بعد مضي فترة من الوقت، كان أكنان في قمة توتره. بمجرد دخول همام، هتف بانفعال: "عرفت المكالمة جايه منين." رد همام بنفي: "لأ معرفناش، المكالمة مموهة عن طريق الأقمار الصناعية." أكنان بغضب هائل: "أزاي معرفتوش المكان؟ أجاب همام بارتباك: "مستحيل نعرف طريقها، للأسف يا أكنان بيه." رن هاتف أكنان معلناً وصول رسالة له. فتح الرسالة وجلس.
بسرعة التفت أكنان بمقعده بحدة ونظر للتسجيل بتركيز، وقد علت ملامح التفكير العميق على وجهه، وهو يعيد التسجيل مراراً وتكراراً. تارة ينظر إلى الفراغ وتارة إلى الفيديو. وعندما انتهى الفيديو، وقف منتفضاً في مكانه وأخذ يضرب بكلتا يديه بعنف على سطح المكتب، وأخذ يصيح بغضب هادر: "عايز دينا عندي بأي طريقة." ارتعب الكل، وقال أحدهم: "حاضر يا أكنان بيه." بمجرد خروجهم، قام بالاتصال بكريم.
استيقظ كريم من نومه على رنين الهاتف. نظر إلى الشاشة فوجد المتصل أكنان. حدث نفسه: "خير، ماهي المصايب مش بتوقف." قال كريم باستفسار: "خير يا أكنان." رد عليه بلهجة منفعلة: "مفيش خير خالص يا كريم، الواطي شهاب خطف مراتي والولاد." تلاشى النوم من عينيه، ونهض على الفراش جالساً. استيقظت ضحى هي الأخرى، نظرت له بقلق ثم سألته مستفهمة: "فيه إيه يا كريم." أشار لها بيديه ثم أكمل كلامه: "أزاي حصل وأمتى."
"بعدين يا كريم، عايزك تجيلي الفيلا دلوقتي وتتصل بكل معارفك في الداخلية، عشان لما نروح المكان اللي خاطفهم فيه، نكون متجهزين من كله." "مسافة السكة وهكون عندك." سألت ضحى بقلق: "ماتقولي حصل إيه، طمنيني يا كريم." كريم بملامح عابسة: "مرات أكنان وولاده اتخطفوا، والخاطف منافس لأكنان." شعرت ضحى بأن قدميها لا تستطيع حملها، فجلست على الفراش، وقالت بانهيار: "زهرة وولادها اتخطفوا، آآه يا زهرة مش مكتوبلك تفرحي في حياتك."
لم يستوعب كلامها، فقال مستفسراً: "زهرة اللي هي مين بالظبط." تنهدت بألم وقالت بشرود: "زهرة مرات أكنان." جلس بالقرب منها وسأل: "ثواني كده يا ضحى، أنا مش فاهم ولا كلمة من اللي بتقوليه، خلي كلامك أوضح." قالت برجاء وهي تفرك أصابع يديها بشدة: "أوعدني يا كريم إنكم ترجعوا زهرة هي والولاد، أوعدني." انسابت دموعها وهي تتوسله. مرر أصابعه في شعرها وقال: "أوعدك يا ضحى، أوعدك إنها ترجع هي والولاد. قوليلي إيه الحكاية بالظبط."
بلهجة خافتة متألمة: "هقولك يا كريم." وبدأت تحكي حكاية زهرة مع أكنان حتى وقتنا الحالي. هتف بصدمة: "ياآه، كل ده حصل ليها، دي تعبت أوي في حياتها، وإزاي أكنان يعمل فيها كده." ردت بلهجة كئيبة: "خلاص، مش وقته الكلام ده، المهم دلوقتي إنك تساعده ومش يجرالها حاجة. زهرة أكتر من أخت ليا ووافقت معايا كتير." دموعها انسالت بغزارة على وجنتيها. مسح بأصابعه دموعها وقال برقة:
"دموعك غالية عليكي يا غالية، أوعدك زهرة والولاد هيكونوا في بيتهم النهاردة." ابتسمت من بين دموعها: "بجد هترجع النهاردة." قبلها على وجنتيها: "طبعاً، همشي وأسيبك دلوقتي." "متنساش تطمنيني يا كريم." "أول ما أرجع، هتصل بيكي علطول." في الفيلا عند أكنان، كانت دينا مقيدة القدمين واليدين على الكرسي. وأمامها أكنان وكريم. أكنان بغضب هادر: "هتقولي العنوان اللي مخبين فيه مراتي وولادي، ولا أسيب رجالي يقوموا معاكي بالواجب."
كانت تلهث من الخوف: "أنا معرفش حاجة، أنا أصلاً معرفش إنك متجوز." قال بضحكة شريرة: "بلاش لف ودوران يا دينا، قولي المكان اللي خاطفينهم فيه بالذوق، لحد اللحظة دي وبالي طويل معاكي ومستعملتش العنف." بدأت دينا في البكاء: "معرفش، معرفش." لاحت ابتسامة قاسية على وجهه ثم قال: "تعرفي مكانهم فين." وقام بوضع شاشة الهاتف وعمل زوم على نقطة معينة، وأشار بيديه: "مش ده بردو الخاتم اللي كنت مديهولك هدية؟
بيعمل إيه في الأوضة اللي خاطفين فيها مراتي وولادي." نظرت بعينيها إلى أصبعها فوجدته فارغاً. تذكرت عندما ضربتها بالقلم على وجهها. الرعب ملأها خوفاً وكاد يقتلها. توسلت له: "أناااا، أناااا مليش دعوة." صاح فيها كريم بصوت عالٍ أرعبها: "قولي العنوان." ثم أشار للحارس بإدخال الكلب. الحارس أدخل الكلب، كان أسود اللون ضخم الحجم. ارتعبت دينا من رؤيته ووجهها لمع بحبيبات العرق. قال أكنان مكملاً:
"لو مقولتيش العنوان دلوقتي، هسيب عليكي الكلب ينهش في لحمك اللي يستاهل يتقطع بسبب اللي عملتيه إنتي وشهاب." أوقف الحارس الكلب أمامها الذي نبح بصوت عالٍ ومخيف واللعاب انساب من جانب فمه. بصوت مرتجف: "هقول العنوان، بس ابعدوا الكلب ده من وشي." أشار أكنان للحارس، فقام بإبعاد الكلب وصاح فيها بقوة: "قولي." "حاضر." وقامت بإعطائه العنوان وخريطة تفصيلية بالمكان وبعدد الحراس وبالمكان الموجودة فيه زهرة. وقبل خروجهم، قال للحارس:
"خلي الكلب معاها في الأوضة." وغمز لها. وبخطوات مسرعة، خرج أكنان وكريم من الغرفة. أخرج كريم هاتفه مباشرة وقام بالاتصال باللواء مدير مديرية الأمن. وعندما أغلق هاتفه. بأنفاس متوترة، قال أكنان للرجال المتواجدين أمامه: "مش عايز أي أخطاء، إحنا هنطلع ومعانا قوات من الداخلية."
أخذ أكنان نفساً عميقاً ليهدأ من خوفه وتوترة. شرد ذهنه في زهرة وأطفاله ومدى خوفهم في الوقت الراهن وهو ليس بيديه حيلة. وشعور عارم بالغضب أخذ يتأكله من الداخل لأنه لم يستطع حمايتهم. قطع شروده صوت كريم: "يلا يا أكنان، العربيات جاهزة." داخل غرفة زاهر في المستشفى، بمجرد إعلام صفية باستيقاظ ابنها، ذهبت إليه مسرعة.
شعر زاهر بوجود شيء بينهم، فكل منهما يتجنب النظر إلى الآخر، لكنه لم يعلق، فكل تفكيره مع بيسان التي لم يرها حتى الآن. قلبه أخذ في الانتفاض كلما يتذكر محادثتها مع كريم. صفية بلهفة وهي تمرر يديها برقة على رأسه: "إن شاء الله هتبقى زي الفل." ثم أردفت بحزن: "يارتني أنا اللي كنت مكانك." أمسك يديها وقال: "بعد الشر عليكي يا أم زاهر، هو إحنا ليكي بركة غيرك." ناصر أخذ ينفخ بغضب وهو واقف، متمتماً بضيق:
"ندمانة يا صفية، بس بعد إيه." مسحت صفية دمعة نزلت على خدها، لا تدري خوفاً من معرفة زاهر بما فعلته أم شعور بالذنب. وقالت وهي تحاول إخفاء دموعها: "خارجة أجيب حاجة من بره." ونهضت من مكانها. أوقفها زاهر قائلاً بقلق: "بتعيطي ليه دلوقتي." ردت بابتسامة متألمة: "مبسوطة إنك فوقت." مرت بالقرب من ناصر، همست له برجاء: "متقولش على اللي عملته، أنا ممكن أخسره." قال بحدة: "خلاص اطمنتِ عليه، مش عايزة أشوفك هنا تاني." صفية باستعطاف:
"عشان خاطر العشرة اللي بينا يا ناصر." "امشي يا صفية، على فكرة أخوها سمع كل حاجة ولو مقولتش ليه أنا، هو هيقولها. ومتجيش هنا تاني وروحي لأهلك، مش خلاص اطمنتِ عليه." نكست رأسها بيأس ثم خرجت من الغرفة. أقترب ناصر من ابنه. رفع زاهر إحدى حاجبيه وسأل: "هو فيه إيه بينكم بالظبط." "مفيش حاجة يا زاهر." "طب لما تيجي هسألها إيه اللي بينكم." "أمك روحت البيت." قال مستنكراً: "روحت؟ باين على الموضوع كبير." رد عليه بابتسامة شاحبة:
"هتعرف كل حاجة بعدين، لما تخرج من المستشفى." أشار زاهر إلى السرير: "تعالى اقعد جنبي، وقولي فيه إيه بالظبط. ليه كل ما أسألك على أي حاجة تتهرب مني." جلس ناصر بجواره وقال: "مش بتهرب بس مش وقته." قال بصوت يكسوه الحزن: "طب وبيسان، كل ما أسألك عليها تقولي بعدين." "هقولك كل حاجة لما الدكتور يطمنا على صحتك." "أنا شفت بيسان." "شفتها إزاي يعني." قال بتردد: "حلمت بيها وكان شكلها تعبان." رد بقلق: "حلمت بيها إزاي." نظر له بشرود:
"كنت بتستنجد بيا، مع إن آخر مرة سمعت منها كلام كسرني نصين، سمعتها بتقول كلام صعب أوي." لمعت عينيه بالدموع عندما تذكر. "ماتريح قلبي وتقولي هي فين." "بيسان سبتني صح؟ بس إزاي وأنا بحلم بيها وهي بتستنجد بيا؟ أنا تعبت من كتر التفكير." نظر ناصر إلى سقف الغرفة في تفويض: "يارب." أمسك زاهر رأسه: "آآه." انتفض ناصر في مكانه: "مالك، أنادي لك الدكتور." أردف بحزن:
"صداع من التفكير." ثم أمسك يد والده لتقبيلها. قال متوسلاً: "قولي حصل إيه." قال بلهجة مستسلمة: "بيسان بتحبك، ولو سمعت منها حاجة وحشة يبقى غصب عنها." هتف بانفعال: "أومال مشوفتهاش لحد دلوقتي ليه." حاول تهدئته: "للأسف بيسان في المستشفى عشان كده مشوفتوهاش لحد دلوقتي." ارتعش قلبه، انتفض جسده، فحبيبته مريضة. سأل بقلق: "حصلها إيه." نظر له بحزن، فما حدث سيكون بالنسبة له صدمة قاسية في أمه وفي زوجته عندما يعلم ما حدث لها.
أردف بحزن: "الغيرة وحشة، ممكن تخلي البني آدم يرتكب أي ذنب، أي معصية." قال بعدم فهم: "تقصد إيه بكلامك." بلع ريقه بصعوبة ونظر تجاهه بشفقة: "أمك كانت غيرانة من بيسان، وبسبب الغيرة عملت ليها سحر عشان تفرقكم من بعض، وده كان سبب بعد بيسان عنك." لم يصدق أذنيه في بادئ الأمر. سأل برفض: "أمي عملت سحر لبيسان." ناصر رأسه في صمت ثم قال: "أيوه." ارتجف جسده من شدة صدمته. هز رأسه برفض ثم صاح بألم: "آآه." سأل بقلق: "زاهر."
نظر له والدموع محتبسة بداخل عينيه: "سيبني الله يخليك دلوقتي، عايز أقعد شوية مع نفسي." قام ناصر من مكانه على مضض بعد توسل زاهر له لكي ينصرف. بمجرد خروج والده هتف بعذاب: "آآه." كانت ضحى تشعر بالتوتر في كل لحظة تمر، وحتى الآن لم يتصل بها كريم ليطمئنها. سمعت رنين جرس الباب، انتفضت في جلستها فهي لا تتوقع مجيء أحد. نهضت من مكانها متوترة وذهبت لكي تفتح الباب. تفاجئت بأم زوجها أمامها. قالت ضحى مبتسمة:
"الدنيا نورت بوجودك." ومدت ذراعيها لاحتضانها، لكنها تراجعت خطوة للخلف مبتعدة. شعرت ضحى بالإهانة وساد الصمت بينهم للحظات، قاطعته قائلة بابتسامة باهتة: "مش معقولة هنفضل واقفين على الباب." قادتها ضحى إلى غرفة الاستقبال. لوت نيروز شفتيها بامتعاض وهي تتأمل الأثاث والستائر والصور المعلقة، ثم تأملت ضحى وقالت: "أكيد ده ذوقك، مفيش تناسق خالص." ابتلعت إهاناتها للمرة الثانية وقالت بهدوء: "تشربي إيه."
جلست نيروز على الكرسي ووضعت ساقاً فوق أخرى قبل الرد: "مش بشرب من أي حد مش واثقة في نضافته." لم تظهر انزعاجها رغم أنها كانت تستعر غضباً من الداخل، فقالت بابتسامة خالية من الود: "اللي يريحك يا ماما." زمت شفتيها بضيق: "بلاش كلمة ماما، مش بحبها." جزت على أسنانها وسألت: "أومال أقول لحضرتك إيه." "نيروز، قولي نيروز وبس." "ياترى ممكن أعرف سبب الزيارة السعيدة."
"بصي بصراحة، أولاً أنا مش جايلك، أنا جايه لكريم، فقولت أجي ليه هنا بنفسي." ضحى بهدوء مفتعل: "للأسف يا نيروز، كريم مش هنا." نيروز باستفسار: "أومال هو فين." هزت رأسها نافية: "معرفش." قالت بحدة: "إزاي متعرفيش، بلاش كدب." جزت على أسنانها بحدة: "معرفش، لما يجي هقوله حضرتك كنتِ بتسألي عليه." بعد إذنك دقايق هعمل حاجة وجاية، اعتبري البيت بيتك. ثم انصرفت، وبمجرد خروجها أسندت ظهرها على الباب وتنفست بعمق.
وحدثت نفسها: "يانهار أبيض، وأنا هعيش معاها إزاي، ربنا يعدي الأيام الجاية على خير. أنا هغسل وشي أنسى الدش البارد اللي أخدته جوه." وفي الداخل، هبت نيروز من مكانها غاضبة، متمتمة بانفعال: "متعرفش عليا بردو الكلام ده، بنت الـ... أما أوراتك."
انفعلت بشدة لدرجة احمر وجهها من شدة الغضب، وفي خلال ذلك شعرت بنهجان. تنفست بصعوبة فأغمضت عينيها في محاولة لاستعادة هدوئها، لكنها فشلت. شعرت بانقباض في حلقها والهواء ينفذ. حاولت التحرك ناحية الباب. بمجرد دخول ضحى الغرفة، انصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل، فقالت بخوف: "مالك يا نيروز." وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت باتجاه الخارج وبصوت متقطع: "مش عارفة أتنفس."
حاوطت قوات الشرطة والعربات المصفحة ورجال أكنان المكان، وفي خلال لحظات اقتحمت الشرطة القصر، وتوغل الرجال بالداخل كالطوفان مستغلين عنصر المفاجأة. وتم إلقاء القنابل المسيلة للدموع، والتقط أحد الضباط ميكروفوناً قائلاً بهدير: "سلموا نفسكم، المكان محاصر." كان شهاب في مكتبه عندما سمع أصوات إطلاق النيران وصوت يأمره بتسليم نفسه. فهب هارباً من مكتبه باتجاه غرفتها، فهي وسيلة خروجه الوحيدة الآن من هذا المكان.
أما زهرة، ففزعت وانتفضت في مكانها وشددت من احتضان طفليها. توجهت إلى الشرفة فوجدت من يسقط مصاباً غارقاً في دمه. وضعت يديها على فمها وسالت دموع الخوف على وجنتيها. وما زاد ذعرها صوت الطرق العنيف على الباب. انزوت زهرة هي وأطفالها في الزاوية، وحاولت التكلم بهدوء عندما سمعت بكائهم: "كل واحد يغمض عينيه ويفتكر حاجة بيحبها، وأنا كمان هغمض عينيا."
سمعت فجأة صوتاً مدوياً وانفتح باب الغرفة على مصرعيه، وما إن رأته حتى هبت واقفة في مكانها. أقترب منها أكنان مسرعاً. ألقت نفسها عليه وبكت. شدد من احتضانه عليها وعلى أطفاله وقال مهدئاً: "بقيتي في أمان إنتي والولاد، يلا بينا نخرج من هنا." وأخذ يحدثهم بلهجة هادئة.
وهما في الخارج، حاول شهاب الهروب من قبضة الشرطي، وبمجرد رؤيته لأكنان ومع زوجته وأولاده تملكه الجنون. فهو خسر كل شيء وأكنان فاز في النهاية. وفي تلك اللحظة استطاع فك يديه وفي سرعة جنونية انتزع المسدس من جراب الشرطي وصرخ في وجهه قائلاً: "مش هسيبك تفوز عليا." ثم أشهر المسدس وأطلق النار. واختلطت أصوات الطلقات بأصوات صراخ وهمهمات متألمة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!