الفصل 7 | من 33 فصل

رواية زهرة لكن دميمة الفصل السابع 7 - بقلم سلمى محمد

المشاهدات
20
كلمة
3,991
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

ما فعله بها من انتهاك لجسدها العفيف. تقلصت ملامح وجهه وارتعش جانب فمه. ثم هتف فيها والدموع تنساب على وجنتيه: أنا اللي ما ينفعش ليكي... أنا حيوااان. نظرت له حائرة، فهي لا تفهم كلامه ولكنها شعرت بالشفقة تجاهه. لمست كتفه برقة: أهدى. رأى نظراتها الحنونة، فزاد بكاؤه. فهو لا يستحق هذه النظرة منها. أزداد الصراع بداخله، فقد حان موعد الاعتراف. لا يستطيع إخفاء جريمته إلى الأبد. فهو يمتلك طفلين. طفلاه يعيشون في ملجأ. هتف بوجع:

آآآه.. آآآه. حاولت تهدئته فقالت برقة: ادعي ربنا يمكن ترتاحي. أنا لما بكون تعبانة، بصلي وأدعي. اعملي زيي. نظر لها بألم: انتي إزاي كده؟ بعد اللي عملته معاكي، لسه قلبك طيب. أنتي حقك تمسكي سكين وتغرزيها جوا قلبي وتريحيني. استغربت كلامه ودعوتها لقتله. ماذا حدث لكل هذا؟ نظرت له حائرة لا تفهم: ليه كل ده؟ هتف بهستريا: عشااااان.. عشااان أنا. رفع رأسه ويديه إلى الأعلى داعيًا ربه بصوت مسموع.

ثم قال بدون وعي لماهية الكلمات التي تخرج من فمه ودموع العذاب تنهمر بدون توقف: أنا اللي عملت فيكي كده. أنا المجرم اللي انتهكت برائتك. أنا اللي قطفت زهرة شبابك وحولتها لزهرة ذابلة خالية من الحياة. نظرت له بذهول غير مصدقة وغير مستوعبة كلامه. أطلقت قهقه عالية: انت بتهزر... اكيد بتهزر بس هزار تقيل. أنا من وقت ما شفتك وقولت إنك عندك شيزوفرنيا. أنا ماشية. صاح بألم: أنا أبوهم... أبوهم...

ولادي طلعوا متربين في ملجأ. كل ذنبهم إنهم اتولدوا بطريقة غير شرعية. من أب زين ليه الشيطان طريق الرذيلة. آآآه من ذنب لحد النهاردة بدفع تمنه. ضيعت شرفك بسبب لحظات من اللذة وعدم الوعي. توقفت يداها على مقبض الباب وهي تسمع كلماته. التفتت له. تسمرت عينيها طويلاً في عينيه. رأت الصدق، العذاب، الحقيقة. اقتربت منه. رفضت ما رأت. صرخت في وجهه وهي تدفعه بكلتا يديها في صدره: انت ليه مصمم تأذيني؟ ليه مصمم تعذبني بقسوتك؟

انت إنسان مريض. أزداد صراخها: مريض... وكذاب. أمسك كلا معصمي يديها وصاح بألم: سامحيني يا زوزو. اتسعت عينيها من الصدمة. ثم قالت وهي ترتعش: انت قولت إيه؟ وعرفت الاسم ده إزاي؟ مفيش غير اتنين بس اللي كانوا بينادوني بيه... بابا وأحمد وبس. أخذ يتنفس بعمق وصدره يعلو ويهبط. الشك رواده فقال بهمس: عرفته منك يوم ما اتقابلنا وركبتي معايا العربية. وقتها سألتك على اسمك قولتيلي زوزو. ليه خبيتي عليا إنك متعرفنيش لما اتقابلنا؟

ليه خبيتي؟ لو عايزة تنتقمي أنا أهو قصادك انقمي. عايزة تبلغي عني بلغي وهقول حصل. صاح بصراخ: عايزة تموتيني موتي عشان أرتاح. هتفت بهسترية: عشان معرفكش... معرفكش. هزت رأسها بعنف. تمتمت دون وعي والدموع تنهال على وجنتيها: أنا مش فاكرة حاجة ولا فاكرة حصل إيه معايا. الفترة دي اتمحت تماماً من عقلي. ثم صاحت في وجهه بهستريا: أنا مش عايزة حاجة. كل اللي عايزاه دلوقتي تسيبني أمشي. ثم أعطته ظهرها وتحركت باتجاه الباب.

وضع يديه على كلتا كتفيها مثبتا إياها. جاعلا إياها تلتفت له. طالعته بنظرات مضطربة. هزها بعنف صارخاً بانفعال: أنا أعرفك وأعرفك كويس يا زوزو. أنا مقدرتش أخبي الحقيقة أكتر من كده. حسيت أد إيه أنا صغير وجبان قصادك. أنا خوفت أقول الحقيقة. وانتي طلعتي أصدق وأشجع مني ومحاولتيش تكذبي عليا وتخبي حقيقتك. مقدرتش اتجوزك وأنا مخبي عنك الحقيقة. أنا أبقى أبو ولادك. ضغطت على أذنيها ثم صرخت في وجهه:

مش عايزة أسمع حاجة. سيبني أمشي أبوس إيدك. نزع محفظته من جيبه وأخرج منها صورة. وقام بوضعها أمام عينيها: بصي كويس للصورة. شهقت بعنف. اخفضت يديها بالتدريج ثم أمسكت الصورة من يديه. عينيها تسمرت على ملامح الطفل فيها. غير مصدقة ما رأت. هتف بألم: دي صورة بيسان أختي تقريباً في نفس العمر. صورة بيسان من أكتر من عشرين سنة. بصي على تاريخها. تسمرت نظراتها على التاريخ. لمعت عيناها بالدموع وهي تنتفض في مكانها. قالت بصوت مرتعش:

مستحيل. قال بصوت حزين: لما شوفتهم حسيت كأنهم طلعوا من الصورة. لم تعد قادرة على الإنكار. صرخت بكل ذرة تسكن كيانها. صرخت بوجع كان دفين لسنوات. صرخت وصرخت. حتى أسودت الدنيا أمام عينيها. تلقفته يديه بسرعة وهو يراها تسقط فاقدة الوعي. حملها بذراعين تهتز من الرعب. وضعها برقة فوق الفراش. أخرج هاتفه وبأصابع ترتعش اتصل بطبيبه. هرول زاهر مسرعاً إلى داخل غرفة والدته. ثم دخلت بيسان بعده مباشرة. أقترب من الفراش وقال بقلق:

مالك يا ست الكل. قلبي اتوجع عليكي لما سعدة قالتلي على اللي حصل. خير مالك؟ حاولت كتير اتصل بدكتور بكري عشان أطمن عليكي منه. تليفونه كان بيدي علطول مشغول. تظاهرت بالألم، قالت بصوت ضعيف: الضغط عالى عليا شوية. نظر له بقلق: شوية ضغط يخلوا وشك أصفر وينايموكي في السرير. قالت صفية بصوت واهن: ما أنت عارف صحتي متستحملش الضغط يعلى. صحتي مبقتش زي الأول. وخايفة أموت وانت بعيد عني. احتضنها قائلاً: بعد الشر عليكي يا ست الكل.

استكانت بين ذراعيه وقالت بابتسامة: العمر بيجري يا زاهر. ومش هعيش أكتر ما عشت. قالت بيسان برقة: بعد الشر عليكي. والف سلامة عليكي. ردت عليها بابتسامة صفراء: طبعاً بعد الشر. طول ما ابني معايا هكون كويسة. شعرت بيسان بالضيق من طريقة ردها. فقالت: بعد إذنكم أنا رايحة أوضتي. هغير هدوم السفر. بدون الالتفات لها قال وكل تركيزه منصب على والدته: روحي يا حبي. التفتت بيسان إلى غرفتها. وأخذت تتمتم بضيق:

حيزبون حتى في تعبها. كله عشان خاطرك يهون يا حبيبي. شعرت بقشعريرة غريبة تسري في جسدها وفجأة تملكها إحساس بالخَنقة. لم تشعر به أول مرة دخلت غرفة زوجها. صرخت بفزع عندما رأته مرة أخرى وهذه المرة لم يكن بمفرده: الحقوووني. انتفض زاهر في جلسته على صوت صريخ زوجته، قائلاً بجزع: هروح أشوف حصل إيه. خرج سريعاً حتى وصل إلى غرفته. وجدها تقف فوق الفراش. ولما رأته صرخت ببكاء: الحقني يا زاهر.

في خطوتين أصبح جوارها. فأرتمت عليه. احتضنها مسرعاً قبل سقوطها. قال في قلق: مالك يا بيسان. بيسان أشارت بيديها على ما أرعبها. تمتمت بصوت متقطع: مش لوحده يا زاهر. أنا خايفة أوي. نظر إلى ما تشير إليه. همس بضيق: إيه اللي جابهم هنا. بصي انتي هتطلعي فوق السرير تاني وأنا هروح أمسكهم وأطلعهم برا الأوضة. استطاع بصعوبة إمساكهم. قال له برقة: هروح أحبسهم في أوضتهم وجاي بسرعة. _بسرعة يا زاهر عشان خاطري. _دقايق وهكون معاكي. سمعت

من مكانها صوت زاهر الغاضب: حسابك هيبقى عسير معايا يا سعدة. لو الأوضة اتسابت مفتوحة تاني. بمجرد دخوله تعلقت في رقبته. قالت بصوت متقطع باكي، دون أن تفلت تعلقها برقبته: خليك معايا يا زاهر. سمع دقات قلبها تنبض بعنف تحت يديه. شتم في سره لرؤيتها هكذا: حاضر يا بوسة. مش هتتحرك من مكاني. مسح دموعها بإبهامه بخفة. قال بحب: دموعك دي غالية عندي وكل دمعة من عينيكي بتقطع قلبي.

ثم قبلها ببطء على الوجنتين. سمع دقات قلبها تهدأ قليلا. ضاعف قبلاته. ازدادت القبلات بينهم. أصبحت كلها له. تكرر رنين جرس الباب. همست بضيق عندما استمر الرنين والباب لم يفتح: ده أنا مصدقت تدخل تنام. واتجهت مسرعة ناحية باب الشقة. قالت بفضول لما رأت الشخص الواقف أمامها: انت مين. المحضر قام بإخراج ورقة من داخل الحقيبة المعلقة على إحدى كتفيه: أنا محضر المحكمة وده إخطار. ومد يده لها بالورقة: اتفضل حضرتك أمضي استلام.

همست لنفسها بغضب: عملت اللي قلت عليه. قال بهدوء: اتفضل أمضي ياهانم. ابتسام بانفعال: حاضر. ثم مضت على استلام الإخطار. ثم أغلقت الباب بعنف. لمعت عينيها بالدموع وهي تقرأ الكلمات المكتوبة فيها. همست بحزن: كده يا أحمد. أنا عارفة إن رشا غلطت. بس اللي بتعمله ده غلط. انتو الاتنين غلطتو. خرجت رشا من غرفتها. نظرت إلى أمها بعيون ذابلة لم تعد تلمع كالسابق. كيف تلمع وهي بعيدة عن حبيبها. ركزت نظراتها على الورقة القابعة في يد أمها.

فقالت: مين اللي كان بيخبط؟ وأيه الورقة دي. انعقد لسانها عن الكلام. ردت بلهجة متوترة: اللي خبط كان كااان المحصل. ثم قامت بطوي الورقة. برغم أنها تعيش حالة من الانعزال. شعرت بعدم الراحة وكذب والدتها. هتفت بشك: محصل! ابتسام بلجلجة: أيوه. اقتربت منها رشا وبحركة فجائية نزعت الورقة من يد أمها ونظرت إلى المكتوب فيها. اضطربت بشدة في وقفتها وهي ترى تقلص ملامح ابنتها. صرخت بانفعال:

رفع عليا دعوة لحضانة البنات. ده على جثتي. فاهمة؟ على جثتي. ابتسام برجاء: أهدي يا رشا. أنا هكلم المحامي بتاعي يباشر الدعوة. ومش هيقدر ياخد منك البنات. هتفت بانفعال: خلاص باعني يا ماما. خلاص مبقاش يحبني. وعايز ياخد مني البنات. الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخليني أرجع له. مستحيل ياخد مني البنات. ابتسام بلهجة متوسلة: طبعاً يا حبيبتي مش هيقدر ياخدهم منك. في غرفة صفية. جلست سعدة بجوار الفراش. سألت صفية:

وحصل إيه بعد ما زعق ليكي يا سعدة. ابتسمت سعدة بخبث: ولا بعدين يا ستي. دخل الأوضة وقفل الباب ولحد دلوقتي هما الاتنين جوا. قالت صفية بغضب: شفتي يا سعدة زاهر اللي الكبير قبل الصغير بيخاف منه. تيجي واحدة زي دي أول ما تنادي عليه. يجري عليها ملهوف. ونسي أمه وإنها تعبانة. _متزعليش نفسك. مش هتلحق تتهنى بيه كتير. أنا عملت كل اللي قال عليه الشيخ فرحات بالحرف الواحد. لما يتحقق المراد متنسنيش في الحلاوة.

_بس يحصل وكل اللي انتي عايزاه يا سعدة هعمله ليكي. هو الشيخ مبروك قالك المفعول هيبتدي بعد إيه؟ هزت سعدة رأسها نافية: مقلش امتى بالظبط. بس اللي أعرفه إن كل واحد راح له وطلب منه حاجة اتنفذت. تمتمت صفية بدعاء ثم قالت: أنا بعمل كده عشان مصلحته. عشان متأكدة إنها هتتعبه. في غرفة زاهر. شعر بالسعادة تغمر قلبه فنظر لها بحب غير مصدق أنها أصبحت ملكه وملتصقة به. أبعدها عن حضنه برفق ونظر لعينيها وقال:

بحبك ونفسي لو قدر لينا وجبنا أطفال يبقوا شبهك. ضحكت بيسان بدلع: وأنا بقا عايزهم شبهك أنت. ثم نهضت من فوق الفراش. زاهر بابتسامة: سايبني ورايحة فين؟ قالت وهي ذاهبة باتجاه الخزانة: هطلع هدوم ألبسها. غمز لها بمكر: ما تخليكي كده أحلى. ردت عليه بخجل عفوي: باين عليك نسيت الوالدة وإنها تعبانة. خبط بكف يديه على جبهته وهتف: أوبااا. الوالدة مش هتعديها. ليلتك ملونة يا زاهر. ثم نهض مسرعاً من فوق الفراش باتجاه الحمام.

ابتسمت بيسان بخفة وهي ترى اندفاعه باتجاه الحمام. ثم قامت بفتح الخزانة ومدت يديها لالتقاط ثوب لها. عندما أمسكته لفت انتباهها شيء موجود في قاع الخزانة. تمنت النظر. فوجدت كومة من ريشات سوداء اللون. فقامت بإمساك ريشة منهم. عقدت حاجبيها بتفكير. أيه اللي جاب الريش دي هنا. أكيد الفار اللي بيقولوا عليه سنجاب. ثم ألقتها مكانها بعنف: هبقى أخلي سعدة تنضف الدولاب.

وأغلقت الدولاب. شعرت بيسان فجأة بقبضة داخل قلبها. دموعها نزلت من عينيها دون أن تدري. اندهش زاهر لما رآها واقفة في نفس المكان معطيه له ظهرها. لمس كتفها برقة: بيسان. انتفضت من شرودها مذعورة. صرخت بحدة. التفتت له وقالت برعب: خضتني يا زاهر. سألها بلهجة يشوبها القلق: مالك يا بيسان وكنتي بتعيطي ليه. ردت بدهشة: بعيط! بتلقائية لمست وجهها فوجدت أنه رطب فعلاً بالدموع. فقالت بهمس غير مصدقة أنها كانت تبكي: ده أنا كنت بعيط بجد.

سأل بحيرة: هو أنتي مكنتيش تعرفي إنك بتعيطي. ردت عليه وهي تشعر بالاضطراب: محسيتش خالص يا زاهر إني كنت بعيط. قال بقلق: إحنا كنا كويسين مع بعض وكنتي بتضحكي قبل ما أدخل الحمام. إيه اللي غيرك مرة واحدة. حصلت حاجة زعلتك. هزت رأسها نافية: مفيش حاجة زعلتني. أنا معرفش أصلاً كنت بعيط ليه. مرة واحدة حسيت إني مخنوقة. همست بضيق: حسيت إن نفسي بيتكتب. _وده من إيه يا بيسان. _معرفش يا زاهر. بجد معرفش. خليك جنبي طول.

احتضنها برقة وهمس برقة: مش هسيبك وهفضل طول عمرك معايا. ارتسمت علامات الدهشة على وجه طبيبه. وهو يرى أكنان ثائراً من أجل هذه الفتاة. تحدث بلهجة منفعلة. صارخاً في وجهه: مالها يا أصهب. رد عليه بهدوء: ثواني يا أكنان. أخلص كشف الأول وهقولك عندها إيه. تحدث بحدة: خلص بسرعة. رد بثبات: حاضر. وعندما انتهى قال: معندهاش حاجة. الضغط طبيعي. كل الوظائف الحيوية عندها طبيعية. سأل بانفعال: أومال عندها إيه؟ أجابه أصهب قائلاً:

مجرد إغماء. مفيش حاجة مستاهلة. أنا هفوقها دلوقتي. ربت بخفة على خدها. ثم مرر إبهامه على أذنها. فتحت عينيها ببطء وهي تشعر بالدوار. رفعت يديها وضغطت على رأسها لتسكين هذا الصداع. تمتمت بخفوت وهي مازالت غير واعية: أنا فين. سأل أكنان بقلق: مالها يا أصهب. قال أصهب بهدوء: لسه مش واعية وبتفوق. فجأة مرت أمام عينيها كل الأحداث الذي حدثت منذ قليل. تقلصت ملامح وجهها متألمة وهي ترى مغتصبها واقف أمامها.

نهضت من الفراش بسرعة غير مبالية بدوارها. واتجهت ناحية الباب مهرولة تريد الهروب من هذا الكابوس. وما أن أمسكت مقبض الباب حتى عجزت قدمها عن حملها. لكن وجدت ذراعين تقوم بإسنادها. قال بلهجة خائفة: زهرة. لم تشعر بنفسها إلا وهي تصفعه بكل قوة على وجنتيه يميناً وشمالاً كالمجنونة. لم تعد تدري لماذا تصفعه فهي لا تتذكر اغتصابه لها. ولكن تتذكر جيداً معاناتها وحبسها ليل نهار منبوذة تداري فضيحتها.

ظل ثابتاً في مكانه يتلقى صفعاتها. توقفت فجأة وأخذت تلهث بعنف. دفعته بقوة للوراء. وصرخت فيه: أنا همشي من هنا. ومش عايز أشوف وشك تاني في حياتي. وخرجت من الغرفة مسرعة. أصاب أصهب الذهول. فما حدث أمامه شيء مستحيل. ولا حتى في أحلامه. كان يتوقع أن يأتي اليوم ويرى فيه أكنان يتم صفعه من فتاة هزيلة لا تصل حتى إلى مستوى كتفه. عندما رآه مازال واقفاً. قرر الخروج هو الآخر. وقبل أن تخطو قدمه إلى خارج الغرفة. تحدث أكنان بهدوء ظاهري:

استنى يا أصهب عايز أسألك في حاجة. أصهب بتوتر: اسألني وأنا هجاوب. قال أكنان بثبات: هو ممكن الواحد ينسى وقت معين في حياته وميفتكرهوش بعد كده. سأل أصهب باستفسار: فقدان الذاكرة علم كبير وأنواع وله أسباب كتير. وضح كلامك أكتر. _ممكن الواحد لو اتعرض لخبطة في الراس وفي نفس الوقت يمر بتجربة صعبة. ممكن الوقت ده ينساه تماماً بالأشخاص اللي قابلهم فيه. وضع أصهب سبابته على جبهته ونقر عدة مرات:

ممكن يحصل. أنا قريت عن حالة فقدت ثمانية وأربعون ساعة من حياتها ومعرفتش هي عملت فيهم إيه. ممكن الإنسان يفقد جزء معين من ذكرياته لأكثر من سبب. ممكن يكون صدمة نفسية اتعرض لها. فالمخ يمحي الوقت ده تماماً. ممكن نتيجة حادثة. من الآخر فقدان الذاكرة له أسباب كتير. ممكن كلي أو جزئي. قاطعه أكنان قائلاً: والشخص ده ممكن ذكرياته ترجع له. رد أصهب بهدوء: ممكن آه وممكن لأ. وده راجع للشخص ونوع فقدان الذاكرة اللي عنده.

وعندما سمع ما أراد معرفته. رمق أصهب بنظرة محذرة: اللي حصل قصادك ميطلعش لجنس مخلوق. رد أصهب بهدوء: أنت عارفني كويس. مفيش حاجة اتقالت هنا هتطلع برا. قال أكنان: عارف بس حبيت أكد الكلام.

بمجرد انصراف أصهب. انهار أكنان. ارتكب على الأرض بجوار الحائط. وألقى وجهه بين كفيه وانخرط في بكاء حاد. عادت به الذكريات إلى سنوات مضت. وراح يتذكر. في عيد مولده الواحد والعشرين ومن المفروض في هذا اليوم الاحتفال بتخرجه وميلاده وتكون الفرحة فرحتين. كانت هدية والده له هي الزواج من فتاة في نفس عمره. هي نفسها الفتاة التي أخبره بنيته خطبتها له من أهلها عقب تخرجه. نجم بابتسامة هادئة مترقبة رد فعله عندما يعلم بزواجه:

مش تباركلي يا كينو. نظر لهم بحيرة. مندهش من تأبط ديمة لذراع والده والابتسامة تزيين شفتيها المكتنزتين: أبارك على إيه بالظبط. رد نجم بهدوء: على جوازي من ديمة. ديمة بلهجة يشوبها القلق: مش هتقولي مبروك يا ديمة. ساد شيء من الصمت فجأة. كأن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران. انتفض أكنان في وقفته ثائراً. وقال بغضب شديد: ليه؟ طب أنت وعارف طبعك كويس ديما بتجري ورا رغباتك. أنتي يا ديمة ليه عملتي كده؟

خرجت الكلمات من فم ديمة مثل النيران تحرق وتشعل بكل قسوة: يمكن أكون أنانية في تصرفي. لكن مش عيب أدور على مصلحتي. ليه أتزوج الابن وأنا ممكن أتزوج الأب. اللي في إيده كل حاجة. تحولت كلماتها إلى سهام دخلت في قلبه لتخنق دقاته وتصيب مشاعره في مقتل. امتص غضبه بصعوبة. وقال بهدوء ظاهري: مبروك ليكم. نظر كلاهما له بصدمة غير مصدقين مباركته لهم بالزواج. وقبل خروجه من الغرفة وسط نظراتهم المندهشة. استدار قائلاً:

هو أنت مقولتلهاش يا نجم بيه إن أنا شريك بأكثر من النص في كل الأملاك دي كلها. ده غير نصيب بيسان. يعني بنصيبي أنا وبيسان نقدر نخلعك خالص من إدارة المجموعة اللي بتتباهى بأنك مديرها. عندما انتهى من كلامه قهقه بصوت عالي: حسبتها غلط. عشان الابن هو الأصل والأب مجرد صورة.

وقبل خروجه رمقهم بنظرة كره شديدة. مرت أيام وشهور وسنوات بعد هذه الحادثة التي تسببت في جرح غائر وشرخ دائم في علاقته مع والده. وتحول أكنان من شخصية هادئة رصينة. إلى شخصية قاسية عابثة مستهترة. سهر وعلاقات نسائية لا حصر لها. وانفصل نجم عن ديمة. لتسافر بعد الطلاق مباشرة إلى الخارج وتتزوج كهلاً لمجرد أنه غني. حاول نجم إصلاح علاقته معه. لكن الشروخ أصبحت بينهم راسخة وبات من الصعب إصلاحها. إلى أن أتى اليوم الذي غير حياته.

تحدث أكنان باستهتار: هو ده بقى المكان الحلو اللي مفيش زيه. رد أمير: كفاية الكوكتيل اللي بيتقدم فيه. حاجة تظبط الدماغ. أكنان بلامبالاة: هنشوف. ثم أشار بيديه إلى النادلة كي تحضر مشروباً له. تقدمت النادلة على مهل محركة جسدها بإغراء. ثم وضعت الكأس على الطاولة. ارتشف من الكأس بعض الشراب ثم نظر لها وجدها مازالت واقفة. قال بلهجة صارمة: يلا أمشي. انصرفت غاضبة وأخذت تتأفف بضيق. فالزبون طار من يديها. أخفى أمير ابتسامته وقال:

ليه بس دي البت موزة بتقولك أنا أهو. عبس أكنان في جهه بقرف: ذوقك بقى مقرف. أمير بابتسامة ماكرة: أنا معايا سجارتين مخصوص. وغمز له بأحد حاجبيه. يعني ملغمين. قال أكنان بهدوء: أنت عارف إني مليش في المخصوص. _جرب أنت مش هتخسر حاجة. ثم أخرج من جيبه لفافة السجائر وورقتين. ولفهم بمهارة. حدث أكنان قائلاً: امسك. تناولها بتردد وفي الآخر حسم قراره. فقام بإشعالها وأخذ منها عدة أنفاس متتالية. وبعد مرور فترة من الوقت. قال أكنان:

أنا ماشي. أمير بابتسامة خفيفة: ماهو لسه بدري. دي السهرة لسه في أولها. أكنان بلهجة ثقيلة: ماهو لازم أصحى بدري عشان الصفقة الجديدة. _سلاااام يا بص. مادام في صحيان بدري. أنا ناوي أبات هنا في الفندق. _سلاااام.

ثم تحرك ناحية باب الخروج. تحرك بسيارته. ظهرت أمامه من العدم. أوقف سيارته فجأة محاولاً تجنب الاصطدام بها. فلم يستطع تفادي الاصطدام بها. سقطت أمام السيارة. تأفف بضيق. فهي ليست المرة الأولى تقوم فتاة بإلقاء نفسها أمام سيارته في سبيل التعرف إليه. نزل من السيارة. فوجد الفتاة قد نهضت من على الأرض تمسك رأسها بكلتا يديها. وقد ارتسمت على ملامحها الألم الشديد. كانت ترتدي فستان عاري الكتفين مظهر لمعان بشرتها النقية. تأملها ببطء

من رأسها حتى أخمص قدميها. ثم ظهرت ابتسامة متلاعبة على شفتيه. محدثاً نفسه. أنها تبدو كإحدى فتيات البار بزيها العاري الذي كان متواجد فيه منذ قليل. مجرد فتاة تبيع نفسها ليلة واحدة. هز رأسه بخفة والابتسامة مازالت على وجهه متمتمة. لما لا.

غمزه لها ثم قال: عايزة توصيلة. أومأت رأسها بخنوع وسارت خلفه مشوشة الرؤية وهي تصدر أنيناً مكتوماً. وهي تتلوى سارت خلفه ببطء. وركبت بجواره. ودون أن تدري ذهبت في طريق لا عودة فيه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...