كم أعشقُ تلك النظرات الصامتة التي تُشرق كالشّمس من عينيكِ، فتذوّب ملامح وجهي بين ثنايا جفونكِ الغائرة، أعشقُ فيكِ كل شيء عفويتك، غيرتك، قسوتك، رقّتك، بسمتك، دمعتك، صمتك؛ حتّى طريقة جلستك أعشقها، طريقة مشيتُكِ أعشقها، وكل ما أكرههُ هو مفارقتك، أعشقُ حروف اسمُكِ تحت أسنّة أقلامي، وأغارُ عليكِ من نفسي إن قبّلتُكِ في أحلامي، أغارُ على تلك الخدودِ الورديّة، التي لطالما غارت منها ورود الربيع، فقلبي بدونكِ عقيمٌ لا يُنجبُ حُبّاً لأحد، وأنا بدونكِ بلا حياة.
بعد مرور شهر من تلك الأحداث التي قلبت حياتهم رأساً على عقب، وأصبحت يملأها الأحزان والألم.
كزهرة التي لم تخرج من غرفتها، ووجهها شاحب كالآموات والهالات السوداء التي تحيط عينيها الزرقاوين ووزنها التي خسرته بشكل كبير. لا تستطيع أن تصدق أنها خسرت كل أحلامها وأمانيها وأهدافها بسبب وحش لا يرحم ولا يوجد ذرة رحمة في قلبه. على الرغم أنها ترجته واعتذرت منه أن يتركها، لكنه لم يتركها. وفي تلك الليلة التي انقطعت أو تاره الصوتية، وترى نفسها ثاني يوم في أحد المستشفيات الحكومية. أصبحت لا تستطيع أن تتكلم ولا تستطيع أن تخرج حرفاً من شفتيها. أصبحت كزهرة ذابلة لا روح فيها.
دَلفت فاطمة إلى غرفة زهرة. قالت بمرح على الرغم من كثرة الألم والمعاناة والأحزان: يلا يا حببتي الأكل جاهز، أنا عملتلك ملوخية هتأكلي أصابعك وراها. لكنها لا تتلقى أي كلمة من زهرة، سوء بعض النظرات الخالية من الحياة والأمل. أصبحت الدموع تنزل بغزارة من عينيها: حرام عليكي نفسك يا روحي، ربنا ينتقم منه على كل حاجة عملها، أنا عارفة إنك كنتي عاوزة تبلغي البوليس بس يا بنتي هنستفيد إيه من كل ده؟
غير الفضايح، والكل هيجيب سيرتك في الحارة دي، وهتبقى سيرتك على كل لسان في الحارة دي، وهو أكبر رجال الأعمال في البلد دي مش هيصدقوكي هيقولوا إنك عاوزة تشهري بنفسك. اتجهت إلى زهرة وجلست وأمسكت يديها وقالت: سامحيني يا بنتي. لم تتلقى إجابة منها سواء الصمت. خرجت بدون أن تفوه بكلمة أخرى. *** دَلفت أدهم إلى الشركة، بهيبته المعتادة وليقف له الموظفين خوفاً من جبروته وظلمه. وليصعد في المصعد ليرى السكرتيرة تقوم بأعمالها.
رد أدهم بهدوء: خبري يوسف إني عاوزه في مكتبي، عاوز أوراق الصفقة الجديدة والقهوة بتاعتي. ردت بهدوء وقالت: حاضر يا أدهم بيه.
جلس على الكرسي الفاخر ومكتبه الذي يمتاز بلون الأسود. وفجأة تذكر عينيها اللتين تشبه البحرفي صفاءهم وشفتيها اللتان تشبه حبات الكرز وشعرها الذهبي. لم تخرج من باله لحظة. منذ آخر يوم رآها فيه ذلك اليوم الذي لم يرحمها به وسافر إلى خارج البلد. فسأل نفسه هل هو أحبها لكنه لم يعترف في ذلك. إنه أدهم الألفي أكبر رجال الأعمال في الشرق الأوسط يحب بنت من حارة شعبية. رفض تلك الأفكار من رأسه. سمع صوت دقات الباب وأذن له بالدخول.
دَلفت يوسف إلى صديقه بإشتياق واحتضنه ورد بتعب يظهر على ملامح وجهه: مبروك يا صاحبي على الصفقة الجديدة. تابع بمرح: أنا عاوز أنام ده أنا اتحرمت من النوم بسببك وكل يوم أجي بدري وأروح آخر واحد في الشركة دي، غير كل الصففات والعقود اللي كانت بتحصل في الشركة دي. رد أدهم بهدوء: روح على بيتك يا يوسف لك إجازة أسبوع من الشركة دي. وقف يوسف بسرعة رد قائلاً ببعض المرح والمزاح: تسلم يا صاحبي. تابع بجدية:
أدهم لازم تعرف حاجة مهمة حصلت. رد أدهم بهدوء: عارف إنك عاوز تقول عن ليث. رد يوسف بجدية وصدمة: انت بتعرف إنه تزوج؟ يعني البنت اللي تزوجها ليث انت اللي بعتها؟ تابع بغضب: إذا عرف ليث ممكن يقتلها يا أدهم عملت كده ليه؟ رد أدهم بثقة: من حبه ليها تزوجها عشان يحميها. مستحيل يأذيها يا يوسف، أنا هقدر أحميها دي سلين يا يوسف، سلين البنت الصغيرة اللي كان يعشقها ليث كان يحبها من هي صغيرة بعد ما أخذوها من الملجأ وسافرت. رد يوسف
بصدمة لا يستطيع إخفاءها: أنا عاوز أعرف يا أدهم، حصل كده إزاي. رد أدهم بحزن ويأس على ما وصلوا إليه:
كانت أجمل أيام بحياتنا لما كنا بالملجأ. كان ليث متعلق بسلين أوي، كان يضرب أي حد يتعرضلها، بيعمل المستحيل عشان متزعلش وتبقى مبسوطة. بس فجأة جت عيلة بسيطة. راجل ومراته بتخلفش وأخذوها وبعدين ليث تغير كتير وهربنا من الملجأ وعشنا بالشارع وكنا نأكل من الزبالة. وفي يوم كنا بالشارع شوفنا رجل عجوز بيجري ومسلحين عاوزين يقتلوه واحنا دافعنا عنه. رد الرجل بحنيه: انتوا مين وبتعملوا إيه بالشارع بالوقت ده. رد أدهم بهدوء قائلاً
بصوت بارد: أنا أدهم وصاحبي ليث. تابع: احنا عايشين بالشارع يا بيه. رد الرجل بحب: عاوزكم تعيشوا معي بالقصر بتاعي وتكونوا مثلاً أولادي. ربنا ما أرادش إني أخلف أنا عاوزكم تكونوا عزوتي وأهلي وتساندوا مراتي وأنا هعلمكم وهخليكم تروحوا أفضل المدارس والجامعات ويكون ليكم اسم بالسوق من أكبر رجال الأعمال. ليث قائلاً بلهفة وهو يخاطب نفسه: اكيد كده هقدر ألاقي سلين نور حياتي. قاطعهم صوت السكرتيرة وهي تقول بصوت رقيق:
الوفد الأجنبي وصل يا فندم. رد يوسف بلهفة قائلاً: لازم أعرف كل حاجة عنكم يا أدهم. أدهم لم يعي أي اهتمام وهو يخرج من المكتب. يوسف بحزن على ما وصل إليه كلا من أدهم وليث. أنا هعمل المستحيل عشان أرجعكم لبعض ده وعد مني. *** ردت ياسمين بهدوء وهي تقدم المعلومات التي طلبتها تلك الشركة المعروفة حتى تصبح أحد من موظفيها وتتمكن من أن تسدد مصروف جامعتها وتساعد والديها: تفضل دي المعلومات المطلوبة. ردت منه باستحقار وهي تقول:
استني دورك، بعد البنت دي. ردت ياسمين بسخرية من ملابسها ومكياجها وهي تضحك: حاضر يا عروسة. بعد مرور الوقت دلفت إلى تلك المكتب الذي يمتاز بلونه الأسود والرمادي الغامق الذي يمتاز بالفخامة. ردت بهدوء بعد أن عرفته من ملامح وجهه المميزة التي لا تستطيع أن تنساها تلك اليوم قالت بخوف: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. رفع رأسه عن أوراق الصفقة بعد أن تمكن من معرفة صوتها فهو لما يستطيع أن يخرجها من عقله ثانية:
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تفضلي يا آنسة عرفيني عن نفسك شوية. جلست ياسمين بهدوء مصطنع وقالت: اسمي ياسمين محمد، عمري 20 سنة، بدرس بكلية إدارة الأعمال، حصلت على امتياز. قاطعها يوسف قائلاً: خلص كده كويس، أنا قبلتك بالشركة دي، هتبقي السكرتيرة بتاعتي. ابتسامة ارتسمت على شفتيها عند سمعها خبر قبولها. قالت بفرح وهي تصفق بيديها مثل الأطفال: إن شاء الله هكون عند حسن ظنك يا يوسف باشا.
وخرجت تقهقه يوسف بفرح على تلك المجنونة التي ظهرت فجأة في حياته، لم يتوقع أن يتعلق قلبه بأحد لكن للقدر شيئ آخر. ***
دَلفت روان بتعب وإجهاد بعد الاجتماع في الشركة التي بقيت تحضر له أسبوع كامل بدون أخطاء، وحتى لا تستطيع أن تفكر في كلام معشوقها أو معذبها. إلى غرفتها التي تكون بجانب غرفة ليث بعد أن تزوجها. خرجت من الحمام وارتدت بجامة بيتية خفيفة مكونة من شورت قصير وبلوزة مرسوم عليها سندريلا. جلست على السرير حتى تتمكن من النوم وهي تفكر في ذلك اليوم. فلاش باك…… رد ليث بهدوء بعد أن دلفا إلى قصره وهو يقول بصوت مرتفع بعض الشئ:
أنا تجوزتك عشان تجيبي ولي عهد الإمبراطورية بتاعتي. تحطم قلبها إلى أشلاء لا تستطيع أن ترد عليه. أي يعقل لا تستطيع أن تقول له إنها سلين عشق طفولته وحب عمرها؟ أكمل ليث كلامه وهو يقول: بعد ما مراتي ماتت مقتولة أنا رفضت فكرة إني أتزوج. تابع بحقد يملأ قلبه:
بعد ما قتلها عدوي أدهم وحلفت إني أدمره وأدمر كل حد بيوقف قصادي. بعد سنة أنا هعطيكي الفيلا وهعطيكي مليون دولار في حسابك بالبنك وامتى ما حبيتي تيجي تزوري ابنك هتلاقي الباب مفتوح ليكي. خرج دون أن يلتفت إليها. لا تستطيع أن تصرخ في وجهه تخبره إنها هيمعشوقته لست تلك الخائنة التي خانته. أصبحت تصرخ بكل جوارحها على حب طفولتها لكنها وافقت على ذلك حتى تتمكن من البقاء بجانبه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!