لم ترى سهيلة من قسوة والدها الخوف عليها، ومن والدتها عدم القدرة على الاستغناء عنها وحبها لها، بل رأت فقط تلك الصورة التي رسمها لها آثر في حدتها. رسبت سهيلة في عامها الجامعي الثالث وكان ذلك بسبب آثر، للمرة الأولى تهمل دراستها ويكون الفشل حليفها لتواجده معها، حزنت سهيلة كثيراً، وبالرغم من ذلك إلا إنه قلب الأمر لصالحه عندما أخبرته إن والدها يريدها أن تكمل دراستها الجامعية. -الو مرحبا يا آثر. -مرحبا يا قلبي، ماذا هناك؟
لم يبدو صوتك حزين؟ -لا شيء، ماذا تفعل؟ -دعك مني الآن يا سهيلة وأخبريني، هل قام أحد بإزعاجك؟ هل تحدث إليك والدك أو والدتك؟ -لا يا آثر أنا من قام بإزعاجهم. -لا أفهم ماذا تعنين! قالتها سهيلة وهي في قمة الحزن والندم باكية: -لقد رسبت يا آثر لقد رسبت.
لم يهتم آثر لذلك، هو في حقيقة الأمر لا يريدها أن تكون أفضل منه وأعلى منه في المكانة الاجتماعية، كيف لها أن تتم دراستها الجامعية وهو فقط وصل للمرحلة المتوسطة ولم يستطع أن يكمل دراسته بسبب قسوة والده وإجباره على العمل معه. قال آثر باستغراب: -ألهذا تبكين؟ هل هذا ما أزعج والديك يا سهيلة؟
-نعم يا آثر، لقد حلم أبي دائمًا بأن أكمل دراستي وأجتهد، لا تنسى أني الوحيدة في أخواتي من أتم تعليمها إلى المرحلة الجامعية، حزنت كثيراً لأني خذلته وخاب أمله بي. همهم بسخرية مبتسماً بجانب فمه وهو يتحدث عبر الهاتف، تتضح في عينها الصورة التي يتحدث بها من نبرة صوته المستفزة: -وأنا اعتقدت أنك تحدثت إليهم عنا وعن زواجنا، تخبريني أنك نادمة على رسوبك لأن الأمر يعنيهم! يا إلهي وهل تخافين على مشاعرهم؟ هل راعى أحد مشاعرنا؟
حاولت سهيلة التحدث بعدما صدمت من رده، لكنه لم يمنحها فرصة التحدث، بتر حديثها قبل أن تتكلم: -كنت أعتقد أني أهم شيء في حياتك الآن يا سهيلة، لكن اكتشفت أن دراستك تعني لك أكثر مني بمراحل، تبكين لأجلها ولا تبكين لأجل بعدي عنك. -آثر ليس الأمر كذلك، أنا فقط حزنت لأنني للمرة الأولى أرسب فيها هذا العام، لم أشأ أن يحدث هذا معي، في نهاية الأمر إنها مصلحتي. زفر بضيق وقال بانفعال:
-مصلحتك معي يا سهيلة، أنا فقط من يعلم فيما تكون مصلحتك. -أعلم يا آثر ولكن. بتر حديثها بحديثه الشيطاني وفقرات السحر الخفي التي يلقيها عليها من فمه: -ولكن ماذا يا سهيلة؟ هل تعني لك الدراسة أكثر من وجودي بجانبك؟ لقد أخبرتك أني على أتم الاستعداد بأن أتخلى عن كل شيء في حياتي لأجلك، واكتشف أن هناك ما هو أهم مني في حياتك. -آثر ليست هناك مقارنة في ذلك. لم يعطيها فرصة للحديث وقال بسرعة يتصنع الحزن:
-أخبريني يا سهيلة إن قام أهلك بتخييرك بيني وبين دراستك أي منا ستختارين؟ حاولت التحدث وبتر حديثها بصوت مرتفع ومنفعل: -آثر من فضلك ليست هناك مقارنة أنا.. -فقط أخبريني ماذا ستختارين يا سهيلة؟ تنهدت سهيلة وقالت وهي واثقة بأنها لم تخسر دراستها، لكنها صدمت من رده عليها، لقد أوقعت بنفسها في شباك مكره وعليها أن تتحمل تلك اللعنة التي أصابتها: -أنت يا آثر ساختارك أنت.
-حسنا إذا لتخبري أهلك أنك لن تذهبي إلى الجامعة مرة أخرى، وإنه ليس هناك أهم مني في حياتك، اتركي الجامعة يا سهيلة إن كان هذا هو العائق الذي يتحجج به أهلك بيننا. انتابها الصمت للحظات تتقطع كلماتها لا تعلم ماذا تقول، فهي من أعطت له تلك الفرصة الذهبية حتى يسلب منها كل ما تحب شيئاً تلو الآخر، ويجعلها وحيدة من كل شيء سواه، حتى لا تجد غيره أمامها: -آثر أناااا ولكن لم تقول ذلك!
إنها دراستي، هذا لن يؤذي أحد من أهلي لكنه يؤذيني. وها هي فقرة السحر الخفي التي يتمكن منها خلالها ويسيطر عليها بتلك الكلمات العسولة التي حلاوة مذاقها تفقدها كل غالي ونفيس: -تعلمين ماذا أريد أن أفعل الآن؟ أريد أن أحتضنك بشدة، لم أكن أعلم أنك تحبينني إلى هذا الحد، وأنا لو كان لدي الخيار بينك وبين الدنيا لاخترتك وفارقت الدنيا. -أدامك الله لي يا آثر، أنا أيضاً أحبك كثيراً.
-سهيلة أنا لن أمنعك من إكمال دراستك الجامعية، انتظر فقط حتى يستسلم أهلك لحبنا، وسأجعلك تفعلين كل ما تريدينه حبيبتي. -حقاً يا آثر؟ -بالطبع حبيبتي، أقسم لك بذلك، أنت حياتي وقلبي وقطعة من روحي، لن أسمع لشيء يزعجك وإن كان هذا الشيء هو أنا، سأضرب نفسي حينها. ضحكت سهيلة ونسيت خسارتها الفادحة، وتخدرت بمخدر قوي دام تأثيره لسنوات.
كان أغلب حديثهما عبر الهاتف لبعد المسافة بينهما، لم تكن سهيلة تعلم عنه شيئاً سوى حديثهما عبر الهاتف، لم تكن تراه سوى كل ثلاثة أو أربعة أشهر، لكنها كانت تراه عبر صور المراسلات.
كانت هناك مقولة تقول أن الشخص الذي يبعد عن عينيك يكن بعيداً عن قلبك أيضاً، لكنه في حقيقة الأمر يحدث العكس، عندما يتخلل الحب إلى القلوب وخاصة الحب الأول، تظل القلوب تنبض بحبه مهما بعدت المسافات ومرت السنوات، وتظل تتذكر ذكرياته وإن مرت عليها سنين.
في حقيقة الأمر أن ما يبعد عن العين لا نعرفه جيداً، إن لم نكن نعرف أصل الأشخاص ونشأتها، تلك هي الكارثة الكبرى، فإن وضعت مقارنة لزواج فتاة من شخص تعرفه، تعرف عائلته وحبذا إن كان من نفس البلدة أو المكان الذي تعيش فيه، وبين شاب يعيش في مكان آخر غريب عنها وعن عائلتها لا تعرف عنه شيئاً ولا تراه سوى على بعد فترات زمنية، بالطبع أخبرها بأن تختار من هو قريب منها من بلدتها تعرفه أصله وأصل عائلته وإن كانت تحب الآخر.
دائماً ما تكون هناك وجهة نظر بعيدة المدى للوالدين خاصة فيما يخص زواج أبنائهم. عندما أخبرت سهيلة والدتها أنها لن تذهب لخوض امتحانها صدمت الأم وكادت أن تفقد عقلها وقالت بانفعال وغضب: -ماذا حدث لك يا سهيلة؟ لقد كنت الوحيدة التي تفضل دراستها دون أخواتك! ماذا فعل لك هذا الولد؟ أدارت ظهرها إليها وقالت بخجل تخفيه: -امشِ من فضلك ليس له علاقة بالأمر، أنا من قررت ذلك لن أذهب ولن أكمل جامعتي. تضرب والدتها كفاً على كف: -ولم ذلك؟
أخبريني لم كل ذلك؟ ستندمين ندم عمرك يا سهيلة، اسمعيني يا ابنتي الرجل الذي يجبر امرأة أن تتخلى عن أحلامها لأجله لا يسمى رجلاً، الرجل هو من يقف سنداً لزوجته ويكون حافزاً لها ومشجعاً، يتقاسم معها كل شيء، يتفهمها وتتفهمه، لقد غيرك هذا الشخص حتى على عائلتك، من أنت؟ أنت تلك الفتاة التي كانت لا تفارقها الضحكة، انظري إلى وجهك كيف يبدو منذ أن تعرفت إليه.
أمسكت الأم بيدي ابنتها وقالت وهي تبكي على ما وصلت إليه ابنتها، وتبكي سهيلة لأنها تعلم من داخلها إن والدتها على حق فيما تقول: -هيا يا ابنتي قومي واذهبي إلى جامعتك وخوضي امتحانك بكل شجاعة كما اعتدتي، هيا يا ابنتي، استعيدي بالله من هذا الشيطان الذي تخلل إلى رأسك بأفكاره، يريد والدك أن يراك أحسن من أي أحد في الدنيا، هيا يا عزيزتي قومي.
وبالفعل استجابت سهيلة لوالدتها وللمرة الأولى شعرت أنها تخطت الحدود التي رسمها إليها، كأنها أفاقت من غيبوبة، قامت وبدلت ملابسها وذهبت إلى جامعتها، وفي طريقها إليها رن جرس هاتفها وإذا بآثر يتصل، ارتبكت وتوترت، وشعرت بالقلق، كيف لا تجيبه؟ سيعلم أنها خرجت دون إذن منه، وإن أجابته سيعلم أنها بالخارج، ظلت تفرك جبينها بتفكير ماذا تفعل؟
وقررت أن تذهب إلى صديقتها رباب في منزل زوجها، بعد فترة طويلة منذ زواجها لم ترها، التقت بها وتذكرتا معاً تلك الأيام التي كن يقضينها معاً، أخبرت رباب بما يحدث لها ورفض والدها للزواج من آثر، وقالت رباب بكل جرأة: -تزوجيه دون علم والدك. صدمت سهيلة من ردها، اعتدلت في جلستها وقالت لها بضيق: -لست أنا من أفعل ذلك يا رباب، هل كنت ستفعلين ذلك عندما رفض أخاك زواجك من مالك؟ لم تفعلي صحيحاً! لماذا تريدين أن أفعل أنا ذلك؟
بالطبع حدث ذلك لأنك لست مكاني وأصبحت متزوجة الآن من الشخص الذي اخترته. قالت لها ببرود: -حسناً وماذا ستفعلين؟ إذا انصاعي لأوامر والدك وتخلي عنه ونحن كم تمنينا أن تحصلين على رجل مثله، هل سينظر إليك آخر بهذا القدر من الجمال يا سهيلة؟ -من الذي يتحدث أنت يا رباب أنت من تقولين ذلك؟ -أنا أتحدث إليك بصراحة يا سهيلة وأنت تعلمين ذلك. قامت سهيلة منتفضة وقالت وهي تحمل حقيبتها تستعد للذهاب:
-لم أختر شكلي يا رباب، يمكن أني لا أمتلك الجمال الخلاب لكني راضية عن نفسي كل الرضا، وأمتلك من الجمال الداخلي ما لا تمتلكينه أنت أو أحد غيرك، سأذهب. أمسكت رباب بيدها وقالت: -هل أزعجك حديثي يا سهيلة لم أقصد أن أزعجك. -لا عليك أنا سأذهب الآن لقد تأخرت. -وماذا ستفعلين مع آثر. -لا تحملي هماً سأتدبر الأمر وداعاً. ما زال الهاتف يرن وقررت أن تقف على جنب وتجيب بصوت منخفض تدعي النوم: -الو آثر. -هل ما زلت نائمة حبيبتي؟
-أوه نعم نتحدث عندما أستيقظ. -حسناً يا عزيزتي وداعاً. عادت سهيلة إلى المنزل حزينة مما سمعته من صديقة عمرها، ألا يقال أن الصديق تجده وقت الضيق، لكن ليس دائماً يكون وجوده مفيداً ولا وجوده كما نتمنى أن يكون، تلك هي الدنيا ليس دائماً ما نتمناه نحصل عليه، وليس دائماً من نرغب بوجودهم والحصول عليهم يكونون الأفضل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!