تتضارب مشاعر الخوف والحب، فتصنع مزيجًا غريب ربما يجعلك تخطئ في رؤيتك للأمور. على الشخص أن يفكر جيدًا ويتمالك نفسه حتى يرى الأمور بوضوح أكثر. تدخل على والدتها وشقيقتها وهي ترفع هاتف والدها، تبتسم بغل وضيق. دخل والدها وجلس جوار والدتها وقال كأنه لم يحدث شيئًا: "أعطني الهاتف يا سهيلة، تحدثتم إلى زينب؟ أمسكت الهاتف سهيلة وهي تحرك يدها به وتقول بضيق: "استمع يا والدي إلى هذه المكالمة."
قامت بتشغيل المكالمة بينه وبين زوج رهف، وقالت بحزن: "ما هذا الذي فعلته؟ الم تفكر بإبنتك ولو للحظة واحدة؟ كيف سيكون شكلي أمام أهل آثر عندما يعلمون بفعلتك هذه؟ قال والدها بغضب: "انتبهي لحديثك، لقد تحملنا الكثير من أفعالك منذ أن عرفتي هذا الوقح، لا نريد هذه العلاقة." بعينين دامعتين تتحدث سهيلة: "أتُعني أن ما فعله زوج رهف أعجبك يا أبي؟ أنت توافقه على أفعاله الرخيصة هذه؟ "أجل أوافقه وراضٍ كل الرضا عما فعل."
"حسنًا يا أبي، ليكن بديلاً لك عني. سأترك لك المنزل الآن وأعطِ زوجها مكاني وتهنأ به وبأفعاله." بصوت غاضب ومرتفع قال والدها: "اذهبي بلا رجعة، هيا بلا رجعة." رنت تلك الكلمات رنات ارتجف لها قلب سهيلة. أدارت ظهرها وخرجت إلى غرفتها وهي تسمع تردد تلك الكلمات في أذنها كآلة عازفة لا تتوقف عن العزف على أوتار قلبها الحزينة، التي تصدر موجات الألم والوجع بلا توقف.
دخلت إلى خزانتها تخرج ملابسها وتضعها في حقيبة سفر. رن هاتفها بمكالمة من آثر. أجابت باكية وهي تقول: "أجل يا آثر، اسمعني جيدًا، زوج رهف هو المسؤول عن كل ذلك." "ماذا تقولين؟ زوج رهف؟ "نعم زوجها، لم يكن أبي يعلم بذلك." دخلت والدتها وأخذت منها الهاتف وأغلقت الخط عندما سمعتها وهي تقول آخر كلمتين: "أبي يعلم ذلك". وقالت: "هل جننتي؟ كيف تخبريه بأن والدكِ يعلم؟ نظرت إليها سهيلة بكسرة وقالت: "وهل ما فعله كان صوابًا يا أمي؟
لم يفكر بي ولا بمظهره أمام الناس، والآن تخشين أن يعرفوا بفعلته. لا تقلقي، لم أخبره. لقد أخبرتك أنه لا يعلم بما فعله زوج ابنتك، والتي اشتركت معه في فعلته هذه." أدارت ظهرها إليها وهي تخرج ملابسها من خزانتها. أمسكت والدتها بحقيبتها ودفعها بعيدًا على الأرض وهي تقول: "اتركي هذه الحقيبة، إلى أين ستذهبين؟ هل هناك فتاة تترك منزل والدها ومنزلها لأجل شخص غريب؟ صرخت سهيلة وهي تقول:
"ليس منزلي ولم يعد كذلك، لقد اختار أبي بديلاً عني. ليس لأجل شخص غريب، بل اكتفيت من أفعالكم، اتركوني وشأني." ذهبت إلى الحقيبة وهي تبكي بقهر. رفعتها على سريرها وهي تضع بها الملابس، ودخلت شقيقتها وقالت بكل برود: "ماذا تفعل هذه؟ هل ستترك المنزل لأجل آثر؟ زادت سهيلة تلك الكلمات الباردة ضيقًا، أردفت تنظر إليها بغضب وقالت:
"لا تقولي لأجل آثر، بل قولي بسبب زوجك الوقح، الذي اشتركتِ معه في خطته الدنيئة، يا لكم من حمقى لا تخجلون." كادت أن تتشابك معها ووقفت بينهما والدتهن. فقالت رهف من خلف ظهرها: "نحن لسنا حمقى يا سهيلة، فعلنا ذلك لأجلك، لأجل مصلحتك، لا نريد أن تتأذي. هذا الشخص لا يناسبك أيتها الغبية، كفاكِ غباء واستيقظي من غفلتكِ. هو لا يريدكِ بل يريد نسبة وما لديك ولدى عائلتك أيتها الرخيصة." غضبت سهيلة كثيرًا وقالت لها بتهديد:
"الرخيصة هي أنتِ وزوجك يا رهف، الرخيصة من أخذت رقم هاتف والد آثر من هاتفي دون علمي وأعطته لزوجها. الرخيصة من تبيع أختها لأجل رغبة زوجها الرخيص في الحصول على عمل من صديقه وكيل النائب العام. تعلمين ما أقصد، أليس كذلك؟ ما رأيك في أن أخبر والدتكِ ووالدكِ الآن بما كنتم تخططون لفعله أنتِ وزوجكِ؟ ها، ما رأيك؟ عندما طلبتي مني أن أذهب معكِ بحجة شراء ملابس لأطفالك." وقفت والدتها بينهما بغضب وقالت منفعلة:
"توقفن، كفاكن شجارًا، ما هذا الذي أسمعه؟ ماذا تقولين يا سهيلة؟ عادت سهيلة خطوتين إلى الخلف وقالت وهي تشير إلى رهف بتهكم، تبتلع ريقها بصعوبة من شدة البكاء وتحاول التقاط أنفاسها، تتسارع ضربات قلبها من الانفعال والغضب:
"سأخبركِ يا أمي، في يوم ما طلبت مني رهف أن أذهب معها وزوجها لشراء ملابس لأطفالها من المدينة، ولحسن حظي في هذا اليوم كان لدي عمل وعدت إلى المنزل في وقت متأخر قليلاً، وكنت متعبة ولم أستطع الخروج. في هذا اليوم لم تكن تريد شراء الملابس، بل كانت حجة لتضعني أمام الأمر الواقع، تجعلني أقابل محمد بك في موعد غرامي، تلتقط لي بعض الصور وأنا برفقته وترسلونها إلى آثر وعائلته." بصوت غاضب ومنفعل تصرخ سهيلة وتقول:
"لقد وصلت بهم الوقاحة إلى هذا الحد، لم يفكروا بسمعتي ولا مظهري أمام الناس، فقط يفكرون بمصالحهم الخاصة. لقد وعدهم محمد بك أن يجلب له واسطة لتوظيفه ككاتب في النيابة العامة. لم أخبر والدي حينها؛ حتى لا يتشاجر معهم أو يغضب عليهم، خفت عليهم وهم لم يفكروا بي ولو للحظة واحدة، وفي نهاية المطاف اختارهم والدي وتركني وحيدة."
عندما سمعت والدتها القصة التي سردتها لها سهيلة، لم تتوقع أن هذا يحدث من ابنتها الكبرى وزوجها ضد أختها، كأنها عدوة لهم. بدأت الأم تضرب خديها بشدة، تندب حظها التعيس لما حدث بين بناتها. لقد أوقع الرجال بينهن، إحداهن تمشي وراء زوجها والأخرى تدافع عن خطيبها. في نهاية الأمر تشابكت الأختان أمام والدتهن، وقامت الأم بصفع كليهما بقوة. قامت بطرد رهف من المنزل وأغلقت الباب على سهيلة؛ لتمنعها من الخروج.
أتى الليل وجلب الظلام الدامس معه، ليس فقط في السماء والأماكن، وإنما في قلوبهن. كل واحدة منهن ترقد على وسادتها وقلبها يعمه الظلام مما فعلته الأخرى. الأم ترقد على وسادتها تفكر في بناتها وكيف وصل بهن الأمر إلى هذا الحد، وماذا ستفعل لتصلح تلك الشقوق بينهن. أما رهف فحزنت لحزن والدتها والذي أدى بها إلى حالة نفسية تسببت في تشنج بقدميها وتوقف عن الحركة.
أما سهيلة فترقد على وسادتها تنظر إلى السقف وعيناها تتساقط منها الدموع كقطرات المطر، تتوالى واحدة تلو الأخرى دون توقف، قلب منفطر ومنكسر ووحيد ومتألم. لقد اكتفى قلبها من كل ألوان الوجع والتألم، انعكس الأمر على جسدها من شدة وجعها مما تعرضت له من مواقف صادمة وصعبة، لم تعد تحتمل حتى الشكة في يدها. ماذا تفعل الآن؟ فهي رغم كل ما تشعر به من وجع إلا أنها تتملكها الحيرة. من سترضي ممن تحب؟
والدها أم والدتها أم عائلتها ومن لهم مصالح خاصة على حساب سعادتها؟ أم ترضي نفسها؟ أم ترضي آثر وتتخلى عن الجميع؟ بالرغم من حلاوة الحب وحلاوة مشاعره التي تغمر القلب بالسعادة، إلا أنه ليس بالأمر السهل، فالآمه أشد إيلامًا من غيرها، ونيرانه أشد حرقة من غيرها، فعندما يتألم القلب يتألم جميع الجسد، وآلام القلب لا يضاهيها آلام.
بينما كانت سهيلة وحيدة في غرفتها تعانق آلامها، رن جرس الباب. كانت الساعة تخطت الواحدة صباحًا. سمعت سهيلة صوت الباب لكنها لم تتحرك خطوة واحدة. علمت أن زوج شقيقتها بالخارج عندما سمعت صوته، لكنها لم تعلم أن شقيقتها برفقته بالخارج لا تستطيع التحرك من آلام قدميها. غادر زوجها بعد حوالي ربع ساعة من الزمن عندما لم يفتح له أحد باب المنزل. علمت والدتها في الصباح بما حدث عندما تحدثت إليها عبر الهاتف، قالت بصوت مرتفع:
"ألم يسمع أحدكم باب المنزل بالأمس؟ لقد كانت أختكم تتألم وجلبها زوجها إلى هنا، كيف لكم ألا تسمعوا جرس الباب الذي رن عدة مرات؟ خرجت سهيلة من غرفتها بهذا الوجه الباهت وقالت: "بلى سمعت، ولم أفتح لأحد." قالت والدتها باستغراب: "لقد كانت أختكِ مريضة تتألم من قدميها أمام الباب، لقد جلبها زوجها بالأمس خوفًا عليها من شدة الألم. لقد غضبت لما حدث بينكما بالأمس، وأنتِ سمعتِ الباب يدق ولم تفتحين! علمت أنها هي؟
جلست سهيلة على الأريكة ورفعت قدميها تضمها إلى صدرها بكل هدوء وقالت وهي تمسك هاتفها تتصفحه: "لم أكن أعلم أنها برفقته، خِلته أتى منفردًا عندما أخبرته بما حدث، ولا تقولي أختكِ ثانية، لم يعد لدي أخت كبرى بعد الآن، لقد ماتت بالنسبة إلي." حزنت والدتها مما سمعته منها، لكن كيف ستدافع عنها؟
فالأخرى لم تترك مجالاً للدفاع. خوفها على شقيقتها جعلها تخطئ في حقها دون وعي. خبث زوجها اللامتناهي جعلها تفعل ما يقول دون تفكير بحجة خوفها على شقيقتها. وقعت الأم بين بناتها مغلوبة على أمرها لا تعلم مع من تصف، فكلاهما قطعة من روحها. وكان الأب لا يبالي يتركها كما ترسي، فأينما رست سيعلم مرساها.
ومن هنا انقطعت علاقة سهيلة بشقيقتها الكبرى وزوجها بعدما فعلوه بها. كان آثر يعمل ليلاً نهارًا حتى يأخذ سهيلة إلى منزله كزوجة. بالرغم من التحديات التي واجهوها والعقبات القاسية التي اعترضت طريقهم، إلا أن النصيب كان غالباً والقدر حتمًا سينفذ. وعلى الرغم من المحاولات التي لا تعد ولا تحصى للتفريق بينهم وتخريب علاقتهم، إلا أنهم وصلوا إلى نهاية الطريق معًا، وها هو اليوم الموعود قد أتى يوم عقد قران سهيلة على آثر. وكالعادة لن يمرر والدها الأمر بسهولة ولن يترك ابنته تغادر منزله بهذه البساطة.
وكالعادة فاجأ الجميع، وصدم آثر من فعلته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!