في أحد الأحياء الشعبية، وبداخل منزل من المنازل المتواضعة، أخذت تردد آيات الذكر الحكيم بداخلها، وبينما تسود مظاهر الحزن أرجاء المكان، جلست روان تتوسط أريكة جميلة المظهر بعد مغادرة آخر المعزين لها. عيناها متسعة، تنهمر منها الدموع بغزارة، لا تستطيع تصديق ما حدث حتى الآن وأنها فقدت والديها. أفاقت من شرودها على صوت، لتلتفت إلى جارتها السيدة سعاد التي حاولت التهوين عليها قائلة:
"كفاية يا روان يا بنتي، ده قدر ومكتوب ومالناش يد فيه." أخذت روان تبكي دون أن تنطق بحرف واحد. قالت سعاد: "عارفة يا روان، عارفة إنها صعبة عليكي، بس لازم تشدي حيلك وتشوفي هتعملي إيه في اللي جاي." صمتت لثوانٍ تحاول أن توزن كلماتها القادمة، قائلة بتردد: "طيب، هو مفيش حد من أهلكم جه ولا حضر؟ شحب وجه روان وأصبح بلون أصفر، يرتجف جسدها من الخوف والرعب. لاحظت السيدة سعاد حالة روان وقالت: "يا بنتي، أنتم مقطعين من شجرة."
هزت روان رأسها بخوف قائلة: "آه." ترددت سعاد، لا تدري كيفية إخبارها، لتنظر إليها روان بقلق شديد عند رؤية حالتها التي أصبحت عليها، لتسألها: "إيه يا خالتي، عايزة تقولي إيه؟ أسرعت سعاد تحدثها سريعاً قائلة: "أبوكي كان عليه إيجار أكتر من سنة، وصاحب البيت ربنا يباركله مكنش راضي يكلمه في حاجة عشان خاطر ظروفكم، بس هو قالي النهاردة أكلمك لو تقدري تسددي، أو تسيبي الشقة يأجرها." ***
سمعت صوت أذان الفجر، لتتجه إلى المرحاض التابع للغرفة. توضأت وخرجت لتحضر مصلاها. بحثت في الغرفة، لكن لم تجد. بحثت في الخزانة، فوجدت قماش طويل وعريض. فلبسته لتصلي به. اتجهت إلى القبلة وبدأت في الصلاة. كانت تصلي ودموعها تنزل في كل سجدة، وهي تدعي ربها بأن لا يصيبها أو يصيب أمها مكروه. اتجهت إلى الباب وبدأت بالصراخ مجدداً، لعل أحداً يسمعها. *** استيقظت ياسمين من نومها على صوت أمها وهي تصرخ.
"ياسمين قومي عشان تمشي على الجامعة، الوقت اتأخر. يلا قومي بسرعة." "خمسة دقائق بس يا ماما." "قومي يا بنت، الوقت اتأخر. صحبتك زهرة تلقيها زمان صحيت وراحت على الجامعة، وإنتي لسه نايمة." "حاضر يا ست الكل." *** فتح عينيه بوهن، لينُهض من الفراش ويتجه إلى غرفته، وأدى روتينه اليومي. واتجه إلى تلك الغرفة التي بها زهرة. زهرة بداخل الغرفة كانت تجلس على الفراش، هي تضم ركبتيها إلى صدرها، ودموعها تنزل بغزارة.
سمعت صوت المفتاح يدور، لتنظر إلى الباب بلهفة. صدمت بشدة عند ما رأته أمامها، الخوف يستتر على قلبها. "إنت؟! "أيوه أنا، وإنتي بتفكري مين يعني؟ أكيد ما حد غيري." "طلعني من هنا فوراً وإلا أ télephone الشرطة." قاطعها بسخرية: "اتصلي بالشرطة؟ يعني إنتي بتهدديني يا حلوة؟ إنتي شكلك عايزة تتربي من الأول، أهلك ما عرفوا يربوكي." "ابعد كده، أهلي ربوني أحسن تربية، شكله إنتي أهلك ما عرفوا يربوكي."
ثوانٍ وتحولت عيناه لتطلع منها شراراً. أمسكها من فكها بقوة ليقول بغضب: "من الليلة هتشوفي أيام سودا، هتعيشي خدامة في القصر." "ابعد كده، أنا مستحيل أكون خدامة، إنت حيوان." أدهم: "إنتي بتعانديني طيب، هوريكي وشي التاني." قال جملته ليصفعها بشدة، فوقعت على الفراش من شدتها. اقترب منها وقال بغضب مجنون: "إنتي هتندمي على اليوم اللي قابلتيني فيه، أنا هعيشك أيام عمرك ما اتخيلتي إنك تعيشيها أبداً."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!