الفصل 4 | من 24 فصل

رواية زهرة الفصل الرابع 4 - بقلم ندي أشرف

المشاهدات
27
كلمة
2,736
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 17%
حجم الخط: 18

بعد قضاء يوم عمل شاق، همَّ المنشاوي ليغادر الشركة عائدًا إلى البيت. لكنه تذكر حينما أخبره سليم بأمر زيارة زهرة فتساءل متعجبًا: -الله، أمال إيه حكاية اهتمامك بالموضوع ده قوي كده؟ دا أنا كنت بجرَّك جر كده لأي حاجة أطلب منك تعملها! أجاب وهو يفرك رأسه بيديه ويجول بنظره في الأنحاء: -أبدًا والله يا بابا، أنا بس صعبان عليّ البنت ومامتها، مش أكتر. ثم توجه صوب السيارة، وكذلك المنشاوي، وأدار الأخير محرك السيارة.

جلس سليم يتأمل الشوارع ويفكر حتى قال متسائلًا: -بس بقولك إيه يا بابا، أنا لاحظت إن في عزاء عم عبد الحميد الله يرحمه امبارح ما كانش فيه حد موجود كتير، هما ما لهمش أهل هنا ولا إيه؟ تنهد المنشاوي ثم أجاب: -والله يا ابني عمك عبد الحميد دا حكايته حكاية، بس فعلًا ما لهمش حد هنا خالص، لكن عندهم في البلد أهله ناس كتير قوي وكبار في البلد ولهم اسمهم. إنما حظه بقى اللي حدفه هنا، عمومًا دي قصة يطول شرحها هبقى أفهمك بعدين.

بعد مرور بضع دقائق هتف المنشاوي: -يلا وصلنا. تقدم المنشاوي وابنه من الباب فأخذ يطرق، ثم فتحت له سنية وقد ابتهجت لرؤيتهم. ابتسم قائلًا: -السلام عليكم، إزيك يا أم زهرة. أجابت في سعادة: -وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضلوا. دلفوا إلى الداخل يحملون بين أيديهم من خيرات الله ما لذ وطاب. ثم جلس المنشاوي واتبعه سليم الذي كان يبحث بعينيه عن زهرة وتمنى لو يراها. قالت سنية في حرج: -ليه تعبتوا نفسكوا بس إيه دا كله؟

أجاب المنشاوي: -والله لا تعب ولا حاجة، دي حاجة بسيطة. خرجت زهرة على فجأة من غرفتها ترتدي ملابس الخروج استعدادًا للبحث عن عمل من جديد فهي لا تكل ولا تمل بسهولة. ابتسم سليم لرؤيتها وشعر بالسعادة تجتاح قلبه فقال: -إزيك يا زهرة؟ شعرت بالخجل فهي لم تكن تشعر بوجودهم وازداد خجلها عندما لاحظت نظراته إليها وأسلوبه معها فأجابت: -أنا الحمد لله بخير، نورتونا والله. تساءل المنشاوي: -خير يا بنتي متشيكة وزي القمر كده رايحة على فين؟

نظرت زهرة إلى والدتها في حيرة من أمرها، هل تخبرهم أم لا؟ كانت تشعر أن لها عزة نفس تمنعها عن إخبارهم حتى لا يشفقوا عليها فهي تكره الشفقة من أحد كوالدها تمامًا. فأجابت بدلًا عنها سنية قائلة: -دي يا حبيبتي شقيانة كل يوم تدور على شغل، وتفضل تلف على كعوب رجليها وترجع زي ما راحت ما فيش فرص عمل خالص. تساءل المنشاوي: -الله، وتشتغل ليه من أساسه؟ مش عندها دراسة هتبدأ كمان كام شهر ولازم تركز فيها؟ إزاي هتوازن بين ده وده؟

ردت زهرة: -لأ أنا شايفة إني هقدر أعمل الاثنين مع بعض، وبعدين أنا مش أول واحدة تشتغل وهي بتدرس، عادي. قاطعهم سليم في سرعة: -طيب إيه رأيك يا بابا لو تشتغل معانا في الشركة؟ زهرة بنت ذكية وهتقدر تساعدنا في حاجات كتير. أطال النظر فيها وكأنه يفكر في الأمر ثم قال: -والله معاك حق يا سليم، كانت تايهة عني فين!

إحنا فعلًا محتاجين حد في مجال الدعاية الطبية، هعينك فيها مع سليم مؤقتًا لحد ما تتخرجوا من كلية الطب ونشوفكوا أكبر دكاترة في مصر إن شاء الله. أجابت سنية في سعادة: -الله يكرمك يا رب يا منشاوي بيه، والله أنا ما فرحت كده من زمان، بصراحة أنا مش عارفة أشكرك إزاي. ابتسمت زهرة بهدوء قائلة: -شرف ليا طبعًا إني اشتغل مع حضرتك وإن شاء الله أكون قد المسؤولية دي. تنهد سليم في سعادة وهو ينظر إلى زهرة بعيون لامعة وقلب مطمئن.

تساءلت زهرة: -آه أنا آسفة نسيت أسألكم تشربوا إيه؟ طلبوا منها قهوة فذهبت لتحضيرها فقطع الصمت المنشاوي يقول: -كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع كده يا أم زهرة. أجابت: -خير، اتفضل. بدأ المنشاوي في الحديث عن الموضوع:

-من فترة كده كانت في حسابات ما اتقفلتش خاصة بعبد الحميد الله يرحمه، كنت صارف له مكافأة على إنتاجية تعب عليها وحققت نجاح عظيم وللأسف ما لحقتش أخبره بيها. فطبعًا المكافأة دي من حقكوا وكمان إجراءات المعاش أنا خلصتها وكل شهر هيبقى في معاش كده إن شاء الله هيكفي مصاريفكوا أنتي وزهرة. ثم وضع يده في جيب سترته وأخرج بطاقة ائتمان وظرف يحوي بداخله مبلغ من المال فقدمهم إليها قائلًا:

-اتفضلي، المكافأة والفيزا اللي هتقبضي بيها المعاش. مدت يدها سنية تأخذ منه ما بيده وقد بدت على وجهها علامات الفرحة وجال في خاطرها أنها كانت تفكر كيف ستدبر أمر دراسة ابنتها ومصاريفها الشخصية، ثم حمدت ربها في قلبها وقالت: -أنا مش عارفة أقولك إيه، معقول في حد كده في الدنيا! ثم دمعت عيناها فقالت: والله الدنيا لسة بخير طول ما فيها أمثالك يا منشاوي بيه. ضحك بسعادة قائلًا:

-ربنا يبارك لك يا أم زهرة، وعقبال ما تفرحي بست البنات. قالها عندما رأى زهرة قادمة إليهم تحمل بين يديها القهوة التي طلبوها فقدمتها إليهم، ثم جلست بالقرب من سليم فأخذ يحادثها بشأن الدراسة وأنه سوف يساعدها ويساندها ولن يقصر في شيء ما دام يمكنه فعله. كانت في بادئ الأمر تشعر بالخجل والإحراج من مجرد التحدث إليه حتى زال الخجل وأصبحت تتحدث بحرية وطلاقة مما ساعد سليم على اكتشافها ومحبتها أكثر فأكثر.

شعر المنشاوي بأن سنية متعبة فأراد ألا يكون ضيفًا ثقيلًا فقال: -طيب نستأذن إحنا بقى، ولو احتجتوا أي حاجة مهما كانت كلموني. أجابت سنية بهدوء: -ربنا يزيدك من فضله يا منشاوي بيه ويقدرنا نرد لك جميلك إن شاء الله.

ثم همُّوا مغادرين وفجأة شعرت سنية بدوار جعلها غير قادرة على المقاومة أكثر وكأن كل شيء يدور من حولها، ثم وقعت على الأرض فجأة في ذهول من الجميع فاندفعت إليها زهرة فزعة خائفة تناديها وتصرخ بها أن أفيقي ولكن دون جدوى. *** في فيلا المنشاوي جلست سماح أمام التلفاز وكذلك فريدة ابنتها التي حاولت النهوض عن فراشها لبعض الوقت. قالت سماح: -إيه حكاية أم زهرة اللي طلعت لنا في البخت دي بقى؟ ردت فريدة في شيء من الغيرة والحقد:

-ما أنتي سمعتي يا ماما. ردت عليها قائلة: -ما أنا عارفة بس إحنا كان ناقصنا يعني؟ -والله ما أنا عارفة يا ماما بس شكلها ست مش سهلة هي وبنتها، شوفتي سليم كان مستعجل ومهتم إزاي إن يروح لهم؟ دي تبقى مصيبة لو البنت دي عاجباه وناوي يخطبها. تساءلت سماح بمكر: -وأنتي ناوية على إيه بقى ها؟ تسيبيها تخطفه منك كده؟ أجابت في غضب: -دا على جثتي! ثم صرخت في ألم.

-خلاص خلاص إهدي أنتي لسة تعبانة، عمومًا ما تخافيش وسيبي الموضوع ده عليا وياريت تبطلي تبيني اهتمامك قدام خالتك مش عايزينها تقول علينا مدلوقين ولا طمعانين في ابنها. دخلت عليهم بدرية فجأة تحمل بين يديها ثلاث أكواب من العصير فتساءلت في تعجب: -في إيه يا سماح، بتنموا على مين من غيري ها؟ نظرت لها بمكر ثم قالت: -مش ملاحظة إن جوزك وابنك اتأخروا قوي عند الست دي؟ أجابت بهدوء: -عادي ما يمكن مشيوا وبيقضوا أي مشاوير مهمة.

قالت فريدة بخبث لتدفع بدرية للاتصال على زوجها لتطمئن هل بقي هناك أم غادر: -تفتكري يا ماما يكون سليم قاعد مع البنت دي بنت الست اللي راحوا عندها وهي قاعدة مع أنكل منشاوي؟ اشتعلت نيران الغيرة في قلب بدرية لكنها تماسكت قائلة بتوتر: -لا مستحيل، منشاوي ما يعملش كده أبدًا وأنا واثقة إنه زارهم وعمل الواجب ومشي، أكيد هو في الشركة دلوقتي. وبعدين يا فريدة ما يصحش تتكلمي بالطريقة دي على عمك المنشاوي أو حتى سليم.

أجابت سماح ببرود وسخرية: -جايز، كل شيء جايز. نظرت لها بدرية في ضيق وقد بدأ الكلام يثير الشكوك بداخل عقلها وتشتعل النيران بقلبها في صمت لا تعلم ماذا تفعل! *** في مكان آخر شعرت زهرة بأن ضربات قلبها تتسارع بشدة فهي لم تتعافى من ألم فراق والدها وصدمة فقده على فجأة. جثت على ركبتيها بجانب والدتها تحاول أن تطمئن عليها: -ماما أنتي سمعاني؟ ردي عليا أرجوكي، فوقي يا ماما عشان خاطري. حاول سليم تهدئتها لكنها كانت خائفة وبشدة.

اتصل المنشاوي بدكتور خالد وأخبره بما حدث فأخبره بأنه سيأتي في الحال. حملتها زهرة وساعدها سليم لتنام على الفراش حتى يصل الطبيب، وبعد دقائق ليست بكثيرة كان معهم دكتور خالد. حاول أن يجعلها تستفيق لكنها لم تستجب، وضع يده على رقبتها وجد أن هناك نبض ثم توجه لزهرة بعدة تساؤلات: -زهرة لو سمحتي عايز أسألك على حاجات معينة. ردت في توتر وخوف: -اتفضل يا دكتور بس هي ماما كويسة مش بترد عليا ليه؟ أجاب:

-كويسة ما تخافيش بس قولي لي هي كانت بتبان عليها أعراض تعب الفترة اللي فاتت؟ أخذت تفكر قليلًا ثم هتفت قائلة: -أعراض زي إيه يعني يا دكتور؟ أجاب: -يعني مثلًا دوخة، غثيان، مغص، اشتكت من الكلى قبل كده؟ أجابت:

-آه كنت بلاحظ عليها بتدوخ كتير وتحس بغثيان أغلب الوقت ورجليها بتورم كل شوية، آه وكمان ساعات كتير كانت بتحس بضيق في التنفس ويجيلها مغص جامد في بطنها، ما كانتش بتقدر تاخد خطوة واحدة من شدة الألم ودايمًا تكتفي بالمسكن وتقول هبقى كويسة. استوعب دكتور خالد ما يحدث لسنية ثم قال لها: -طيب يا زهرة أنا مش عايزك تقلقي نهائيًا بس إحنا لازم ننقل مامتك للمستشفى حالًا وتتحجز لحد ما تفوق من الغيبوبة.

أجابت بصدمة والدموع تجري على وجنتيها بكثرة وقد آلمها قلبها كثيرًا على عزيزتها المريضة قائلة: -غيبوبة! طب ليه هي عندها إيه أصلًا؟ وهتفضل كده قد إيه؟ أنا ما أقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة، طب أعمل إيه أنا دلوقتي يا رب؟ تابع المنشاوي في صمت كذلك سليم الذي انفطر قلبه عليها وحزن لحزنها بشدة، أشفق عليها وتمنى لو بإمكانه احتضانها وتعويضها عما تمر به من آلام. أجاب خالد:

-للأسف عندها فشل كلوي، أنا مش فاهم ليه الإهمال لحد ما توصل للدرجة دي، لما حد يحس إنه تعبان بسرعة يروح يتطمن على نفسه بدل ما يتبهدل ولا تتطور حالته أو تسوء فيتعب بزيادة. أمال الطب ده لازمته إيه بس يا جماعة. تنهد ثم استطرد قوله في غضب: -عمومًا مش وقته الكلام ده دلوقتي ولا في منه فايدة. أنا هكلمهم يبعتوا الإسعاف تيجي تنقلها وبإذن الله هعمل أقصى ما عندي عشان تفوق من غيبوبتها... هتف سليم قائلًا:

-طب ما احنا معانا العربية نوصلها بسرعة لهناك. أجاب خالد: -لأ مالوش لزوم، عربية الإسعاف مهيأة أكتر للحالات اللي زي كدا. جلست زهرة تحتضن والدتها وتقبل يدها وتدعو الله أن يردها إليها سالمة من كل شر. دقائق وكانت سرينة الإسعاف تُعلن عن وصولها مما أثار الرعب والقلق في نفس زهرة أكثر، خوفًا من أن تفقد والدتها وتعيش وحيدة تمامًا، سيأخذونها بعيدًا عنها لعدة أيام حتى يأذن الله لها بالعودة من غيبوبتها.

قاموا بنقلها إلى عربة الإسعاف ثم وضعوها في وحدة العناية المركزة. وقفت زهرة خارج الغرفة تتأملها من خلف الزجاج وتبكي بمرارة على حالها، فقدت والدها ولم يهدأ لها جفن حتى سقطت والدتها هي الأخرى والله وحده أعلم بمصيرها. تقدم منها المنشاوي في أسى وأخذ يُربت على كتفها بحنان قائلًا: -يلا يابنتي، يلا نمشي وبكرة نرجعلها تاني. أجابت من وسط دموعها: -لا لا مستحيل، أنا هستناها هنا مش ممكن أسيبها وأرجع البيت لوحدي من غيرها.

-لأ ما انتي مش هترجعي عالبيت، أنا مقدرش أسيبك تباتي في البيت لوحدك. نظرت له بعدم فهم ثم قالت: -يعني إيه! أمال أنا هاروح فين؟ أجاب: -هتيجي معايا الفيلا متخافيش، في هناك زوجتي وأختها وبنتها مش هتبقي لوحدك، الدنيا مش أمان يابنتي وهوا ده أسلم حل. ردت بعناد: -لا لا أنا مش هقدر أروح مكان غريب عليا وفيه ناس غريبة. ثم نظرت إلى والدتها خلف الزجاج قائلة: -والنبي يا ماما فوقي عشان خاطري وروحي معايا عالبيت.

تحدث لها منشاوي بحنان: -انتي كده كإنك بتقوليلي مش واثقة فيا ولا مأمنة على نفسك وسط بيتي وأهلي. ردت بخجل: -أنا آسفة يا منشاوي بيه بس غصب عني والله. تدخل سليم قائلًا بهدوء: -زهرة لو سمحتي إفهمي، انتي بنت ماينفعش تبقي في البيت لوحدك، بالنا هيبقى مشغول عليكي، معلش هيا فترة مؤقتة وياستي وعد مني لو مرتاحتيش أنا هرجعك البيت بنفسي. تمام؟

نظرت زهرة في عيني سليم ورأت الصدق والحنان فلم تستطع أن ترفض فأومأت إيجابًا في صمت، هدأت له نبضات قلبها وشتات عقلها من الضجيج، شعرت وكأن الدنيا لم تخلو من حولها فهناك من يُحبها بصدق ويخاف عليها ويتمنى لها الرضى والراحة. شعر سليم وكأنه انتصر على عنادها وفرح لذلك ثم سحبها منشاوي من يدها بهدوء قائلًا: -يلا يابنتي تعالي الله يهديكي ويريح قلبك.

ذهبت معه بهدوء متوجهين إلى السيارة، تركها المنشاوي بصحبة سليم وسبقهم ليُجري اتصالًا بزوجته، أجابت في ضيق: -السلام عليكم، إيه يا منشاوي فينك كده اتأخرت أوي. -أنا آسف ياحبيبتي غصب عني والله المهم اسمعي، أنا راجع البيت حالًا ومعايا ضيفة، عايز استقبال يشرف ها. تساءلت بتعجب: -ضيفة؟! في الوقت ده! طب إزاي ومين دي؟ هتف بتعب: -ياحبيبتي اسمعي الكلام بس وأنا لما آجي هفهمك كل حاجة. أجابت في حنق:

-حاضر حاضر، تيجوا بالسلامة أنا في انتظاركم، مع السلامة. كانت زهرة تتساءل في نفسها بشأن سليم، لم تكن تصرفاته معها عادية، لما كل هذا الاهتمام، نظرته، أسلوبه، اهتمامه، غريب أمره معها ولكن طالت المسافة بينه وبينها فقالت في أسى، إنه تعاطف لا أكثر، هو متعاطف معي ويشفق على حالي لا أكثر. قطع شرودها صوت سليم يناديها بصوت عال: -زهرة مالك أنا بكلمك مبترديش خالص سرحانة في إيه بس! أجابت في حرج:

-ها.. معلش ماسمعتكيش هوا انت كنت بتقول إيه؟ -كنت بقول إيه؟ لا دا انتي مش معانا في الدنيا خالص، عمومًا يلا أهي العربية. فتح لها الباب الخلفي ثم قال: -اتفضلي. استقلت السيارة بهدوء كذلك سليم ثم أدار المنشاوي محرك السيارة وبدأ في التحرك، غادرت زهرة تاركةً خلفها قلبها وروحها وعقلها مع والدتها. ***

دقائق ووصلوا إلى فيلا المنشاوي في استقبال كلًا من بدرية وسماح وفريدة، كانت تبدو عليهم علامات الدهشة من تلك الضيفة الغريبة في ذلك الوقت المتأخر من الليل ثم قطع ذلك الصمت قول المنشاوي: -أعرفكم زهرة عبد الحميد. ثم وجه بصره إلى زهرة مشيرًا إلى زوجته قائلًا: -دي بدرية مراتي يا زهرة ودي سماح أختها ودي بقى فريدة بنتها. أجابت زهرة في حرج شديد وهي تومئ برأسها مُرحبة بهما: -أهلًا اتشرفت بيكوا. هتف سليم في حماس:

-إيه يا جماعة هنفضل على الباب كدا اتفضلوا يلا ندخل جوا، اتفضلي يا زهرة. تقدموا جميعًا بالخطوات إلا فريدة التي وقفت مصدومة مما رأت وهي تُفكر "طبعًا ليك حق تتلهف عليها بالمنظر ده، هوا ده جمال طبيعي! وكمان جايبها البيت أنا لازم أفهم إيه اللي بيحصل وإلا هايجرالي حاجة! .." دخلوا غرفة استقبال الضيوف ولحقت بهم فريدة في تعب.

لم تصبر بدرية لكي تفهم ما يحدث فسحبت منشاوي من يده وذهبت به بعيدًا عن الأعين لتسأله عن سبب عودته متأخرًا بصحبة تلك الفتاة اليتيمة. أما سماح فذهبت لإحضار شيئًا تشربه زهرة وفي رأسها يدور ألف سؤال وسؤال، و لم يبقى في الغرفة سوى سليم وفريدة وزهرة. قال سليم بسعادة: -نورتي بيتنا يا زهرة، إعتبري نفسك في بيتك بالظبط شوية كده وماما هتوريكي أوضتك لو حابة ترتاحي. أومأت إيجابًا في حرج وخوف. فاستطرد قوله:

-اتعرفي على فريدة بنت خالتي أنا ها أروح أغير هدومي وارجع تاني عشان نتعشى. شعرت زهرة بالاطمئنان عندما قال أنه سوف يعود ثانيةً فهي تقلق وتخاف عندما تكون موجودة وحدها وسط أناس لا تعرف عنهم شيئًا ولم يسبق لها أن رأتهم من قبل. ثم ألقت نظرة على فريدة التي تنظر لها بحنق وكره وغيرة ثم تفوهت أخيرًا: -هوا انتي هتباتي عندنا ولا إيه؟ أمال فين مامتك يعني مستغربة إزاي تيجي هنا لوحدك متأخر كده.

شعرت زهرة بالحزن الشديد كانت تود أن تبكي بشدة على وضعها الآن وهي بدون أمها لكنها لا تحب أن يراها أحد تبكي وتكره العطف والشفقة. لم تنطق بشيء نظرت لها بجمود تشعر أنها لو تحدثت بحرف واحد لانطلقت الدموع من مقلتيها بدون استئذان. غضبت لذلك فريدة فقالت: -هاي أنا بكلمك انتي ما بتسمعيش ولا خرسة ولا إيه بالظبط. قالت تلك الكلمات على وقت دخول والدتها ثم رمقتها بنظرة غضب فقالت: -إيه ده يا فريدة إزاي نكلم ضيوفنا كده عيب عليكي.

ثم وجهت حديثها إلى زهرة قائلة: -متزعليش يا زهرة ياحبيبتي دا هيا فريدة بس طيبة واللي في قلبها على طول على لسانها. اتفضلي ياحبيبتي العصير. نظرت لهم زهرة في ضيق قائلة في نفسها "كده وطيبة! أمال لو مش طيبة كانت طردتني!! .. يارب صبرني لحد ما أمي تقوم بالسلامة وأرجع بيتي عاجلًا غير آجل.." ثم استجمعت قوتها وقالت بابتسامة يزيد لها ضوء المكان وظهرت رقتها في نبرتها: -ولا يهمك يا طنط عادي فريدة زي أختي.

كادت فريدة أن تنطق بقول "أنا ماليش إخوات" لولا أن رمقتها سماح بنظرة جعلتها تفهم أن عليها أن تصمت وإلا لن تمر تلك الليلة على خير أبدًا. ثم قالت سماح: -طبعًا ياحبيبتي، اتفضلي اشربي العصير. *** في غرفة منشاوي هتفت بدرية في غضب: -أقدر أفهم بقى إزاي تجيب بنت غريبة عندنا الساعة دي! أجاب: -أنا آسف ياحبيبتي.. مامتها تعبت ونقلناها المستشفى وللأسف دخلت في غيبوبة.. البنت ملهاش حد في الدنيا أبوها لسة متوفي وأمها زي ما سمعتي كده.

شعرت بدرية بالحزن لكن داخلها جزء غاضب غير راضٍ فقالت: -وهيا هتشرفنا هنا قد إيه! إنت ناسي إن عندنا شاب في البيت وكدا ماينفعش! أجاب بنفاذ صبر: -اللهم طولك يا روح.. طب وبالنسبة لبنت أختك وأختك اللي عايشين معانا دول! مش بنت دي بردو وعندنا شاب؟ ردت بعناد: -بردو في فرق و.. وبعدين دي بنت أختي لكن دي بنت غريبة، ثم قالت بغضب علت له نبرة صوتها:

-إنت أصلًا إزاي متاخدش رأيي في حاجة زي كده، دي بنت فقر على أهلها مش هتبقى فقر علينا!!! شد منشاوي على قبضة يده غضبًا ثم قال: -الشدة هيا اللي بتبين معدن الناس يا بدرية، الظاهر إني لما عرفتك اتخدعت في طيبة قلبك وإنسانيتك لكن شوفي بقى.. برضاكي أو غصب عنك البنت دي هتقعد معانا لحد ما مامتها تقوم بالسلامة وأنا مستحيل أرمي لحمي في الشارع إنتي فاهمة! كان أثر وقع الكلمة على مسامعها ماحيًا لكل ما قاله وقد اتسعت حدقتا

عينيها في صدمة فردت قائلة: -لحمك!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...