الفصل 13 | من 33 فصل

رواية زمزم قلبي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم بيان الجارحي

المشاهدات
17
كلمة
2,177
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

صدمت عندما سمعت الطبيب يقول: "اللي كنت شاك فيه يا باشا، أنا بعتذر بجد، هي مصابة بمرض السل الرئوي. لو تم علاجه بأسرع وقت يبقى مش هيكون في خطر على حياتها. هو يختلف تماماً عن مرض السرطان. علاج السل الرئوي بيتم عن طريق مضادات حيوية وأدوية عدة وفق نظام غذائي، عكس السرطان تماماً لأنه علاجه من خلال جلسات كيماوي. لكن بإذن الله ربنا يكتب لها الشفاء، متقلقوش."

لوهلةٍ صدمت، صحيح لم أفهم ما قاله، لكن سماعي لأسماء تلك الأمراض كان كفيلاً بأن يدب الرعب إلى قلبي. سمعت عمي يسأل الطبيب: "إزاي حصل ليها كدا؟ أقصد أنه أكيد في أسباب للإصابة بمرض زي دا." أجاب الطبيب حينها بقول: "من خلال التحاليل اللي عملناها لاحظت إنها بتعاني من سوء تغذية، وسوء التغذية بيلعب دور في الإصابة بمرض زي دا." حينها شعرت بأنني أصبحت ابنة عشرين عاماً، وقلت بنبرة حزن وسخرية: "شيء متوقع." تعجب الطبيب وقال:

"الفترة اللي مرت دي إزاي كان أكلك؟ أقصد إيه اللي كنتِ بتاكليه أو بتشربيه؟ لم يعلم الطبيب بأن بسؤاله هذا جعل جروحي تنزف نزفاً شديداً، فأجبته: "تقريباً مكنتش باكل، كنت فاقدة الشهية." آهٍ لو علم الطبيب كيف كنت أعيش مع عائلتي!

كانوا يتركونني بالمنزل وحدي دون أي طعامٍ أو شرابٍ، ويخرجون لا أعلم إلى أين كانوا يذهبون. كنت أصرخ مراراً بأن لا يتركونني وحدي، لأنني كنت أخاف، كنت أرتعب، لكن لا حياة لمن تنادي. بدأت أشعر بالتعب والدوار يلتف حول رأسي ويحاوطه كالسياج الذي يحاوط حديقةً أو قصراً. أخبرت أمي مراراً بأنني أشعر بالتعب لكنها لم تهتم. أخبرت أبي بأنني متعبة، ولكن لم يهتم لي. اهتم بأخوتي وتركني كالغريبة. استيقظت من أفكاري

على صوت الطبيب وهو يقول: "على كل حال متقلقش يا باشا، هنبدأ بالعلاج بأسرع وقت." إيهاب: "مدة العلاج كام يا دكتور؟ حينها أجاب الطبيب بابتسامة مطمئنة: "بص يا بشمهندس إيهاب، إحنا هنبدأ بالعلاج وخلال أسبوعين هيبدأ المرض يخف والشفاء أسرع، لكن لو عدى أسبوعين من غير أي حاجة، كدا هيكون معاها مرض سل مقاوم للأدوية. وأتمنى ميحصلش الخيار التاني. وعلى العموم مدة العلاج هتكون ست شهور. وأتمنى بعد ست شهور ينكتب ليها الشفاء."

خرجوا من الغرفة بعد أن ابتسم عمي بقلق. بدأت برحلة العلاج والتي كانت عبارة عن مضادات حيوية وأدوية أخرى، واتباع نظام صحي ملائم للأدوية التي أتناولها. مر أسبوع وعائلة عمي لم تفارقني، وعائلتي مختفية. مر الأسبوع الثاني، وتأكد الطبيب بأن مرض السل الذي أصابني ليس مقاوم للأدوية وأستطيع الشفاء منه بإذن الله.

مر الأسبوع الثالث والرابع والخامس هكذا إلى أن أنهيت ستة أشهر. ستة أشهر رأيت فيهن تعب لم أراه من قبل. صحيحٌ بأنني كنت أتناول الأدوية بإنتظامٍ وأتناول الطعام بشكل جيد، لكن المكوث بالمشفى وأنت منعزلٌ عن الآخرين شعور سيء. فقد منع الطبيب دخول أي شخص إلى غرفتي حتى لا يتأذى أحد أو يصاب بالعدوى. وفي حال دخول أحد إلي، يرتدي كمامة طبية ولا يبقى طويلاً بالغرفة، خمس دقائق ويخرج.

اليوم هو آخر يومٍ في رحلة علاجي. أجرى الطبيب لي بعض التحاليل ليتأكد من شفائي مئة بالمئة. مر اليوم وحل المساء وأخيراً رأيت الطبيب وهو يدخل الغرفة ويرافقه كلٌ من بشرى وراجح. وقف الطبيب وبدأ يقرأ في التحاليل ثم رفع نظره وقال: "إحنا عملنا اللي علينا والشفاء والتوفيق وكل حاجة من عند ربنا. إحنا عملنا اليوم تحاليل لنتأكد من شفاء زمزم هانم. إيه مستعدة تعرفي النتيجة؟

لا أنكر أنني ولوهلةٍ ارتعبت قليلاً، وعالت نبضات قلبي خوفاً من النتيجة. لكنني استعنت بالله وقلت: "مستعدة يا دكتور، اتفضل." الطبيب بابتسامة مطمئنة: "وكدا أقدر أقول إنه الغرفة دي محتاجها مريض غيرك. الحمد لله هي الآن بخير وكل حاجة سليمة ومفيش أي حاجة بتعاني منها." لم أنسى احتضان بشرى لي وفرحها. لم أنسى دخول زوجة عمي واحتضانها لي، كان حضنها دافئ. لم أنسى فرحة الجميع عندما خرجت من المشفى. ولكن!

عندما أخبر عمي أبي بما مررت به لم يهتم أبداً. كذلك أمي وإخوتي من دون رؤوف، فهو الوحيد الذي زارني. صحيح لم يطل في زيارته ولم يحدثني إلا بضع كلمات وهي "سلامتك، إزيك". بعد مرور أسبوع.

كنت أعيش مع عمي في منزله بعد أن أخبر أبي بأنه سيأخذني لأعيش عنده بضع أشهر ووافق دون أن يسأل السبب. عدت للمدرسة. لم أكن مقربة من أحد. كنت أحب الجلوس وحدي برفقة كتبي بعيداً عن العالم. كنت متفوقة بدراستي، وأحصل على درجات عليا. مرت السنة الأولى والثانية والثالثة هكذا إلى أن أصبح عمري سبعة عشر عاماً. في خلال هذه السنوات عرفت أن العائلة الحقيقة ليست تلك التي تولد بها، بل تلك التي تحتويك في أوقات حزنك وسعادتك. عرفت أن الأم

ليست تلك التي تنجب، بل تلك التي تربي وتحتوي وترعى، تلك التي تكون نوراً لدربك، تلك التي تكون لك صديقة ورفيقة ومحبة وأخت. عرفت أن الأب ليس ذاك الذي يرافق اسمك، بل ذاك الذي يكون لك سنداً وصديقاً ورفيقاً وأخاً. عرفت أن ليس جميع الإخوة يستحقون لقب الإخوة، بل هناك إخوة يكونون لك شمساً في نهارٍ غائم، ويكونون لك قمراً في ليلٍ يأسره الظلام. عرفت من يحبني ومن يكرهني. عرفت كل شخص على حقيقته. مع ذلك لم أطوي عائلتي من صفحات كتاب

حياتي، بل بقيت أحبهم وأخاف عليهم.

لم أقدم الثانوية ولم أدرسها بسبب تعب أبي ودخوله في غيبوبة، بسبب إخوتي الذين حطموه وحطموا آماله. تعب عليهم كل هذه السنين، وأفنى حياته لهم، وسلمهم أعماله، لكنهم وللأسف لم يكونوا قادرين على حمل هذه الأمانة وقوت عيشنا، وصرفوا كل شيءٍ على أمور لا ترضي الله، وأمور أخرى، إلى أن فقدوا جميع ما أورثه أبي لهم، بإستثناء المصنع الذي بقي فقط. انقلبت حياتهم رأساً على عقب، بعد أن كانوا الكل بالكل ويعيشون حياة جميلة، أصبحوا يعيشون

حياة سيئة. دخل أبي في غيبوبة وأسر المرض جسده، وأصبح عاجزاً غير قادر على فعل أي شيء. عشت مع عمي وبصراحة العيش معه أفضل بكثير، فقد كانت أمي تعاملني كالجارية وللأسف لربما الجارية تعاملها معاملة حسنة. في حال كنت أريد زيارتهم كنت أذهب ثلاثة أيام بالأسبوع فقط وأعود منطفئة إلى منزل عمي، لكن لم أكن قادرة على البعد عنهم. وصحيح تأزمت حالة أبي ولم يستطع الأطباء فعل أي شيء سوى أن يتركوا الأجهزة عليه. وبسبب حالة أبي، لم أستطع

الدراسة وتأثرت بحالته وتعبت نفسيتي ولم أكن قادرة على فعل أي شيء سوى الصلاة والدعاء له.

مرت هذه السنة وجاءت السنة التي بعدها، وأصبح عمري ثمانية عشر عاماً. ما زال حال أبي كما هو، صحيح أنه استيقظ وخرج من المشفى وكما قلت كان عاجزاً غير قادر على فعل أي شيء، ولكن وللأسف تأزمت حالته أكثر بعدما رأى معاملة إخوتي له ومعاملة أمي له، ومقاطعة الناس لنا. تأثرت نفسيته كثيراً وأهمل صحته أكثر وأكثر، فعاد للمشفى وحالته متأزمة أكثر من اللازم. وللأسف بعد أسبوعين دخل في غيبوبة. وللأسف لم أقدم الثانوية بسبب ما حصل معي.

في يوم من الأيام كنت في منزل أبي. استيقظت من النوم، رأيت أمي تدلف إلى غرفتي وتقول: "البسي حجابك عندنا ضيوف، اطلعي سلمي عليهم." لوهلةٍ صُدمت مما قالته، فالساعة لم تتعدى السابعة والنصف صباحاً. لم أجادلها كثيراً، وذهبت غسلت وجهي ثم ارتديت لباساً فضفاضاً وحجابي، ثم خرجت من الغرفة.

رأيت أمي وإخوتي يجلسون مع امرأة يبدو أنها أم لذلك الشاب الذي يجلس بجانبها. شعرت بانقباض في قلبي ولم أشعر بالراحة قط لنظراتهم. لكنني سلمت على المرأة بكل هدوء ثم جلست بجانب أمي. فجأة نهض رؤوف واستأذن وخرج من المنزل بسبب رنين أحد أصدقائه عليه. وبعد مرور دقائق نهضت أمي وقالت بابتسامة: "أهو البنت عندكم، إحنا هنطلع من هنا بس قبل كدا الفلوس تكون معانا." صُدمت مما تقوله أمي وقلت: "ماما انتِ تقصدي إيه، ومين دول؟

لم ولن أنسى نظرتها في تلك اللحظة ولن أنسى كلامها الذي كان بمثابة خنجرٍ أصاب قلبي وجعله ينزف نزفاً لم يعلم بمقدار وجعه إلا الله. "بصي أنا كدا كدا عمري ما حبيتك بنتي أه، بس كرهتك معرفش ليه، فـ أنا مش شايفة أي لازمة لقعدتك هنا أو لوجودك بالحياة أصلاً. دا دكتور مرزوق ودي والدة حضرته." ثم اقتربت مني بهدوء وقالت: "دول بيتاجروا بالأعضاء بالسر محدش يعرف عنهم حاجة، وأهو لأول مرة هنستفيد منك بحاجة."

صدمة، رعب، قلق، توتر، بكاء، كل هذا حصل معي مرة واحدة. سمعتها وهي تقول: "أهي عندكم اعملوا اللي تعملوه." سمعت صوت المرأة وهي تقول: "الفلوس بالبنك اتفضلي استلميهم." سمعت ضحكة أمي وإخوتي، ضحكة لن أنساها مدى حياتي. فجأة خرجوا وتركوني لوحدي معهم. صرخت صرخات متتالية لعلَّ صرخاتي توقظ أمي، لكنها لم تستمع لي. وجدتهم يقتربون مني وعلامات الشر بادية على وجوههم. مهلاً، أليس لديهم أي قلب؟ ألا يعرفون الرحمة أبداً أو الرأفة؟

هربت منهم وأنا أصرخ إلى غرفتي، أغلقت الباب بسرعة بالمفتاح، وبدأت أبحث عن هاتفي لأتصل بأي أحد يساعدني. صوت شهقاتي وبكائي كان يعلو أكثر وأكثر. صوتهم وهم يأمرونني بأن أفتح الباب كان مرعباً. كانوا يحاولون كسر الباب. خوفي، خوفي ازداد، وأخيراً وجدت هاتفي، ضغطت على أول رقم رأيته. ثواني وجاءني الرد وكان ابن عمي راجح. لم أستطع الرد بسبب كسر الباب ودلوفهم إلى الغرفة. بدأت بالصراخ ليصل صوتي إلى ابن عمي ليأتي وينقذني.

حاولت التحدث وقلت: "سيبوني، عايزين مني إيه، سيبونيييي، ابعدوا عنييي." ضحكت المرأة وقالت: "إيه يا حبيبتي، أنا دافعة لأمك مليونين جنيه، وجاية تقولي ليا ابعدوا عني، مش هنطلع من هنا إلا واحنا مخلصين عليكِ." لحظة! بدأت بالصراخ مرة أخرى ولكن للأسف، لم أسمع صوتي. صوتي اختفى. حاولت أن أجد أي شيء لألقيه عليهما لكن لم أجد للأسف.

فجأة لم أشعر بأي شيء. شعرت بأن هناك غمامة سوداء فوق رأسي. شعرت بأن الظلام أسر عيوني، وفقدت الوعي تماماً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...