الفصل 32 | من 33 فصل

رواية زهرة لكن دميمة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سلمى محمد

المشاهدات
20
كلمة
3,469
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

عذبتني حيرة مشاعري نحوه، بالرغم من قسوته كان يحنو عليا أنا فقط، طلب المغفرة وتوسلني، أعطاني الأمان وأسرة دافئة، لكني لست قديسة كي أسامحه تمامًا برغم كل ما يفعله لي، ما زال هذا الألم يأبى أن يزول. أنا لست قديسة. أنا مجرد فتاة تعذبت، تألمت، عانت من قسوة الحياة. بمجرد دخول ضحى الغرفة، أنصدمت من رؤية حماتها على هذا الشكل، فقالت بخوف: مالك يا نيروز؟ وضعت نيروز يديها على رقبتها تحاول التنفس وأشارت

باتجاه الخارج وبصوت متقطع: مش عارفة أتنفس... بخاخة النفس بتاعتي في شنطتي. نظرت ضحى حولها بهلع ثم ردت بتوتر: مش شايفة أي شنط قصادي. ردت عليها باختناق وبصوت مبحوح: شنطتي في العربية.

خرجت ضحى من الغرفة مهرولة حتى توقفت أمام السيارة، فتحت الباب وهي تتنفس بقوة، ألقت ببصرها في الداخل حتى وقعت عينيها على الشنطة، فتحتها بأصابع ترتعش من شدة توترها لم تعثر مباشرة على الجهاز، فقامت بتفريغ محتوياتها على الكرسي، رأته مع العديد من الأشياء، أمسكته مباشرة ثم جرت مسرعة إلى الداخل. رأتها تتنفس بصعوبة مخرجة أنينًا متألمًا، وضعت جهاز الاستنشاق على فمها وقامت بالضغط، أخذت تدعو لها بخفوت.

فتحت عينيها وهي تتنفس بصوت مسموع، تأملتها نيروز لثوانٍ وهي ترى نظرات الخوف في عينيها بالرغم مما فعلته معها، ابتسمت ابتسامة متعبة ثم أردفت قائلة: تعبتك معايا... شكرًا ليكي يا ضحى. ردت عليها قائلة: مفيش حاجة تستحق الشكر وحصل خير... أتصل بالدكتور يجي يشوفك. شعرت بالخجل من نفسها فلم تجرؤ على النظر بداخل عينيها: مفيش داعي أنا كويسة. قالت لها بهدوء: نصيحة مني خلي الجهاز في جيبك أو شنطتك المهم مش يبعد عن متناول إيدك.

هزت رأسها ثم أردفت قائلة: هاخد بكلامك يا ضحى... أنا همشي بقى. قالت ضحى: مينفعش تمشي وأنتي لسه تعبانة. ردت نيروز: أنا بقيت كويسة. قالت ضحى: طب مش هتستني كريم؟ ردت نيروز: هبقى أكلمه... ثم تحركت باتجاه الباب وكانت بجوارها ضحى في نفس اللحظة فقالت لها مترجية: اقعدي شوية كمان تاخدي نفسك. ردت عليها نيروز: لو حاسة أني مبقتش أحسن مكنتش اتحركت... وعايزة منك طلب قبل ما أخرج. سألتها ضحى باهتمام: طلب إيه؟ أردفت

قائلة بابتسامة خافتة: مش عايزة كريم يعرف حاجة باللي حصل... مش عايزاه يتخض عليا والأفضل متقوليش له إنّي جيت وأنا هبقى أتصل بيه. سارت ضحى خلفها في صمت حتى تأكدت من ركوبها سيارتها في سلام، ظلت في مكانها لدقائق تنظر إلى الفراغ وتساؤل في عينيها، أدركت بغريزتها أن هناك شيء ما، ودعت أن تكون حياتها سهلة مع عائلة زوجها.

أشتاقت له بشدة وبعد مضي فترة من الوقت، ذهبت إلى الشرفة تنتظره، فهو اتصل أخبرها كل ما حدث وأنه تم القبض على شهاب ودينا وأن الجميع بخير وهما في طريقهم إلى المنزل وهو قادم في الطريق، شعرت بالراحة النفسية عندما أطمأنت على كل أحبابها، راحت تراقب الأشجار وأوراقها الخضراء، تابعت بنظراتها كل شيء أمامها، أغمضت عينيها بتركيز واستمعت لصوت الكون حولها، الهواء، الشجر... وعندما فتحت عينيها وجدته أمامها يتأمل وجهها بحب.

نظرت له بدهشة: أنت جيت امتى وإزاي وصلت من غير ما أحس بيك... ده أنا كنت مستنياك. أجابها بابتسامة عاشقة: كنتي سرحانة في إيه خلاكي مش تحسي بوجودي... أكيد فيا طبعًا. ردت بابتسامة: لا مش فيك بالظبط... كنت سرحانة شوية مع الطبيعة. وضع يده على قلبه وقال بضحك: آآه يا قلبي وبتقوليها في وشي طب قولي آآه. غلب ضحى الضحك: آآه كنت بفكر فيك. قال كريم: بعد ما زعلت خلاص مش مسامح.

قالت ضحى: هو ده شكلك وأنت زعلان ياريت تبقى زعلان علطول، ثم ضحكت. أمسك بيديها وقبلهما بحب جارف، نظر إلى عينيها قائلاً بشوق: واحشاني أوي... أخذ يداعب يديها برقة ثم ضمها إلى حضنه، كل حاجة فيكي واحشاني. قالت ضحى: وأنت كمان واحشني. أدارها في حضنه وقال بحب: إنتِ ليه دلوقتي حلوة أوي بزيادة. ابتسمت بغرور متصنع: ده العادي بتاعي على فكرة. ضحك على طريقة كلامها وغمز لها: طب ما تيجي ندخل الأوضة.

حاول ضمها فدفعته بمرح: نتعشى الأول أنا مأكلتش طول اليوم ولا أنت كمان. غمز لها مرة أخرى: هتندمي. ضحكت وهي تبتعد عنه: هندم على حاجة واحدة لو سمعت كلامك ومعملتش العشا واتعشينا. بعد وقت قليل أعدت ضحى الطعام ووضعته على السفرة. قال كريم بابتسامة: كلي دي من إيدي... قام بإطعامها وسط جو مليء بالضحك وكلمات الغزل.

كانت تبتسم له ولكن كل ذلك لم يمنع شرودها غير المقصود، فيومها كان حافلًا بالمفاجآت، فالمصائب تأتي دفعة واحدة على رأي المثل، بداية من خطف زهرة حتى زيارة حماتها. وضع كريم يده فوق يديها وربت عليها برقة ثم رفع يديها وقبل باطنها بحب، نظر لها مبتسمًا وقال: هنضطر نسافر بعد بكرة نيويورك. قالت ضحى: بسرعة كده. قال كريم: المفروض كنا نسافر قبل كده لكن بسبب الظروف اللي حصلت من مرض بيسان وخطف مرات أكنان منعوني عن السفر...

دلوقتي بيسان بقت أحسن وزهرة وولادها كويسين. قالت ضحى: عايزة أروح أشوف زهرة بكرة... بحاول أتصل بيها تليفونها مقفول... عايزة أطمن عليها. قال كريم: حاضر بس خليها بعد بكرة قبل ما نسافر هوديكي ليها ومن عندها على المطار دوغري. قالت ضحى: ومينفعش بكرة ليه؟ أنا عايزة أشوفها. قال كريم: مينفعش يا ضحى ورايا كام مشوار مهمين بكرة. ابتسمت في تفهم: طيب خليها بكرة... طلب أخير عايزاه. قال كريم بابتسامة: اطلبي يا حبي.

ابتسمت قائلة: الكلام اللي قولتهولك بخصوص زهرة وأكنان... ياريت محدش يعرف بيه ولا حتى أكنان... هو لو عايز يتكلم هيتكلم. تصنع كريم الزعل: أنا مش وعدتك لما حكتي ليا حكايتهم... قولتلك إيه بعدها اعتبري سرك في بير. قالت بهدوء: حبيت أكد عليك مش أكتر... ثم مدت يديها وقامت برفع أول طبق، أمسك يديها وأرجع الطبق لمكانه غمز له قائلًا: وبعدين يا حبي.. أنا استنيت كتير.

جفل أكنان وجلس فوق فراشه عندما ظهرت أمامه، بدت في غاية الجمال والعذوبة، كانت ترتدي فستانًا أبيض، كان وجهها وجسمها يشعان بالنور وشعرها البني الذهبي منسدل طليقًا على ظهرها، وعينيها الزرقاوين تلمعان ببريق خاص، وأسنانها تكشف عن ابتسامة عابثة. قال بذهول: زهرة أنتي كويسة. ردت عليه ضاحكة: صحتي تمام، وقامت بفرد يديها ثم ثنتهم بحركة رياضية. أبتسمت له ثم رقصت أمامه بخفة كالفراشة، وبقدميها الحافيتين أخذت تدق على الأرض بنعومة.

حركت سبابتها بأغراء لكي يأتي لها. وجد نفسه أمامها في غمضة عين، وبشوق ظل محبوس لوقت طويل حضنها بكل ما يملك من قوة. قال أكنان برقة: بحبك يازهرة. ردت عليه بابتسامة أسرة: وأنا كمان. ردها أسكرها بالسعادة من رأسها حتى أخمص قدميها. فقبلها بقوة وأصبح ليلهما ليل خاص بالعشاق. قبل استيقاظه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة سعيدة. ألقى يديه بجواره فلم يجدها. جلس فوق الفراش، الابتسامة اختفت عندما اكتشف أنه كان يحلم بها.

ثم تنهد بعمق قائلا لنفسه: ياليت هذا الحلم كان واقع. فهذا الحلم كان أجمل أحلامه. اغتسل بسرعة وذهب مباشرة إلى غرفتها. فتح الباب بهدوء، ثم دلف ببطء ونظر إليها من مكانه. رآها مازالت نائمة ومستغرقة في نوم عميق وصوت شخير ناعم يصدر منها. عندما اطمئن عليها أغلق الباب خلفه. شعر بوخز داخل قلبه: إلى متى ياقلبي ستظل تتألم. أخرج هاتفه واتصل بطبيب بيسان للاطمئنان على حالتها. ثم ذهب لرؤيتها وفي داخل غرفتها في المستشفى.

كان الجميع متواجد معها، فالطبيب أذن لها بالخروج. كريم ممازحا: ماشاء الله وشك منور وبقيتي أحسن من الأول. قالت بابتسامة خافتة: اهو ارك ده اللي جابني هنا. تصنع الزعل: كده بردو يابوسة. ده أنا سبت العروسة عشان خاطر عيونك الحلوين. قالت: قولي بقا عامل إيه في الجواز. قال: مفيش أحلى من كده، ياريتني سمعت كلامك من زمان أول لما كلمتك عنها. قالت: عشان المرة الجاية تبقى تسمع كلامي.

قاطعهم أكنان قائلا: أنا عارف لما بتفتحوا في الكلام مش بتسكتوا. يلا عشان تلبسي ولا قعدة المستشفى عاجبتك. أبتسمت له وبنبرة فيها القليل من الألم: لأ طبعًا، ده أنا مصدقت هخرج النهاردة. أنا زهقت بجد وعاوزة أخرج من هنا. جيلان بابتسامة: مش أنتي لوحدك ياحبيبتي. نجم أمسك بيديها برقة: الحمد لله أنك بقيتي كويسة. رن هاتف كريم فقال: هطلع برا دقايق أرد على نيروز. غادر الغرفة ولحقه أكنان مباشرة. سأله

أكنان عندما رأى عبوس وجهه: مالك. قال: ماما سافرت من غير ما تقولي. قال أكنان: عادي مش مستاهلة التكشيرة دي. قال: مش تكشيرة بس مستغرب، أحنا كنا متفقين نسافر مع بعض بكرا وهي تسافر النهاردة. مش مرتاح. رد أكنان بهدوء: هي نيروز ديما كده عليها تصرفات غير متوقعة. المفروض إنك اتعودت. أجابها بلهجة عابسة: أه وهو المفروض. سأله أكنان: هتروح تجيب الشيخ إمتى.

رد عليه قائلا: هروح أجيبه دلوقتي، عقبال ما بيسان تروح هكون جبته معايا زي ما قال أول ما تخرج من المستشفى يروح ليها. تفاجأ أكنان وكريم بظهور زاهر أمامهم. هتف كلاهما في وقت واحد: زاهر. زاهر بابتسامة: طبعًا زاهر بشحمه ولحمه. سأله أكنان بحيرة: أخر مرة اتصلت الدكتور قال إنك لسه في غيبوبة. أجابه بابتسامة شاحبة: ماهو أنا أول ما فوقت وعرفت باللي حصل وقدرت أتحرك ركبت أول طيارة عشان أطمن على بيسان.

تقلصت ملامح وجه أكنان بالغضب لمجرد ذكر ما حدث. قال له بحدة: أنا مرضتش أتصرف وسكت عشان خاطرك أنت يازاهر. لولاك كنت قلبت الدنيا. ابتلع ريقه بألم: عارف إن الاعتذار ملهوش لازمة دلوقتي، بس اللي حصل مكنش ليا يد فيه. أنت عارف كويس إن بيسان روحي ومستحملش عليها أي حاجة. واللي أذاها أمي، أمي اللي كل في إيدي أدعي ليها ربنا يسامحها ويهديها. كل اللي عايزه منك تديني فرصة أحاول أصلح الوضع.

كريم بانفعال: مفيش تصلح الوضع، أنت معرفتش تحافظ عليها. قاطعه أكنان قائلا: براحة ياكريم. زاهر بلهجة برجاء: إحنا الاتنين منقدرش نعيش من غير بعض. اللي حصل ليها واكتئبها عشان بعدها عني، واللي حصل ليا لما حسيت إنها ممكن تسيبني. سأل أكنان مستفسرا: تقصد إيه. شرد زاهر في ذكرياته وأخذ يسرد ما حدث والسبب الذي أدى وقوعه والدخول في غيبوبة وكلام الأطباء أنه لا يوجد سبب لاستمراره في الغيبوبة. وعندما انتهى قال: كل اللي عايزه فرصة.

أكنان أشار بأبهامه وقال بلهجة محذرة: هديك فرصة ودي هتكون أخر فرصة. مش عايز أخسرك. هتف كريم: إيه اللي بتقوله ده ياأكنان. أشار له بالتوقف: كريم اهدى شوية وفكر. بيسان بعد ما ترجع لطبيعتها محتاجة زاهر معاها. صمت للحظات وقال: اللي تشوفه. سأل زاهر متلهفا: أدخل أشوفها وبيسان هتكون في عيني. أكنان قال بهدوء: مش دلوقتي. هي هتخرج النهاردة وهنجيب شيخ يرقبها. مش دلوقتي لما الشيخ يقول إنها بقت كويسة.

قال زاهر بألم: إن شاء الله تخف. قال أكنان: تعالا شوفها بكرا أحسن. هز رأسه في صمت كئيب: هجي بكرا. أنصرف كريم ودلف أكنان إلى الداخل وأستعد الجميع للرحيل. وقف زاهر أمام المستشفى في الركن وانتظر خروجها لرؤيتها لكي يملي عينيه منها. فقد كان مشتاقا لها. أشتاق لسماع صوتها لكل شيء فيها. تسارعت دقات قلبه عندما رآها من بعيد كانت تمشي بهدوء ورزانة، ورغم مرضها وجهها مازال محتفظ بجماله الخاص، لكن لمعت عينيها انطفئت وصارت خواء.

انتفض في مكانه متألما لرؤيتها هكذا وبعيون لا ترمش ولا تحيد عنها. ظل متتبع تحركها حتى ركبت السيارة واختفت. لتسقط دمعة وحيدة ووعد نفسه أنه سيصلح الأمور بينهم مهما تطلب منه من وقت. ***** استيقظت بعد عدة ساعات من انصرافه. كان شعرها مبلل ملتصق من شدة العرق. أصابتها الحمى في جسدها. حاولت الاعتدال والجلوس فوق الفراش لكنها فشلت فالحمى تمكنت منها. قرع الباب ودلف الصغيرين وأخذا في القفز واللهو بجوار الفراش.

أياد بابتسامة طفولية: يلا قومي بقالك كتير نايمة. حاولت الرد، لكن الكلمات ظلت حبيسة حلقها. شعرت بالعجز. دموعها انسا بت بألم. أرتعشت شفتها. أصابها دوار قاتل فسقطت نائمة مغمضة العينين. حاول الصغيرين جعلها تفيق لكن كل محاولاتهم بائت بالفشل. خرجا إلى الخارج. ما إن دلف أكنان إلى داخل الفيلا حتى استقبله الصغيرين. أياد بلهجة طفولية: كنت فين. رد عليه بابتسامة: كنت عند عمتكم وأول ما طمنت عليها جيت هنا علطول.

شرد لثواني في أحداث أخر ساعة. عندما أتى الشيخ وقام برقيتها وقال أنها أصبحت أفضل والسحر المعمول لها أصبح ليس له وجود. وبعد انصراف الشيخ استغرقت بيسان في النوم مباشرة. جذبه وليد من البنطلون بعنف وهتف فيه: روحت فين. أكنان بابتسامة: موجود أهو قصادك. سأل وليد: هو أنا عندي عمة. قال أكنان: أيوه عندكم وعمة عسولة أوي كمان. قال وليد وأياد في وقت واحد: عايزين نشوفها. رد عليهم بابتسامة: حاضر هتروحوا تشوفوها. هي فين ماما.

قال أياد بضيق: لسه نايمة ولما جيت أصحيها مش ردت تصحى. قاطعه وليد قائلا: وأنا لما لمستها كانت سخنة أوي. أكنان بمجرد سماعه كلمات ابنه، لم ينتظر التأكد منه وأخذ يركض على السلالم بسرعة. وجد نفسه أمامها. رأى جسدها يرتعش. لمس جبهتها وجد حرارتها مرتفعة. وباضطراب أخرج هاتفه وأتصل بالطبيب. لم يعرف الطبيب سبب إصابتها بالحمى، فطلب مجموعة من التحاليل ليتأكد من تمام صحتها.

لازمها أكنان وأخذ ينظر إليها في فراشها بعيون حزينة وقلب متألم. أستشعر بغصة لرؤيتها ضعيفة وتعاني. جلس على حافة الفراش همس باسمها بخفوت. بللت دموع الندم وجنتيه. أتى الليل ومازال الوضع كما هو. إلا من اتصال الطبيب الذي أخبره أن التحاليل سليمة ولا يوجد بها شيء، وكل ما يجب فعله أن تأخذ مخفضات للحرارة وكمادات مياه باردة. في العتمة وسط هذيانها، كان هو الوحيد بجوارها. أخذ يمسح وجهها وشعرها بمنديل مبلل بالماء البارد.

فتحت عينيها بضعف تشابكت النظرات. نظرة متلهفة تقابلها نظرة شاردة مغيبة. همست بأعياء: عطشانة. توقفت يديه الممسكة بالترمومتر في الهواء وتمتم بالدعاء والشكر عندما فتحت عينيها وطلبت الماء. وضع الترمومتر جانبا وقام بصب كأس من الماء لها. رفعها من فوق الفراش وأسند رأسها على صدره. قرب حافة الكأس من شفتيها وسقاها. وعندما انتهت من الشرب غفت مباشرة على صدره. وبعيون ملتاعة أخذ يتأملها بحب شدها إليه أكثر.

مرر برقة أصبعه على جانب شفتيها ماسحا قطرات الماء المنسابة. مرر أصابعه بحنية على شعرها. تنهد بصوت مسموع مع كل لمسه لها. ظل على هذا الوضع فترة من الوقت. أنهكه التعب بعد فترة من عمل الكمادات لها. أراد أراحة جسده قليلا، فتسلل إلى جانب الفراش ونام بقربها. وظل بجوارها نائما حتى ساعات الفجر الأولى. استيقظ مفزوعا عندما وجد نفسه استغرق في النوم كل هذا الوقت. مرر أصابعه باضطراب على جبهتها فوجد الحرارة اختفت. وعندما اطمأن أنها أصبحت أحسن، قفز من فوق الفراش سريعا، فهي لن تتحمل رؤيته نائما بجوارها. تسلل من غرفتها بهدوء. وقبل خروجه نظر لها بحب لا نهائي ممزوج بحزن عميق.

بدأت أشعة الشمس تحيط بغرفة زهرة من الخارج والداخل. بدأت تسمع أصوات ضاحكة بجوارها. شعرت بالألم ففتحت عينيها ببطء شديد. فشاهدت أطفالها بجوارها مبتسمين. "صحي النوم ياماما كل ده نوم." "ده أنا لسه نايمة." "لأ أنتي نمتي يومين بحالهم." وضعت يديها على رأسها المتألمة وسألت باستغراب: "هو أنا نمت بجد يومين ولا بتهزرو؟ "أه أحنا لما جينا هنا أمبارح كنتي نايمة وسخنة أوي." "ولما قولنا لبابا أكنان جاب الدكتور وفضل جنبك طول الليل."

"وكان بيعمل ليكي كمادات ومرضاش أي حد فينا يقعد معاكي... أنا أضايقت أوي منه." "وأنا كمان." تململت على الفراش بعدم راحة وهي تسمع حديثهم فقالت بابتسامة خافتة: "هو عايز مصلحتك ياحبيبي عشان مش تتعدو مني." "أصحي بقا عشان جعان." "رحو أنتو وأنا جاية وراكم نفطر كلنا سوا."

بدأت زهرة بالتحرك حتى وصلت أمام الحوض. غسلت وجهها لكي تزيل بقايا غشاوة التعب والنعاس من على وجهها. أخذت تلقي دفعات من الماء على وجهها حتى انتظمت أنفاسها وشعرت بالهدوء. على طاولة الأفطار، رأت أكنان متصدر مقدمة الطاولة. تناولت الطعام في صمت، لكن أطفالها لم يكفوا عن الكلام واللهو. نظراتها لهم كانت شاردة. سرحت في خيالات الليلة الماضية وبدون وعي لمست جانب فمها المرتعش.

لاحظ أكنان هذا الشرود الذي سيطر عليها، لكنه لم يعلق واستمر في تناول أفطاره. نظرت له بحيرة فبادلها بنظرات دافئة وقال بهدوء: "أنا ماشي وهجي بالليل. ده كان أتفاقنا لما خرجنا من فيلا شهاب أني أفضل معاكي. لسه عند أتفاقنا ولا هتقولي متجيش هنا تاني؟ همست بخفوت: "أنا مش برجع في كلامي والأتفاق أتفاق." ابتسم بهدوء وقال: "مع السلامة ياحبايبي" ووزع نظراته على الكل وقبل كلا الصغيرين.

فتحت عينيها بوهن. لم تستوعب لأول وهلة تواجدها في غرفتها. حاولت النهوض لكنها توقفت عن الحركة والتفتت إلى صوت الباب الذي يفتح ببطء. ترقبت القادم. بدت مصدومة من رؤيته. بخطوات مترددة أقترب منها وجلس بجوارها على الفراش وظل يتأملها بحب ممزوج بندم. خانتها دموعها فأنسابت في صمت. أشاحت بوجهها بسرعة لكي لا يرى دموعها التي لا تدري لها سبب محدد. ندم أم خوف أم خذلان أم فرحة لرؤيته؟

شعرت بيد تلمس كتفها ثم أدار رأسها تجاهه. مسح دموعها ونظر لها بحب. سألها برقة تغللت داخل أحاسيسها بسرعة: "حسه بأيه؟ ارتفع صوت بكائها وهي تسمع صوته المحب. سأل بقلق: "هو في حاجة وجعاكي؟ أجابته وهي تمسح دموعها: "أنا كويسة." بدت الحيرة في عينيها. سألته بتشوش: "أنت عرفت أزاي؟ وجيت هنا أزاي؟ "أنت كنت في غيبوبة." قال بابتسامة باهتة: "الغيبوبة فوقت منها عشان أفضل معاكي. وجيت طبعا بالطيارة أول ماعرفت باللي حصل ليكي."

سألها بتردد: "عرفتي السبب اللي وصلك لحالتك دي؟ " هزت رأسها في صمت وقالت بخفوت: "أيوه أكنان قالي." حاولت النهوض لكنها لم تفلح لشعورها بدوار مفاجئ.

وضع يده حول خصرها مانعا إياها من السقوط وبالأخرى عدل وضع الوسادة خلفها. وجدت نفسها محاطة بين كلتا ذراعيه. شعرت بدغدغة خفيفة تعتريها وزادت نبضات قلبها. شعرت بنفسها ضعيفة هشة بين أحضانه وصدره العريض الذي اختبرت نشوة دفئه العديد والعديد من المرات. شعرت بقلبها الذي أصابته البرودة ينصهر يشتعل. أرادت وضع أناملها على صدره للشعور بدقات قلبه. هل ينتفض كقلبها؟

أرادت ضمه لتصدق أنها لا تحلم. كادت ترفع يديها لكنها شعرت بالعجز. رجعت بجسدها للخلف متفادية الاحتكاك به. لم يريد البعد عنها، لكن لابد له من الابتعاد مضطرا حتى لا يتفاقم الوضع بينهم. هي لازالت ضعيفة ومشوشة. تألم لرؤيتها هكذا، ضعيفة ومنكسرة.

قال زاهر بهدوء مصطنع: "وجودك في حياتي حسسني أني عايش مش مجرد ظل. كنتي النكهة الحلوة في حياتي. وكل دقيقة وكل ساعة وكل يوم كنا في مع بعض كنت في منتهى السعادة. كان بيمر عليا وقت والخوف يسيطر عليا أنك تبعدي. كنت مستكتر وجودك في حياتي. لحد ماالخوف ده أتحول ليقين." همس بألم عندما

استعاد ذكريات هذا اليوم: "سمعتك بتكلمي كريم وبتقولي ليه خلاص زهقت وأنا ناوية أبعد. مستحملتش ولقيت الدنيا بتلف بيا ووقعت على السلم ودخلت في غيبوبة. غيبوبة لما فوقت منها أقتنعت أني فضلت فيها بأردتي. فوقت لما حلمت بيكي وأنك محتاجني. فوقت عشانك أنتي وبس. وبعدين عرفت باللي حصل ليكي واللي عملته أمي معاكي وأنك أتظلمتي واتألمتي كتير. سامحيني يابيسان أني مقدرتش أحميكي." همست بارتجاف: "أطلع دلوقتي."

نطق كلماته بهدوء: "هفضل معاكي ومش هطلع. أنتي محتاجني وأنا محتاجك. أنتي أتخلقتي ليا وأنا أتخلقت ليكي. مقدرش أعيش من غيرك ولا أنتي تقدري تعيشي من غيري عشان مصيرنا أحنا الاتنين مربوط ببعض. مش همسح للي حصل يفرق بينا. هنقاوم أحنا الاتنين لحد مانعدي الازمة وترجعي بيسان حبيبتي." رفع يديها وعقد أصابعه في أصابعها ثم قبل أناملها برقة قائلا: "بينا أحنا الاتنين هنعدي الازمة وهترجعي زي الأول فاهمة يابيسان أنتي حته مني."

ارتجف جسدها وشعرت بمشاعر مختلفة تغزوها فما مرت به لم يكن بالشيء الهين. فالحب ليس كل شيء في الحياة. كانا في السيارة أمام الفيلا عندما قال لها كريم: "هسيبك معاها ساعة تطمني عليها. هروح أخلص أجرءات السفر وأجي أخدك." نظرت له بحب: "وأنا هستناك." بمجرد دخولها من باب الفيلا، أدار السيارة وأنطلق بها. في الداخل تفاجأت زهرة بأن ضحى موجودة في الأسفل وتسأل عنها. نزلت السلالم بسرعة وهتفت بسعادة لرؤيتها: "واحشتيني يابت."

"وأنتي كمان يازوزو. هنفضل كده وافقين مش هتعزميني على حاجة يابخيلة؟ بادلتها الضحك: "هو أنتي لحقتي؟ حاضر هشربك." ثم نادت على الخادمة: "لسه بردو بتحبي عصير المانجا؟ رسمت ضحى شكل قلب بأصابع يديها وقالت: "ده عشق العشق." أحضرت الخادمة العصير. أرتشفت ضحى عصيرها بتلذذ واضح ثم قالت بابتسامة: "فكريني لما أجي من السفر أجيلك هنا عشان أشرب عصير مانجا. أصله طعمه حلو أوي." صمتت وهي تسمع آخر كلماتها فقالت: "أنتي مسافرة؟ أرسم العبوس

على محياها وهي تقول: "مسافرة النهاردة مع أن من جوايا مش عايزه أسيب هنا. مع أن بابا وماما سابو البيت وسافرو مصر." "هما أهلك سافرو خلاص؟ "أيوه يازهرة. لما زروني بابا قالي عندي مفاجأة حلوة أنهم لقو شقة حلوة وكمان جاله شغل في شركة كبيرة وهيسافرو علطول." بلهجة يشوبها بعض الحزن: "خلاص كله سافر وحتى أنتي كمان." ضمتها ضحى وقالت بحب: "هتصل بيكي علطول. طمنيني عليكي الاول أنتي كويسة وأيه شغل العصابات اللي حصل معاكي؟

أنا بقرا الحاجات دي في الروايات وأشوفها في الافلام لكن عمري ماتخيلت أن ده يحصل معاكي. أحكيلي كل حاجة بالتفصيل." رأت نظرات زهرة المذهولة لكنها أكملت حديثها: "طبعا من بصتك دي هتقولي عرفت أزاي وأنتي مقولتيش حاجة. أنا عرفت من كريم ماهو أكيد كريم هيقولي. قوللي بقا تليفونك كان مقفول ليه؟

ده أنا أترعبت عليكي بالرغم أن كريم طمني بس قولت لزم ولابد أشوفك بنفسي. هو اللي أسمه شهاب ضرب علكيم نار والطلقات جيت في الهوا. الحمد لله أنها جيت في الهوا بصراحة الراجل ده يستاهل الشنق." قاطعتها زهرة بضحك: "أفصلي شوية أيه تسجيل وأتفتح. وأنا كويسة وقعدة قصادك. تعالي هنا ومادام كريم حكلك على كل حاجة عايزني أتكلم ليه هو وجع دماغ وخلاص." ضحكت قائلة: "عشان هو لو نسى حاجة أنتي تحكيها." ثم نظرت

في أرجاء الفيلا بتركيز: "قوليلي يازهرة بصراحة أيه الوضع هنا في الفيلا؟ بعد ماعرفت أنه هيعيش هنا معاكم وأنتي أتقبلتي الوضع أزاي؟ شردت زهرة وسرح تفكيرها وخيالها فيما مضى. لاحظت ضحى شرودها المبالغ فيه، فحدثتها قائلة: "كل السرحان ده عشان جبت سيرته بس." عادت زهرة من شرودها بعد تلك الكلمات التي أطلقتها ضحى وقالت لها: "أنا لحد النهاردة مش قادرة أنسى بالرغم كل اللي بيعمله معايا."

أردفت ضحى قائلة: "أركني ذكرياتك أحبسيها عشان تقدري تعيشي." "أنا للأسف مش قادرة أنسى الماضي. اللي حصل زمان كان صعب أي حد يعدي منه وأنا عديت منه ياضحى بس بندوب لسه معلمه جوايا خلت مشاعري مشوهة. أنا بقيت منفعش منفعش أكون أي حاجة." صمتت ضحى قليلا تفكر في كلماتها ونظرت لها بهدوء شديد: "قولتي يازهرة أنه ندمان ويتمنى ترضي عنه. ليه مش عايزه تفوقي من الشرنقة اللي معيشة نفسك فيها ليه رافضة تفوقي؟

ربنا بيسامح يازهرة سامحيه حاولي تسامحيه. أنسي وبلاش تفكري نفسك باللي حصل. النسيان نعمة وبكرا تقولي أنا كان عندي حق." تشوشت رؤيتها بالدموع فهي تشعر بحيرة وتخبط في مشاعرها تجاهه وأصبحت لا تعلم ماذا تريد. شدت ضحى من قبضتها على يديها وقالت: "أسمعيني كويس يازهرة الدنيا أديتك فرصة من دهب حياة جديدة ومستقبل جديد بلاش تخسريهم وراجل بيحبك وندمان. في رجالة غيره بيهربو من ذنبهم ويقولو ملناش فيه."

أكملت كلامها برجاء: "سامحيه حاولي تديله فرصة." "ححاول ححاول ياضحى." "أوعديني أنك تديه وتدي نفسك فرصة." "أوعدك ياضحى." "فين بقا الولاد عشان أسلم عليهم مش سامعة ليهم حس؟ "فوق في أوضتهم بيلعبو." "عايزه أبوسهم وأسلم عليهم قبل ماسافر." "تعالي معايا نطلع ليهم ومتقوليش أني مش حذرتك." "من أولها كده هتظلمي الولاد دول كيوت من غير ماشوفهم."

أول ما زهرة فتحت الباب، تعالت أصوات الصراخ. تسمرت ضحى على الباب للحظات ثم ضحكت على مايحدث أمامها. "سيب اللعبة بتاعتي." "لأ دي بتاعتي." "لأااااا بتاعتي أنا." "دي بتاعتي أنااااا." وكلا الشقيقين يجذبون اللعبة وكلاهما يصرخ في وجه الآخر. همست زهرة بضحك: "أتفضلي سلكي بين الكيوت حبايبك." تصنعت ضحى الرحيل: "لااااياختي سلكي بينهم أنتي. أنا هروح أكمل العصير بتاعك لحد ماجوزي الكيوت يجي ليا." قامت زهرة بدفعها لداخل الغرفة وأغلقت

الباب وقالت بابتسامة: "روحي يلا فضي الخناقة." ضحكت زهرة فبادلتها ضحى الضحك. توقف الصغيرين عن الشجار والتفتوا إليهم بفضول. فتعالت أصوات ضحكاتهم أكثر وأكثر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...