عندما تكثر الصراعات داخلنا تتشتت مشاعرنا وأفكارنا، لا يتضح لنا الصواب من الخطأ، وتنعكس تلك الصراعات المتضاربة على حالتنا الخارجية، تختفي تلك الابتسامات من على وجوهنا، تغمرنا حالة الاكتئاب ونتحول إلى أشخاص آخرين لا نعرفهم، تلك الحالة تتملكنا وتجعلنا نسيء الاختيار، ولا نرى أمامنا سوى وجه الصورة، أما جوانبها والجهة الخلفية لا تظهر لنا، تظهر فقط لمن يرى تلك الصورة كاملة من الخارج، نحن نكون في تلك الحالة كلوحة داخل إطار الصورة، ويشاهدها جميع الأشخاص حولها.
لكن طبيعة الإنسان لا يتعلم إلا عندما يدركه الخطأ ويقع فيه، نحن دائما لا نتعلم من أخطائنا إلا عندما نتوجع منها، بل ويكسرنا الألم إلى أجزاء صغيرة، حتى تتهشم أرواحنا ويصعب علينا لملمة ما تبقى منا. هذا ما أصبحت به سهيلة، أصبحت بحالة لا تحسد عليها، لكنها لا تدرك أنها فعلت بنفسها هذا، وكأنها حقا تعاني من سحر ما، أَيَعْقِلْ أن يكون الحب أعمى لهذه الدرجة؟!
أم أن هناك لعبة يلعبها القدر ويخفي ملامحها هذا الشيطان الذي سيطر عليها. أصبحت سهيلة وحيدة يوما بعد يوم، تخسر كل فترة شيء من الأشياء الأغلى على قلبها، بداية من أصدقائها الذين منعها من التحدث معهم أو رؤيتهم، وعملها الذي أجبرها على تركه بتصرفاته التي لا تُطاق، وأهلها التي أصبحت في عزلة منهم بعض الشيء، ودراستها التي خسرتها للعام الأول في حياتها، إلى أن وصل الأمر إلى نفسها وشخصيتها التي تبدلت حتى أنها لم تعد تعرف من هي.
قررت سهيلة أن تذهب إلى العمل في يوم من الأيام؛ حتى تخفف عن نفسها بعض الشيء وتلتقي بأصدقائها، دخلت سهيلة المقهى الذي كانت تقام فيه تجمعاتهم لمناقشة العمل، رحبت بالجميع ورحبوا بها بحرارة، جلست مع إحدى صديقاتها في العمل الآنسة "إيمان" وهي المشرفة عليها في العمل: -لقد مر وقت طويل يا سهيلة، أين أنتِ يا فتاة؟ لقد سمعت بخطبتكِ، هل الأمر صحيح؟ تنهدت سهيلة بحزن واضح على ملامحها وبعض الندم على حالتها:
-لم يتم الأمر بعد يا إيمان، هناك بعض المشاكل والعقبات التي نواجهها. ربتت إيمان على كتفها تهون عليها عندما رأت ملامحها الحزينة على غير العادة، باستغراب تتحدث: -ما الأمر يا سهيلة؟! لست معتادة على رؤيتكِ بهذه الحالة! أخبريني ما المشكلة وماذا يزعجكِ إلى هذا الحد؟ أردفت تنظر إليها وتمسك بيدها حائرة، مغلوبة على أمرها:
-يرفض أبي الزواج منه، لكني أحبه كثيرا، من ناحية أخرى أشعر أن هذا الحب كاد أن يقتلني، لقد أصبح الأمر ثقيلاً على قلبي، وكأنه جبل، لا أعلم من أرضي؟! والدي أم آثر أم أرضي نفسي؟! -اهدأي وأخبريني بهدوء لم كل هذا؟ لم يرفض والدك إن كان آثر هذا شخص جيد، ولم أنتِ بهذه الحالة إن كنت تحبينه؟! أثناء حديثهن رن جرس الهاتف بمكالمة واردة من آثر، بدت علامات التوتر عليها وازدادت ضربات قلبها، لاحظت إيمان ذلك وقالت: -ما بك يا فتاة؟!
وكأن من يتصل بكِ هو وحش وليس إنسان. قالت بتوتر وهي تمسك الهاتف بيدها وتقبض على يد إيمان بالأخرى: -لا يعلم أني بالعمل، لم أخبره بذلك، رجاءا لا تحدثي صوتاً، سأتحدث إليه على انفراد هناك. -وماذا إن علم أنك بالعمل، وإن لم تخبريه؟ فهو لم يصبح خطيبكِ بعد حتى يتحكم بكِ! -هو يمنعني من نزول العمل ومن نزول جامعتي، حتى أني لم أخض امتحانات هذا العام، سنتحدث لاحقاً. قامت سهيلة إلى الحمام، أجابت على هاتفها وقالت: -مرحبا آثر.
قال بانفعال وغضب: -لم لا تجيبي فوراً على الهاتف؟ ماذا تفعلين؟ ألم تسمعي صوت الهاتف؟ بتوتر تتحدث وتلتقط أنفاسها بصعوبة: -لقد كنت بالحمام يا آثر، خرجت مسرعة عندما سمعت صوت الهاتف، لقد أخرجتني من الحمام، ماذا هناك؟ لم تتحدث بهذه الطريقة؟! -عندما اتصل بكِ تجيبي فوراً على الهاتف، من الرنة الأولى فهمتي؟ تنهدت وقالت: -حسنا يا آثر، سأبقي الهاتف قريبا مني دائماً. بدأ يهدأ من انفعاله ويتحدث بهدوء بعض الشيء: -ماذا تفعلين الآن؟
أجابت باستغراب تحاول أن تخفي توترها: -لقد أخبرتك أنك أخرجتني من الحمام. -أوه أجل لقد تذكرت، حسنا اذهبي عندما تنتهين اتصلي بي، تريدين أن آتي معكِ؟ بمزاح قالت بصوت واضح: -آثر. -حسنا حسنا أمزح فقط، سيأتي يوما وتطلبين مني ذلك عندما تكونين زوجتي. -حسنا إذا لننتظر حتى يأتي هذا اليوم. -سيأتي قريبا إن شاء الله، إن لم يقتنع والدك ويرضي سأقوم باختطافكِ، وسأتزوج بكِ رغما عن أنف الجميع.
-سيأتي اليوم قريبا إن شاء الله ويكون برضاء الجميع لنصبر فقط. -حسنا سأدعكِ الآن. -حسنا سأعاود الاتصال بك. -حسنا وداعاً. -وداعاً. أغلقت سهيلة الخط وأخيرا خرجت أنفاسها المكبوتة وهي تضع يدها على صدرها، تلتقط أنفاسها بهدوء وكأنها تخلصت من اتهام باطل في جريمة لم ترتكبها، لم تمر حوالي الخمس دقائق ورن جرس هاتفها مرة أخرى، تقريبا خرجت بضع خطوات للخارج وعادت مرة أخرى إلى الداخل تجيب: -الو يا آثر ما الأمر؟
-دعي الخط مفتوح يا سهيلة، سأنتظرك على الخط حتى تنتهين. تريد سهيلة أن تضرب كفاً على كف من صدمتها بما يقوله، أرادت التهرب منه لكنها لم تستطيع: -تنتظرني؟! كيف ذلك؟! هل ستبقى على الهاتف حتى أنتهي؟! ربما أتأخر يا آثر، أخبرتك أني سأتصل بك عندما أنتهي. -لا عليكِ يا حبيبتي سأنتظرك مهما تأخرتِ. -حسنا كما تريد، سأذهب الآن.
تركت سهيلة الهاتف على الطاولة بعدما قامت بكتم الصوت؛ حتى لا يعلم أنها بالخارج ولا يسمع شيئاً، وجلست تتحدث مع إيمان وتخبرها بما حدث، تضرب إيمان كفاً على كف من صدمتها، إي نوع من البشر هذا؟ قالت إيمان: -لم تفعلي ذلك بنفسك يا سهيلة؟ إي نوع من البشر هذا؟! إنه رجل مريض، رجاءا لا تفعلي ذلك بنفسك وإلا ستندمين لاحقاً، تخلصي من هذا الشيء، لا يمكن أن أسميه حبا وإنما هو مرض مزمن. تزفر بضيق وتقف تستعد للذهاب في عجلة من أمرها:
-كما يريد الله سيكون، سأذهب الآن حتى لا أتأخر، أراكِ لاحقاً. -حسنا اتصلي بي حالما تصلين إلى المنزل. -حسنا وداعاً. أغلقت سهيلة الهاتف بحجة أن بطارية الهاتف فارغة، حتى وصلت إلى المنزل في زمن قياسي، كأنها في منافسة شرسة، ولو كان ذلك في حقيقة الأمر سباقا لكانت الفائزة بلا أدنى شك.
مرت شهور على تلك الحالة وكل يوم يزداد تحكمه بها عما قبله، حتى أصبح يسيطر عليها كلياً، لا تخرج ولا تتحدث إلى أحد ولا تمد يدها للسلام على رجل بحجة أنه يغار عليها، حتى أزواج أخواتها منعها من التحدث إليهم، أصبح الكثير من جهات اتصال الهاتف خاصتها محظورا، بالرغم من أنه يفعل كل ذلك عبر الهاتف إلا أن سهيلة كانت تطبق أوامره حرفياً دون تردد.
لم تفكر قط في أنه لم يراها إن فعلت ما يريد أم لا، ولكن كانت تعتقد في داخلها وتؤمن بأنها عندما تتقي الله فيه، ستقابل بالمثل من جهته. ~~~ كان آثر يعمل مع والده بأجر يومي وهو خمسون جنيهاً، كان يقبض راتبه في نهاية كل أسبوع، ينتظر آثر نهاية الأسبوع ويوم إجازته حتى يتهيأ ويخرج لمقابلة الفتيات هو وصديقه أسعد وشقيقه التوأم أكرم، وفي أغلب الأحيان كان هو وصديقه أسعد فقط، ذلك أسعد هو الوجه الآخر للعملة، صديق آثر المقرب.
جلس آثر وأسعد في المقهى المفضل لديهم في منطقة وسط البلد الشهيرة، وتحدث إليه أسعد في موضوع سهيلة: -ما الأمر يا رجل؟ لم تخبرني إلى أين وصلت مع تلك الفتاة. ضحك آثر بثقة وقال: -لقد أصبحت كالخاتم بإصبعي، وقريبا ستقنع أهلها بخطبتنا. بسخرية مبتسما بجانب فمه يقول أسعد بثقة: -لن يحدث يا صديقي. ينظر إليه باستغراب يقول: -ولِمَ لا؟! لقد أصبحت تسيطر عليها كلياً.
-استمع إلي يا صديقي، هذه الفتاة ليست كباقي الفتيات كما تقول، لذلك ربما تنحاز إلى أهلها وتستمع إليهم وتعيد التفكير في أمر علاقتكم مرة أخرى، هي تعيش مع أهلها الآن، وعلى ما أعلم أن أهلها يرفضونك بشدة. -أجل بالفعل. -صدقني إن لم يكن لديك شيء يمنعها من تركك وتضمن به بقائها بين يديك، فلن تحصل عليها ولن يسمح لك أهلها بالاقتراب منها مهما فعلت.
انتاب آثر التوتر والقلق، بدأ ينزعج جراء حديث أسعد، تملكه الخوف ليس من فقدانها، ولكن إن فقدها سيفقد إرثها الذي يحلم به منذ أن رأى منزلها وسيارة والدها في المرة الأولى التي ذهب بها إلى منزلها، بالإضافة إلى حديث سهيلة معه بحسن نية عن عائلتها وما لديهم من أموال وأملاك، كان آثر يخبرها أن والده مليونير لكنه قاسي القلب ولا يعطي أحد من أبنائه شيئا ولا يساعد أحد؛ حتى يجعلهم رجالاً يعتمدون على أنفسهم. قال بقلق:
-ماذا تقصد يا أسعد؟ ماذا علي أن أفعل إذاً؟ -وهل أنا من سأخبرك ماذا تفعل يا بطل، عليك أن تمتلك شيئاً منها تستطيع أن تجبرها به على البقاء معك. نظر إليه آثر يصمت بتفكير ثم قال: -فهمتك، أتعلم؟ لديك حق فيما تقول كيف لم أفكر بهذا الأمر من قبل؟ بسيطة ما زال الأمر بين يدي، لكن علي التفكير بهدوء والتخطيط للأمر، سهيلة ذكية ولن يستدرجها شيء بسهولة إلا إذا اقتنعت به كلياً أنه الصواب وأنه الحل الأمثل لنا.
رفع أسعد يديه يشير إليه بأن الأمر بين يديه ولا علاقة له بذلك، وكأنه يقول: -لست أدري لك الأمر وافعل ما تشاء. وبعد تخطيط دام لفترة من آثر كان بدايتها أن يجعلها تشعر بالاطمئنان من ناحيته، غير طريقته وأسلوبه الحاد وأصبح شخصاً لطيف لا يغضب عليها ولا يرفع صوته، حتى أنه لم يعد يجبرها على شيء وكان متفهما لأبعد الحدود، حتى صدقت سهيلة بالفعل أنه غير من نفسه لأجل إرضائها. ومن هنا بدأت الخطة البديلة للشيطان، وكان عنوانها
(الاشتياق) ، دائما ما كان يخبرها أنه يشتاق إليها بشدة وإلى رؤيتها، كان يخبرها أنه سيأتي لرويتها فقط من بعيد وكانت ترفض لبعد المسافة خوفاً عليه، إلى أن تحدث إليها ذات يوم وهو حزين: -ماذا بك يا آثر؟ من بداية اليوم وأنت لست بحالتك، ما الأمر؟ تنهد بضيق وقال بصوت حزين ومكسور: -اشتقت إليكِ كثيراً يا سهيلة، أريد رؤيتكِ أمامي كل يوم، لقد ضاق بي الزرع وسئمت الأمر، إلى متى سنظل أنا وأنتِ في مكانين منفصلين؟
-حبيبي آثر حسنا سأرسل لك صورتي حتى تراني. رفض ذلك بطريقة مختلفة حتى يقنعها بما يريد: -وماذا ستفعل الصورة يا سهيلة، لن تكفيني تلك الصور ولم أعد أريد رؤيتكِ دائما هكذا بملابس المنزل أو بملابس الخروج. تحدثت بانفعال بعض الشيء، ربما فهمت ماذا يريد لكنه حول الأمر لصالحه في لمح البصر: -ماذا تقصد يا آثر؟ وماذا تريد إذاً؟! -ليس الأمر كما تعتقدين يا سهيلة وإن كان هذا هو ظنكِ بي فلن أتحدث معكِ ثانية، سأغلق الخط وداعاً.
-حسنا حسنا انتظر وأخبرني ماذا تريد، لم أقصد شيء لكن أسأت الفهم. -أريدك يا سهيلة أريد أن نتزوج، أريد أن آتي إلى والدك مرة أخرى، وآتي مرارا وتكرارا حتى يقبل بي، ترين ماذا أفعل لأجلك وماذا أفعل لإرضائك، لكني لست راض يا سهيلة. وها هي سهيلة تقع في بركة الوحل مرة أخرى برضاها، لكن هذه المرة الوحل أعمق مما كان سابقاً، فهو يلقي لها شباكه بل يبسطها أمامها بكل حرفية، وهي تذهب إليها دون تردد وبكل سهولة:
-وماذا لدي لأفعله يا آثر، ترى أني فعلت كل شيء. -سهيلة دعينا نتزوج دون علمهم ونضع الجميع أمام الأمر الواقع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!