم.. الأشعة ستثبت ما إن كان هناك شيء آخر. أومأ لها بتفهم. حاسبها، غادرت. عاد لغرفة فريدة. كانت تحاول أن تصل للغطاء لتغطي جسدها. راح غطاها. نظرت له. قال: -أي إلى حصل.. وقعتي؟ -اتزحلقت. -إزاي؟ كان في حاجة؟ -لا، البلسم وقع مني، مخدتش بالي. صمت. نظرت له. قالت: -ياسين.. أنا هرجع أمشي تاني، مش كده؟ رأى عيناها على وشك أن تدمع. أومأ لها. قال: -إنشاء الله. كأنه يطمئنها. جت الخادمة.
قالت: -الفطور. نظر إليها. قال: -تقدري تنزلي؟ نفيت برأسها. فنظر إلى الخادمة. قال: -أحضروا الطعام هنا. أومأت له وذهبت. نظرت فريدة إلى ياسين وأنه سيأكل معها في غرفتها. وبالفعل صعد الطعام ليأكلا سوياً. وكان قد طلب من حراسه أن يحضروا الدواء من صيدلية قريبة. وبعدما جاء، صعدت به للخادمة وأعطته له. وضعها على الكمود. قال: -لما تاكلي خديهم. -أي ده.. المسكن ده كله؟ -فيتامينات يا فريدة. -بس أنا كويسة. -عشان كده عندك هشاشة.
نظرت له. قالت: -انت بتصدق كلام الدكاترة؟ أنا قولتلك اتزحلقت عادي، بتحصل وممكن تحصل معاك. هل ده عندك هشاشة وأنا بشوفك بتلعب رياضة على طول؟ نظر إليها من ما قالته. اتكسفت. قالت: -أقصد المرات اللي شوفتك فيها وجسمك رياضي. قرب منها وبص في عينها. قال: -ده مينفعش، إنك هتاخديه. لوت شفايفها بتذمر. نظر لها وشعر بالضعف من حركتها تلك. بعد عنها. أداها الدواء وخرج.
في إحدى المنازل الفاخرة، كان رجل جالس يبدو عليه الشموخ والقوة. كان يمسك كتاب ويقرأ فيه تحت هدوء وصمت البيت بأكمله. -باباه. جاء ذلك الصوت الأنثوي. نظر إلى الباب، وكانت ميرال واقفة عنده، التي كانت تنظر له بشوق شديد مع ابتسامة خفيفة. -ميرال. قال ذلك وهو يقفل الكتاب ويقف وهو ينظر لها بشدة. تقدمت منه، عانقته. قالت: -عامل إيه؟ -الحمد لله. جيتي إمتى؟ -لسه واصلة، قلت أجي أشوفك الأول. -لى رايحة فين؟ مش هتقعدي هنا؟
-حاجزة في أوتيل. -وبيتك؟ -ملوش داعي يبابا، أنا هرتاح هناك أكتر. -عاملة إيه في مصر؟ -أنا بخير. -وشغلك؟ نظرت له وكأنها تعلم ما يرمق لها عن عملها. قالت: -تمام. -Is there any other answer we expect from you? نظروا إلى الصوت ليجدوا امرأة أجنبية تنزل على الدرج وتنظر إلى ميرال. قالت: -Hello Miral, you have been away for a long time. نظرت ميرال إلى أبيها. تقدمت منهم. قالت: -هل سعيدة وإنتي برفقته؟ تحدث والدها وقال:
-ملوش داعي الكلام ده.. تعالي يا ميرال. -Where.. لأين.. نظر لها بشدة. أكملت: -What brings you here? Did you not choose him over us? -ميرال.. ما الذي جاء بك لهنا.. ألم تختاريه دونا عنا؟ قالت ميرال: -He has no income. -أنه ليس له دخل. -Anything to justify it. -أي شيء تبرير له؟
-After all, you know that your hatred is normal for your situation, but he was a victim and also suffered. What do you know about the truth? Yassin stuttered the most, and that was Darren’s fault. -على كل شيء تعلمين أن بغضك هذا شيء عادي لموقفك، لكنه كان ضحية.
-Wonderful. Did he become a victim after killing his family? This is someone who lives his life as if it were something that was not what you call a victim, and she is the one who suffers because of it. -رائع. هل أصبح ضحية بعدما قتل عائلته؟ ذلك من يمارس حياته وكأن شيئاً لم يكن. تقولين عنه ضحية، وهي التي تعاني بسببه.
-But he was a victim who also suffered. What do you know about the truth? Yassin was the one who hurt the most, and that was Darren’s fault. -لكنه كان ضحية عانى أيضاً.. ماذا تعرفين عن الحقيقة.. ياسين أكثر من تألم، وكان ذلك خطأ دارين. رفعت إصبعها في وجهها وقالت بسخط شديد: -My daughter, do not make mistakes in your memory. -ابنتي، لا تخطئي. إياكِ وذكرها.
-You don't know anything.. You don't know anything and I don't want to talk. -أنتِ لا تعلمين شيئاً.. لا تعلمين أي شيء ولا أريد أن أتحدث. -What do we not know, ha?... so give us your love speech about him. -ما الذي نجهله هاا.. فلتلقي علينا بخطاباتك الغرامية عنه. نظرت لها بشدة، وطالعها والدها. -I also know a lot about you... and it's not just you...
your attachment to that man, who is his wife, was one of the reasons for her ruin. -أنا أيضاً أعلم الكثير حولك.. ولستِ أنتِ فقط.. تعلقك بذلك الرجل، وهي زوجته، كان من إحدى أسباب خرابها. صمتت ميرال ولم ترد عليها، وكان وجهها يخلو من التعبيرات. يتم إهانتها وهي صامتة. -You are the reason they are here now.. Happy lady. -أنتِ السبب في أن يكونا هنا الآن.. ألستِ سعيدة؟ -بسسس. قالها بغضب ليصمتها. نظرت إليه وقالت بضيق:
-Why.. Did it hurt her that she doesn't even care.. Isn't it, Miral? -لماذا.. هل جرحتها أنها لا تبالي حتى.. أليس كذلك يا ميرال؟ لم ترد عليها. صاحت بها وقالت: -Get out... now. -اخرجي.. الآن. نظرت لها ميرال وإلى والدها وأنه يتم طردها. التفتت وخرجت. -قال. -ميرال. كان يريد إيقافها، لكنها ذهبت. ظهر الحزن والضيق على وجهه. نظر إليها. قال: -أي إلى انتي قلتيه ده. -Did I say something wrong? -هل قلت شيئاً خاطئاً؟
-انتي إزاي تطردي بنتي من بيتي. -بنتك اللي اختارت واحد بعيد عن عيلتها. -أنا مخيرتهاش عشان تختارني. -لأنك عارف إنها هتختاره. ميرال يوم أما مشيت كانت عارفة إنها سايبة عيلتها وراها ومهتمتش قصاد أنها تكون معاه.. ونسيت أختها. -قلتلك كانت حادثة، وهو أكتر واحد أضر بيها. -وأنا بنتي أضرّت أكتر منه. صمت وهو متضايق منها. قال: -Get away from me. -اذهبي من وجهي. نظرت له. التفت وكأنه لا يريد رؤيتها. تضايقت وذهبت وتركتها.
كان ياسين جالس في غرفة المعيشة يقلب في هاتفه. -Mr. Yassin, someone is asking about you. -سيد ياسين، هناك من يسأل عنك. تعجب. راح يشوف، وجدها ميرال. قال: -ميرال.. مقولتيش إنك وصلتي. نظرت له. اقتربت منه وعانقته. تفاجأ كثيراً منها. كانت تضمه وأجسادهم قريبة. قال: -ميرال. شدّ يدها على كتفها بتوتر. لكن قالت: -كان لازم مجيتش. توقف لوهله. قال بإستدراك: -روحت لهم.
أومأت إيجاباً وهي تعانقه. لم يبعدها ياسين وهو يرى حزنها ذلك. كانت فريدة واقفة عند باب غرفتها ورأت ميرال وهي تعانق ياسين. شعرت بغصة في قلبها كوخزة مؤلمة. إنها تعانقه، قريبة منه. أبعدها ياسين عنه تدريجياً. نظر لها. قال: -حصل إيه؟ -ما فيش.. عاتبوني على غيابي. بسّمت. أومأت له. قالت: -أيوه. صمت. نظرت ميرال لترى فريدة واقفة تنظر لهم ولها بالتحديد. نظرت إلى قدميها وهي تتكئ على واحدة فقط. قالت بدهشة: -فريدة! إيه اللي حصلك؟
التفت ياسين وشافها. وهو واقف. تعجب منذ متى وهي هنا. قربت ميرال منها. قالت: -مال رجلك؟ -وقعت. -إمتى ده؟ -الصبح. -يحرام. مش تخلي بالك. لم ترد فريدة عليها. نظرت ميرال إلى ياسين. قالت: -شكلك هتقعد هنا عند مدتك عشانها. -مش مشكلة. فهو ما يهمه أن تكون بخير، لا أن يعود باكراً. قال ياسين: -اقعدي عشان الوقفة الكتير غلط. نظرت له. ذهب. تبعته ميرال، فتساءلت لأين يذهبون. كانت فريدة في غرفتها. جت الخادمة وكان معها مهامها. قالت:
-Where is Yassin? -أين ياسين؟ -Down with the sabda miral. -بالأسفل مع السيدة ميرال. -ميرال.. هي ممشيتش؟ لم تفهم. تكيأت فريدة. قالت الخادمة: -but.. لكن.. -I'll eat with them downstairs. -سآكل معهم بالأسفل. ذهبت وهي تستند. خرجت. شافتهم جالسين. شعرت بالضيق. هل نساها لمجرد وجودها هنا؟ جت تنزل تألمت. مسكت في السور. نظر لها ياسين. -فريدة. نظرت ميرال. وقف واقترب منها. أمسك يدها. قال: -بتنزلي لوحدك ليه؟ -عندك اعتراض؟
قالت ذلك بضيق. تعجب من نبرتها. قالت: -هاكل معاكو عادي، أنا كويسة. تركت يده وبعدت عنه. نزلت وهي تتكئ برغم تألمها، لكن أظهرت أنها لن تعد عاجزة بعد، أنها ستعود كما كانت. كانت ميرال جالسة بجانب ياسين. لفت، وجلست الكرسي الأخرى الذي بجانبه. نظرت ميرال إليها، فكان الأقرب لها أن تجلس بجانبها. جه ياسين وجلس. قالت ميرال: -عاملة إيه دلوقتي يا فريدة؟ نظرت لها. كانت تبتسم بلطف. لم تحرجها. قالت: -الحمد لله. جت الخادمة. قالت:
-لقد وضبنا أغراضك. -أشكرك. أومأت لها وذهبت. واستوقفت فريدة جملتها. نظرت إلى ميرال. قالت: -إنتي هتعيشي هنا؟ نظروا إليها من ما قالته. قالت فريدة بتفسير: -أقصد هتقعدي معانا يعني. نظرت ميرال إلى ياسين. قالت: -فهمتك.. أنا مبحبش الأوتيلات. ياسين اقترح أقعد هنا، فلغيت الحجز. نظرت فريدة إلى ياسين، فهل يخشى عليها أن تكون بمفردها وهي ناضجة كفاية؟ قالت ميرال: -لو إنتي مضايقة من وجودي، أمشي. قالت فريدة: -لا أكيد.
ابتسمت ميرال لها وعادت لطعامها. رن هاتف ميرال. نظرت. قالت: -ده أنور. قفلت الهاتف. قال ياسين: -مردتيش ليه؟ -قبل أما أمشي، كان بيتريق عليا. أكيد محتاجني، فخليه شوية وهكلمه بليل. نظرت لهم من حديثهم سوياً. قالت فريدة: -باين إن علاقة الصحبة اللي بينكم قوية. ابتسمت ميرال. نظرت إلى ياسين. قالت: -أكيد. -درسنا هنا.. فاكر ياسين لما عرفتك إنتي وأنور اتجمعنا في الجامعة. وكأنها تحيي ذكراهم أمامها. أومأ لها إيجاباً بأنه يتذكر.
قالت: -كنتوا بتتريقوا عليا لما تسمعوا العربي المكسر بتاعي. مش ناسياها. وقال آخر جملة بمزاح، وهي تلمس يده. نظرت لها فريدة. إنها غاضبة، تشعر بغضب ما تجهل تفسيره. قالت: -إنتي أجنبية. نظرت لها ميرال. قالت: -نص نص يعني عايشة في كندا لأن بابا فيها. -باباكي أجنبي؟ -لا. عربي. هما الاتنين عربيين بس انفصلوا وعشت مع بابا هنا. -إزاي وإنتي بتقولي العربي بتاعك مكسر؟
-لأن أساساً من صغري هنا، بتكلم إنجليزي. العربي بتاعي كان معتمد على بابا بس.. لأنه بيكلمني بيه عشان مننساش لغتي. -هما فين دلوقتي؟ نظرت إليها من سؤالها. نظرت إلى ياسين. نظرت لهم فريدة من نظراتهم المتبادلة. حست بالضيق أنها لا ترتاح في وجود ميرال وهي قريبة من ياسين، كأنها تسلب الأنظار عليها، تجعله ينساها. -فين علاجك؟ قال ياسين ذلك. نظر إليه، وأنه يحدثها. قالت: -فوق. -متنسيش تاخديه.
أومأت له. فهو لم ينساها، أنه لا يزال مهتم بها وبأدويتها. لقد أخطأت الظن. رن هاتفه. وكان لياسين. نظر إلى المتصل. نظرت له ميرال وملامحه. وقف وذهب ليرد بعيداً. بعدما انتهى، شافوه ماشي ولم يكمل طعامه. تعجبت فريدة. وقفت وذهبت إليه. قالت ميرال: -أساعِدك؟ -لا، أنا بعرف أمشي. قالت ذلك بثقة. فلم تفعل وذهبت. فريدة عند ياسين. وقفت عند غرفته. وكان الباب مفتوح. وجدته عاري الصدر ويرتدي قميصه. خجلت، اخفضت عينيها. قالت:
-ياسين، إنت خارج؟ نظر لها من وجودها. أقفل أزرار قميصه. قال: -آه. -دلوقتي؟ نظر لها من ما تقوله. قال: -عايزة حاجة؟ نظرت إلى النافذة. كان الهواء يصطك بها. قالت: -لا، بس الجو شكله هيقلب. -عادي. -شكله مشوار مهم. لم يرد عليها. أخذ جاكته. وقال: -نامي، بلاش تساهري زي امبارح. نظرت له قليلاً من اهتمامه. ذهب وتخطاها. تساءلت أين يكون قد غادر.. لعمله الذي أتى إليه!! بالتأكيد لن يجلس بجانبها.
كانت ميرال في غرفتها تغير ملابسها. تذكرت أنور. اتصلت به. رد عليها. قال: -افتكرتي. ابتسمت وقالت: -أكيد محتاجني. قلت تخليك تعرف أهميتي الأول. -أنا فعلاً محتاجك، بس مش في الشغل. -أمال في إيه؟ -عادي، كنت هسألك وصلتي الأوتيل ولا لسه. -لا، لغيت الحجز. -لي.. رجعتي البيت؟ صمتت. عرفت ما يقصده. تنهدت. قالت: -لا.. أنا عند ياسين. تعجب أنور. قال: -عند ياسين؟ -أيوه. اقترح إني أقعد هنا معاه أفضل من الأوتيل.. إنت عارف إني بتخنق هنا.
سكت أنور شوية. فهل هي ستمكث معه؟ تعجبت ميرال من صمته. قالت: -أنور. -هي فريدة معاكم؟ -آه أكيد هتكون مع ياسين، وإلا ما كان اقترح إني أقعد معاه. -اممم. -بتسأل ليه؟ -عادي.. أكلمك بعدين. -أوكي. أقفلت معه وجلست على السرير. خرجت فريدة من غرفتها. نظرت للساعة. وجدت أنها التاسعة. ذهبت، لكن توقفت حين وجدت ميرال تجلس على الأريكة. نظرت. وكانت ترتدي ملابس نومها، وهو قميص يناسب جسدها. اندهشت. هل ستعيش هنا وتسير بتلك الملابس؟
كيف خرجت من غرفتها؟ إنها بالفعل وكأن تفكيرها عندها بحرية عكس تفكيرها هي. رغم أنها تصغرها، لكنها تتقيد بملابس في البيت لأنها ترى ياسين غريباً عنها، حتى في الصباح. خجلت حين فتح عليها الحمام ولا تزال تحمر وجهها من التذكر، على الرغم أنه كان يساعدها ليس إلا. اقتربت وجلست مع ميرال. نظرت إلى جلستها، وكان جسمها أنثوي وجميل. قالت: -ميرال. -امم. هاي فريدة. -هاي.. إنتي هتقعدي كده؟ -كده إزاي؟ نظرت لنفسها. ابتسمت. نظرت إليها.
قالت: -إيه!! خايفة ياسين يشوفني؟ وكأنها عرفت ما يجول في داخلها. قالت: -لا، أنا مقصدش. -امال.. عمتا أنا هقعد كده في أوضتي. لما أخرج هلبس عادي، متقلقيش. قال ذلك بمزاح. فقالت: -بس إنتي برا أوضتك. -أيوه، عشان ياسين مش هنا. كده كده هيتأخر الليل. -إشمعنى؟ -عادي، من خلال معرفتي بيه و.. بشغله؟! مش هو جاي يشتغل بردو؟ -إنتي بتشتغلي مع ياسين من إمتى؟ نظرت لها ميرال. ابتسمت. قالت:
-لما اتخرجنا، اشتغلنا على مشروع لأنه كان عايز يبني شركته الخاصة. -ياسين. -آه. كان طموح، كان بيحط هدف وبيوصله، وبقيت معاه. أشارت لها أن تقترب. وقالت بهمس: -أصلي بيني وبينك، هيلاقي زي فين؟ أنا متعوضش. نظرت فريدة إليها من مزاحها. ابتسمت. قالت: -واثقة في نفسك. -اممم، ساعات. بس مع ياسين لا. -إشمعنى؟ -حالة خاصة. لم تفهم فريدة مغزى ما قالته، وكيف ياسين حالة خاصة بالنسبة لها. هل لأنه صديقها أم شيء آخر تخفيه؟
بعد لحظات من صمتهم، قالت: -إنتي تقربى لياسين إيه؟ توقفت ميرال عما كانت تفعله، واختفت ابتسامتها. -يعني أنا لحد دلوقتي معرفش أي نوع صلة قرابة بينكم. -عايزة تعرفي؟ قالت ميرال ذلك. نظرت إليها لتردف: -اخت مراته. حدقت بها بشدة. قالت: -مر.. مراته؟ لتردف بصدمة: -ياسين متجوز؟!
كانت الدنيا تمطر في ليالي الشتاء القاسية، وأصوات الرياح. توقفت السيارة. ترجل ياسين، وكان السائق يمسك له المظلة كي لا يتبلل. نظر إلى الباب الكبير الذي أمامه لهذا المبنى. صعد الدرج ودخل ليقابله رجل وكأنه ينتظره. اقترب منه. قال: -Hello Mr. Yassin. -مرحبا سيد ياسين. -where is she? -أين هي؟ -In her room she doesn't know you're coming yet. -في غرفتها، إنها لا تعلم بمجيئك بعد.
أومأ له وأكملوا سيرهم حتى وصلوا إلى غرفة. دخل الرجل، بينما ياسين توقف عند الباب لوهلة حين وقعت عينه عليها. كانت جالسة فتاة ذات شعر أشقر وعيناها الزرقاء، ملامحها جميلة، لكن الذبول بادياً عليها تحت عينيها أسود، شفتاها شاحبة، لا تزال جميلة برغم ذلك. كانت ذاتها التي في الصورة في منزله، باختلاف الحالات. تلك المشرفة عكس هذه الباهتة. -Mrs. Darren.
قالت الممرضة ذلك كي تنتبه لها، فهي كانت عيناها معلقة على النافذة والأمطار. تقدم ياسين من الغرفة. نظرت له حتى توقف بؤبؤ عينيها عليه، ذلك الذي تنتظر رؤياه. نزلت من سريرها وذهبت إليه. كانت ستوقفها الممرضة، لكن ياسين منعها. اقتربت دارين منه مع خطواتها الثقيلة، والتفت ساقيها. لكنها تشبثت به، وكان قد أمسكها من خصرها. نظرت له، لينظر ياسين إلى تلك العينان كنت البحر. تحركت شفتاها وتقول: -ياسين.
لفت ذراعيها حول رقبته وعانقته وهي تدفن وجهها به، وتقول بهمس أنثوي: -وحشتيني. لفت ذراعها حولين رقبته وحضنته. قالت: -وحشتني. لم يبادلها ياسين، بينما كانت صامتة لا تبدي أي رد فعل غير البرود الذي يجتاحه. مشت الممرضة وتركوهم بمفردهم. دفنت وجهها في كتفه. قالت: -أول مرة تتأخر، عارف إني بستناك. -عاملة إيه؟ -بحترق. قالت ذلك. رفعت عينيها إليه. قالت: -حريقة كبيرة جوايا مستنية هتتطفى إمتى.. بس هيبقى قريب.. قريب أوي.
لم يكن يتفاعل معها. كان الصمت سيده، وهو ينظر إليها. عانقته بقوة هذه المرة، وكأنها تريد أن تشق أضلعه وتدخل داخله. تضع يدها خلف رأسها عند شعره. قالت: -بحبك. أوقفت ياسين ما قالته. رفرفت في أذنه: -خلى بالك من ميرال. تعجب. فهل توصيه عليها؟ خارت قواها. ارمت عليه، وقعت مغشياً عليها. أمسكها ياسين. نظر لها. دخلت الممرضة وشافتها. اتخضت. قالت: -سيدة دارين، هل هي بخير؟ -مغشي عليها. -سأطلب الطبيب.
راح سندها، وضعها على السرير. نظر لها قليلاً، ولملامحها. قال: -شوفتي وصلتينا ل إيه. تنهد. ابتعد عنها وذهب. جاء الطبيب. نظروا له وهو يغادر ويتركهم لها، تاركاً مأساته والجرح الذي قامت بتفتيحه لرؤيتها. لطالما يلاحقه بماضيه ولن ينسى. إلى متى ستظل هنا لا تتقدم ولا تتأخر، عالق منذ زمن في تجربة قد خسرتك نفسك. رجع ياسين البيت. شاف فريدة جالسة. نظر لها. قال: -مش قيلتلك نامي. -أنا مجاليش نوم. مالك؟ -ماليش.
كان رايح لاوضته. تعجبت. تبعته. وجدت أنه جالس على الأريكة ويجمع يديه وينظر أمامه. وكانت عيناه مخيفة، حتى أن فريدة شعرت برهبة منه، وكأنه غاضب، بل بركان داخله. هذا الصمت وهو يفكر في شيء ما يخيف الذي يراه. -متأكد إن مفيش حاجة؟ نظر إليها من وجودها. تنهد وأومأ إيجاباً. -عايز أبقى لوحدي. فهمت أنه يخبرها أن تذهب. حزنت. قالت: -عن إذنك.
لفت عشان تمشي. داست على قدمها. تألمت. مسكت في الكمود. كانت هتقع، لكن هناك من أمسكها. كان ياسين الذي رأى معالم الألم على وجهها. قال: -إنتي كويسة؟ أومأت له إيجاباً. قالت: -تمام، متقلقش. ابتعدت وهتمشي لوحدها. منعها. نظرت له. اقترب منها. نظر إلى قدمها. لم تفهم حتى انحنى وحملها. نظرت له بشدة. قالت: -ياسين، بتعمل إيه؟ -بساعدك. -أنا بعرف أمشي، مش لدرجة. -واضح.
شعرت بالحرج وصمتت. مشي وتجاهلها. نظرت له وهو يحملها. دق قلبها بقوة وهي على ذراعيه القوية، وكأنه يحمل طفلة. لا شيء أمامه. دخل غرفتها وهو ينزلها على السرير. تقابلت أعينهما. توترت فريدة من قربهما. خفضت عينيها. قالت: -شكراً. اعتدل هو الآخر وابتعد عنها. -شكلي مش هعرف أتحرك إلا بمساعدة. قالت ذلك ساخرة. قال ياسين: -لسا الوقعة من ساعات يا فريدة. -بس أنا مش عارفة حتى أدوس عليها حتى. -هنعرف بكرة. -الأشعة؟
-آه.. ممكن تقعدي لحد وقتها عشان متوجعكيش. أومأت له بالطاعة. جه يمشي. أوقفته. قالت: -ياسين. توقف. نظر لها. قالت: -إنت كنت فين؟ لم يفهم صيغة سؤال. قال: -بتسألي ليه؟ أشارت له أن يقترب. استغرب. قرب منها فأشارت أن يقترب أكثر. قرب وأصبح مقابل وجهها. رفعت يدها ولمست بإصبعها جبينه. نظر إلى يدها التي تلمسه. -عشان راجع مضايق. رفع عينيها إليها ليقابل عينيها الجميلة التي تشع براءة. قال: -عرفتي منين؟
-العرق اللي عندك ظاهر كأنك حبل أفكارك وضغط عليه. -بس مش إنتي اللي ضاغط عليه. -أمال؟ -الإنسان مبيحبش المعاناة لنفسه، بس هو اللي بيخلقها. أنا مبضغطتش عليه، هو اللي ضاغط عليا. -ممكن لأنك بتفكر زيادة مثلاً؟ -ياريتني أقدر أوقف تفكير. -حاجة صعبة؟ ابتعد عنها. وقال: -مش هتفهمي. -إنت مبديش فرصة لحد إنه يفهم. -زي أما كنت في أوضتك وقولتلي أسيبك لوحدي لأنك بتفكر. زي ما بتقول في.. إنت سايب تفكيرك يهلكك.
-قولتلك تسيبيني لأن بخاف عليكي. -يعني كنت بتفكر فيا؟ صمتت. اعتدلت. وقالت: -أقولك على نصيحة؟ آه أنا أصغر منك، بس ممكن تبقى نصيحة بنسبة لك. -قولى. ابتسمت. قالت: -نفسك أحق بأنك تفكر فيها قبل أي حد. نظر لها إلى ما قالته. قال: -قصدك أبقى إنسان مؤذي؟ -لا. -لو كنت سيبتك كنت هاذيكي. -من قال كده.. إنت لأنك عايزة تبقي لوحدك وشايف إن ده أفضل ليك. -وأي هو الأفضل؟
-إنك متكونش لوحدك في ضيقك، لأن التراكمات بتخلق شخص إنت ممكن متعرفوش. وكأن تلك الفتاة تفصل شخصيته هو. -خرج إلى جواك، بلاش تكتمه لو لنفسك، مش لحد غيرك. لم يتحدث، بينما كان ينظر إليها. فهل هي من تعطيه نصيحة الآن؟ -عندك كام سنة؟ ابتسمت. وقالت بثقة: -١٨.. ذكية مش كده؟ ابتسم هو الآخر وخفض رأسه. نظرت له من ابتسامته. قالت: -إيه.. بالغت؟ -لا، إنتي فعلاً ذكية.
قال ذلك بابتسامة. نظر لها قليلاً وهو يترفه النظر إليها. أنه كان يحتاج أن يحدثها هي كثيراً.. هذه من يحتاجها، إنها علاجه. أنتِ فقط يا فريدة من تفعلين ذلك، لا أحد غيرك. وقف ليذهب. قال: -تصبحي على خير. -وإنت من أهله.
خرجت من غرفتها وقفل الباب. شافها وهي بتنام وترفع الغطاء عليها. لقد جعلته يهدأ لمجرد أنه جلس معها، جعلته ينسى هموم كل شيء. أمام أنه يراها.. إنها سرقت قلبه، أول مرة يراها تركض في منزلها مع أصدقائها.. لقد أثرت فيه، وهو يريد أن يتحرر منها. أنا بالفعل أختنق من الكتمان، لكن أول من أريد أن أبوح به هو أنتِ.. أنني أختنق بكِ ومنكِ. ليتك تدركين ذلك قبل أن تعذبيني بكِ أكثر.
في اليوم الثاني، صحيت فريدة. ساندت وهي تقف، سمعت صوت. راحت ناحية الشباك، وجدت ياسين جالس في الحديقة مع ميرال ويتحدثون. شعرت بالضيق من رؤيتهم سوياً. ذهبت. -هي كانت عاملة إيه.. قالتلك حاجة؟ -لا. -امال كانت عايزاك ليه؟ هي كده كده عارفة إنك بتزورها ليه تستدعيك. -عادي يا ميرال، مش شرط يكون لسبب. -أنا بقول إن ممكن تكون دارين ابتدت تتعافى. صمت ولم يرد، بينما شرد في ليلته البارحة وما قالته له قبل أن يغشى عليها.
-هترجعي مصر إمتى؟ -لما أشوف رجل فريدة الأول. نظرت له من اهتمامه. أومأت له. قالت: -تمام، هتبقى بخير إنشاء الله. نظرت. وجدت فريدة واقفة في آخر الحديقة وتنظر لهم. ابتسمت. قالت: -واضح إنها كويسة عن امبارح. لم يفهم كلامها. نظر إلى ما تنظر إليه، وجد فريدة التي تقدمت منهم. نظر لها ياسين. كانت تعرج. شعر بالحزن عليها. قالت ميرال: -هاي فريدة.. شكلك منمتيش امبارح كويسة. لم يفهم ياسين نبرة ميرال، وكأنها ترمق لشيء لها. وقفت.
قالت: -ابعتلي الملف اللي عايزني أشوفه قبل ما يبدأوا فيه.. أسيبك أنا بقى. ذهبت وتركتهم. جلست فريدة معه. قال ياسين: -مش قيلتلك خليكي في الأوضة، بلاش تتعبى رجلك. -زهقت من الأوضة.. كنت بخنق هناك من البيت وهنا اتخنقت في أوضة. كانت في الثلاث ليالي التي قضتها سجينة هنا، لم ترى الخارج بعد، الذي تتوق شوقاً لرؤيته. -تمام. هتكشفي انهاردة، بعدها تقدري تخرجي تاني. نظرت له. عاد إلى لاب توب الخاص به. قالت: -شكلك أفضل انهاردة.
شعر لاهتمامه. أومأ إيجاباً لها. فصمتت قليلاً. وكانت تنظر إليه. جت الخادمة. قالت لهم ع الفطار. فساب اللي في إيده. قال: -يلا. ذهب، لكنها أوقفته. وقالت: -إنت متجوز؟ توقف ياسين عما يفعله، وصدمة تعتاره. نظر إليها. وكانت تطالعه. قالت: -إنت اتجوزت قبل كده؟ صمت وهو لا يدري كيف عرفت. الذي يخبئه يفشى لها. ساندت. اقتربت منه. وقفت أمامه وهي تنظر في عينه. قالت: -صح؟ قال ببرود: -مين اللي قالك؟ -ميرال.. مش هي أختها؟ طالعها بشدة.
قال: -ميرال؟ أومأت له بضيق. قالت فريدة: -ياسين.. هي نفسها اللي كانت في الصورة اللي متعلقة في الجناح.. "دارين" ده الاسم اللي بتقوله.. طب هي فين؟ وإنت.. إنت عندك ابن؟ -لا. قال ذلك وهو يقاطعها عن أسألتها. نظرت له باستغراب، فهي رأت طفل. كيف لا؟ نظر لها ببرود شديد. قال: -قلتلك قبل كده، أنا لوحدي. أن عيشتي معايا تكوني عارفة إني مليش حد. -بس إنت عندك عيلة، إنت مش وحيد. مامتك وأختك وباباكي. قاطعها بحدة. قال:
-لو كان ليا عيلة كنت قلتلك. تفتكري هخبّي عليكي ليه؟ بفتخر إني لوحدي. نظرت له من نبرته. تقدم منها. وقف أمامها مباشرة. قال: -تعرفي إيه إنتي عن الوحدة؟ -أنا أكتر واحدة عارفة معناها. قال ساخراً: -قصدك خوفك منها.. رغم إنك مجربتيش تعيشيه. نظرت له بضيق وهو يعايرها بمخاوفها. قالت: -إنت عندك أهلك إنت اللي سايبهم. بس أنا.. أردفت بصوت أجش: -أنا لو مشيت مش هلاقي حد ليا. هو ده اليتم والوحدة اللي بتتكلم عنها. أشارت عليه وأردفت:
-غلطان. أنا عشت الوحدة من وأنا طفلة لما خسرت ماما وأنا عندي خمس سنين. وده سبب الرهبة اللي عندي، وإلى إنت عايرتني بيها. أنا مش زيك، مختارتش أعيش لوحدي، بل اتحكم عليا إني اتسابوني في صغري، وفي الآخر أبقى معاك إنت. أشارت على قلبه. وقالت: -إنت شخص قاسي.
ألقت عليه جملتها وذهبت وتركتها تحت جملتها الذي فتحت بقلبه.. قلبه الذي أحبها وتعذبه هي، ويتحمل. تقول عنه أنه قاسي. إنها الوحيدة التي لم يكن معها كالغير. عيونها الحزينة تطارده. هل أحزنها لتقول له ذلك؟ "مختارتش أعيش لوحدي، بل اتحكم عليا إني اتسابوني، وأعيش معاك إنت". كأنه فرض عليها تتحمله فقط لأنها ليس لديها أحد، وإلا كانت قد فرت إليه وتركته. جلس ومسح جبهته بضيق. وقف ودخل. سأل الخادمة. قال: -أين ميرال؟
-إنها في غرفة المعيشة. مشي. دخل، وكانت تتكلم في التلفون. قرب منها، وخذه. نظرت له بشدة. قالت: -ياسين. قفل المكالمة وحط التلفون على الطرابيزة. -في إيه؟ -إنتي قولتي لفريدة إيه؟ تعجبت. قالت: -قلت لها إيه؟ مش فاهمة؟ -فريدة سألتني عن دارين.. وإنتي اللي قولتي. -أيوه، بس أنا مقلتش غير إني أبقى أخت مراتك. استنّدت بضيق. نظرت له ورأت أنه غاضب. اقتربت منه. قالت: -هي سألتني يا ياسين، فمكنتش عارف أقول إيه. -بتقوليلها لي من الأول؟
إنتي فتحتي باب أسئلة عليا، مش هقدر أديها جوابها. حزنت. وقالت: -أنا آسفة. عارفة إني من الأول غلطانة. وقعت في الكلام عن صلتنا.. بس أنا مقلتلهاش حاجة عنها أو عنك غير إنك كنت متجوز، وهي متفاجأتش، كأن عندها خلفية عن ده. بس صدقني، أنا متكلمتش عنك أو عنها. صمت ولم يرد عليها. فمان يبدو عليها الصدق، فهو يعلم ميرال أنه يعطيها أسرار لا تفشي عنها لأحد. قال: -تمام يا ميرال. ذهبت. أمسكت يده. قالت: -سألتك مش كده؟ اتخانقت معاها؟
تذكر جدالهم والحزن الذي بدا عليها. -لو عايزني أكلمها. -كفاية لحد هنا، مش عايز أزود الموضوع. نظرت له. فهل أصبح لا يثق بها، وأن ممكن أن تخبرها عن شيء آخر؟ مشي وسابها.
في منتصف اليوم، كان ياسين مستني فريدة. بعدما جعل الخادمة تخبرها عن موعد ذهابهم لطبيبة. كان حاسس إنها هتعاند ومش هتيجي، وده سبب تأخرها، وكأنه يعاتبها. بص في الساعة. راح عشان يشوفها، بس لقاها جاية، وكأنها أعقل من أن لا تهتم بصحتها عشان شجار تافه. حس بصعوبتها وهي بتنزل. راح لها لكي يساعدها، لكنها نظرت إليه حتى أدارت وجهها ولم تعطيه اهتمام، ونزلت وهي تثبت له إنها ليست بحاجة له. تنهد ياسين، فهو ظن إنها عاقلة، لكن تظل طفلة وتظهر حزنها منها. مشي وتجاهل الأمر.
وصلوا العيادة. نزل ياسين. جت فريدة تنزل برجلها ويتمسك في الباب. كان عاوز يساعدها، لكنها كانت عنيدة، حتى الضعف ظاهر عليها. نزل. قربت منه. مد يده ليها. قال: -اسنديني. نظرت له وإلى يده، وكان يقولها ببرود، كأنه يعمل ذلك إنسانية فقط. قالت: -شكراً، أنا بعرف أمشي، مش محتاجة مساعدة. ولم تمد يدها في يده وذهبت. شعر بالحرج من يده. ضم قبضته وذهب معها. لكن قدماها التوت. قرب منها وأمسكت به، ودمعت عينيها من الوجع الذي شعرت به.
-إنتي كويسة؟ أومأت له وهي تجز على شفتاها. حزن. فهل تألمت كثيراً؟ بعدت عنه وهي بتمشي، لكن الألم مضاهيها كثيراً عن السابق، فهي أشعلت الكسر الذي عندها وضغطت عليه. تنهد ياسين من عنادها. قرب منها وشالها. كره واحدة لتنصدم وتنظر له بشدة. -إنت بتعمل إيه؟ مشي بها ولم يرد عليها. صعد الدرج ودخل بها. نظر لهم الجميع وهي على يده، وكأنها ابنته. خجلت فريدة من أنظارهم. قالت: -ياسين، الناس بتبص. -محدش ليه حاجة.
نظرت لها. وجدتهم يبتسمون عليهم، وكأنهم يشاهدون مشهد رومانسي لهما، وينظرون إلى ياسين بالتحديد وعضلاته وجهه الوسيم. لاحظ فريدة الأنظار الموجه عليه. شعرت بالضيق ومالت عليه وكأنها تثبت أنه ملكها. نظر لها ياسين من قربها. قال: -مش كنتي عايزة تنزلي؟ -غيرت رأيي.. رجلي وجعاني، مش هعرف أمشي. فلم يفهم تغيرها ذلك. أكمل سيره. قابلته السكرتيرة. قالت: -سيد ياسين، الطبيبة في انتظارك.
أومأ لها وذهب. دخلوا إلى الغرفة. نظرت له الطبيبة وإلى فريدة. ذهب وأنزلها على السرير برفق. قالت الطبيبة: -هل حدث أي تطور؟ قالت ياسين: -لا، لا يزال الألم. قالت فريدة: -بل زاد الوضع سوءاً كما رأيتِ، لا استطيع أن أسير بدون مساعدة. وكانت تقصد حين حملها ياسين. أومأت لها. وقالت: -لنبدأ بالفحص الطبي. كانت ميرال جالسة بعدما عرفت أن ياسين مشي هو وفريدة. رن تلفونها. ردت. -ميرال. صمتت حين سمعت ذلك الصوت. قالت: -نعم.
-خلينا نتقابل. -فين؟ وصلت ميرال، وكانت جالسة في مقهى خاص بأوتيل راقٍ، وكان والدها جالس أمامها. قال: -عاملة إيه؟ -كويسة. -قاعدة فين دلوقتي؟ صمتت. تعجب من صمتها. قالت: -عند ياسين. نظر لها بشدة. قال: -قاعدة عنده إزاي؟ -مش لوحدي معاه.. معاه واحدة كمان غيري. -واحدة مين.. اللي أعرفه إنه ملوش قرايب ومنقطع عنهم. -مش من عيلته. -امال؟ -متشغلش بالك يبابا. -إزاي؟ عايزة تقوليلي إنك قاعدة معاه في بيته ومشغلش بالي؟ -مراته. نظر لها.
قال: -مرات مين.. ياسين؟ أومأت له بضيق بأنها أفشت ذلك. قال: -ياسين اتجوز. -جوازه مش إنه نسي وعايش حياته زي ما إنتوا فاكرين. قاطعها وقال: -بس أنا مفكرتش يوم بسوء ظن عنها. نظرت له. أومأت له. قال: -ياسين عانى كفاية، من حقه يعيش ويشوف حياته.. ربنا يوفقه. قالت ساخرة: -كنت بحسبها لعبت بتفكيرك زي ما هي بتفكر. نظر لها. وقال بجدية: -عيب لما تقولي كده لبومي. مفيش واحدة بتلعب بدماغه. -أنا آسفة.
-أنا شفت في عين ياسين الحزن، وإنه معدش الشخص اللي شوفته قبل كده. على قد ما كنت بعتبره جوز بنتي، على قد إني حسيته ابني. تنهد. وقال: -بلاش نتكلم للقديم.. تعالي معايا وهبعت حد ياخد حاجتك من عنده. -أجي فين؟ -نروح البيت. -أنا مش عايزة. -يعني إيه؟ إنتي نسيتي إن ده بيتك.. طب اقعدي في الأوتيل هنا بتاع أبوكي عقبال ما تاخدي قرار وترجعي معايا. -أنا مستريحة هناك. -هتقعدي عنده ع طول يعني؟ -أنا مش مسافرة كمان يومين.
-إنتي هترجعي مصر تاني؟ -آه. -امال كنتي جاية ليه؟ -كان ورايا شغل وكنت عايزة أشوفك. -وجودك معايا ده أفضل ليكي، مش إنك تعيشي لوحدك. أبوكي لسا مماتش يا ميرال. -أما مقلتش كده يبابا، بس شغلي هناك. -قلتلك اشتغلي في شركة أبوكي، إنتي اللي موافقتيش. -أنا مبفهمش حاجة في البيزنس، لأنه مش مجالي. أنا تخصص هندسة، ومبحبش الواسطة، وحضرتك عارف. -لي مش فاكرة تفهمي.. أنا مش عايز أخسرك زي ما خسرت بنتي التانية.
نظرت إليه من نبرته. فهل ذلك والدها القوي الذي الجميع يهابه؟ قالت: -متخافش عليا. ربت على وجهها. وقف وذهب. انتهت فريدة من الفحوصات. جلست على الكرسي. قالت: -قالوا إيه؟ -لساق. قال ياسين ذلك. جت الممرضة وطلبت ياسين. راح معاها، وكانت الطبيبة وهي ترى الأشعة ونتائج الفحص. قالت: -سيد ياسين. -هل يوجد شيء خطر؟ -لا.. لكن كاد أن يحدث تمزق بالأربطة نتيجة ذلك التواء العظام. -ماذا يعني ذلك؟
-لا تقلق، ستكون بخير إن مارست علاجها وأن يكون لها سند خاص لهذه الفترة. -هل سيطول ذلك؟ -لا، المهم أن الفترة الأولى تكون حذرة، فنريد أن يحدث تمدد لتعد كما كانت. أومأ لها. قاع صوت من الغرفة. راح ياسين. دخل، شاف الممرضتين أمام فريدة التي كانت تصرخ بوجوههم. اقترب منها بقلق. قال: -في إيه؟ -ياسين.. بص دول هيركبولي إيه. نظر لهم، وجد معهم الأطقم الكلية ليعملوا جبيرة كي تستطيع السير. نظر إلى فريدة. قال:
-أهدي يا فريدة، ده شغلهم، هما بيساعدوكي. -لا، إنت قلت إن هكون كويسة لما أجي هنا، مش هيحطولي حاجات بيحتاجها المعاقين، حتى العكاز. بص، وكان معه مسند حديدي لتستند عليه، الذي حولها. حين رأته قالت: -مش هيعملولي حاجة، خلينا نمشي من هنا. تنهد. وقال: -بس ده علاج.. عشان تعرفي تمشي من غير حد. -لا، أنا بعرف أمشي لوحدي. -أهدي. كان يحاول أن يهدأها، وهي التي انفعلت على لا شيء. -لا، مش هعمل كده.. أنا عايزة أمشي. قال بغضب:
-أهدي بقى. وكأنه قد نفذ صبره معها. نظرت له وشعرت بالحزن. قالت وعيناها مدمعة: -إنت بتتعصب عليا ليه؟ شعر بالحزن. قال: -أنا مبحبش الدلع، متعصبنيش أرجوكِ. -دلع!!! تنهد منها. لتنظر له وتقول: -أنا بدلع؟ إنت مش حاسس بيا، وأنا شايفة إني عاجزة أمشي من غيرك، والبتاعة دي. -حاسس.. أمسك وجهها بحنان. وقال: -والله حاسس، بس متزوديش الموضوع، إنتي هتبقي كويسة. صمتت وهي تنظر إلى عينه. مسح دمعتها. قال:
-ثقي فيا، مش هتكوني بس ده علاج لازم تمشي عليه، إنك كده هتكوني لفترة، ولا تكوني كده طول الوقت. خافت. وقالت: -لا. -خلاص، يبقا اسمعي الكلام. صمتت. نظرت إلى الطبيبة. أومأت له، فشعر بالارتياح أنها أطاعته. قربوا منها وفعلوا ما يلزم، وكانت صامتة. وبعد أما خلصوا، أداها ياسين المسند. نظرت له. شعرت بالحزن، لكن أخذته منه. وقفت. مسك يدها الثانية وساعدها. وقف مع الطبيبة. قال: -هل السفر سيؤثر عليها؟ -السفر؟!
لا، لكن لتبقى شهراً على الأقل، نطلع على آخر التطورات، ثم تغادر. أومأ لها بتفهم وذهب. وفي السيارة، كانت فريدة صامتة. نظر لها ياسين. فهذا الصمت يشعره بالقلق عليها. دوماً ما تتحدث، تفتعل أي شيء، لكن ليست هادئة هكذا. -عاملة إيه دلوقتي؟ -كويسة.. شكراً لسؤالك. وكانت حزينة منه منذ الصباح. ساد الصمت. رجعوا البيت. وحين وصل للمنزل، وكانت راح لغرفتها، أوقفه ياسين. وقال: -فريدة. توقفت. نظرت له. اقترب منها. قال:
-أنا مبتصنعش الوحدة ولا حببها. وكأنه عرف ما أخذتها عنه. قال: -أهلك عايشين جواكي.. زرعوا فيكي محبة إنك تفتكريهم. نظرت له من قاله. أردف: -كل اللي اتكلمتي عليه، وإنه سابوكي، مكنش ليهم يد في ده، لأنها كانت أقدار.. بس إنتي متعرفيش معنى إنك تكوني يتيمة وأهلك عايشين. -بتتكلم عن نفسك؟ تنهد. وقال: -أتمنى تكوني فهمتيني. وكان يقصد كلامهم في الصباح. إنها لن ولن أفهم ما يشعر به. رن تلفونها في تلك اللحظة وقاطعهم. نظر.
نظرت فريدة كان إيهاب. نظرت لياسين، لكن وجدت أنه قد ذهب، وكأنه يعلم من المتصل. ذهب بخيبته ليتركها. فهو لا يريد أن يستمع ويتفتت قلبه أكثر. أنه لم يعد هناك ما يتم تكسيره. رجعت غرفتها وردت عليه. قال: -إيه إيهاب؟ -خفت تكوني نمتي.. التوقيت عندك غير هنا. -لا، أنا صاحية. -عاملة إيه في كندا؟ قال ذلك بمزاح. فصمتت، فهو لم تخرج وتتنزه مرة بالخارج، لم ترى في هذا البلاد شيئاً سوى مشفى. قالت: -امم يعني. -إزاي؟ مش حلوة؟
-مش عارفة الصراحة. -مالك؟ حاسس في حاجة. ردت تحميله على ما أصابها هنا. شعرت وكأن الصمت أفضل. قالت: -لا مفيش. إنت خلصت شغل؟ سامعة صوت طريق. -آه، راجع. -سلملي على طنط سلوى. ابتسم. وقال: -يوصل.. تصبح على خير. -وإنت من أهله. قفلت معه وذهبت لتبدل ملابسها. شمتت ريحة. تعجبت. شمت يدها. افتكرت ذلك العطر، أنه عطر ياسين الرجولي الخاص. حين أمسك يدها بالمشي، حين حملها، فقد سلبت من رائحته. تذكرت وهو يمسك وجهها بحنان.
"حاسس بيكي صدقيني.. هترجعي أحسن.. ثقي فيا يا فريدة." كلماته التي تهدأ قلبها. ولا تعلم لماذا هو من يستطيع ذلك.. كيف نعتته بالقاسي، وهو رأت كم هو شخص حانٍ عليها ويهتم بها. شمت يدها، تذكرته. فنبض قلبها نبضات متتالية، تدفق دماؤها لجميع خلاياها.. لماذا تضايقت عليه من نظرات النساء؟ لماذا تضايقت من وجود ميرال؟ لماذا غضبت من جلوسها معه في الصباح؟ لماذا لماذا لماذا.. هل معقول أنها تكون تغير عليه؟ لكن لماذا تغير عليه؟
لا يوجد بينهم أي شيء. وضعت يدها عند قلبها من نبضه ذلك. لا تعلم ما هذا الشعور، لكنه مميز.. شعور غريب لكن قوي.. مستحيل.. هل يمكن أنها تكون المشاعر له؟!!!! كان ياسين في غرفته. سمع طرقات على الباب. سمح بالدخول. فتح الباب. وكانت ميرال. نظرت لها ومن ملابسها. قال: -كنتي برا؟ -بابا كلمني وقالي نتقابل. أومأ لها بتفهم. قال: -في حاجة؟ -إنت حجزت ولا لسا؟ -لسا. -لي؟ -مش هعرف أرجع دلوقتي.. فريدة للزمن تقعد على الأقل شهر. -فريدة؟!
ممكن ترجع تتابع مع دكتور تاني. -هيبقى لخبطة، والدكتورة هي اللي عارفة حالتها. -امم فهمت.. تمام، عشان ميحصلهاش حاجة خليك. -إنت راجعة؟ -أنور كلمني وقالي إنه بيبعت التحديثات على الإيميل، بس أنا مش زيك بعرف أمير الشغل وأنا في البيت. قال آخر جملة بمزاح. ثم أكملت: -فهرجع بعد أربع أيام. أومأ لها بتفهم. قالت: -أسيبك أنا.
ذهبت وتركتها. خرجت من غرفته وراحت أوضتها. وكانت فريدة قد سمعت حديثها، ولم تكن تقصد التصنت، لكنها غضبت حين رأت أنها تدخل عنده، وإرادته أن تعلم ما الذي يجري. وسمعت بأمر رحيلها، الذي أسعدها.. إنها لا تضايق ميرال، بل تحبها، لكن ناحية ياسين وتقربها منه، إنها تبغضها، أن تحقد عليها.. إنها تريد أن تصبح قريبة منه مثلها.
مرت الأيام عليهم بتسللها، وغادرت ميرال عند موعدها. وأصبح ياسين وفريدة هم من يعيشون في ذلك المنزل، وهذا ما يريح فريدة. رغم أنهم لم يحدث بينهم نقاشات كثيرة، كانت تختنق من جلستها، تختنق من رؤيته يعمل على اللابتوب وهي لا تفعل شيئاً سوى الجلوس. -ياسين، أنا عايزة أخرج. -تخرجي؟ -آه، غريبة. -لا، بس فجأة كده.
-زهقت من البيت. ثم إن أسبوعين مش كفاية.. أنا مخرجتش من ساعة ما جيت هنا غير لما رحنا المستشفى، وإنت مشغول، علموا في شغلك، وأنا مبعملش حاجة. -تمام، أنا مقلتش حاجة. عايزة تروحي فين؟ -أي مكان بس أشُم هوا.. لو حتى البودي جارد يبقوا معايا لو إنت مشغول. -تمام. نظرت له. فهل يتركها تذهب بمفردها؟ بالفعل. قال: -البسي. أومأت له وذهب. وكانت متضايقة، فماذا ستفعل بمفردها بدون ونس. -ممكن نفضل شوية.. أنا اختنقت من البيت.
-عايزة تروحي فين؟ -أي مكان بس عايزة أشوف البلد هنا.. لو مش هيضايقك. لبست فريدة. نزلت. لم تحد ياسين. نظرت حولها. خرجت. وجدته واقفاً، وكان قد غير ملابسه. اقتربت منه. ركبت. فتجأت أنه سيركب معها. ابتسمت وتبعته. قالت: -إنت جاي معايا؟ -مش عايزة تعرفي البلد؟ -هتبقى المرشد بتاعي يعني.. أوكيه. هنروح فين؟ -هنتغدا الأول. -عرفت منين إني جعانة؟ -باين. -قصدك إني تخينة؟ تذكر حين نطت فوقه على ظهره. ابتسم من التذكر. قال: -لا.
لم تفهم ابتسامته. لمن تذكرت، هي الأخرى فشعرت بالحرج. اعتدلت. في المطعم الراقي، كانت يأكلان بهدوء. نظرت فريدة إلى ياسين. نظرت عبر النافذة، فكان المشهد جميل. قالت: -الشوارع هنا جميلة. -في مصر أحسن. نظرت له باستغراب. قالت: -بس بتهيألي هنا تقدم عننا. -غلطانة، محتاجة تراجعي بلدك. -مش غريبة إنك كنت عايش هنا وبتقول كده. -عشان كده بقولك إن مصر أفضل من هنا.. كفاية الأمان. إنتي هنا بعد الساعة ٨ متعرفيش تمشي في الشارع. -لي؟
حظر تجوال؟ -قطاع طرق.. سمعتي عنهم؟ -كنت بحسب العصابات اللي بتيجي في أفلامهم، بس طلعوا بيتكلموا عن واقعهم. تعرف إن إني معجبة بيك. توقف عن الل نظر لها. -بسبب انتمائك لوطنك. قالت ذلك بتوضيح. فعلم ما تقصده. نظرت فريدة. وجدت قطرات تلتصق بالنافذة. اندهشت حين رأت الثلج يتساقط. قامت ومشيت. نظر لها ياسين. قال: -فريدة.
تنهد من أفعال تلك الفتاة. حط الفلوس على الطرابيزة وتبعها. نزل ياسين. وقف لما شاف الدنيا بتمطر تلج. قرب منه الحارس بمظلة، لكن عيناه وقعت على فريدة التي كانت واقفة وتبتسم وتضع يدها لتجمع حبات ثلج. ذهب، ومنع أحد من أن يأتي معه، وكأنه يريد أن يبتل معها، يرى نظرتها الطفولية تلك، عيناها البريئة، ابتسامتها. لفت وبصتله. قالت: -ياسين. قربت منه. قالت: -بص، ده تلج. -أول مرة تشوفيه؟ -أكيد مش مصر، مناخها معتدل. بردو هشوفه فين؟
ابتسم عليها. قال: -ادخلي عشان متبرديش. -خلينا شوية. صمت، وكأنه وافق لأنها سعيدة. بقى معها قليلاً، لكن رن هاتفه. نظر إلى كنة المتصل. فاختفت ابتسامته. نظرت فريدة إلى من تغيره. اتعدل وذهب ليرد بعيداً. ماذا هناك؟ لاحظت شيئاً عبر ملف السيدة دارين. -ما هو؟ -أتاها زيارة قبل مجيئك. -ممكن أن تكون عائلتها؟ -لا، لم يكونوا منهم. -من إذا؟ -تحريت، يبدو أنها كانت زيارة طفيفة يجهلها الجميع. قال ببرود شديد: -من؟ -لا أعلم، سيد ياسين.
-إن علمت من يكون، سأرسل ٥٠ ألف دولار عبر حسابك. اندهش الرجل من ذلك السعر واهتمامه الشديد بمعرفة من يكون قد زارها. قال: -لك ذلك. نظرت فريدة إلى ياسين وهو يتحدث. عاد بعدما انتهى. قال ببرود: -يلا. نظرت له من نبرته. تبعته وغادروا. وكانت تطالعه باستغراب. فهل كانت المكالمة بها شيء أغضبه؟ وصلوا البيت. كانت راح أوضتها. أوقفه ياسين. وقال: -فريدة. توقفت. نظرت له. اقترب منها. قال: -أنا مبتصنعش الوحدة ولا حببها.
وكأنه عرف ما أخذتها عنه. قال: -أهلك عايشين جواكي.. زرعوا فيكي محبة إنك تفتكريهم. نظرت له من قاله. أردف: -كل اللي اتكلمتي عليه، وإنه سابوكي، مكنش ليهم يد في ده، لأنها كانت أقدار.. بس إنتي متعرفيش معنى إنك تكوني يتيمة وأهلك عايشين. -بتتكلم عن نفسك؟ تنهد. وقال: -أتمنى تكوني فهمتيني. وكان يقصد كلامهم في الصباح. إنها لن ولن أفهم ما يشعر به. رن تلفونها في تلك اللحظة وقاطعهم. نظر.
نظرت فريدة كان إيهاب. نظرت لياسين، لكن وجدت أنه قد ذهب، وكأنه يعلم من المتصل. ذهب بخيبته ليتركها. فهو لا يريد أن يستمع ويتفتت قلبه أكثر. أنه لم يعد هناك ما يتم تكسيره. رجعت غرفتها وردت عليه. قال: -إيه إيهاب. -خفت تكوني نمتي.. التوقيت عندك غير هنا. -لا، أنا صاحية. -عاملة إيه في كندا؟ قال ذلك بمزاح. فصمتت، فهو لم تخرج وتتنزه مرة بالخارج، لم ترى في هذا البلاد شيئاً سوى مشفى. قالت: -امم يعني. -إزاي؟ مش حلوة؟
-مش عارفة الصراحة. -مالك؟ حاسس في حاجة. ردت تحميله على ما أصابها هنا. شعرت وكأن الصمت أفضل. قالت: -لا مفيش. إنت خلصت شغل؟ سامعة صوت طريق. -آه، راجع. -سلملي على طنط سلوى. ابتسم. وقال: -يوصل.. تصبح على خير. -وإنت من أهله. قفلت معه وذهبت لتبدل ملابسها. شمتت ريحة. تعجبت. شمت يدها. افتكرت ذلك العطر، أنه عطر ياسين الرجولي الخاص. حين أمسك يدها بالمشي، حين حملها، فقد سلبت من رائحته. تذكرت وهو يمسك وجهها بحنان.
"حاسس بيكي صدقيني.. هترجعي أحسن.. ثقي فيا يا فريدة." كلماته التي تهدأ قلبها. ولا تعلم لماذا هو من يستطيع ذلك.. كيف نعتته بالقاسي، وهو رأت كم هو شخص حانٍ عليها ويهتم بها. شمت يدها، تذكرته. فنبض قلبها نبضات متتالية، تدفق دماؤها لجميع خلاياها.. لماذا تضايقت عليه من نظرات النساء؟ لماذا تضايقت من وجود ميرال؟ لماذا غضبت من جلوسها معه في الصباح؟ لماذا لماذا لماذا.. هل معقول أنها تكون تغير عليه؟ لكن لماذا تغير عليه؟
لا يوجد بينهم أي شيء. وضعت يدها عند قلبها من نبضه ذلك. لا تعلم ما هذا الشعور، لكنه مميز.. شعور غريب لكن قوي.. مستحيل.. هل يمكن أنها تكون المشاعر له؟!!!! كان ياسين في غرفته. سمع طرقات على الباب. سمح بالدخول. فتح الباب. وكانت ميرال. نظرت لها ومن ملابسها. قال: -كنتي برا؟ -بابا كلمني وقالي نتقابل. أومأ لها بتفهم. قال: -في حاجة؟ -إنت حجزت ولا لسا؟ -لسا. -لي؟ -مش هعرف أرجع دلوقتي.. فريدة للزمن تقعد على الأقل شهر. -فريدة؟!
ممكن ترجع تتابع مع دكتور تاني. -هيبقى لخبطة، والدكتورة هي اللي عارفة حالتها. -امم فهمت.. تمام، عشان ميحصلهاش حاجة خليك. -إنت راجعة؟ -أنور كلمني وقالي إنه بيبعت التحديثات على الإيميل، بس أنا مش زيك بعرف أمير الشغل وأنا في البيت. قال آخر جملة بمزاح. ثم أكملت: -فهرجع بعد أربع أيام. أومأ لها بتفهم. قالت: -أسيبك أنا.
ذهبت وتركتها. خرجت من غرفته وراحت أوضتها. وكانت فريدة قد سمعت حديثها، ولم تكن تقصد التصنت، لكنها غضبت حين رأت أنها تدخل عنده، وإرادته أن تعلم ما الذي يجري. وسمعت بأمر رحيلها، الذي أسعدها.. إنها لا تضايق ميرال، بل تحبها، لكن ناحية ياسين وتقربها منه، إنها تبغضها، أن تحقد عليها.. إنها تريد أن تصبح قريبة منه مثلها. مرت الأيام عليهم بتسللها، وغادرت ميرال عند موعدها. وأ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!