عارفه يا هدير أنا بقالي ١٥ سنة متجوزة وعايشة لجوزي زي الخدامة بالظبط ليه هو وابني، كأني شغالة بدون أجر جوه البيت وبره البيت. تعرفي أنا بقالي أكتر من ١٠ سنين مجبتش طقم جديد لنفسي، بلبس بواقي لبسك أو لبس حد من زميلاتنا يكون قديم عنده أو بقى ضيق عليه. طيب إيه الجديد يا زهرة؟ أنا ياما قولتلك وحذرتك إن اللي بتعمليه ده غلط، وإنك بتيجي على نفسك بزيادة. لكن انتي مكملة وأهملتي في نفسك وسبتي جوزك يوصلك للمرحلة دي.
هدير أنا بعد ده كله اكتشف إني مغفلة، وفي الآخر اتقالي محدش طلب منك تعملي كده. وبعد كل ده طلعت أنا اللي وحشة وإني ست مهملة، وهو عايز يطلقني.
فعلاً يا زهرة عنده حق، انتي اللي قررتي تشتغلي عشان تساعدي جوزك في مصاريف البيت لحد ما بطل يديكي مصروف، وانتي بقيتي بتصرفي عليه هو وابنه. موقفتيش ولا مرة في وشه لما كان بيه*ينك لحد ما بقى يضرب*ك، ومرة في مرة بقت عادة عنده إنه يعمل كده وانتي تقولي معلش عشان ابني، وأهو ضل راجل بتحامى فيه. اهدّي عليا يا هدير، أنا اللي فيا مكفيني. حرام عليكي.
وانتي كنتي رحمتي نفسك عشان أنا أرحمك. ماتطلبيش حاجة من الناس انتي مش بتعمليها. ارحمي نفسك انتي الأول وبعدين قولي للناس ترحمك. بقولك إيه يا زهرة، ابنك بيعاملك إزاي؟ صمتت زهرة ونظرت أمامها بدموع، فوجع قلبها وبدنها أصبح كبير، لا تستطيع النوم ليلاً من كثرة الآلام والتفكير، وفي المقابل لا ترى تقدير من ابنها أو زوجها. أقولك أنا بقى بيعمل إيه؟
يرد عليكي ويعلي صوته عليكي. بقى شايف إن دي الرجولة، وبقى يقلد أبوه صح، وانتي مش عارفة تسيطري عليه. انتي بقيتي تخافي تكلمي ابنك لحسن يمد إيده عليكي صح؟ براحة يا هدير، براحة. لا مش براحة يا زهرة، مش براحة. كام مرة جيتي اشتكيت من جوزك؟ قولتلك خدي موقف، ابعدي عنه، ده شخص مؤ*ذي. تقوليلي لا عشان خاطر ابني، لا أصل بحبه، لا أصل معنديش مكان أروح فيه. منا فعلاً بقيت تحت رحمته وماليش مكان تاني.
ابتسمت هدير على صديقتها ابتسامة وج*ع وسخرية، فهي حزينة على ذلك الحال الذي وصلت إليه صديقتها، فزوجها حولها لمسخ هزيل لا تقوى على الاعتراض، إلى أن أصبحت بلا شخصية مثل الآلة تنفذ الأوامر ولا تجرؤ على الحديث أو الاعتراض، لأنها إذا تحدثت أو اعترضت تتلقى نصيبها من الع*قاب، وأي عقا*ب؟ ضرب بالحزام وأي شيء يقابله أمامه، وسبها بأسوأ الألفاظ.
ظلت زهرة أمامها تبكي، لا تعلم ماذا يجب أن تفعل، فهي أصبحت في عمر الـ ٣٥، ولكن هيئتها تدل على عمر أكبر من ذلك. تراكمت عليها الهموم والمسؤوليات مما جعلها تعيش في عمر أكبر من عمرها. أصبحت لا تطيق النظر إلى المرآة حتى لا ترى وجهها، دائماً ما تضع غطاء على المرآة في منزلها حتى لا ترى نفسها وتتحسر على ما أصبحت به. وجهها لا يخلو من الكدمات أسفل عينيها أسود كسواد الفحم، بشرتها البيضاء أصبحت شاحبة، ذابلة، صفراء.
رفعت عينيها الممتلئة بالدموع ونظرت لهدير تتوسلها وهي ممسكة بيدها. هدير أبوس إيدك اسمعيني. ولو سمعتك إيه الجديد اللي هيحصل؟ غير إن أنا أحزن عليكي واكتئب وانصحك وبعدها ترمي نصيحتي في البحر. تقدري تقوليلي لازمتها إيه بقى الكلام؟
نظرت زهرة لها بدموع، لا تعلم ماذا ستقول هذه المرة، فهي محقة، فكل ما قالته دائماً ما كانت توجهه لها النصيحة ويد العون، لكن دائماً ما كانت تخشى زهرة أن تسمع لنصائحها، دائماً راضية بتلك العيشة المهينة. إنتي عندك حق يا هدير، حتى لو نصحتيني أنا مش هعمل حاجة بالنصيحة، بس بس يمكن بحس براحة شوية لما بفضفض معاكي.
الفضفضة دي مسكن لحظي، لازم تدوري على حل عشان ترتاحي من الو*جع. بس المرة دي أنا آسفة يا زهرة، مش هسمعلك تاني ولازم أمشي عشان اتأخرت. تركتها بعد أن دفعت ثمن الأشياء التي قاموا بطلبها. ظلت زهرة جالسة بمفردها تبكي على حالها، لا تعلم ماذا ستفعل. *** في الجهة الأخرى كان رأفت جالس مع ابنه ويشاهدون التلفاز. تحدث الابن بضجر. بابا أنا جعان أوي، اطلب لنا أكل. أمك زمانها جاية وهي مش بتاخد وقت في الأكل. صحيح، هطلقها امتى بقى؟
أنا أول مرة أشوف واحد عايز أبوه وأمه يطلقوا. أنا أصلاً بتكسف أقول للناس إنها أمي، أنا مش بعتبرها أمي، أنا معتبرها الشغالة اللي في البيت. طيب إيه رأيك نسيبها زي ما هي كده متعلقة، لا منها متجوزة ولا متطلقة، وتطبخ وتنضف وتمسح؟ وتفتكر طنط سعاد هتوافق تتجوزك وانت لسه متجوز زهرة؟ طيب نعرض عليها ونشوف. صحيح، ميسة بنتها عيد ميلادها بكرة، ومايسة قالتلي إنك إنت اللي عاملها. قولت بدل ما أجيب هدية أعملها عيد ميلاد أسهل.
أخرج أحمد من جيبه علبة بها سلسال من الفضة. بص أنا جبتلها إيه، سلسلة فضة، تفتكر هتعجبها؟ وجبتلها دبدوب كمان وهلبسه السلسلة دي وأديها ليها هدية في عيد ميلادها بكرة. إنت اتعلمت الحاجات دي امتى يا أحمد؟ إنت لسه عيل. يلا وبعدين جبت الفلوس دي منين؟ من زهرة. قولتلها عندي دروس وأخدت منها تمن تلات حصص دروس وجبت بيها هدية مايسة.
إنت عارف يا بابا أنا نفسي تتجوز إنت وطنط سعاد ونعيش كلنا في بيت واحد، أنا وانت وسعاد ومايسة. ووقتها هقول للناس إن سعاد ماما. ولما أكبر بقى هتجوز مايسة. طيب وأمك؟
مبحبهاش. شوف شكلها ولبسها عامل إزاي مقارنة بطنط سعاد. وطول الوقت بتعيط وبتشتكي، أنا زهقت منها، طول الوقت معيشانا في نكد، أنا بحب الضحك والهزار والفرفشة. شوف الوقت اللي بتدي فيه الدرس عند طنط سعاد بنضحك ونهزر إزاي، عمري ماشوفتها وحشة ولا بتعيط، لدرجة إن البنات والولاد اللي معانا في الدرس بيقولوا لمايسة يابختك بمامتك، كان نفسي ماما تبقى كده. لكن لما تتجوز إنت وطنط سعاد، وقتها هقولهم دي ماما.
قاطع حديثهم دخول زهرة عليهم بوجهها الشاحب، مما جعلهم يتأففون. تحدث الابن منتقداً أمه. إنتي اتأخرتي واحنا هنموت من الجوع، كنتي فين كل ده واحنا قاعدين مستنيين. دخلت زهرة مسرعة للمطبخ. حاضر، أنا محضرة كل حاجة من بليل، عشر دقايق وكل حاجة هتكون جاهزة. تحدث رأفت محاولاً التقليل من كل شيء تفعله. هو إنتي دايماً كده متأخرة ولا علينا إحنا بس؟ وياترى بقى العيال اللي بتديهم دروس بتتأخري عليهم كده؟
يا رأفت أنا زي اللي دايرة في ساقية، معنديش وقت أرتاح، وطول اليوم من الدرس ده للدرس ده، والوقت الوحيد اللي برتاح فيه وأنا قاعدة في العربية ومستنية لما أوصل للمكان اللي بروحله. لو سمحت براحة عليا شوية يا رأفت، لو سمحت أنا مش مستحملة، كفاية. وانتي بتعملي إيه يعني غير شوية دروس بتديها لشوية عيال؟ إنتي ناسيه إني بشتغل زيك ويمكن أكتر كمان. المهم شوفلي ١٠٠٠ جنيه معاكي.
مش معايا المبلغ ده، أنا آخر ٥٠٠ جنيه اديتهم لأحمد عشان كان عنده درس. بقولك إيه؟ قدامك ساعتين، لو مجبتليش الفلوس اعتبري نفسك طالق. أجيب منين؟ ارحمني، أجيب منين؟ مش عارفة، أنا بقيت مديونة لكل الناس، مبقاش عندي حد استلف منه. أعمل إيه؟ قولولي أعمل إيه؟ وجلست تبكي على حالها كعادتها. تحدث ابنها بملل. مش شاطرة غير في الزن. حاولي تتصرفي في فلوس بدل ما يطلقك، وبصراحة لو عملها يبقى عنده حق. وتركها وذهب هو وأبيه.
ظلت جالسة تبكي على حالها. حاولت الاتصال بأكثر من صديقة، لكنهم لم يجيبوا عليها. ياترى هتعمل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!