نترك أشياء؛ لنلتقي بأخرى، ونترك أخرى؛ لنلتقي بغيرها، تلك هي طبيعة الدنيا، نتبادل بها الأدوار، كل منا يكمل دور من سبقه، وشيء يأخذ مكان الآخر. نتسابق للحصول على رغباتنا ورغم ذلك نتركها عند الفراق. تتملكنا الرغبة الجامحة والفضول والحماس المفرط لخوض تجربة لم نعيشها من قبل، وعندما نتمكن من عيشها ومعرفة تفاصيلها وخباياها، يموت حماسنا، وتدفن رغبتنا بها، وتكون اللامبالاة هي شعورنا الوحيد تجاهها.
ليس كل ما نتمناه ندركه، وليس كل ما ندركه هو ما نتمناه، لكن علينا تقبل أقدارنا بالرضا، ربما ما لا نتمناه هو خير يعوضنا عن خسارة ما نفقده. رحلتنا بالحياة لا تنتهي برغبتنا، بل تنتهي فقط عندما ينهي قدرنا المكتوب وتغلق صفحات أعمارنا، ويؤذن لنا بالرحيل فتُسلب أرواحنا بقدرة وطريقة لا يعلمها سواه. ومن ذاق الموت، فاجعل رحلتك تؤتي ثمارها قبل أن تتساقط أوراقها.
عندما قررت سهيلة الرحيل اعتقدت أن الحياة المرة قد انتهت، وأنها تقبل على سعادة لن تنتهي برفقة عشقها، لكن للأسف كان الأسوأ قادمًا وما مضى ليس سوى فقرات بسيطة ومبدئية لبداية عرض لم تره في حياتها ولن تشاهد أحداثه سوى على منصة سحر آثر وعائلته. دخل آثر غرفة سهيلة يتعجلها في القدوم، وجدها تبكي بشدة، فزع آثر من رؤيتها بهذا الوضع وظن أن هناك شيئًا قد حدث لم يعرفه، جلس جوارها وقال وهو يربت على كتفها: -ما الأمر يا سهيلة؟
ماذا هناك؟ لم تبكين هكذا؟! أجابت سهيلة وبكائها لا يتوقف، وكأنها تتألم بشدة: -لا شيء، لا شيء. خرج آثر يستدعي شقيقته وقال: -منال تعالي إلى هنا. عادت إليه باستغراب: -ماذا هناك؟ -إنها سهيلة تبكي بشدة في غرفتها لا أعلم ماذا حدث؟ -لا تقلق ربما لأنها ستغادر عائلتها، إنه أمر طبيعي، سأراها. دخلت منال وآثر إلى غرفة سهيلة، جلست جوارها منال تضمها إليها وقالت: -لم تبكين يا سهيلة؟
نحن أيضًا عائلتك، هيا قومي معي واحتضني أمك، وودعي عائلتك، هيا قومي. أمسكت منال بيدها وذهبت بها إلى الداخل حيث كانت تجتمع جميع العائلة، كانت والدتها حينذاك تقف جوار الدرج تمسك بفرشاة تنظيف الأرض، تستعد لتنظيف المنزل بعد رحيل سهيلة، لقد كانت سهيلة تحمل عنها الكثير والكثير من الأعباء المنزلية، والتي كانت تعتمد عليها كل الاعتماد عند خروجها من المنزل. دخلت منال وإليها سهيلة تجر خلفها من يدها، وقفت أمامها وقالت:
-هيا يا سهيلة احتضني أمك. نظرت سهيلة إلى والدتها بنظرة وداع قاتلة، اخترقت قلب والدتها التي تشعر بها دون أن تتكلم، وقالت بحزن شديد وهي تقدم عليها لتضمها: -لم تبكين يا سهيلة؟ أنا سآتي إليك لحضور زفافكِ.
ضمتها إلى أحضانها بشدة، علا صوت بكائهما حتى جعل جميع الحضور يبكون دون توقف، تلك المشاعر بين الأم وابنتها التي لا يمكن لأحد منعها ولا تغييرها مهما فعل، إنها مشاعر فطرية، فطر الله عليها قلب الأم وقلب الأبناء، مهما حدث من خلافات واختلافات تظل الابنة قطعة من روح أمها، وتظل الأم هي ملجأ الابنة الوحيد الذي تشعر بين أحضانه بالأمان والاطمئنان.
فرفقًا بأمهاتكم اللاتي أرضعنكم، فلن تجدوا قلبًا يحن عليكم سوى قلوبهن، ولن تشكوا لأحد دون خوف سوى لأحضانِهن.
ظلت سهيلة تبكي بين ذراعي أمها وكأنها التصقت بها بغراء لاصق يصعب على الجميع فكه، حاولت زوجة خالها أن تبعدهن عن بعضهن، لكنها لم تستطع، حتى التم أخوات سهيلة حولها يبكين بشدة وأبعدوهما بصعوبة، سقطت والدة سهيلة جالسة على الدرج خلفها، لقد تعب قلبها وتألمت من فراق قرة عينها، كانت تتمنى في تلك اللحظة أن تمسك بيدها وتخبرها بأن لا ترحل، لكنه القدر والنصيب الذي لا يمنعه شيء.
أخرجوا سهيلة من المنزل بعد توديع عائلتها بالبكاء والألم، وقفت أمام المنزل وسط الجميع تستعد للذهاب، أقبلت على الدرج الرئيسي أمام المنزل، وفجأة تحاول تمالك نفسها عند رؤية والدها، خرج والدها من الباب الآخر لغرفة الضيوف الذي يطل على الشارع الرئيسي، ذهب إليها وأمسك بيدها وأخذها خلفه إلى داخل الغرفة، جالسها وقال: -اجلسي هنا يا سهيلة.
جلست سهيلة أمامه على الأريكة ووقف أمامها واضعًا راحته أعلى رأسها، يقرأ الرقية الشرعية متمنيًا من قلبه أن يحفظ الله ابنته في غيبتها ويردها إليه سالمة، بعدما انتهى من رقيتها قال بصوت باكٍ:
-مصر تشبه البحر، ليس لها آخر ولا نهاية مرئية، من يمكنه العوم ينزل إليها ومن لا يمكنه لا يقدم على نزول شوارعها دون معرفة سابقة، إنها جريئة وعميقة وقلابة كموج البحر، فاحذري منها كل الحذر، لا تذهبي إلى مكان وحدكِ، ولا تتعرفي إلى أحد وتدخليه إلى منزلك وتعلميه بأسرارك، فهناك الكثير من النفاق والكذب لا يمكنك رؤيتهما بوضوح في البداية، تخبركِ إحداهن أنها تحبك في وجهكِ، وعندما تعطيها ظهرك تقوم بطعنكِ دون تردد.
وفي نهاية نصائحه لابنته الغالية، قال كلمتين جعلتا سهيلة تعلم كم كانت وما زالت غالية على قلب والدها، وإنه كان يفعل كل شيء خوفًا عليها ولاجل سلامتها من أي أذى، قال بصوت باكٍ وعيناه تدمع: -الأهم من كل ما قلته يا سهيلة هو نفسكِ، اعتني بنفسكِ جيدًا، يمكننا تحمل أي خسارة إلا خسارتكِ، كوني بأمان لأجلنا ولأجلكِ. تلك الكلمات التي كانت كالسهام الحادة اقتلعت قلبها من موضعه، جعلتها تقول في خاطرها:
-ليتني لم أغضبك مني يومًا يا أبي، سامحني، أود أن أحتضنك بشدة وأقول لك أني لا أريد الرحيل، أمسك بيدي ولا تدعني أذهب، لكن فات الأوان وأنا من اخترت طريقي، وعلي إكماله. احتضنت والدها بشدة وخرجت إلى السيارة، صعدت إليها بصحبة رباب وشقيقتها الصغرى أسماء، وعائلة آثر، كان الجميع يقف على باب المنزل ليس هناك فرد منهم لا يبكي، واحمرت أعينهم من شدة البكاء، حتى الأطفال.
بالطبع هذا ما يحدث عندما يغادر شخصًا يحبه الجميع، حتى الجيران كان الجميع يقف على نوافذ منازلهم تراقب نظراتهم رحيلها، إنها سهيلة الفتاة ذات الابتسامة البريئة، صاحبة الوجه البشوش والقلب الطيب، ذات الأخلاق الحسنة، التي كانت يتصارع عليها الجميع للحصول على رفقتها، تصارع عليها الشباب للحصول عليها زوجة، تلك الضحكة التي كانت تملأ أرجاء المنازل عند قدومها إلى أي منهم.
غادرت سهيلة منزلها وشوارعها ومنطقتها ومدينتها بأكملها. عندما صعدت سهيلة السيارة وانطلقت بها، مرت السيارة بجوار مقابر العائلة، قرأت سهيلة الفاتحة على أرواح أمواتنا وروح جدتها التي كانت تعشقها، والتي تمنت أن تكون على قيد الحياة تشاركها فرحتها. غادرت سهيلة موطنها، وعندما رأى والد آثر دموعها لم تتوقف، قال بسخرية: -تلك هي دموع التماسيح، يا آثر لا تنخدع بها. ضحكت سهيلة وحولت الأمر لمزاح وأجابت عليه بطريقة جعلته يحرج
دون أن يلاحظ أحد فقالت: -عمي إنك اليوم غادرت منزلك الذي نشأت فيه، لا تخجل من الطلب مني إن احتجت إلى شيء ما، لقد أصبحت اليوم مثل والدك. ضحك الجميع على حديثها، ثم قالت مبتسمة: -ماذا أفعل؟ انتظرت سماعها منه لكنه لم يفعل، أخبرته أنا بها وقمت بالواجب بدلاً منه. ضحك آثر وقال: -لم أكن أعلم أنك خفيفة الظل إلى هذا الحد، يا لكِ من فتاة مشاكسة.
وصلوا إلى القاهرة بعد ساعات من السفر، ترجل الجميع أمام منزل عائلة آثر، وأنزلوا أغراض سهيلة وحقائبها من السيارة، فقالت سهيلة: -آثر لم لا نذهب إلى شقتنا ومنزل هذه الأشياء هناك؛ حتى لا يضيع شيء منها؟! قال آثر وهناك علامات للتوتر على وجهه لا تعلم سهيلة ما سببها: -لا تقلقي سأضعها هنا، وننقلها لاحقًا على رواق من أمرنا.
تعجبت سهيلة من توتره وتغير ملامحه، ظلت تقف تنتظر ماذا سيحدث، وجدت أن أكرم ذهب ومنال وزوجة أكرم صعدوا إلى أعلى لمنزلهم، حتى أنهم لم يضيفوا السائق ومرافقه على شيء ما، طعام أو شراب كما اعتادت سهيلة أن يحدث ذلك في بلدتها، ولكن من اختفى ولم يجدوه في برهة من الزمن هو والده. بعد نزول الجميع اختفى والد آثر ولم يجدوه، علمت سهيلة أن هذا ما يجعل آثر متوترًا إلى هذا الحد، لكن الغريب لم يتوفر آثر لغياب والده؟!
أجل، كانت الطريقة التي اختفى بها مثيرة للشك ولكن ليس هذا ما يجعله متوترًا إلى هذا الحد. أخبرته منال شقيقته أن والده ذهب إلى عمله ومطبعه الخاص بحجة أن هناك أناسًا يريدونه في عمل. كان آثر يضرب كفًا على كف وهو يقف بعيدًا مع أكرم، كانت سهيلة تراقبه من بعيد، ثم اقترب منها وقال لها: -هيا اصعدوا إلى أعلى. أمسكت سهيلة بذراعه برفق وقالت: -ما الأمر؟ أنا لا أريد الصعود إلى أعلى أريد الذهاب إلى شقتي لأراها، وأرى ما بها.
-قال آثر بقلق: -حسنًا انتظري حتى قدوم محمد أخي، هو لديه مفاتيح الشقة. -ولم محمد لديه مفاتيح شقتنا؟ -كنت أتركها معه؛ لأن كان هناك عمال ما زالوا يعملون بها، اصعدي الآن لا تقفي هكذا في وسط الشارع، اصعدي إلى منال، سأوافيك بعد قليل. صعدت سهيلة ورباب وشقيقتها الصغرى أسماء إلى أعلى، وجدت منال جالسة تشرب الماء وفي الجهة الأخرى شهد زوجة أكرم تشرب الماء أيضًا، فقالت منال عند رؤيتهم أمام باب الشقة:
-ادخلوا تعالوا، يا شهد اجلبي زجاجات مياه من البراد. قامت شهد تجلب المياه، جلست رباب وسهيلة وأسماء، يتبادلون الحديث مع منال، فجلبت لهم صورًا قديمة لها ولعائلتها وخطيبها الأول والثاني، وصور زفافها، ظلت سهيلة تشاهد الصور ويمزحون مع منال، لكن بالها مشغول بآثر وقال لمنال: -أين والدكِ يا منال؟ لقد اختفى فجأة هكذا! إلى أين ذهب؟ قالت منال ببرود: -لديه عمل مستعجل في المطبعة، اتصل به زبون يريد شغل، وذهب إليه.
-هكذا دون أن يخبر أحد، لقد ظننت أنه ذهب للصلاة عندما ترجلنا من السيارة وكان أذان العصر قد رفع. -أجل أجل، لقد أخبرني أنه أدى صلاة العصر وذهب. تعلمون أن سهيلة تعرف في قراءة لغة الجسد، علمت من تغيرات ملامح منال أن هناك خطب ما، فقالت لها: -لم آثر متوتر إلى هذا الحد؟ ألا تعلمين ماذا هناك؟! لم يخبرني شيئًا. -لا أعلم لم يخبرني، ربما لأنه يريد مالًا لأجل السائق كان يقول أكرم شيئًا عن هذا. قالت سهيلة وكأنها حصلت
على ما تريد من جوابها: -اممممم حسنًا ربما. قامت سهيلة تتجه إلى نافذة المنزل وتتصل بآثر: -أين أنت يا آثر؟ لم كل هذا التأخير؟ -أنا قادم يا سهيلة فقط بضع دقائق وأكون عندكِ. -حسنًا أريدك أن تجلب لي شيئًا من الصيدلية. -ماذا تريدين؟! سكتت سهيلة قليلًا من خجلها ثم أخبرته بأنها تشعر بمغص في بطنها، وليتها ما أخبرته، لقد زادت عليه الأمر، غضب أكثر مما كان وقال لها: -حسنًا أغلقي الخط الآن، سأجلبه لكِ. -حسنًا.
كان خطأ سهيلة هنا أنها تحدثت أمام منال وشهد عن الأمر، أخبرتهم بما تشعر به وأنها ربما لن تستطيع إكمال ليلة دخلتها بسبب مرضها الشهري، قالت رباب: -لا عليك يا سهيلة ليس بالأمر الصعب، لا ذنب لك في ذلك ربما تغيرت هرمونات جسدكِ؛ من شدة التوتر الذي مررتِ به في الفترة الماضية، عليك باحتساء السوائل الساخنة وستنقضي الفترة أقل من العادة. قالت سهيلة بتوتر:
-حسنًا لنذهب إذا إلى الشقة؛ حتى أبدل ملابسي وأرتاح قليلًا، لكني جائعة جدًا لا أعلم لم تأخر آثر كل هذا الوقت، ربما يجلب طعامًا لنا. قالت منال بكل برود: -ربما.
تعجبت سهيلة من جلستها هكذا دون مبالاة، فهم ضيوف لديها في منزلها وفي مناسبة سارة، كيف لا تقوم بواجب الضيافة، حتى أنها لم تعزم عليهم بكوب عصير، فقط تجلس وتنظر لما يدور حولها، غمزت رباب لسهيلة، وعملت سهيلة مقصدها، ظهرت بعض العلامات على وجهها فهمتها رباب، فهمت منها أنها لا تعلم ما هؤلاء البشر، حقًا تتعجب من تصرفاتهم. رفعت سهيلة هاتفها بانفعال وضيق تتصل بآثر: -آثر أين أنت كل هذا الوقت وتاركني هنا؟!
أنا لا أعلم ماذا تفعل حتى الآن؟ لقد مضت أكثر من ثلاث ساعات منذ قدومي. -قادم يا سهيلة قادم. -منذ أكثر من ساعة أخبرتني بذلك، أريد أن أذهب إلى شقتي الآن من فضلك، أجلب لي ما أخبرتك به واصعد على الفور. -حسنًا هيا أنا آتي إليكِ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!