حزن ومعاناة. عندما يتخطى الطمع أقصى درجاته، ولا نلقي بالاً لمشاعر الأشخاص، تتملكنا رغبة الحصول على ما نريد، لا يهم كيف ولا متى ولا النتائج المترتبة على ذلك، فقط نفكر فيما نريده، نصبح بلا قلب بلا ضمير بلا مشاعر.
لا نفكر أن هناك شيء يسمى الغيب والمجهول لا نعلمهما، لا نعرف ماذا يخبئ لنا القدر، تلك الثقة المفرطة التي نحصل عليها من سيطرتنا على شخص ما، ربما تنقلب علينا إلى أقصى درجات الضد، فتصبح كالشجرة التي ظلت تنمو بثقة في أرضها لسنوات، وجاء أحدهم ليقلعها من جذورها؛ لأنها لا تناسب مكانه. عندما خطط آثر، الكثير من الخطط الشيطانية؛ للحصول على سهيلة، لم يفكر قط في ماذا لو لم تجدي تلك الخطط نفعاً؟ وماذا لو لم أحصل على ما أريد؟
ما بال مشاعر تلك الإنسانة التي وثقت بي وسلمتني روحها ومشاعرها وجعلتني في مكانة لا تقارن فيها بأحد؟ ربما يستيقظ ضميره بشيء ما ولكن متى يا ترى؟ ربما ينجيه القدر أو يخسف به الأرض بفعله.
كانت تقفز الفرحة في قلب سهيلة كالاطفال في ليلة عيد، بالرغم مما فعله معها ومعاملته السيئة لها إلا أن عشقها له كان يجعلها تتغاضى عن أخطائه عند سماع بعض الكلمات المحلاة بالعسل، يجبر بها خاطرها المنكسر، هو صياد ماهر علم نقاط ضعف فريسته ونصب لها شباكه بمهارة قصوى، حتى جعلها تذهب إلى فخه بقدميها دون تردد ولا خوف.
اشتد مرض عم سهيلة كثيراً وأصبح في فراش الموت، قدم والد آثر بعد قبول آثر بشروطه وتحمل تكاليف سفره وإخوته، في يوم التاسع عشر من شهر يوليو عام ألفين وخمسة عشر ميلادياً، كانت خطبة سهيلة على آثر في منزل والدها، بلا حفل خطوبة وبلا زغاريد وبلا فستان، فقط اقتصرت فرحتها على وضع دبلة الخطبة في إصبعها، والتي كانت الطوق الذي سُجنت فيه طوال حياتها.
حاولت رباب أن تفرح قلب صديقتها سهيلة بزغاريد، وعندما فعلت وضعت والدتها يدها على فمها وكانت صوتها؛ خوفاً من ملامة الناس لها، فابن عمها وشقيق زوجها في فراش الموت، وهي تحتفل بخطبة ابنتها، حالة غريبة ليس لها وصف. اقبلت عليها والدتها تضمها إليها بشدة تهنئها بخطبتها قائلة بحزن وقلة حيلة: -لقد حصلتي على آثر يا سهيلة الآن؟ ضمتها سهيلة إليها باكية دون كلمة واحدة.
بعد مرور حوالي ساعتين من تناول الغداء غادر آثر وعائلته، في نفس اليوم تلقى والدها مكالمة واردة من أخيه الأصغر يخبره فيها بوفاة أخيه الأكبر، كانت صدمة بالنسبة إليه، وفي اليوم التالي أتوا بجثمان عمها إلى منزل العائلة والذي كان يقطن به جدها وزوجته واعمامها من زوجته وزوجاتهم.
حزنت سهيلة كثيراً لوفاة عمها، ذمها الجميع بعد معرفة خبر خطبتها وخاصة الأقارب، قالوا إن وجه خطيبها شؤم على العائلة وبقدومه إليها ذهبت روح عمها، لامها الكثير على طريقة خطبتها دون علم أحد وفي فترة مرض عمها، حتى ظن البعض أن هناك أمر خاطئ حدث ولا يعلم به أحد. رن هاتف سهيلة بمكالمة واردة من آثر، أجابت بحزن وصوت مبحوح: -مرحبا آثر. تعجب لصوتها الحزين في أول يوم لهما بعد الخطبة التي طال انتظارهم لها:
-ما الأمر ما به صوتك يا سهيلة؟ بصوت باك وحزين: -لقد توفي عمي يا آثر، لقد رحل إلى الأبد. صدم آثر من الخبر وأخذت منه شقيقته الكبرى "منال" الهاتف، تحدثت إلى سهيلة بأسى: -سهيلة البقاء لله يا عزيزتي، تحلي بالصبر. -شكراً لكِ يا منال ونعم بالله. -سياتي إليكِ آثر لحضور العزاء، سيرحل الآن. -لا، لا تجعله يأتي، لم يرتاح بعد من تعب السفر، لقد كان هنا بالأمس يا منال، لا عليكِ.
-ماذا تقولين يا سهيلة إنه واجب لا يمكن تركه، صدقيني لو لم تكن أمي مريضة لكنت أتيت معه أيضاً. -لا عليكِ يا منال أوصلي سلامي إليها. -إنها بجانبي وتريد التحدث إليكِ خذيها. أخذت والدة آثر الهاتف وتحدثت إلى سهيلة: -البقاء لله يا عزيزتي سهيلة. -شكراً لكِ يا أمي ونعم بالله. -لا تحزني يا عزيزتي، إنه كأس سيتذوقه الجميع. -الحمد لله على كل حال، أخبريني كيف هي صحتك الآن؟
-الحمد لله أنا بخير، كنت أود القدوم إليكِ لكن أقسم لكِ يا ابنتي أني لا أستطيع، اشتد عليّ مرض السكر. -شفاكِ الله وعافاكِ يا أمي، اعتني بنفسك فقط. -حسناً خذي آثر يريد مكالمتك. -حسناً وداعاً.
أخذ آثر الهاتف وخرج من غرفة والدته وشقيقته، والدته السيدة "هالة" تعيش مع أبنائها الخمسة وابنة وحيدة هي منال، انفصلت عن زوجها والد آثر منذ سنوات؛ لقسوته على أبنائه وعدم إعطائهم ما يكفيهم من المال، بل وجعلهم كالخدم لديه كل منهم يعمل بأجره، لم يستمع إليها ولم يبنِ لهم منزلاً بل العكس، ابتاع ما كان يمتلكه؛ حتى لا يترك لهم شيئاً وراءه.
أما منال فهي الابنة المدللة لأبيها والتي تشبهه كثيراً في طباعها، انفصلت عن زوجها وهي حامل منه في شهرها الأول، لم تتحمل معاملته السيئة لها وبخله عليها وهذا ما كانت تشكو به إلى الجميع، وربما في حقيقة الأمر تكون خباثتها وطباعتها السيئة هي السبب في طلاقها.
لم تكن سهيلة تعلم كل هذا عن عائلته، علمت الكثير عنها بعد خطبتها، تحدث إليها آثر وأخبرها أنه قادم إليها، وبالفعل أتى آثر، وعندما دخل إلى المنزل خرجت إليه سهيلة بجلباب جديد أخضر اللون مطرز بالورود الزهرية والبيضاء، نظر إليها آثر ولم يلقِ بالاً لذلك فسألها بضيق: -أين هو والدك يا سهيلة، ألم يعلم بقدومي؟ ألم تخبريه أني أتيت؟
تعجبت سهيلة من طريقة حديثه، هو لم يسألها حتى عن حالها، ولم يلاحظ ما فعلته لأجله، لقد ارتدت ثوباً ملوناً بالرغم من أنه من المفترض أن ترتدي زياً أسود اللون حزناً على عمها، اعتقدت وطَرأ في خاطرها أنها المرة الأولى التي يراها فيها آثر بعد خطبتهم، وسيكون فالاً سيئاً إن دخلت عليه باللون الأسود.
فكرت سهيلة به ومشاعره رغم حزنها الذي لا يوصف، وهو يفكر في أن يصنع لنفسه مكانة وقيمة بين عائلتها، واعتقد أنه بخطبتها قد امتلك الكون وأصبح له ما لا يحاسبه عليه أحد. خرجت سهيلة تنادي والدها وعندما رآها بتلك الملابس، نظر إليها من أسفل إلى أعلى ولكن لم يتحدث؛ لأنه به من الهم والحزن ما يجعله لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم. دخل والدها غرفة الاستقبال ورحب به وخرج على الفور. بعدما خرج والدها أمسك آثر سهيلة من ذراعها بقوة
وقال بصوت منخفض بغضب وضيق: -ما به والدك، لم يعاملني بهذه الطريقة؟ لقد جئت لأجله من آخر الدنيا، وهو لا يقدر ذلك، لقد أخطأت في مجيئي إلى هنا أنا ذاهب. دفعها وهم للخروج، أمسكت به بخوف وتوتر وقالت: -آثر والدي لم يفعل شيئاً إنه فقط حزين من أجل عمي، أنت ترى ذلك لكني أعرف والدي جيداً، هو لم يقصد ما تقوله. دفعها بعيداً عنه وقال بتهكم: -عائلة رخيصة، ماذا فعلت بنفسي، دعيني أذهب.
خرج آثر وذهب إلى إحدى المقاهي في البلدة وجلس عليها، حاولت الاتصال به مراراً وتكراراً؛ حتى لا يلاحظ والدها غيابه من العزاء الذي قدم لأجله. حزنت سهيلة كثيراً لكنها رأت أن ما فعله آثر تصرف لا يليق بالطرف الذي هم فيه، وقررت أن تبدل ملابسها وأن لا تعطيه اهتماماً، فقط قامت بالاتصال به لمرة أخرى وعندما أجابها تحدثت إليه بضيق قائلة:
-ما هذا الذي تفعله، من المفترض أنك تكون بجانبي في هذا الظرف القاسي، لكنك تفضل خلق المشاكل بدلاً من ذلك، ماذا أقول لأبي إن سألني أين هو آثر؟ من المفترض أن تكون هناك بين عائلتي تأخذ العزاء معهم؛ لأنك أصبحت فرداً من العائلة، لكن لسنا نحن العائلة الرخيصة بل أفعالك، إن لم تأتِ الآن سأخبر والدي بما حدث ولا تأتِ مرة أخرى.
شعر آثر بالإهانة لحديثها، تعجب من جرأتها لمحادثته بهذه الطريقة وهذه النبرة، يا لها من جرأة مفاجئة، لقد أغلقت الخط في وجهه، قام آثر منفعلاً وذهب إلى منزلها، وجدها تستعد هي وأخواتها بالزي الأسود للخروج، والذهاب إلى منزل جدها لرؤية عمها للمرة الأخيرة قبل مغادرته إلى مرقده الأخير. بعد دخوله إلى المنزل تساءلت أخواتها أين كان فقالت بعد أن سمعت صوت ندائه:
-ربنا كان في منزل جدي ليحضر العزاء، سأرى ماذا يريد، دخلت الغرفة وعندما نظر إليها وهي تعقد يديها واقفة أمامه بضيق وقال وهو يخرج سيجاره ويشعلها: -هل أنا أفعالي رخيصة يا سهيلة؟ تزفر بضيق وتتغاضى عن سؤاله وتقول بحزن وهي تشير إليه بإصبعها:
-لقد توفي عمي اليوم ولست في حالة مزاجية لما تفعله الآن، بدلاً من أن تختلق الخلافات بيننا في هذا الظرف، هون عليّ ولو قليلاً، أنا ذاهبة إلى منزل جدي؛ لأرى عمي قبل رحيله، إن كنت تريد الذهاب معي فاستعد وإن لا فافعل ما تشاء.
همت سهيلة بالذهاب وخرج خلفها، أمسك بذراعها قبل أن تخرج من باب الغرفة مسرعاً، بدأ يبدل طريقته القاسية وأفعاله، رق قلبه قليلاً عندما رأى دموعها تتساقط حزناً كقطرات المطر، جذبها إليه بقوة حتى ارتطمت بصدره، تبادلت عيناهما النظرات، للمرة الأولى التي يرى فيها آثر أعينها عن قرب، بالرغم من أنها بنية اللون والتي يطلق عليها أعين عادية، إلا أنها لها جاذبية خاصة، تخطف الأنظار والعقول والقلوب ببرائتها وسحرها.
خجلت سهيلة من هذا الوضع وطأطأت رأسها خجلاً، حاولت إبعاده وهي تمسك يديه وتسقطها من على خصرها، تفاجأت بأنه لا يستجيب لها، حاولت ثانية ولا يستجيب أيضاً، في كل مرة تحاول إبعاده بقوة أكثر من التي قبلها، تزداد قبضته عليها قوة أكثر، حتى تعنف عليها يحاول التقرب منها وهي تحاول إبعاده، بصوت منخفض يقول لها: -أخواتك بالخارج لا تدري صوتاً وإلا سيقولون ماذا يحدث، ستضعي نفسك في مأزق كبير وأنا معك.
-ابتعد عني يا آثر ماذا تفعل، هذا ليس مزاحاً. ابتسم بجانب فمه يسخر منها وقال: -من قال إني أمزح يا سهيلة، لماذا أنتِ غاضبة مني إلى هذا الحد، أنا آثر حبيبك، لن أتركك حتى تتصالحين معي وتبتسمي لي. نظرت إليه بتعجب وغضب وقالت بتأفف: -ماذا تفعل؟! يا إلهي ها أنا أضحك الآن، دعني وشأني. دفعته بشدة حتى أبعدته عنها وأسقطته على الأريكة، نظر إليها ضاحكاً وقال:
-يا إلهي كم أنتِ قوية، لم أكن أعلم أنكِ لديكِ تلك القوة بالطبع أنتِ فتاة قوية. قام إليها مسرعاً وقبض عليها مرة أخرى وقيد يديها من خلف ظهرها بيديه، لم تستطع الحراك ودفعها بقوة حتى تسقطها على الأريكة واااا. سمعت سهيلة صوت أختها الكبرى تنادي: -سهيلة هيا بنا لقد تأخرنا.
تدفعه سهيلة من جانبها وتقوم بعينين حمراوين من شدة البكاء، وخرجت من الغرفة، هو يبتسم تلك الابتسامة الشيطانية التي تعني الانتصار، وكأنه حصل على كنز من كنوز الدنيا. وصلت صرخات وأصوات حزن، بكاء ونواح وشارع مليء باللون الأسود وأصوات البكاء وصرخات الألم تملأ المكان، ودعت سهيلة وجميع العائلة نعش عمها، والله وحده يعلم ماذا ودعت سهيلة أيضاً مع عمها في هذا اليوم.
انتهى العزاء وسكت الجميع، أصبحت الأجواء هادئة، الحزن داخل القلوب يعلمه الله، والوجوه شاحبة وبحالة يرثى لها، أصعب أنواع الفراق أن تفقد شخصاً روحاً وحيداً معاً إلى الأبد، وبالرغم من ذلك فهو أريح أنواع الفراق، على قدر قسوته وألمه يكون القلب مطمئناً لمعرفة نهاية علاقته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!