الفصل 29 | من 33 فصل

رواية زهرة لكن دميمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سلمى محمد

المشاهدات
23
كلمة
3,335
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

بمجرد أن ترك كريم الفراش، استيقظت ضحى. أسندت رأسها على الوسادة ونظرت باتجاه الشرفة وهي تبتسم بسعادة. كان كريم في منتهى الرقة ويتفهم خجلها وتعامل معها بلطف. فاقت من شرودها مفزوعة على صوت صياحه: "وده حصل إزاي؟ دخل إلى الشرفة مسرعًا، فسألته بقلق: "فيه إيه؟ بدا على وجهه الهم والضيق. اتجه إلى الخزينة وأخرج ملابس له، ثم قال بشرود: "غصب عني مضطر أنزل وأسيبك." قامت من الفراش واقتربت منه،

وبصوت متوتر سألته: "ما تقول لي فيه إيه يا كريم؟ قال بسرعة: "جيلان اتصلت بيا، قالت إنهم نقلو بيسان المستشفى." ظلت صامتة للحظات، تدير كلماته داخل عقلها، ثم سألت بلهجة يشوبها القليل من الغيظ: "ومالك أول ما وصلك الخبر وأنت مش على بعضك؟ التقط سمعه الغيرة في صوتها. رفع إحدى حاجبيه وقال متعجبًا: "إنتي بتغيري يا ضحى؟ مطت شفتيها وقالت: "أغير من إيه؟ لأ طبعًا مش بغير."

ابتسم كريم لا إراديًا، ومال على شعرها يشم عبيرها المميز، مغمض العينين في انتشاء. خجلت مما فعل فأحنت رأسها للأسفل. جذبها بجواره ثم أجلسها على الأريكة، وجلس بجوارها. نظر لها بحب وقال بتفهم: "لكي حق تغيري لما جوزك حبيبك ينزل ويسيبك تاني يوم جواز عشان خاطر بنت عمه. حابب أعرفك عشان المستقبل ومنعًا للغيرة بعدين، إن بيسان تبقى أختي في الرضاعة وأفراد العيلة بس هما اللي يعرفوا كده." مالت ضحى ناحية كريم وعانقته بخفة،

وهمست بأسف: "زعلت مني؟ ضحك بخفة: "تبقي عبيطة." ابتسمت ضحى وهي تميل إليه. افتر ثغرها عن ابتسامة لا إرادية: "أيوه." نهض من جانبها وقال: "معلش حبيبتي هسيبك." "أجي معاك." "لأ خليكي أنتِ هنا وأنا هبقى أتصل بيكي." "هتوحشني." "وأنتي كمان هتوحشيني." ثم خرج مسرعًا من الغرفة. نظرت ضحى بشرود إلى الباب الذي خرج منه. اتكأت بكلتا مرفقيها على ركبتيها، وأخذت نفسًا عميقًا. رن هاتفها وكان المتصل أمها. سألت الأم

ابنتها لكي تطمئن عليها: "الأخبار إيه؟ ضحى بابتسامة خجولة: "مبسوطة أوي." "ربنا يسعدك يابنتي ويفتح لكِ أبواب الخير." ***

أخذت تركض بأقصى ما عندها، هاربة من شيء مجهول يجري خلفها، خائفة من الالتفات خلفها لرؤية ماهيته. سمعت كلمات تقرأ اخترقت عقلها الغائب عن الوعي. حاولت فتح عينيها، لكنها كانت تشعر بالألم في رأسها وطنين بأذنيها شديد، وألم لا يحتمل في معدتها. فتحت بيسان عينيها ببطء لتجد الرؤية ضبابية أمامها. أغمضت عينيها مجددًا وحاولت فتحها مرة أخرى. انتبه الجميع إلى حركتها، فهي ظلت غائبة عن الوعي لأكثر من ساعة بعد خروجها من غرفة العمليات.

انتبه الجميع إلى حركتها، وضعت جيلان المصحف التي كانت تقرأ منه بسرعة على الطاولة. اقترب منها أكنان وكريم ونجم. سألت بصوت متألم: "أنا فين وحصلي إيه؟ جيلان بنظرات قلقة: "أغمي عليكي." حاولت النهوض، لكن ألمًا شديدًا تمكن منها جعلها تهتف بوجع: "آآآه... أنا حصلي إيه؟ حد فيكم يرد عليا." ردت عليها جيلان بحزن: "كنتي حامل والبيبي نزل."

رمقت الجميع بنظرات ملتاعة هائمة في صمت مؤلم، لا تدري مابها أتبكي أم تفرح. عقلها أصبح مشوشًا، أصبحت لا تعرف نفسها وكأنها داخلة على هذا الجسد. جيلان برقة: "متزعليش يابيسان بكرا ربنا هيعوضك خير." أكنان بلهجة حزينة: "بكرة تقومي وتكوني أحسن من الأول." حاول الكل مواساتها، بقول كلمات مشجعة لها. صوتها ترقق، وتحول إلى لهجة ضعيفة تدمي القلب: "أنا كويسة." صوتها تلاشى. شعرت بالدوار. "بابا." هتف نجم بهلع: "بيساااان."

تصلبت جيلان في وقفتها وهي ترى بيسان تغمض عينيها. أما كريم وأكنان خرجا من غرفتها مسرعين لمناداة الطبيب. في الداخل، عندما انتهى الطبيب من الكشف عليها، قال الطبيب بهدوء: "هي محتاجة راحة دلوقتي." ثم أشار للممرضة الموجودة بجواره، فقامت بتغيير المحلول المغذي الفارغ بآخر جديد ووضعت فيه مهدئًا. عندما انتهت، قال الطبيب موجها كلامه للجميع: "ياريت الكل يخرج دلوقتي."

خرج الكل على مضض، إلا من جيلان التي ظلت جالسة على الكرسي المجاور لفراشها. في الخارج. قال كريم بصوت كئيب: "إيه اللي حصل وخلاها توصل للمرحلة دي؟ نجم بحزن: "معرفش يا كريم، من يوم ما جيت من أسوان وهي حالتها مش طبيعية. وما فيش حد فينا حاول يجبرها على أي حاجة ولا حد فينا ألح في سؤاله ليه سابت زاهر وهو في وضعه ده." نظر لهم أكنان، ثم ضاقت عينيه بتفكير للحظات،

وقال: "أكيد فيه حاجة حصلت وخلاها توصل للحالة دي. حادثة زاهر وانطواء بيسان وعزلتها. أكيد فيه سر." سأل كريم بملامح مفكرة: "إزاي الواحد مفكرش في الكلام ده، وإن ممكن تكون فيه حاجة؟ بس إيه اللي ممكن يحصل يخلي بيسان تتغير كده؟ هز رأسه بحيرة: "معرفش. بس الوضع ده ميتسكتش عليه أكتر من كده." نجم وكريم في وقت واحد: "وناوى تعمل إيه؟

ضيق عينيه أكثر ثم قال: "أنا هسافر أسوان، أحاول أعرف الحقيقة منهم هناك، وأشوف كان فيه مشاكل بين بيسان وزاهر هي اللي خلت الوضع بينهم بالسوء ده." *** رأت سيارته تتوقف أمام الفيلا، لكنها كانت تشعر بالغضب. فالنهار شارف على الانتهاء والشفق بدأ يقترب، ولم يكلمها سوى مرتين فقط لا غير طوال الساعات الماضية، وكان كلامه قاصرًا على جملتين: "خلي بالك من نفسك."

رآها تقف في الشرفة معطية له ظهرها، استشعر غضبها من طريقة وقفتها وعدم التفاتها له. كريم بلهجة رقيقة: "وحشتيني الكام ساعة اللي فاتوا، وكنت ديمًا على بالي. بس أعمل إيه؟ الوضع كان في المستشفى صعب والواحد كان على أعصابه. أول ما وصلت لقيتها في أوضة العمليات وأجهضت البيبي." شهقت ضحى بفزع: "هي كانت حامل وسقطت؟

هز رأسه بأسى: "أيوه. مكنش حد فينا يعرف. جسمها مستحملش الحمل. من وقت ما انفصلت عن جوزها وهي بقت زاهدة في الدنيا وعلطول حبسة نفسها." تبخر غيظها واختلج قلبها لكلامه: "وهي عاملة إيه؟ "الحمد لله أحسن." أدارها إليه لتواجهه. حاول التخفيف من جو الكآبة فقال ممازحًا: "شكلك كان حلو وأنتي واقفة بتنفخي ومستنية تشوفي وشي عشان تطلعي نار في وشي."

تبتسم على مداعبته وقالت: "هزار تقيل على فكرة. أنا كنت مضايقة عشان اتأخرت عليا ومهنش عليك تريحني بجملة مفيدة. وكنت خايفة وقلقانة عليك أوي." "الواحد اتلاهى في اللي حصل. متزعليش مني." أدارت له ظهرها فأمسكها بسرعة وقال: "شكلك زعلانة." تذكرت هلعها وخوفها، فقالت بحدة: "كنت وخلاص مبقتش زعلانة." شعر بالندم، فهو أخطأ لأنه لم يطمئنها على الوضع في المستشفى. ربت على وجهها برقة وقال بحب: "أعمل إيه عشان أصالحك ومتفضليش زعلانة؟

"متعملش حاجة." "لأ لازم أصالحك." ابتسمت بخبث: "مصمم تصالحني." كريم بابتسامة عاشقة: "أكيد مصمم." ضحى بهدوء: "يبقى تسيبني. عايز تصالحني يبقى تسيبني لوحدي." صاح بها تلقائيًا: "لأ طبعًا. ده أنا صدقت أجي هنا وأشوف وشك اللي بينسيني الهم والزعل. تيجي تقولي أسيبك لوحدي. اطلبي أي حاجة غير أسيبك." أخفت ابتسامتها وهي تقول: "سيبني وشوف وراك إيه؟ ثم أدبرت عنه. شعرت به يرفعها ويحملها بين ذراعيه، ثم ألقاها فوق الفراش. جلست

بحدة على الفراش وقالت له: "أنا مش عايزة أنام." ابتسم بهدوء: "بس أنا عايز أنام." وقام بتغيير ملابسه. خفق قلبها وابتسمت دون أن يراها. غضبها ليس له وجود، ولكنها أرادت إيصال له أنها شعرت بالخوف والقلق وهو بعيد عنها. عندما بدل ملابسه، رقد على الفراش ثم ضمها إلى صدره، وراح يمسح على شعرها بحنان ونظر لها بحب: "آسف على القلق والخوف اللي سببته ليكي." أمسكت

يديه وقبلته وقالت برقة: "أنا كنت خايفة وأنت بعيد عني. لكن أول ما شفتك الخوف راح." "مش زعلانة مني؟ "أنا مقدرش أزعل منك. أنت حبيبي وجوزي." *** صاحت صفية بعصبية: "أنتي مطرودة ومشفتش وشك هنا تاني." سعدة بتوسل: "أبوس إيدك يا ستي. والله أنا كنت عايزة أساعدك. لما شوفتك زعلانة من جواز سي زاهر." ارتسم على

وجهها ندم هائل وهي تقول: "مش هقول غير روحي منك لله وياريتني ما سمعت كلامك ومشيت وراكي. أهو ابني راقد في المستشفى في غيبوبة وكله من ورا سمعاني كلامك. روحي للشيخ فرحات هيعملك عمل يريح قلبك ويبعد مراته عنه. ابني اللي اتأذى من الحكاية دي." ثم هتفت بلوعة محترقة: "آآآه يابني، أنا السبب." بلهجة مترجية: "بلاش تطرديني يا ستي."

صفية بلهجة مليئة بالألم: "الكلام اللي قولت عليه يتنفذ، وما أشوفش وشك في البيت هنا تاني. اطلعي براااااا." انحنت سعدة رأسها لتقبل كف صفية، لكنها نهرتها بعنف وصاحت في وجهها: "براااا." كان ناصر في الخارج. سمع كل كلامهم. لم يستوعب للحظات ما سمع. ازدرد ريقه بصعوبة. تملكه غضب عارم. دخل إلى الغرفة مسرعًا. نظرت له صفية وسعدة برعب. صفية بلهجة مفزوعة مرتبكة: أنت كنت في المستشفى... أيه اللي جابك دلوقتي؟ نظر لها بوجه محمر

من الغضب ثم هتف بانفعال: جيت عشان أعرف حقيقتك ياصفية... طب سعدة جاهلة... أنتي أيه مبررك؟ سحر بتلجأ للسحر ياصفية... ليه متعرفيش أن السحر حرام وأنه من السبع موبقات؟ ضرب كف على كف بقوة: لا حول ولا قوة إلا بالله... سحر سحر ياصفية... لجئتي للسحر عشان تفرقي بين ابنك ومراته؟ أهو ابنك هيضيع بسبب أفعالك... وبتسألي جيت بدري ليه؟ عشان أقولك أخر المصايب... بيسان كانت حامل وسقطت. أنسالت الدموع على وجنتيها

في صمت وهي تسمع كلامه: الحفيد اللي كنتي بتتمنيه مات بسببك قبل مايشوف النور. لمعت عيناه بالدموع ثم قال بألم: الحفيد اللي كنت بتمناه أنا كمان مات... ويا عالم ابني هيفوق من غيبوبته ولا إيه؟ انتفضت في مكانها قائلة ببكاء: متقولش عليه كده... هيقوم وهيخف. صاح بألم: مش باين هيقوم فيها... لمي هدومك ياصفية وروحي على بيت أهلك. صفيه بدموع متوسلة: خليني هنا ياناصر. صاح في وجهها: أمشي ياصفية... بدل ماأرمي عليكي اليمين دلوقتي...

روحي عند أهلك وهيبقا ليا معاهم قعدة بعدين. قالت بتوسل: ميبقاش زاهر وأنت كمان. -أنتي السبب. ثم هتف بألم: أنتي السبب... أمشي ياصفية. ونظر إلى سعدة بغضب مميت: وأنتي مشوفش وشك هنا ولا بالقرب من أي مكان أكون موجود فيه. ***

حاولت زهرة نسيان آلامها. الأيام التالية على تواجدها في هذا المكان مع أطفالها كانت كفيلة بتخفيف ألمها ومعاناتها. من أجل راحتهم وسعادتهم بالتأكيد ستنسى مع الأيام جراحها. من أجلهم، من أجل سعادتهم وراحتهم هم... أهم لديها من سعادتها هي.

كانت زهرة تقوم بتقليب التربة والحفر. من أجل زراعة عدد من النباتات. وهي تحفر ألقت نظرة عليهم بحب وحنان وهما يساعدنها بالحفر. وصغار مايش يقومون باللهو بجوارهم. شعرت في هذه اللحظة أنها تملك الكون وهي ترى تورد ملامح وجههم بالمرح والسرور. ابتسمت لرؤية ابتسامتهم. تألق وجه أياد وقال بحماس: خلاص خلصت. ونفض يديه بمرح. قال وليد بابتسامة: وأنا كمان خلصت. ردت زهرة بابتسامة: وأنا كمان. وليد وأياد

بمرح طفولي في وقت واحد: هنعمل إيه تاني؟ بلهجة سعيدة قالت: هنسقي الزرع بالمية وكل يوم هنسقيه ميه... عشان الزرع يكبر ويطلع ورد... وكل واحد ليه زرعة واحدة دي هتبقا بتاعته هو اللي هيهتم بيها. وأشار كل واحد فيهم إلى البنات الذي سيقوم براعايتها والاهتمام بها. وبعد الانتهاء من سقي النباتات. قالت زهرة بابتسامة هادئة: يلا ندخل عشان تستحمو... زمانكم تعبتوا من كتر اللعب. وليد وأياد برفض في وقت واحد: بس إحنا مش تعبنا لسه.

-بس أنا تعبت وعايزة أرتاح. -خلاص إحنا هندخل بس بشرط. وغمز إلى شقيقه أياد. رأت غمزة العين فابتسمت قائلة: اتفقتوا على إيه من ورايا. وليد بخجل: شوفتك بترقصي. قاطع أياد كلامه: هو قال رقصك أحلى وأنا بقوله رقص سنوايت أحلى. وليد بابتسامة خجولة: بترقصي أحلى منها... ممكن توريه؟ قرصت أذن وليد بخفة وقالت بضحك: عيب تبص على حد. همس بخفوت: مانا خبطت وإنتي مش حسيتي. همست هي الأخرى: لو كان كده أنت مش غلطان...

أنا لما برقص بنسى الدنيا واللي فيها... بطلع كل خنقتي وضيقي. وليد بلهجة طفولية: خليه يشوف أن رقصك أحلى. هزت رأسها بصمت ثم قالت بمرح: رقصي أحلى بكتير من رقص سنووايت. بقدمين حافيتين لمست الأرض بخفة. رقصت وبعد لحظات اندمجت بروحها وكامل حواسها.

عند ذلك الوقت توقفت سيارته أمام بوابة الفيلا. لفت انتباهه صوتهم المرح. تصلب في مكانه عندما رآها من على بعد. اقترب منها كالمغيب حتى أصبح على عدة خطوات منها. كانت حركاتها الراقصة رائعة. خفيفة. مبدعة. مثيرة. كان الفرح يشع من عينيها. كانت تدور بسرعة هائلة فتحولت إلى فراشة مرحة مثيرة. شخصيتها نابضة بالحب. انتفض في مكانه فلأول مرة يرى السعادة في عينيها. لم تنتبه لوجوده، فكانت في عالمها الخاص.

شعر بقلبه يصحو من سباته، ينتفض بعنف. رآها زنبقة تتمايل بقدها، ترقص حافية القدمين. كالمنوم مغناطيسياً، وبدون إرادة منه خطى باتجاهها، يريد الارتواء من رحيقها. تملكها إحساس غير مريح، شيء أخبرها بوجود عيون أخرى تتلصص، نظرات غير مرغوبة. توقفت عن الرقص، تسمرت مكانها عندما رأته أمامها مباشرة. شاهدها بأكثر من شكل، والآن هي ريشة تلهو بها الأمواج الهادرة. حاول الوصول إليها، لكن الأمواج الغاضبة المنبعثة من داخل عينيها منعته.

قالت بانفعال: "إيه اللي جابك دلوقتي؟ رد عليها بهدوء ظاهري لا يعكس ما بداخله من أشواق متقدة: "كنت جاي أشوف الولاد قبل ما أسافر." وليد بفضول: "هتركب طيارة؟ "أيوه، هركب طيارة." "طيارة بتطير في الهوا؟ "أيوه يا وليد، طيارة حقيقية." وليد مكرراً كلامه: "حقيقية حقيقية." ابتسم أكنان بهدوء: "أيوه يا وليد." وليد وأياد في وقت واحد: "خدنا معاك، نفسنا نركب طيارة." رد عليهم بلهجة ثابتة: "المرة الجاية." وليد برجاء: "خليها المرة دي."

رد عليهم بلهجة حازمة: "قلت المرة الجاية يبقى المرة الجاية." ثم احتضنهم وقال برقة: "هتوحشوني أوي." الصغيران في نفس واحد: "وأنت كمان." نظرت زهرة إلى أطفالها وقالت بابتسامة: "يلا عشان نستحمى ونغير هدومنا اللي اتوسخت." ثم انحنت وحملت صغار ماشا. تحركت وتحرك كلا الصغيرين معها. نادى أكنان قائلاً: "خلي بالك من نفسك ومن الولاد." أدارت له ظهرها ولم تكلف نفسها عناء الرد عليه.

ارتسمت على وجهها ملامح عابسة ثم زمت شفتيها بضيق، داعية أن تتحمل رؤيتها دون أن ينقبض قلبها. اختفت ابتسامته الهادئة وهي تمشي مبتعدة عنه. انهار تماسكه، محدثاً نفسه بحزن: "إلى متى؟ إلى متى سأتحمل؟ *** تعلق بصر ناصر على حجرة الأشعة، منتظراً خروج الطبيب بالأشعة الجديدة. انفتح الباب وخرج الطبيب. لم ينتظر قدوم الطبيب إليه، فتحرك مسرعاً باتجاهه. هتف ناصر بانفعال: "طمني يادكتور." قال الطبيب بلهجة مطمئنة: "خير إن شاء الله."

سأل ناصر بإصرار: "أنت بتقول خير، هيفوق إمتى؟ قول لي هو هيفوق إمتى." قال الطبيب بهدوء: "الأمل كبير إن شاء الله." ناصر بلهجة مترجية: "طمني يادكتور، ما دام الأمل كبير ليه هو لحد النهاردة في الغيبوبة؟ هو في حاجة وأنت مخبيها عني؟ هز الطبيب رأسه نافياً: "مفيش حاجة، والأشعة اللي في إيدي بتقول إنه بيتحسن والورم حجمه قل عن الأول. الموضوع محتاج وقت واصبر لحد ما يفوق." ناصر بلهجة منفعلة: "هيفوق إمتى؟ أعرف ابني هيفوق إمتى؟ حاول

الطبيب تهدئة من روعه فقال: "ابنك مش أول حالة تقابلنا، في أكتر من حالة كانت نفس نظام ابنك، ومع العلاج فاقت من غيبوبتها." كرر ناصر سؤاله: "إمتى هيفوق؟ رد الطبيب: "معرفش إمتى." صمت للحظات ثم قال: "خلاص، اعمله العملية." الطبيب بلهجة عملية: "العملية خطر عليه. إحنا منتظرين نشوف هيفوق ولا لأ من غيبوبته، والعملية هتكون آخر حل قصادنا لو استمر في غيبوبته كتير. أنت قصادك حلين، يا الصبر يا المخاطرة، والكلمة الأخيرة راجعة ليك."

تقلصت ملامح وجهه بالألم ثم قال: "أنا قصاد حلين أصعب من بعض." قال الطبيب بهدوء: "هقول كلامي تاني، خلي العملية آخر حاجة. وهقولك حاجة كمان، الكلام اللي هقوله ليك، الدراسات اللي فيه مش مؤكدة." سأل ناصر بحيرة: "كلام إيه؟

"العامل النفسي ممكن يكون ليه دور إنه يفوق من غيبوبته بجانب العلاج. اقعد معاه، كلمه في أي حاجة. الأشخاص المقربين ليه يقعدوا ويتكلموا معاه. الشخص اللي في غيبوبة بالرغم إنه مش بيحس ولا بيشعر بأي مؤثر خارجي، بس في بعض الحالات ممكن الأشخاص دول الكلام ده يوصل لعقلهم، ويكون سبب في شفائهم. حاول تتواصل معاه، اتكلم، ممكن يفوق. ودي نصيحة مني ليك." ثم تركه الطبيب مغادراً. دخل ناصر إلى غرفة ابنه وأخذ ينظر له بحزن.

فقد بهتت ملامح وجهه وهزل جسده. ارتسم على وجهه حزن هائل، فهو يرى ابنه يفقده أمام عينيه. لمعت الدموع بداخلهم وهو يتذكر ما حدث في منزله. جذب الكرسي واقترب به من الفراش، وربت برفق على كف ابنه، قائلاً

بحزن: "فوق يا قلب أبوك، فوق ومتسبنيش لوحدي. لو سبتني والله ما أقدر أعيش يوم من غيرك. فوق عشان خاطر مراتك وحبيبتك اللي بتعشقها. هي كمان محتاجة وجودك معاها. مراتك كانت حامل وسقطت. إن شاء الله لما تفوق وهي تخف من اللي فيه، ربنا هيرزقكم بأطفال كتير. مش عارف هقدر أسيبك وأروح لها إزاي، بس لازم أروح لها عشان أقف معاها وأفك السحر اللي معمول لها، عشان ترجع لك بيسان بتاعت زمان، بيسان اللي بتحبك."

تسمر أكنان في مكانه عندما سمع ما قاله ناصر. التفت خلفه عندما أصوات تقترب منه. أكنان بصدمة: "الكلام اللي سمعته ده حقيقي؟ طب إزاي والكلام ده بجد وحقيقي؟ وبيسان اللي فيها بسبب سحر معمول لها؟ هز رأسه رافضاً ما سمع: "مستحيل." تطلع إليه ناصر بنظرة متألمة: "تعالى نتكلم برا أحسن." في خارج الغرفة. احتدم فيه أكنان قائلاً: "سحر؟ هو الكلام ده بجد؟ تردد قليلاً

ثم أجابه: "أيوه، للأسف. اللي مرت بيه بيسان ملهوش إجابة غير كده. بيسان اتغيرت تماماً، وبعد ما كانت بتحبه، بقت تكره تشوف وشه وتسمع صوته. سابته لوحده مريض وهو في أشد احتياج ليها. فضلت أسأل نفسي السؤال ده كتير: ليه نظرات الخوف والكراهية اللي كانت بتبص له؟ ليه؟ كتير اتكررت في دماغي، لحد ما عرفت السبب النهاردة، بسبب السحر اللي اتعمل لها." أصابه الذهول من كلامه. صمت للحظات مفكراً، فهو سأل نفسه نفس السؤال عن سبب تحول بيسان.

فكر في كثير من الإجابات، ولكن لم يخطر على باله هذا أبداً. أيعقل أن يكون هذا السبب في تغير ومرض أخته؟ صرخ فيه قائلاً: "مين اللي عمل فيها كده؟ غمغم بألم: "دلوقتي متفرقش مين اللي عمل فيها كده، المهم إنها تخف، ده الأهم بالنسبة لينا." رفض أكنان قائلاً بإصرار: "قولي مين اللي عمل فيها كده." عرف ناصر جيداً أنه لن يترك سؤاله دون إجابة. تنهد بحزن: "أمه وسعادة الشغالة عندنا هما اللي عملوا لها سحر عشان يفرقوا بينها وبين جوزها."

انتفض أكنان من هول ما سمع، صرخ في وجهه مستنكراً: "أمه؟ ليه؟ ليه؟ لمعت عينيه بالدموع وهمس بصوت مسموع: "غيرة. الغيرة عمت قلبها، وخلتها تمشي في طريق الكفر." ضرب أكنان كفيه ببعض، هتف بغضب: "يااه، تدمر حياة اثنين عشان الغيرة." وأشار بيديه بتهديد: "أنا مش هسكت على اللي حصل، وحق أختي وهخده منكم كلكم. أختي كانت أمانة عندكم، وأنتم معرفتوش تحافظوا على الأمانة." تطلع

إليه ناصر بنظرة حزينة: "حقك تعمل اللي أنت عايزه. بس خلينا دلوقتي في بيسان. أنا هسافر معاك، أشوف لها شيخ معروف في فك الأسحار." نظر إليه بغضب: "مش عايزك تيجي معايا. كفاية اللي حصل بسببكم. أنا هتصرف وهشوف لها أحسن واحد." ثم تركه بخطى غاضبة. *** بينما يتحدث في الهاتف، جلست بجواره تتأمله. أنهى كريم الاتصال، ولكنها كانت شاردة وهي تتأمله. قال لها بابتسامة: "الجميلة سرحانة في إيه؟

نظرت له بحب: "سرحانة فيك، مش مصدقة السعادة اللي أنا فيها." ربت على كتفها وقال بلهجة مداعبة: "طبعاً لازم تسرحي فيه، هو أنا في زيي؟ ضحكت بخفة على كلامه: "هعمل لك أي حاجة يا ضحى عشان أخليكي سعيدة ديما." قبلته برقة على خده: "بحبك." همس بابتسامة: "مش أكتر مني." حضنها برقة. الرقة تحولت بينهم إلى عاطفة مشتعلة، جرفتهم إلى عالم مميز خاص بهم. رن هاتفه، فتمتم بعبوس: "هو التليفون ده مش هيبطل رن."

بمجرد فتح الهاتف، سمع صوت أكنان المنفعل. كريم بلهجة قلقة: "إيه يا أكنان؟ بدأ أكنان في سرد ما حدث. كريم بعدم تصديق: "معقولة؟ أكنان بلهجة غاضبة: "وأنا كمان مش مصدق اللي حصل. ملقتش غيرك أكلمه. أول ما أنزل من الطيارة، هشوف شيخ معروف في المواضيع دي، وهطلع بيه على المستشفى على طول." ثم أغلق الهاتف. هتف كريم لكي لا يغلق المكالمة. ارتسم الذهول على وجهه. سألته ضحى في لهفة: "مالك يا كريم؟

برقت عيناه وقال: "كلام أكنان مش قادر أصدقه." أستحثته قائلة: "كلام إيه؟ "إن السبب مرض بيسان وكرهها لزاهر إن حماتها عملت لها سحر عشان تفرقهم. بيسان كانت بتحب زاهر أوي ومرة واحدة اتغيرت." "أنت قولت إنها بتحبه." "دي كانت بتعشقه، وكله على يدي. دي عملت كل حاجة عشان يعترف لها بحبه. وفي أقل من أسبوعين جواز، الحب ده اتحول لكره ملوش مبرر، وسابته وهو في غيبوبة."

تطلعت إليه للحظات ثم قالت: "بتحصل يا كريم، والموضوع ده انتشر أوي الفترة دي. في ناس بتلجأ للدجالين عشان مصالحهم. في شيخ بابا يعرفه، قول لي موافق آخد نمرته منه يروح يشوفها." هز رأسه مفكراً: "مش عارف، لحد دلوقتي مش قادر أقتنع بالكلام اللي بيقوله."

قالت ضحى بهدوء: "جرب، مش هتخسر حاجة. الشيخ علاجه كله بالقرآن، يعني مفيش ضرر. الشيخ ده كويس أوي ومعروف إنه شاطر في الرقية الشرعية وبيعرف يفك السحر. على فكرة السحر موجود، بس إحنا اللي عاملين نفسنا مش شايفين ومش عايزين نقتنع بوجوده. والسحرة السحرة اللي بجد دول مش كتير، بس وجودهم واقع وبيمارسوا السحر." قال كريم: "هاتي من والدك عنوانه بسرعة، وأنا هتصل بأكنان وأقوله إني هجيب واحد معايا يشوفها."

أنصرف كريم منطلقاً إلى العنوان الذي أخذه من ضحى. *** في غرفتها وبجوار فراشها. أخذ يتلو الشيخ آيات من سورة مريم ثم سورة الرحمن. أخذ جسدها ينتفض بعنف وهي نائمة، تحت نظرات الجميع. لا يستطيعون تصديق أعينهم. استمر الشيخ في تلاوته وجسدها لا يتوقف عن الارتعاش. همس كريم بصدمة: "لآخر لحظة مكنتش مصدق." هزت جيلان رأسها مرعوبة. فعندما قال أكنان لها سبب مرض بيسان، قالت عليه مجنون. عندما انتهى الشيخ،

قال بهدوء للجميع: "هي معمول لها أكتر من عمل، ومن ضمنهم عمل شربته أو أكلته. أنا دلوقتي رقيتها وحصنتها. ولما تخف وتخرج من المستشفى، محتاجة جلسة كمان عشان العمل اللي شربته. دلوقتي مينفعش لما تخف." وقام الشيخ بإعطائهم عدة تعليمات ثم انصرف مغادراً. وبعد أن اطمأنوا عليها، تركوها نائمة في سبات عميق، فهي لم تكن واعية لما يحدث لها. في غيبوبته، وجد نفسه في مكان غريب. سأل نفسه... أين أنا؟

صمت مطبق يحيط به، فراغ تام، إلا من نور خافت آخر الممر. وجد نفسه مدفوعًا بالتحرك تجاه هذا الضوء. سمع صوتها مناديًا: "زااااااهر". هرول مسرعًا تجاه الصوت. وفجأة اختفى الصوت ووجد نفسه موجودًا في لا مكان. في غرفتها، انتفضت جيلان في مقعدها عندما سمعت صوت بيسان مناديًا باسمه: "زااااااهر". اقتربت منها مسرعة فوجدتها مازالت نائمة.

قادته قدماه إلى الفيلا. وجد نفسه متوقفًا بالسيارة أمام الفيلا. دلف إلى الداخل. استغرب من رؤية الباب مفتوحًا على مصراعيه. انقبض قلبه وإحساسه بوجود شيء غير مريح في الأجواء. سمع تمتمات خافتة صادرة من المطبخ. اتسعت عيناه بذهول وهو يرى الخادمة مقيدة ومكممة الفاه. نزع الكمامة بسرعة وبمجرد نزعها هتفت صارخة بأعلى صوتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...