الفصل 17 | من 25 فصل

رواية زواج السوشيال ميديا الفصل السابع عشر 17 - بقلم سهام احمد

المشاهدات
16
كلمة
2,735
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

ما نراه اليوم ليس كما لا نراه غداً، ولا نعلم ما هو وكيف يكون، لكن لنكن على حذر فيما نخطيه اليوم حتى نضع أساساً صحيحاً لبدايات غداً. عندما كانت سهيلة في صالون التجميل تستعد لقضاء ليلتها الأخيرة في منزل والدها بفرحتها التي لا توصف، كانت لا تفكر سوى في تلك اللحظات وتلك الفرحة التي تراها في أعين الجميع. كانت تعتقد بأنها لن تنتهي هذه الفرحة وستظل ترافقها إلى الأبد. ابتسمت سهيلة بفرحة عارمة وقالت:

-حمداً لله على ذلك، لقد تم الأمر يا رباب. فرح الجميع، وقامت رباب تزغرد فرحاً. تخطت الساعة السادسة مساءً وأصبحت سهيلة جاهزة. أتى عمها بسيارته الفخمة ومعه آثر ليصطحب سهيلة. خرجت سهيلة على آثر في طلتها الأولى كعروس في يوم حنتها، وكأنه يراها للمرة الأولى. تطل بفستانها الذي يشبه فستان سندريلا، بلونه الفيروزي، الذي يتخلله نقشات تشبه أغصان الشجر الرفيعة باللون الأبيض.

ترتدي حجاباً بنفس اللون وتضع تاجاً يشبه تاج الأميرات فوق رأسها، مرصعاً بالكريستال الذي يشع ضوءاً. إنها حقاً تشبه الأميرات. كان آثر ينظر إليها فاتحاً فمه، شارداً في طلتها وجمالها. هذه الفتاة التي كان يتنمر على شكلها الكثير لتوسط جمالها وسمار بشرتها، كانت ملكة متوجة في يومها. يقال أن الله تعالى يضع نوراً في وجه العروس يوم زفافها، يراه زوجها دون سواه، ويراها بدرجة جمال لا يراها بها الجميع. تقدم سهيلة على آثر،

تفكر في خاطرها وتقول: -تلك المرة الأولى التي أراه فيها كزوج لي، يا إلهي لا أستطيع وصف شعوري، كم هو رائع هذا الشعور. اقتربت منه تضمه إليها وتهمس بأذنه: -مرحبا يا زوجي العزيز، وأخيراً لقد أصبحنا زوجين الآن. ابتسم آثر وضمها برفق، خجلاً من عمها الذي كان يقف خلفه: -أجل يا عروسي الجميلة، لكن مهلاً، يقف عمك خلفي. لو لم يكن هنا لحملتك بين ذراعي وضممتك بشدة. ابتسمت سهيلة وقالت: -لقد أصبحت ملكي الآن.

أجابها قائلاً وهو ينظر في عينيها بحب مبتسماً: -لقد أصبحتِ ملكي الآن. في زفة بسيارة عمها إلى المنزل بعد التقاط الصور، أوقف والدها السيارة أمام المنزل قبل أن تنزل سهيلة وقال لها من خلال النافذة: -سهيلة، قبل أن تدخلي إلى ساحة الحفلة، اصعدي إلى غرفة الضيوف للتوقيع على قسيمة الزواج، ينتظرك المأذون. الكثير من الوقت. -حسناً يا أبي.

صعدت سهيلة إلى غرفة الضيوف وجلست للتوقيع على قسيمة الزواج. كانت الهواتف المحمولة تلتقط الصور دون توقف، حتى والدها كان يلتقط لها الصور أيضاً لتكون ذكرى لديه لآخر يوم لها في منزله. وبعد قضاء ليلة فرحة يملأها الفرح والرقص والأغاني والزغاريد، تخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وانتهت الحفلة. دخل الجميع المنزل لترتيب أغراض سهيلة وحقائب ملابسها التي ستأخذها معها.

جلس آثر برفقة عائلته بغرفة الضيوف. دخل والد سهيلة مرحباً بهم. بالرغم من خلافاته مع سهيلة، إلا أنه كان حزيناً لفراقها. ورغم كل ما حدث من آثر، كان والدها يقف على خدمة أهله بأكمل وجه. في نهاية الأمر هم ضيوفه، وإكرام الضيف من عادات الكرماء وواجب لا يمكن تركه.

وقف والد سهيلة على طاولة طعام عائلة آثر، وخاصة والده الذي كان يناديه بالعم لكبر سنه. اهتم بهم كثيراً وأقسم على والد آثر أن يدخل لينام مستريحاً في غرفته، بها مكيف ومرتبة ومنظمة على أكمل وجه. لكن والده رفض وتصر على النوم أمام المنزل في حديقة المنزل، كان الهواء الطلق يريح الأعصاب. قام والد سهيلة بوضع سجاد وفراش للنوم على الأرض لأجله، بينما دخلت منال وشهد زوجة أكرم للنوم بالداخل في غرفة سهيلة.

طلبت منال من سهيلة جلاباً ترتديه للنوم، فقالت سهيلة: -تعالي إلى هنا. أخذتها إلى الغرفة وقامت بفتح حقيبة ملابسها الجديدة التي لم ترتديها بعد، وقالت والدتها: -البسي ما شئت يا ابنتي، أنت الآن مثل سهيلة، وملابسها لا تكثر عليكِ.

هذا الموقف الشهم الأصيل الذي قامت بفعله سهيلة ووالدتها لمنال، كان من المفترض أن يظل برأسها حتى الممات. كيف عاملتها هذه العائلة في أول مرة تدخل فيها إلى منزلهم. لكن الطبع يغلب التطبع، والأصالة لا تشترى بالمال. بالرغم من حسن معاملتهم لها، إلا أن الغيرة والحقد كانت تملأ قلبها من سهيلة وعائلتها. ارتدت منال عباءة من ملابس سهيلة الجديدة، وقالت لها منال بعد تبديل ملابسها: -سهيلة، أريد أن أطلب منك طلباً؟

بكل سعادة قالت سهيلة: -بالطبع يا منال، اطلبي ماذا تريدين؟ -لقد أخبرني الطبيب أن أشرب كوباً من الحليب كل ليلة مع الحبوب التي أتناولها كعلاج لتقوية المناعة، رجاءً أريد كوباً من الحليب الدافئ. تعجبت سهيلة من تلك المقدمة الطويلة التي تبرر فيها رغبتها لتناول كوباً من الحليب، فقالت سهيلة على علمها بأنه لا يوجد حليب في المنزل:

-لم كل هذه المقدمة يا بنيتي، فقط قولي أريد كوباً من الحليب، لكن ليس هناك حليب في المنزل. كم الساعة الآن يا آثر؟ نظر آثر بساعة يده وقال: -أنا الواحدة والنصف صباحاً، لن يكون هناك محال تجاري مفتوح الآن، انتظري يا منال حتى الصباح. قالت منال بغيظ من آثر: -لا داع لأن يكون هناك محل مفتوح يا آثر. ثم أشاحت بنظرها إلى سهيلة وقالت: -لقد كانت خالتك تجلب حليباً في الصباح عندما أتيت إلى هنا. قالت سهيلة باستغراب: -حقاً؟!

لم أكن أعلم؛ لأني لم أكن هنا في الصباح. تعلمين، كنت في صالون التجميل. -أجل أجل، أعلم ذلك. ستجدينه في الثلاجة، لقد كنت أجلس برفقتهن حينها، لذلك أخبرك بما رأيت. -حسناً يا منال، سأدخل لأرى. أردفت سهيلة تعطيها ظهرها تتعجب، ثم قال آثر عند خروجها من الغرفة: -سهيلة، ماذا ستفعلين الآن؟ نظرت إليه مبتسمة: -لن أفعل شيئاً يا آثر، فقط سأذهب لأرى الحليب لمنال وأحضر حقائبي وأغراضي للسفر صباحاً.

-حسناً، سأرتاح هنا قليلاً حتى تنتهين، أريد التحدث معك. -لا تقلق يا حبيبي، لدينا عمراً آخر نقضيه معاً ونتبادل الأحاديث، سأنتهي من عملي وأوقظك. -حسناً، لا تدعيني نائمة، أيقظيني عندما تنتهين. -حسناً. دخلت سهيلة ويتردد في ذهنها حديث منال وتلك التفاصيل التي لاحظتها، تقول في خاطرها: -لقد علمت أين مكان الحليب ومن جلبه إلى هنا ووضعت عينها عليه. ما هؤلاء البشر يا ربي، حمداً لله أن آثر ليس مثلهم.

دخلت سهيلة توقظ والدتها وتسألها عن الحليب الذي قالت عنه منال: -أمي؟ أمي؟ بصوت نائم ومتعب: -ماذا يا سهيلة؟ -أعتذر أني أيقظتكِ، أين هو الحليب الذي جلبته خالتي صباحاً، أريد كوباً منه. -عن أي حليب تتحدثين يا حبيبتي؟ -امشِ، ركزي معي رجاءً، لقد جلبت خالتي حليباً في الصباح ووضعته في الثلاجة. -آه، أجل نعم، لكنها أخذته معها إلى منزلها، إنه لها، وضعته في الثلاجة عندما أتت لترانا لبعض الوقت، ثم أخذته عندما غادرت معها.

-حسناً يا أمي، عودي إلى النوم، عمت مساءً. عادت والدتها إلى النوم، خرجت سهيلة إلى آثر تخبره حتى يخبر منال: -آثر، لم أجد الحليب، لقد أخذته خالتي معها عندما غادرت، إنها له وليس للمنزل، أخبر منال حتى لا تسيء الفهم. أمسك آثر بيدها وقال: -دعكِ منها، أنا سأخبرها. لاحظت سهيلة اقترابه منها، دفعته بعيداً وهي تبتسم بخجل قائلة: -لا لا لا، الزم حدودك أيها اللئيم، ما زال هناك وقت. رفع يداه على رأسه يتمنى مرور الوقت بسرعة البرق:

-يا لهذا الوقت الذي لا يمر، ليتني أمتلك ساعات الدنيا، لكنت مررت اليوم بثانية واحدة. ضحكت سهيلة بخجل وغادرت من أمامه مسرعة إلى غرفتها؛ لتحضير الحقائب برفقة رباب وأسيل. نام الجميع حتى السادسة صباحاً. استيقظت الفتيات جميعاً، أخواتها ورباب وأسيل والأمهات جميعاً. إنه يوم مغادرة سهيلة من منزل والدها إلى حياة مبهمة، لا تعلم عنها شيئاً سوى أنها راحلة مع حبيبها آثر. أما ما دون ذلك، في اعتقادها أن كل شيء يهون برفقته.

قام الفتيات بتحضير الإفطار للجميع، ثم جلس والد آثر وباقي العائلة في غرفة الضيوف. دخلت سهيلة تلقي عليهم السلام وقالت مازحة لوالده: -صباح الخير يا عمي، أتمنى أنك استمتعت بنومك جيداً برفقة البعوض. ضحك ثم قال: -إنه ليس ببعوض يا سهيلة، بل جاموس. ضحك الجميع وقالت سهيلة بجدية: -ألم يخبرك أبي أن تنام في غرفته، لم لم تفعل ذلك؟ لقد كانت الغرفة فارغة، كان يلقيها من أجل راحتك. وافقها آثر قائلاً:

-أجل، بالفعل لقد أخبره والدكِ كثيراً بذلك. قال والده: -لا، لقد كنت مرتاحاً، كان الهواء جميلاً بالخارج، أردت النوم فيه. هيا تحضروا للسفر، متى ستأتي السيارة؟ قالت سهيلة وهي تهم بالخروج: -لقد اتصلت بزوج أختي زينب، هو يعرف السائق، وسيخبرني بعد قليل. تناولوا الإفطار حتى تأتي السيارة. أردفت سهيلة تخرج ولحقها آثر يمسك بذراعها قائلاً بصوت منخفض: -سهيلة، أخبريني كم سيتقاضى السائق مقابل السفر؟ تعلمين أني من سأدفع التكاليف.

قالت باستغراب لسؤاله، طرأ في خاطرها، لم الجميع يتساءل عن كل شيء وعن التكاليف: -لا أعلم يا آثر، مهما كان ما سيتقاضاه، فهو لن يعاملني كالغرباء. أصر آثر أن يعلم كم بالتحديد فقال: -لا أريد أن أعلم كم سيتقاضى تحديداً، اتصلي بزوج أختك واسأليه؟ قامت سهيلة بإخراج الهاتف من جيبها واتصلت بزوج أختها زينب، أجابتها: -يا هلا بالعروس، كيف الحال؟

-مرحبا بك يا صديقي العزيز، أردت أن أسألك كم سيتقاضى السائق لإيصالنا إلى منزل آثر في القاهرة؟ -سيتقاضى ألف ومائة جنيه. قالت لآثر بصوت منخفض وهي تضع يدها على الهاتف تكتم الصوت فقال آثر: -هذا آخر ما لديه، لا يمكنه أن ينزل المبلغ قليلاً؟ رمقته بنظرات الاستغراب ورفعت الهاتف على أذنها وقالت: -شكراً لك يا صديقي، حسناً، ستتحرك بعد ساعة من الآن، أخبره بذلك. -حسناً يا سهيلة، وداعاً. -وداعاً. قال آثر بضيق:

-لم لم تخبريه بما قلته لك. دفعت يده بضيق عندما تألم ذراعها وقالت: -لقد أحرجتني بسؤالك أمامه، ليس معتاداً مني على التحدث بالمال، لقد آلمت ذراعي، اترك يدي. حاول آثر إخفاء ما يقصده بقوله: -حبيبتي سهيلة، ما أوفرْه من مال سيكون لأجلك أنت. قالت سهيلة بتنهيدة: -حسناً يا آثر، لا يحتاج محمود زوج زينب إلى حديثي، هو يعلم ما عليه فعله. سأذهب لأحضر نفسي، أخبر عائلتك أن تتحضر بعد الإفطار.

دخلت سهيلة ولملمت أغراضها كالضيف الذي ظل فترة طويلة في مكان ما وحان وقت رحيله منه. قبل الزواج تكون الفتاة لها الحق في كل شيء بمنزل والدها، بل تكون ملكته تأمر وتتأمر كيفما تشاء، أما بعد الزواج فتأتي كضيفة غريبة، تقضي بعض الوقت وتأخذ ضيافتها وتغادر.

هذا هو أول شيء غالي يسلبه الزواج من الفتاة، ثم تتوالى الأشياء شيئاً تلو الآخر حتى تتجرد من كل حقوقها كفتاة، وتبدأ حقوقها كامرأة في مكان آخر. هكذا هي الدنيا وهذه هي سنة الحياة، تسلب منا حقوق؛ ليعوضنا الله بغيرها، نترك منازلنا التي نشأنا فيها لنسكن منازل أخرى لم نسكنها من قبل، تتبدل ألقابنا من فتاة إلى امرأة متزوجة ثم إلى أمهات. دخلت رهف إلى الغرفة لترى إن كانت سهيلة تحتاج إلى شيء ما، وجدتها تبحث في جميع أنحاء الغرفة.

وقفت وقالت باستغراب: -سهيلة، عن ماذا تبحثين؟ لقد أتت السيارة بالخارج. وقفت معتدلة من أسفل سريرها وقالت: -أبحث عن عباءتي التي كانت ترتديها منال شقيقة آثر، لا أجدها بالغرفة. -حسناً، إذا اسأليها عنها، أين وضعتها؟ -لقد سألتها يا رهف وقالت أنها نزعتها وتركتها هنا بالغرفة، حتى عباءتي الأخرى التي كنت أرتديها منذ قليل لا أجدها أيضاً. وقفت رهف قليلاً تفكر لثوان ثم قالت: -ألم تكن رباب تتحدث معكِ بالامس عليها؟ كانت تريد أخذها.

-أجل، لكني أخبرتها أني لا أملك سواها من هذا النوع، ولن أعطيها لأحد. جلست رهف على السرير جوارها وقالت: -ربما أخذتها دون علمك، تعلمين رباب عندما تهوى شيئاً تأخذه وإن كان من وراء صاحبه، ألم تفرغ حقيبتك من قبل وتأخذها بالرغم من رفضك؟! فكرت سهيلة قليلاً وقالت: -أجل، ربما لديكِ حق، لكن إن كانت هي الفاعلة لن أتركها لها، سأجلبها رغماً عن أنفها. يا لأفعالها المزعجة. أخبريهم أني قادمة.

لقد دقت ساعة الرحيل، الساعة التي لا ترغب بها أي فتاة وفي ذات الوقت ترغب بها بشدة، تلك اللحظة التي تجمع بين النقيضين، بين لقاء وفراق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...