عندما نحصل على ما نريد نعتقد أننا نملك الكون، وربما نقول في خاطرنا لقد حبونا هكذا ولا نحتاج إلى شيء آخر من الدنيا، نكتفي بحصولنا على أكبر أمنياتنا. هذا لأننا لم نرَ بعد عواقب حصولنا عليها أو نتائج ما بعد الحصول، هل ستجلب لنا السعادة أم تكون عبئنا علينا فوق أعبائنا؟ لقد كان حلم سهيلة وأمنيتها الأكبر في حياتها بعدما أُغرمت بآثر أن تحصل عليه.
تركت كل طموحاتها وأحلامها قبل ذلك جانبًا وأصبح هذا ما تتمناه في الحياة فقط، وبالفعل حصلت عليه. في يوم التاسع عشر من يوليو عام ألفان وسبعة عشر ميلاديًا ١٩/٧/٢٠١٧م، كان عقد قران سهيلة على آثر. اتصل بها آثر صباحًا ليوقظها من نومها حتى تستعد، كان في طريقه إليها هو وعائلته عبر سفر لساعات. أجابت سهيلة: -صباح الخير يا عريس. -صباح الخير يا عروسة الجميلة، هيا قومي لقد بقي القليل حتى أصل إليكِ. -من أتى معك غير والدك؟
-أنتِ معي منال أختي منال، وأكرم وزوجته شهد، وأبي. لقد تزوج أكرم شقيقه التوأم بطريقة غريبة، من فتاة تعرف إليها أيضًا عبر السوشيال ميديا، بعد مشاجرات دارت بينه وبين أهلها في خلال فترة خطوبة سهيلة وآثر، وتزوج أكرم بشهد دون علم أهلها؛ ذلك لرفضهم له رفضًا قاطعًا لسوء خلقه. وفي الحقيقة اتضح أنهم يتشابهون في هذا، زوجته وهو وعائلتها. بعد خطأ أكرم مع زوجته قبل الزواج بها، أخذها وتزوج بها دون علمهم حتى يضعهم أمام الأمر الواقع.
ليس هناك مجالًا للرفض، لقد أخذ منها أعز ما تملك وهذا ما أراده. لكن آثر أخبره بألا يتركها بعدما حدث بينهما، جعله يشعر بتأنيب الضمير. وبالفعل تزوج بها وعاش بنفس الشقة التي كان يعيش بها آثر وإخوته وشقيقته وابنتها الصغيرة. حملت شهد بطفلتها الأولى بعد الزواج مباشرة، لم يكن يعلم أكرم أنه سيحمل كل هذه المسؤولية.
اعتقد أن الحياة سهلة وبسيطة، يحارب ويعشق كروميو، يتزوج ليستمتع ويلبي رغباته المكبوتة، وقتما يشاء يتخلص من حمله بكلمة واحدة. لكن خاب ظنه وانقلب الأمر عليه، وعانى من نواياه السيئة التي أصبحت تعاقبه الآن بانقلابها على رأسه. تكمل سهيلة حديثها مع آثر عبر الهاتف وهي تفيق من نومها بسعادة: -حسنًا أخبرني عندما تصل إلى المدينة. -حسنًا، وداعًا. -وداعًا.
قامت سهيلة وجدت الجميع في المنزل في انتظارها وعندما خرجت من غرفتها، وجدت عائلتها مجتمعة في الداخل، خالاتها وعماتها وزوجات خلانها، وفتيات العائلة بمن فيهن رباب وأسيل. وعندما طلعت قالت: -صباح الخير. هلت الزغاريد من الجميع، إذا بفرحة عارمة وابتسامة عريضة تملأ وجهها حتى جعلتها تزرف دموعها بفرح شديد، تلك الأصوات التي تمنت سماعها وتلك الفرحة التي تمنت أن تشعر بها بعد عناء دام لأكثر من عامين منذ أن تعرفت على آثر.
هذه اللحظة التي تمنى قلبها أن تغمره ويشعر بها، أصوات الأغاني والزغاريد تملأ المكان. قامت رباب تمسك بيدها وتراقصها، الجميع يصفقون ويهللون، لا تتوقف الزغاريد. بعد قليل ذهبت سهيلة إلى الداخل فوجدت خالتها الكبرى ووالدتها تجلسان، يقومان بتقطيع الدجاج والخضار لتجهيز الغداء للجميع وعائلة العريس. فقالت خالتها الكبرى: -صباح الخير يا عروس، ما شاء الله لقد أصبح وجهك يشع نورًا اليوم، بالطبع وكيف لا يكون كذلك لقد حصلتِ على آثر.
ضحكت سهيلة وقالت: -أجل يا خالتي حمدًا لله، لقد عانيت كثيرًا حتى هدأ هذا اليوم. قالت والدتها وهي منشغلة بتجهيزات الطعام: -أين هو الآن هل تحدثتِ إليه؟ -أجل يا أمي قال إنه في طريقه، عندما يصل إلى المدينة سيخبرني. -ومتى ستذهبين إلى صالون التجميل لقد أصبحت الساعة التاسعة الآن؟ -سأرسم الحناء وأذهب بعدها مباشرة، لقد أتت أم أحمد رسامة الحناء، ساندي عليكِ بعدما أنتهي. -ولم هل سأرسم أنا الحناء؟! أقبلت عليها سهيلة تعانقها
من خلفها وتقبل خدها: -بالطبع ستفعلين، وإن لم تفعلي فلن أرسم أنا أيضًا. ضحكت والدتها وقالت: -وأخواتك؟ -أخبرتها عن الجميع، سأذهب أنا قبل ذهاب الوقت. أمسكت خالتها بطرف جلباب سهيلة وقالت لها:
-اليوم عقد قرانك يا سهيلة، لقد انتهى الأمر وحصلتِ على آثر، لا داعي لأن تظلي مقاطعة شقيقتكِ رهف في يوم كهذا، هيا اذهبي وسلمي عليها، ستغادرين المنزل بعد ساعات معدودة، ومن يعلم متى ستلتقون مرة أخرى، نحن دائمًا نقول أنكِ فتاة عاقلة، هيا يا عزيزتي أرضي والدتكِ، ولا تجعليها في حيرة من أمرها بينكم. تنهدت سهيلة وهي تستمع بانصات إلى خالتها بعدما انتهت من حديثها وقالت بكل هدوء ورضا: -حسنًا يا خالتي سأفعل.
-حسنًا يا ابنتي، أتم الله يومك بخير وكتب لكِ السعادة أينما كنتِ. -اللهم آمين، سأخرج أنا. ذهبت سهيلة إلى الخارج لتقوم برسم الحناء على يديها وقدميها كأي عروس، تلك هي العادات الجميلة التي توارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل حتى يومنا هذا، والتي لا يعطى معنى للعرس دونها، فمهما تقدمت الأجيال والعصور تظل تلك العادات من أسس الأعراس العربية في كل مكان، إنها كالتراث والآثار العتيقة التي أينما وجدت تظل شيئًا يرغب به الجميع.
أثناء خروج سهيلة إلى غرفتها وجدت باب المنزل يفتح، تدخل منه شقيقتها الكبرى وأطفالها. ظنت رهف أنها لن تجيب على سلامها كالعادة، كما ظلت علاقتهما منقطعة لمدة العام تقريبًا. دخلت رهف وتوقفت سهيلة حتى اقتربت منها. قالت رهف: -كيف حالك يا سهيلة. أجابتها سهيلة: -مرحبًا يا رهف. فرحت رهف كثيرًا عندما أجابتها. اقتربت منها سهيلة وقامت بضمها وبكت رهف حتى جعلت سهيلة تدمع عيناها، فقالت سهيلة مبتسمة:
-يا ادخلي وجدي شيئًا تفعلينه أيتها الحمقاء، إنه يوم زفافي ولا أريد أن ينقصني شيء. ضحكت رهف وقالت: -مبارك عليكِ يا عروس. دخلت رهف وأخبرت والدتها أنها تصالحت مع سهيلة وها هي فرحة الأم اكتملت الآن بفرح بناتها. خرجت سهيلة وجلست لمراسم الحناء، والجميع منشغل كل فرد بشيء ما. انتهت سهيلة وقامت بالاستحمام وتبديل ملابسها استعدادًا للخروج والذهاب إلى صالون التجميل.
انتهت سهيلة وعندما كانت خارجة من باب المنزل وقف الجميع خلفها، بالزغاريد والطبل والأغاني التراثية القديمة، التي يتداولها الإناث في الأفراح. ولكن ترافقه هذه الفرحة الدموع من الجميع، في كل مرة تخرج بها العروس من منزل والدها في آخر أيام قبل الزفاف، سواء لصالون التجميل أو لعرسها يوزعها الجميع بمشاعر الحب والفرحة والحزن معًا، على فراقها ومغادرتها منزل العائلة.
سبحان مقلب القلوب، تعيش الابنة وتنشأ في بيت والدها حتى تصير عروسًا، وكأنه يزرع شجرة ثم تنبت ويبقى على تربيتها ونموها حتى تكتمل؛ لتكون لديها استعداد لتنتج ثمارها. ومن هنا تنتقل إلى مرحلة أخرى، تنهي مهمة الوالدين ويأتي من يكمل المهمة الأخرى؛ لذلك شبه الله تعالى المرأة في كتابه العزيز بالحرث وهي الأرض التي تلقي فيها البذور لتنبتها. تبكي سهيلة وهي تذهب إلى سيارة عمها الذي سيوصلها إلى صالون التجميل.
خرجت معها رباب وشقيقتها الصغرى. أثناء الذهاب في طريق صالون التجميل اتصل آثر: -سهيلة لقد وصلت إلى المدينة، هل سيأتي أحد لأخذنا؟ استغربت سهيلة لسؤاله وقالت: -كيف ذلك؟! من سيأتي لأخذكم يا آثر؟! أنا الآن في طريقي إلى صالون التجميل، استقل سيارة أجرة يا عزيزي، وأنت تعلم طريق المنزل. انفعل آثر، ذهب بهاتفه بعيدًا عن أهله وقال بغضب: -ماذا يعني هذا؟! من المفترض أن تكون هناك سيارة في انتظارنا. باستغراب وسخرية تقول: -حقًا؟!
لم أكن أعلم أن هذا يحدث، هل أنت العروس أم أنا؟! ما أعرفه أن العريس من يأتي لاصطحاب العروس، جد سيارة تحضرك إلى هنا. نشبت مشاجرة بينهما عندما أخبرها آثر إن لم تأتِ سيارة لاصطحابهم، سيعود ولن يكمل الزفاف. وبكل ثقة وبخته سهيلة قائلة: -عد يا حبيبي كما تريد، لم يعد يهمني ولن يكون هناك فرق بالنسبة لي، افعل ما تشاء. أغلقت سهيلة الخط في وجهه وعندما سمعها عمها الأصغر "رائد" قال لها:
-بهدوء يا سهيلة، تحدثي بهدوء يا ابنة أخي، لا يمكنك التحدث مع رجل بهذه الطريقة، نحن الرجال لا نحب العند ولا نتقبله، لا تعانديه في شيء، فقط تفهمي معه وحاولي إقناعه بمحبة، اجعلي السياسة هي مبدأ للتعامل بينكما. قالت رباب وهي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة بمزاح: -افرحي يا سهيلة لقد حصلتِ على نصائح الأم في يوم زفافك الآن من عمك هههه. ضحك الجميع وقال رائد لرباب: -أليس ما أقوله صحيح يا رباب؟
-بالطبع يا رائد إنهم حقًا لا يحبون العناد، سهيلة إن كان آثر قد اقترب من المدينة؟ ها هو عمك ينتظره ويجلبه معه. قال عمها رائد: -أجل بعدما أوصلكم انتظره وأجلبه معي في طريقي للعودة، أخبريه يا سهيلة وأعطني رقم هاتفه أتواصل معه. -حسنًا يا عمي كما ترون. أخرجت سهيلة هاتفها من حقيبتها واتصلت بآثر تقول: -الو أين أنت الآن؟ -لقد أوشكت على الوصول إلى المدينة.
-حسنًا سيأتي عمي لأقلاكم، سأعطيه رقم هاتفك ويتصل بك بعد أن يوصلنا، انتظره بعدما تصل. -حسنًا أعطيه الرقم، وداعًا. -وداعًا. وصلت سهيلة إلى صالون التجميل ووصل آثر إلى منزلها برفقة أهله، رحب بهم الجميع ووالد سهيلة، ودخل في جناح الضيوف، وضعوا لهم طاولة طعام فخمة وراقية، مليئة من خيرات الله. وبعد الانتهاء من تناول الطعام، جلس الرجال في غرفة استقبال الضيوف، ما يسمونه بمقعد الضيوف في بلدتهم، وجلس النساء مع النساء.
أتى المأذون الشرعي؛ لإتمام عقد القران وكتب كتابهم. جلس والد آثر وآثر وشقيقه التوأم أكرم، ووالد سهيلة وأخوالها وأعمامها. فقال والد آثر: -هل لديك طلبات أخرى تريد إضافتها؟ قال ذلك موجهًا حديثه إلى والد سهيلة، فقال والدها مجيبًا:
-لا ليس سوى ما اتفقنا عليه سابقًا، كما قلت أن قائمة المنقولات بمائة وخمسون ألف جنيهاً، وقيمة الذهب وهي مائة جرام أي كان ثمنها، هذا ما أريده، أما بالنسبة إلى شقته فأنا لم آخذ منه مهرًا؛ لأنه أخبرني أنه سيقوم بكامل التجهيزات اللازمة لفرش شقته وتجهيزها. تبادل والد آثر النظرات مع آثر وشقيقه التوأم أكرم وقال في خاطره ربما تكون فرصة لإنهاء هذا الزفاف، كيف لهذا الرجل أن يشترط علي كيفما يشاء وأنا فقط علي القبول؟! لا لن يحدث.
جهر بصوت حديثه قائلاً: -لا لن يحدث هذا. تلك الكلمات جعلت قلب آثر يسقط بين أقدامه، يضرب بشدة بين ضلوعه خوفًا من تصرفات والده. لقد أخبرها آثر أن يجلس بين الناس بصفته والده وليس له أنه يعترض على شيء؛ لأنه غير مسؤول عن شيء من تكاليف الزفاف ولن يساعد آثر بشيء. لكن كيف له ألا يصنع لنفسه قيمة بين أشخاص تتحدث عنهم قيمتهم ومكانتهم ومظهرهم قبل حديثهم. فقال والد سهيلة يتهكم: -وما الذي سيحدث إذا؟ قال والده بثقة:
-ستكون قائمة المنقولات بقيمة المائة ألف جنيها لا غير، أما الذهب فسيكون بقدر ستون ألف جنيها، ليس إلا، إنهم شباب في بداية حياتهم، ابني مازال يبني حياته، نحن نريد إتمام الزواج بدون خلافات. نظر والد سهيلة إلى آثر وقال له: -لنتحدث على انفراد يا آثر قليلاً من فضلك. -أجل يا عمي. خرج آثر ووالد سهيلة إلى غرفته، قال والدها:
-ليس هذا ما اتفقنا عليه يا آثر، أخبرتني أن والدك سيأتي برفقتك أمام الناس ولأجلي؛ حتى لا يتحدث الناس ويقولون أين والده؟ لكنك لم تخبرني أن سيتحدث في تفاصيل، وما يقوله مرفوض بشدة. قال آثر بتوتر، يخشى أن ينتهي الزفاف بسبب والده، يريد إرضاء والد سهيلة بكل الطرق: -استمع إلي يا عمي أرجوك، أنا أعلم أبي وأفعاله، أنا المسؤول أمامك عن سهيلة، ما تريده أنا سأفعله لكن لا تخبر أبي.
جلس والدها وفكر في أن يتم الأمر دون خلافات ما دام آثر يريد سهيلة وسيفعل ما يطلبه. اقترح عليه حلاً وسط وقال: -حسنًا أنا لن أتحدث معه لأجلك أنت، هناك حل لذلك، سنقوم بعمل قائمتين للمنقولات، إحداهما أمام والدك لترضيه وهذه لن تكون الأصلية، والأخرى ستوقع عليها أنت كمسؤول أمامي وأمام الجميع. -حسنًا أنا أوافق على ذلك، سأفعل ما تريده.
خرج آثر ووالد سهيلة إلى الجميع وفعلوا ما اتفقوا عليه أمام والده، وقام آثر بالتوقيع على قائمة منقولات أخرى لوالدها في غرفته، وتم عقد القران في انتظار توقيع سهيلة. كانت سهيلة في صالون التجميل تضع يدها على قلبها خوفًا من أن يحدث خلاف بينهم وينتهي الزفاف. قامت بالاتصال برهف حتى تخبرها بالتفاصيل: -رهف أخبريني كيف الأوضاع لديكِ؟ هل تم العقد أم ماذا؟
-لا تقلقي يا سهيلة، لقد تم الأمر، أخبرنا والدك منذ قليل أنهم عقدوا قرانك على آثر، فقط ينتظرون توقيعك بعد قدومك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!