وصل الجميع للمشفى. نزلت زمزم بسرعة من السيارة وتوجهت للداخل، تبعها رؤوف بسرعة. توجهوا لغرفة الطبيب بسرعة. أذن لهم الطبيب بالدخول فدخلوا. رؤوف: دكتور بابا فينا؟ اقترب منه الطبيب فهو يعتبره مثل ابنه وربت على كتفه وقال: البقاء لله. الممرضين بجهزوا فيه علشان تاخدوه. عمك قال إنكم هتاخدوه وتغسلوه وتجهزوه هناك علشان تودعوه كويس قبل الدفن. شد حيلك يا ابني. رؤوف بحزن وعجز كبير: ربنا يرحمه.
نظر رؤوف لزمزم فوجدها تنظر أمامها بشرود، هادئة، ساكنة. اقترب منها واحتضنها وقال: زمزم، حبيبتي أنتِ بخير؟ قبل أن تجيب، دخل الجميع للغرفة بعد أن استأذنوا، وأخبرهم الطبيب بالذي قاله لزمزم ورؤوف. زمزم بهمس لرؤوف: عايزة أخرج من هنا. وقف رؤوف وقال: عمي إيهاب، معلش هاخد زمزم ونطلع برا. إشراق بحزن: أنتِ بخير يا حبيبتي؟ أماءت برأسها إلى الأمام بمعنى نعم. أخذها رؤوف وخرج إلى حديقة المشفى. جلسوا على المقاعد، ونظرت زمزم للسماء.
رؤوف بهدوء: زمزم، مالك؟ هادية وساكنة كدا ليه؟ زمزم بشرود: هو يبقى كدا خير، ليه؟ أقصد أحسن ليه من كل التعب اللي كان عايشه. رؤوف بهدوء: أحسن مما تتخيلي. زمزم بدموع: لكنه في الفترة الأخيرة كان بيتحسن. رؤوف: مش يمكن بعد ما يتحسن ويخرج من المشفى، تسوء حالته؟ ربنا أعلم بكل حاجة، لعله خير لبابا ولينا.
احتضنها رؤوف وقال: مش هقولك متعيطيش يا زمزم، ولا هقولك متزعليش، لا ازعلي وعيطي واعملي اللي تعمليه، لكن عايزك بس تصبري شوية، ده اختبار من ربنا لحتى يشوف مدى صبرك وهو أعلم بمدى صبرك. أسندت رأسها على كتفه وقالت: يمكن مقعدتش معاه أوي، لكن بعده كسرني، وخلاني تايهة وضايعة. نزلت دموعها بصمت وقالت: آخر فترة قعدتها معاه، يمكن مش كبيرة لكن أثرها كبير جدا، اتمنيت يفضل معايا وقت أطول.
أحس رؤوف بأن ظهره قد كُسر، أحس بأنه عاجز غير قادر على الكلام والحراك، أحس بالوحدة والحزن والألم، لكن قال في نفسه: لازم تصبر يا رؤوف، على الأقل علشان أختك، لازم تصبر، لعله خير. ثم قال لزمزم: ادعيله يا حبيبتي ادعيله. مر الوقت، إلى أن جاء الصباح. صباحٌ هادئ وساكن، صباحٌ حزين، يغلبه الهدوء والألم. تم الإعلان عن وفاة إيهاب، ودفنه في مقابر المالكي. أقيم العزاء في منزل إيهاب، كان النساء بالداخل، والرجال بالخارج.
كانت زمزم جالسة بين زوجة عمها وعمتها، وزينب بجانب نهلة. وأثناء ما كانت زمزم تقرأ القرآن بينها وبين نفسها، نظرت لها زينب بشرود وقالت في نفسها: معقول مازن سبب موته يا إيهاب؟ أستغفر الله العظيم. أتمنى ميكونش ليه دعوة، أتمنى يارب، لأنه زمزم لو عرفت مش هتسيب حق أبوها كدا. ربنا يرحمك يا إيهاب. مر اليوم الأول بتعب على الجميع. بعد رحيل الجميع، دخل إيهاب والشباب ومازن إلى الداخل. نظرت زمزم لمازن الذي اقترب منها
واحتضنها بتمثيل وقال بهمس: خلصنا من واحد، واهو ماشيين بالدور يا حلوة. كان كيوت أوي، ربنا يرحمه. صدمت زمزم مما سمعته. ابتعد عنها مازن، ثم احتضن زينب، وقال: مضطر أسافر وأرجع أمريكا، البقاء لله يا جماعة، عن إذنكم. خرج مازن وقال في نفسه: هههه خلصنا من أول واحد، الدور اللي جاي على حبيبي إيهاب باشا هههه. واستقل سيارته، ثم توجه إلى المطار، ثم إلى طائرة المسافرين لأمريكا. في منزل إيهاب.
قال إيهاب: إشراق، البيت، ولا محتاج تجهيز؟ لأنهم مش هيروحوا إلا لبعد ما يخلص العزاء. محمد: مفيش داعي يا عمي. راجح بهدوء: محمد، بابا قال كلمة، مفيش بعدها كلام، وهو معاه حق. إشراق: هروح أشوفه أنا والبنات، عن إذنكم.
خرجت إشراق وبناتها ومعهم تامر إلى المنزل المجاور لمنزلهم، حيث أن هناك من يملكهما إيهاب، المنزل الذي يجلس فيه، وهو كبير، ومنزلٌ آخر، كان يجلس به هو وأولاده عند مجيء أحد لزيارة بناته أو زوجته، أو ينام عندهم إحدى رفيقات بشرى بالعمل. رتبت إشراق المنزل، ثم خرجت لمنزلها وقالت: البيت جاهز. وقف أحمد ومحمد وقال أحمد: تسلم يا عمي. ثم أعطاهم إيهاب مفتاح المنزل، خرجوا من منزل إيهاب للمنزل المجاور. وقفت زمزم بتعب مما جرى اليوم،
ومما سمعته من مازن وقالت: هطلع أوضتي أنام. إشراق بقلق: مالك؟ وشك أصفر كدا ليه؟ أنتِ مأكلتيش أي حاجة من امبارح بالليل. زمزم بهدوء: معلش يا ماما، أنا الحمد لله تمام. نهلة: اطلعي يا حبيبتي، وأنا هجيبلك حاجة بسيطة تاكليها، مينفعش تفضلي كدا. أماءت رأسها بنعم، وصعدت ومعها بنات عمها. دخلت الغرفة وجلست على السرير. اقتربت
منها بشرى واحتضنتها وقالت: عارفة إنك مش عايزة تتكلمي، لكن قومي بدلي هدومك وصلي ركعتين لله، وادعيله بالرحمة يلا، وأنا وأزهار وورود كمان هنعمل كدا، يلا يا حبيبتي. نهضت بشرى وقبلت رأسها وقالت: اختبار من ربنا مش أكتر. ثم خرجت هي وأخواتها من الغرفة. نهضت زمزم وبدلت ثيابها، ثم توضأت وصلى ركعتين لله، ثم رفعت يديها بعد السلام وقالت:
اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أظله تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك. اللهم نور مرقده، وعطر مشهده وطيب مضجعه وآنس وحشته وفرج عنه كربته. وعافه من عذاب القبر وفتنته ووحشته يارب أغفر لأرواح تراها ولا نراها. اللهم هب له بقدر دعاء الصالحين للأموات رضواناً وأكرمه بفردوسك الأعلى يارب العالمين.
اللهم أمطر على قبره وأجمعنا به في دار لا يفنى نعيمها اللهم آمين. اللهم اجعل من فوقه نورا ومن تحته نورا وعن يمينه نورا وعن شماله نورا حتى تنقله في نور من نورك. اللهم اغفر لأغلى من غاب عن الدنيا وارحمه واحشره في زمرة المتحابين فيك وأجعل ملتقانا به في الفردوس الأعلى يا رب العالمين. اللهم أغفر ذنبه وأرحمه برحمتك يا رب العالمين، وأرحم كل ميت من أموات المسلمين ليس له من يدعو له.
بكت زمزم كثيرا، ثم سجدت لله تدعوه وتناجيه، فهو أعلم بحالها، وقالت في سجودها: اللهم كن معي وأسندني وساعدني، ربي إنه فراقه صعب، فهون عليَّ فراقه، واجبر كسري وخفف حزني وتعبي، رباه رجوتك وأنتَ الأعلم بحالي، فاجبرني، وكن معنا في هذه المحنة، اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ثم نهضت وبدأت بقراءة القرآن. بالأسفل. رؤوف: عن إذنكم، هطلع أنام. جاءت نهلة ومعها بعض الوجبات الخفيفة وأعطت
جزء منها لرؤوف وقالت: كل دول يا حبيبي عشان تقدر توقف على رجلك، ومتتعبش. رؤوف بهدوء: حاضر، عن إذنك. وصعد إلى غرفته، وضع الطعام جانبا، وذهب بدل ثيابه ثم توضأ وصلى، وسجد لله وهو يبكي ويناجي ربه، ثم أمسك مصحفه وبدأ في قراءة القرآن. صعد الجميع للأعلى، وتوجهت إشراق ونهلة إلى غرفة زمزم. فتحت نهلة الباب بعد أن أذنت زمزم بالدخول وقالت: حبيبتي صاحية؟ نهضت زمزم ثم وضعت المصحف في مكانه وقالت: تعالي يا عمتو، أنا صاحية.
دخلت نهلة ومعها بعض الطعام، وتبعتها إشراق التي احتضنت زمزم بهدوء وقالت: عارفة يا حبيبتي إنك تعبانة، بس كل حاجة من الأكل ده عشان متتعبيش. زمزم بحزن: رؤوف فين؟ هو بخير؟ نهلة: هو بخير، هو بأوضته. زمزم: معلش هروح أشوفه وأرجع، مش هطول. نهلة: تمام، إحنا هنا منتظرينك. ابتسمت زمزم بحزن، وخرجت لغرفة أخيها، دقت الباب فأذن بالدخول، فدخلت. زمزم بحزن: رؤوف، أنت كويس؟ رؤوف بابتسامة بعد
أن وضع مصحفه جانبا وقال: تعالي يا حبيبتي، أنا كويس متقلقيش. احتضنته بحنان وقالت: كنت جاية أطمئن عليك، وأروح أنام، يلا تصبح على خير. ابتسم رؤوف، وقال: وأنتِ من أهل الخير. خرجت زمزم، ثم توجهت لغرفة عمها، استأذنت ودخلت، كان الشباب والفتيات يجلسون عند إيهاب، ويقرأون القرآن. تبسمت زمزم بهدوء وقالت: عمو أنت كويس؟ نهضت بشرى وقالت: تعالي شوفي عمك يا زمزم، مش راضي يتكلم ولا حتى يأكل. اقتربت منه
زمزم وجلست بجانبه ثم قالت: عارفة قد إيه أنت زعلان وحاسس بـكسر مش هقدر أوصفه، لكن ده خير من ربنا، ادعيله بالرحمة، وكل حاجة هتكون تمام. إيهاب بهدوء وحزن: إن شاء الله خير. ابتسمت زمزم وقبلت رأسه، فقال: رؤوف فين؟ زمزم: متقلقش رؤوف كان قاعد بيصلي، وتركته يأكل، وأنت هتركك تأكل، عشان صحتك. أماءت برأسه بنعم، ثم نهضت زمزم وخرجت من الغرفة. نزلت للأسفل، وشربت قليلا من الماء وقالت: يا ترى أحمد ومحمد عاملين إيه، و...
ماما: بعد كل اللي عملوه، ولسه خايفة عليه؟ نظرت خلفها فوجدت تامر يقف ويسند ظهره إلى حاجز باب المطبخ ويكمل قائلا: نسيتي كل حاجة عملوها. زمزم بحزن: مقدرش أشوفهم في حالة زي دي وأسكت، لأجل إنهم عملوا معايا حاجات وحاجات محدش يتحملها. تامر: لكن هم مسألوش على عمي لما كان بالمشفى، هيسألوا عليه بعد ما راح؟ زمزم بتعب: معرفش يا تامر معرفش، أنا عايزة أشوفهم. اقترب منها تامر واحتضنها وقال بابتسامة: حاضر، أنا كم زمزم عندي؟
يلا اتفضلي. ابتسمت بوجهه وخرجت مع أخيها، للمنزل المجاور. رن تامر الجرس، ففتح له محمد الذي قال: اتفضلوا. أدخلت زمزم بحزن وقالت: ماما فين؟ جاء أحمد وقال: بأوضتها على إيدك اليمين. ذهبت لغرفة والدتها، بينما جلس ينتظر زمزم. في غرفة زينب. زينب: مقدرش آجي وأسأل عنها إلا لمدة أسبوع، أرجوكي انتبهي ليها. : هه انتبه ليها؟ وكأنها من دمك؟ ده بنتك اللي من لحمك ودمك معملتيهاش كدا.
قفلي يا زينب، هتم بيها مش عشانك، عشان زياد باشا الله يرحمه. ثم أُغلق الخط. قاطع تفكير زينب صوت الباب، فقالت: اتفضل. دخلت زمزم، فقالت: احم، معلش آسفة إذا كنتِ نايمة وصحيتك. زينب بصدمة من وجودها: لا مكنتش نايمة. اقتربت منها زمزم ثم احتضنتها وقبلت رأسها وابتعدت فقالت: البقاء لله. زينب بصدمة: شكراً. زمزم ببسمة بسيطة وصوت يبدو عليه الحزن: إيه يا زينب هانم؟ متخيلتيش ولا توقعتي إني أجلك صح؟
لكن أنا متربتش كدا، حتى لو مش عايزاني معاكِ، أنا جيت عشان أشوف أخواتي ومتقوليش إني مسألتش عنك. زينب: زمزم أنا... قاطعت زمزم حديثها قائلة: الكل انتبه إنك مكلمتنيش اليوم، سواء ناس تعرفيهم وأعرفهم أو لا، مش هطلب منك مبرر، بس خلاص حصل خير، عن إذنك. خرجت زمزم تاركة زينب شاردة في أفكارها. في الخارج. اقتربت زمزم من محمد ثم احتضنته وقبلت رأسه، وهكذا فعلت مع أحمد، ثم قالت: البقاء لله، يلا بينا يا تامر. وقف تامر قائلا: يلا.
محمد بتردد وعجز وحزن: زمزم. نظرت له زمزم فقال: ممكن تفضلي هنا، أرجوكي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!