بعد أن عاد سليم ووالده من العمل ولم يُعطِ إلى فريدة أدنى اهتمام، أشعل ذلك النيران بقلبها. كانت تشعر بالاشتياق الشديد إليه وتود محادثته بأي شكل من الأشكال. ظنت بأنها إذا تسللت إلى غرفته سوف تتمكن من التحدث معه بدون علم من والدتها. فريدة فتاة جميلة وطائشة، تثق بنفسها زيادة عن الحد المطلوب مما يدفعها لفعل أشياء لا يجب فعلها أبدًا.
بعد أن غادرت المكان متصنعة الخجل وأنها قامت لكي تحصل على الماء، غيرت وجهتها سريعًا وتسللت إلى غرفة سليم ودخلت دون أن يشعر بها أحد وأغلقت الباب خلفها بعد أن تأكدت بأنه لم يَرها أحد كالسارقة. استنشقت هواء الغرفة بلهفة وألقت بجسدها على سريره تحتضن وسادته وتستنشقها بحب قائلة: -يا بخت المكان اللي تنام عليه.. يا بخت المخدة اللي بتنام بين أحضانك كل يوم.
ثم قامت فجأة وأخذت تنظر وتجول بعينيها في أرجاء الغرفة حتى وجدت كتاب مذكرات سليم على مكتبه. مدت يدها لتتفحصه وهمت لفتحه وقراءة ما فيه، وفي تلك اللحظة خرج سليم من الحمام ولم يكن مغطى من جسده سوى خصره، لا يعلم بوجودها ولكن عندما لاحظ ذلك تسائل في ذهول وغضب: -فريدة! إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ارتبكت وفُزِعت ثم ألقت ما بيدها خوفًا دون قصد ثم غضت بصرها عنه قائلة: -أنا... أصل أنا.. قاطعها بغضب:
-إنتِ إيه ما تردي بتعملي إيه في أوضتي.. ثم لاحظ ما كان بين يديها وهمّ ليأخذها فوجد أنها مذكراته الشخصية فاستشاط غضبًا لذلك. ثم صرخ بها قائلًا: -إنتِ إزاي تدخلي أوضتي من غير استئذان وكمان بتفتشي في خصوصياتي؟ أنا آسف يعني هوا إنتِ ملاقيتيش حد يربيكي على الأصول ولا علمُوكي إن التدخل في خصوصيات الناس عيب!! أجابت وقد بدأت في البكاء: -أنا آسفة...
خرجت فريدة ودموعها تنهمر منها لا تعلم كيف وصلت إلى أول درجة في السلم ودون أن تشعر وقعت من أعلاه درجة تِلو الأخرى حتى اصطدمت رأسها بحافة السلم في آخره! صرخت بألم ثم فقدت وعيها تمامًا وتركت خلفها الدماء تسيل من كل مكان. سمعت سماح صوت ارتطام شيئًا ما وأحدهم يصرخ ثم توقف عن الصراخ فجأة فذهبت حيثُ ذلك الصوت فوجدت ابنتها ملقاة على الأرض ساكنة لا حراك فصرخت في خوف وقلق: -بنتي.. فريدة مالك يا فريدة إلحقوني بنتي هاتروح مني..
ذهب إليها سليم سريعًا بعد أن ارتدى ملابسه وبدون تفكير حمل فريدة بين يديه وذهب إلى السيارة وخلفه خالته سماح وصاحبتهم في المشوار بدرية أما المنشاوي فقد كان نائمًا ولم يشعر بشيء مما يحدث حوله. توجه سليم إلى أقرب مشفى حاملًا فريدة بين يديه والدماء تسيل منها فاستقبله أحد الممرضين بالترولي سريعًا قائلًا: -إيه اللي حصلها حادثة دي ولا إيه..! أجابه سليم:
-لأ وقعت من على السلم وهيا نازلة لو سمحت عايزين دكتور يطمنا عليها ضروري... بعد مرور بعض من الوقت استفاقت فريدة من إغمائتها واكتشف الطبيب أن أحد ذراعيها قد كُسر إثر وقوعها عليه كما كدمات بالرأس استحقت بضع غرز تألمت لها كثيرًا لكن مرّت. نائمة على السرير هادئة في ثبات، كان الجميع مجتمعين حولها يبدو على ملامحهم التوتر والقلق وبجانبها سماح تبكي وتتحدث إليها:
-مالك يا بنتي طمنيني عليكي حصلك إيه وإيه اللي وقعك كده يا فريدة.. أجابت في جمود: -ما فيش يا ماما أنا كويسة.. وقعت غصب عني. رفعت بصرها لتجد سليم بين الواقفين وتلاقت أعينهما فشعرت بالحرج ثم ذهبت بنظراتها بعيدًا عن عينيه الحادة الغاضبة. كان الجميع يتمنون لها السلامة والشفاء حتى قطع حديثهم دخول الطبيب يطمئن عليها وعلى المحاليل المعلقة في يدها ثم أعقب قائلًا:
-حمدًا لله على سلامتك يا آنسة فريدة إنتِ بخير دلوقتي أول ما يخلص المحلول تقدري تخرجي.. ثم استطرد قوله موجهًا حديثه للموجودين: -طبعًا يا جماعة هيا لما تروح لازم راحة تامة وممنوع أي مجهود أو عصبية وياريت تاكل كويس عشان تعوض الدم اللي نزفته.. ثم انتهى مما كان يفعل واستأذنهم مغادرًا المكان. أما سليم فقد كان عقله عند زهرة يُفكر فيها ويتمنى لو بإمكانه الاطمئنان عليها أو محادثتها.
مر الوقت وعاد الجميع إلى الفيلا ومرت عليهم تلك الليلة في تعب، فريدة تتألم نفسيًا وجسديًا وتشعر بالألم يجتاح قلبها أشد من آثار وقوعها على السلم حتى غطت في ثبات عميق. أما زهرة فقد باتت ليلتها تُفكر كيف ستُكمل حياتها لا سند لها سوى نفسها، تبكي تارة وتهدأ تارة أخرى، فكرت بأنها يجب أن تعمل وقد نوت البحث عن عمل في الصباح الباكر ثم نامت.
في صباح اليوم التالي استيقظت زهرة وهي تنوي البحث عن عمل، خرجت فوجدت سنية قد أعدت الفطار وكانت ذاهبة لتوقظها. زهرة: -صباح الخير يا ماما. -صباح النور يا حبيبتي لسه كنت جاية أصحيكي تفطري، بس إنتِ لابسة كده ورايحة على فين! أجابت زهرة بيأس: -هو مين يجيله نفس بس يا ماما.. نظرت لها سنية بحزن والتعب واضح على ملامح زهرة التي قضت ليلتها تفكر وتبكي. هتفت سنية فيها قائلة:
-عارفة يا زهرة الحزن والبُكى لو كان بيرجع اللي راح لكنت قضيت عمري كله أبكي.. أنا عايزاكي تحاولي تتعايشي مع أي ظروف بنمر بيها وما توقفيش حياتك وسيبي كل حاجة على الله.. نظرت لها زهرة بندم وحزن: -معلش يا ماما أنا آسفة بس غصب عني، أنا لسه مش قادرة أصدق إنه مات.. ما لحقتش أتهنى عليه ووحشني أوي، نفسي أحضنه وأقوله كل حاجة جوايا كنت مش بعرف أقولهاله، كنت هقوله أنا بحبك أوي يا بابا وإني ما أقدرش أعيش من غيره..
ثم انهارت في البكاء قائلة: -أنا اكتشفت إني ما كنتش بقوله إني بحبه ولا ببوس إيديه كل يوم ولا بشوف أي حاجة يحتاجها أو نفسه فيها وأعملهاله، بس متأخر أوي يا ماما.. متأخر أوي. ثم ألقت بجسدها على المقعد وهي تبكي بحرقة واضعة كفيها على وجهها لا تستطيع التوقف. احتضنتها سنية بحنان وأخذت تربت على كتفها وهي تردد، اللهم اربط على قلوبنا وارحمه.. ثم قالت برجاء:
-عشان خاطري يا بنتي ما توجعيش قلبي عليكي أكتر من كده، أنا عايزاكي قوية يا زهرة وما تعيطيش تاني أنا ما عدتش قادرة أستحمل شوفتك كده بتنهاري وأنا مش بإيدي حاجة أعملهالك، مش هوا ده الفراق، ربنا هيجمعنا بيه في الجنة إن شاء الله، الفراق الحقيقي لو لا قدر الله كان حد في الجنة وحد في النار.. وإن شاء الله ربنا يجعلنا من أهل الجنة وتشوفيه وتحكيله كل اللي في قلبك كمان.. أجابت في هدوء: -آمين يا رب.. استطردت سنية قولها:
-وبعدين لسه قدامك دراستك وحياتك وربنا هيعوضك كل خير، مش كلية الطب دي كانت حلم حياتك اللي تعبتي سنين عشانه.. أجابت في يأس: -خلاص بقى يا ماما دا كان حلم وخلاص راح لحاله. أجابت سنية بغضب: -لا طبعًا إنتِ بتقولي إيه، أنا لا يمكن أسيبك تضيّعي مستقبلك كده.. ردت زهرة في يأس: -يا ماما افهميني وضعنا دلوقتي ما يستحملش مصاريف كلية الطب دي صعبة، معلش يا ماما أنا مش هقدر أكمل خالص وأبقى عبء عليكي بالشكل ده. أجابت سنية في جمود:
-زهرة.. إنتِ كده بتقللي مني، هو أنا مش هقدر أحققلك اللي بتتمنيه يعني! عمومًا أنا قولت اللي عندي ويا ستي لو عايزة تشتغلي وإنتِ بتدرسي موافقة هعتبرها حرية شخصية ليكي، لكن اعملي اللي بقولك عليه وحققي لأبوكي اللي كان بيتمنى يوصلك ليه. تنهدت ثم أجابت: -حاضر يا ماما اللي تشوفيه، أنا لازم أمشي بقى.. -لأ مش قبل ما تفطري وترجعي ضحكتك الجميلة تنور وشك من تاني.. أجابت قائلة:
-حاضر يا ستي عشان خاطرك بس هاكل حاجة خفيفة قبل ما أمشي. ثم ذهبت معها إلى مائدة الطعام وجلسن يتشاركن وجبة الفطور ثم قطع الصمت اقتراح من سنية قائلة: -إيه رأيك يا زهرة لو أكلملك المنشاوي بيه يشغلك معاه في شركته، أكيد هنلاقي أي حاجة تناسبك.. أجابت بالرفض قائلة: -لا لا كفاية اللي عملوه معانا مش حابة نتقل عليهم أكتر من كده، وكمان أنا عايزة أعتمد على نفسي.. هتفت برجاء:
-معلش مهو أبوكي ليه عليه جمايل كتير وأكيد مش صعب يعني يشغلك عندهم الاختصاص مش بعيد أوي.. عشان خاطري يا بنتي خلينا نجرب وأهو أبقى قلبي متطمن عليكي أكتر، أضمن منين إن الشغل اللي هاتروحيه ناس كويسين! ارتشفت القليل من الشاي ثم قالت: -ما أنا أكيد مش هشتغل في أي حاجة وخلاص، وبعدين أنا هعمل اللي عليا ويا ستي لو أنا ما لقيتش شغل خالص هخليكي تكلميه، تمام كده؟ أومأت سنية إيجابًا في صمت. توقفت زهرة عن تناول الطعام قائلة:
-يلا أنا ماشية عشان ما أتأخرش أكتر من كده، دعواتك بقى ربنا ييسر الحال. أجابت: -ربنا يباركلك يا بنتي ويراضيكي زي ما بتراضيني ويجعل لك في كل خطوة سلامة ويوقف في طريقك ولاد الحلال ويكفيكي شر ولاد الحرام. ابتسمت زهرة في رضى وتمنت في قلبها استجابة دعوات والدتها ثم خرجت وكلها أمل في إيجاد عمل.
قضت يومها تسعى بلا جدوى ظلت يوم بعد يوم تبحث وتسأل وتقرأ إعلانات الجرائد ولكن الحال على ما هو عليه حتى فقدت الأمل تمامًا ولم يبقَ لها سوى أن تنصاع خلف اقتراح والدتها بطلب العمل مع المنشاوي بيه في شركته. *** في فيلا المنشاوي اجتمع الجميع في غرفة فريدة ليطمئنوا عليها كانت نائمة مُتعبة تساءل المنشاوي: -هو إيه اللي حصلها بقى؟ أجابت سماح: -والله أنا لحد دلوقتي ما فاهمة كل ما أسألها تقول وقعت غصب عني!
أنا أصلًا مش فاهمة كنتِ فوق بتعملي إيه وإنتِ قايلة إنك رايحة تشربي وراجعة.. ازدردت ريقها بصعوبة وقبل أن تجيب دخل سليم عليهم وهو يتساءل: -إنتوا هنا وأنا عمال أدور عليكوا.. ألقى نظرة على فريدة ثم قال: -ألف سلامة عليكي يا فريدة.. بابا لو سمحت عايزك. أجاب: -عايزني في إيه يابني ما تقول! أجابه في حرج: -كنت عايز أسألك يعني مش ناوي تعمل زيارة لزهرة ووالدتها؟! ضرب بيده على جبهته ثم قال:
-ياااه دا أنا نسيت خالص الموضوع ده، واجب بردو نسأل عليهم ونشوف لو محتاجين حاجة بس إمتى؟ تساءلت بدرية بتعجب وضيق: -تطلع مين زهرة ووالدتها دول؟ أجاب المنشاوي: -آه ما أنا نسيت أحكيلك، فاكرة اليوم اللي رجعنا فيه أنا وسليم متأخرين؟ اليوم دا كان جنازة صديقي عبد الحميد عرفاه انتي، كان المساعد بتاعي الله يرحمه. أجابت في أسى وصدمة: -هوا مات! الله يرحمه ويغفرله يارب، بس بردو مين زهرة ووالدتها!
-ما دي بنته ومراته، مالهمش حد وقولت واجب نرعاهم يعني ونقف جنبهم، البنت زي الورد والله وجميلة ملحقش يفرح ببنته، داخلة أولى طب زي سليم وفريدة. صمتت تفكر في الأمر ثم قالت: -لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا معاهم ويقدرك على فعل الخير. تساءل سليم: -طيب أنا بفكر نروحلهم النهاردة بعد الشغل إيه رأيك يا بابا؟ شعرت فريدة بنيران الغيرة تشتعل في قلبها وهي تقول في نفسها "وأنتَ شاغل بالك أوي كده ليه يعني؟
بقى هي دي اللي مشغول بيها عني؟ طيب أقوم بس من اللي أنا فيه وأنا هعرف إزاي أشيلها ست زهرة دي من طريقي وأخليك ليا لوحدي يا سليم." وقع بصره عليها ليجدها تحدق فيه بغضب والشر يتطاير من عينيها، لم يهتم لأمرها لكنه انتبه على صوت والده يقرر بالموافقة على طلبه في زيارة زهرة بعد انتهاء العمل ثم غادر معه. *** *عودة إلى الواقع*
استفاقت زهرة من شرودها وقد شعرت بالملل فخرجت من غرفتها ثم راودها شعور بالقلق على هايا ثم عادت للداخل على نية أن تبحث عن هاتفها لتتصل بها ولكن روائح الطعام الذي تُعده هنية أثارت انتباهها وألم الجوع بداخلها فتوجهت إليها مباشرة، متناسية أمر هايا التي تأخرت كثيرًا، ثم قالت لها: -الله الله يا هنية إيه الروايح الحلوة دي؟ بتطبخيلنا إيه النهاردة؟ ابتسمت هنية ثم أجابت بسعادة وحب: -محشي، بعمل محشي وملوخية خضرا وفراخ و..
قاطعتها زهرة قائلة: -وإيه تاني ما كفاية، دا المحشي لوحده حملة. ثم ضحكت فقالت: -شكلك كدة ناوية تبوظيلي الريجيم.. بس سيبك إنتي أنا كان نفسي فيه أوي.. يلا كملي وأنا هستعجل هايا ترجع عشان نتغدى سوى. أجابت هنية بفرحة: -ياااه يا ست هانم والله لو أعرف إن المحشي هيسعدك كدا كنت عملته من زمان. ابتسمت زهرة فهتفت قائلة: -آه صحيح عملتي حساب أم أحمد معانا؟ أجابت: -طبعًا، هوا أنا أقدر أنسى؟
دا أنا عملتلها شوربة خضار بالفراخ البلدي مخصوص، أنا عارفة إنك لما تعملي الخير بتحبيه يكون على أكمل وجه، عشان كده اتوصيت وربنا يجازيكي كل خير يا ست زهرة. أجابت مبتسمة: -ما اتحرمش منك يارب يا هنية، يلا شهلي إنتي بس وأنا هروح أكلم هايا. *** في إحدى الكافيهات تجلس هايا بصحبة صديقاتها يتحدثن بشأن الدراسة فتساءلت إحداهن: -ها ناويين تعملوا إيه بقى بعد التخرج؟ أجابت هايا بحماس: -أنا بحلم أشتغل في النيابة الإدارية.
ضحكت صديقتها أميرة بسخرية قائلة: -بالساهل كده؟ نيابة إدارية مرة واحدة! يا ستي إحلمي على قدك. ذهبت الابتسامة عن وجه هايا وقد احتقن وجهها غضبًا، ثم قالت: -دا بدل ما تشجعيني بتحبطيني! مش يمكن تتحقق وأقدر أتعب على نفسي وأوصل. ردت إيمان: -فعلًا هايا عندها حق. أجابتهم أميرة: -لأ معلش وإنتي بتحلمي خليكي واقعية شوية، دي مهنة مش سهلة وشروطها كمان صعبة.. مش عايزة أحرقلك النهاية بس إنتي هتشوفي بنفسك.
نظرت لها هايا بإحباط وإزعاج. هتفت صديقتهن إيمان قائلة: -أنا بقول الجواز أحسن مشروع بعد التخرج، أنا أتعب نفسي ليه ما جوزي هوا اللي يصرف وأنا أقعد في البيت معززة مكرمة. ردت أميرة: -طبعًا، واحدة مخطوبة هنستنى منها تفكر إزاي. ثم ضحكت بسخرية فقالت إيمان في حنق: -هوا إنتي مش عاجبك أي حاجة خالص؟ ربنا يهديكي على شياطين أفكارك. فقطع حديثهم ارتفاع صوت هاتف هايا يُعلن عن اتصال أحدهم فكانت زهرة فأجابت: -ألو...
أنا بخير يا ماما ما تقلقيش... حاضر يا حبيبتي مسافة السكة وأكون عندك، حاضر سلام. ثم أغلقت الخط وهي تحمل حقيبتها وهاتفها قائلة: -طيب يا بنات أنا لازم أمشي اتأخرت وماما بتستعجلني. ثم همت ذاهبة وذهبت معها الفتيات عائدات إلى بيوتهن هن الأخريات. بعد أن عادت هايا إلى بيتها وتشاركت الغداء مع والدتها وكذلك هنية التي أرسلت الطعام إلى جارتهم المريضة تساءلت زهرة موجهة حديثها إلى هايا:
-إيه رأيك لو نروح نعمل زيارة لجارتنا أم أحمد؟ انتفض قلب هايا ثم قالت بعدم تصديق: -بجد يا ماما؟ -آه بجد، زيارة المريض صدقة وأهي فرصة كويسة نتعرف عليهم ونتخذهم أصدقاء، الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وصانا بيها وقال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا"
وقال "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ". أجابت في حماس: -عليه أفضل الصلاة والسلام، طيب إديني بس خمس دقايق وأبقى جاهزة نروح. *** وذهبت هايا بصحبة زهرة إلى بيت تمنت كثيرًا لو بإمكانها الدخول إليه ورؤية تفاصيله.
طرقت على الباب ففتح لهم والد أحمد عم محمود ثم رحب بهم بسعادة قائلًا: -اتفضلوا يا ألف أهلًا وسهلًا بيتنا نور بيكم. ابتسمت زهرة بخجل وقالت: -إزيك يا عم محمود إحنا كنا حابين نتطمن على مدام هالة. أجاب: -البيت بيتكم يا بنتي وتشرفونا في أي وقت اتفضلوا تعالوا الصالون وأنا هقولها وأجيلكم.
عم محمود وزوجته هالة جيران لزهرة يعيشان بمفردهما منذ أن غادر وحيدهما أحمد الذي رزقهم الله به بعد أعوام من المحاولات والسعي وراء الإنجاب، سافر لاستكمال مسيرته العلمية فهو شاب متفوق يستحق فرصة وهو الآن في آخر سنة له بأعوامه الدراسية. أما محمود فهو مقعد على المعاش لا حلم له ولا هدف في الحياة سوى إسعاد ابنه أحمد ورؤيته شخص ناجح وسعيد. جلسن ينتظرن في هدوء. قطع الصمت هايا تتحدث بهدوء:
-شوفتي يا ماما عم محمود فرحان بزيارتنا قد إيه؟ أجابت: -حب الناس شيء جميل والأجمل يا بنتي إنك تعملي اللي يسعدهم ولو شوفتيهم مبسوطين بسببك هتلاقي حب غمر قلبك وسعادة لا تقدر بثمن. لفت انتباههم دخول مدام هالة ترحب بهم في سعادة. أجابتها زهرة: -ألف سلامة عليكي يا مدام هالة. ردت: -الله يسلمك يا حبيبتي دا أنا بقيت كويسة بشوفتك إنتي والجميلة بنتك.. ها تحبوا تشربوا إيه بقى؟ ابتسمت هايا في سعادة وأجابت زهرة:
-لا لا أنا مش حابة أتعبك، وبعدين أنا جايبة معايا شوية حاجات حلوة كده نقضي بيها وقت حلو مع بعض مش هسيبك النهاردة إلا وأنا مخرجاكي من جو التعب ده، دا إنتي لسه شباب ولا إيه يا عم محمود؟ قال عم محمود في حماس: -كتر ألف خيرك يا بنتي، الله يسعدك يارب.. أنا هعملكوا شاي عمركوا ما دقتوا في حلاوته. مرت الساعات بينهم دون أن يشعروا بالوقت حتى قالت زهرة في سعادة:
-طيب يا جماعة هنستأذن إحنا بقى وألف سلامة عليكي مرة تانية يا مدام هالة ربنا يتم شفاكي على خير يارب.. أنا مبسوطة جدًا إن اتعرفت عليكوا. أجابت هالة في سعادة: -والله إحنا كمان، دا بقالنا زمان محرومين من اللمة الحلوة دي. كذلك صدق على حديثها عم محمود: -فعلًا.. ياريت ما تقطعوش بينا وجودكم أسعدنا حتى شوفي أم أحمد راقت وبقت زي الفل إزاي. ضحكت ثم قالت: -الحمد لله ربنا يطمنا عليها إن شاء الله، يلا تصبحوا على خير.
اصطحبهم عم محمود إلى الباب ثم قام بتوديعهم وشكرهم على وجبة الغداء بامتنان وسعادة ثم عاد إلى زوجته مجبورًا خاطره.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!