إلى متى سيتمادى الشخص بأخطائه، وإلى متى سيظل يعالج الخطأ بخطأ آخر؟ أتعجب من أولئك الأشخاص التي لا تدرك أخطاءها إلا بعد فوات الأوان، ليس هناك شيء سيعوض خسارتهم، ولا شيء سيضمد جراحهم، لن تُجبر كسورهم بسهولة، لن يعود شيء منكسر كما كان قبل الانكسار. أقنعت سهيلة آثر بقدومها إلى القاهرة لرؤيته، هل حقًا بدأ يستيقظ الرجل بداخله؟ غارت الرجولة على نفسها واستيقظت من ركودها! ليس هناك شيء مستحيل على الله، إنه يهدي من يشاء.
في يوم ما في الصباح الباكر استيقظت أسيل ومنة وأيقظوا سهيلة للاستعداد للخروج، لكن خاب ظنها في أنهم سيجعلونها تذهب إليه إلى القاهرة. كانت منة تعتقد أنه سيأتي إليها إلى الإسماعيلية، وأسيل كذلك. سهيلة كانت تعتقد أنهم سيساعدونها في الذهاب إلى القاهرة ويقومون بالتغطية عليها حتى تعود. بعد خروجهن واستقلالهن سيارة أجرة، أثناء ذهابهن في طريق موقف السيارات قالت منة: "سهيلة أين سينتظركِ آثر؟
أنا وأسيل سنذهب إلى مدرستي لإكمال بعض الأوراق الخاصة بالامتحان خاصتي، ومن ثم سنأتي إليكِ لأخذكِ للعودة إلى المنزل بعد الانتهاء، سيكون هناك متسع من الوقت تقضينه مع آثر." قالت سهيلة باستغراب تضم حاجبيها: "من الذي سيأتي؟ آثر لن يأتي إلى هنا، بل أنا من سأذهب إليه، وسآتي قبل عودتكن إلى المنزل. وإن تأخرت أخبريهم في المنزل أنني ذهبت مع بنات خالي شاكر لقضاء اليوم برفقتهن، لن يشك أحد في ذلك." بانفعال وتعجب من
طريقة تفكيرها تحدثت منة: "تلك الفتاة التي كان يمدح بعقلها الجميع ورزانتها، ماذا حدث لها؟ "بالطبع لا، لن أترككِ تذهبين. إن كان يريد رؤيتكِ فليأتِ إلى هنا، لن أترككِ حتى أسلمه إياكِ في يده، ماذا إن اكتشف أحد الأمر وكشفت كذبتنا؟ ستكون كارثة كبرى وليست أنتِ فقط من ستتحمل العواقب." أمسكت سهيلة بكتفيها وقالت برجاء:
"منة رجاءً، لن يتأذى أحد، أعدكِ بذلك. قفوا بجانبي يا فتيات رجاءً، تعلمون أنني لم أره منذ وفاة عمي، ولم يجعلوني أذهب في عزاء والدته. صدقوني لن أتأخر، رجاءً، إنها المرة الأولى والأخيرة أعدكم بذلك." بالرغم من رجاء سهيلة وتحايلها عليهن، إلا أن منة وأسيل أصروا بشدة ألا تذهب وتتصل به ليأتي إليها. بالفعل اتصلت سهيلة بآثر وأخبرته بوجهة نظر الفتيات، هي أيضًا ترى أنهن على حق. لكن صاح بها آثر عبر الهاتف غاضبًا وقال:
"ماذا تقولين؟ لقد أخبرت الجميع بقدومك، حتى أبي ينتظر مجيئك، حتى أنه أخبر منال بأن تحضر طعامًا لأجلك. لقد أخبرتك سابقًا بألا تأتي من البداية وأنتِ من أصررتِ على ذلك، اتركي هؤلاء الحمقى واصعدي إلى السيارة الآن، سآتي لأخذكِ من موقف السيارات." حاولت سهيلة أن تتحدث إليه بهدوء وتحاول إقناعه، حتى أنها أخبرته أنها ستتحمل تكلفة مواصلاته، لكنه صاح بها بشدة وأجبرها بتهديداته أن تنفذ طلبه وتترك الفتيات.
ظلت في حيرة من أمرها بين هذا وذاك، لكن كالعادة كان هو المنتصر وكلامه قيد التنفيذ على الفور. صارت مشادة بين أسيل ومنة وبين سهيلة. تركتهم وذهبت إلى السيارة المتجهة إلى القاهرة وذهبت إلى آثر. حاولوا أن يغطوا عليها ونجح الأمر وصار ما اتفقنا عليه معهن.
وصلت سهيلة إلى موقف القاهرة ومنه إلى المترو برفقة آثر حتى وصلت إلى المنزل. دخلت للتعرف على شقيقته منال، فهي تراها للمرة الأولى وجهًا لوجه. رحبت بها وكان آثر سعيدًا بقدومها. جلست سهيلة على كرسي ودخل آثر إلى المطبخ بعدما أشارت إليه منال. سمعت سهيلة صوتهم مرتفعًا قليلاً وكأن آثر يلزمها على شيء ما وغضب منه. خرج إلى سهيلة وعلى وجهه علامات الانفعال والغضب. تتساءل سهيلة بعدما جلس بجوارها: "ماذا هناك؟ هل هناك خطب ما يزعجك؟
حاول إخفاء الأمر مبتسمًا: "لا لا شيء، فقط كنت أتحدث إليها بشيء ما." "حسنًا." تجولت نظرات سهيلة في أرجاء المنزل قليلاً، حيطان مكسرة ومهدمة من الأسفل، تملأها الشقوق والأتربة، أثاث متهالك وفراش مرقع يغطي الأرض. طرأ في خاطرها أن هذا هو منزل رجل مليونير كما يقول عن والده؟ ما هذه الحالة التي يعيشون بها؟ لم لم يخبرني آثر بهذا؟
قال آثر عندما لاحظ شرودها ونظراتها التي تتجول بين حوائط المنزل باستغراب، حاول جذب انتباهها وتركيزها إليه بدلًا من التدقيق في المنزل: "معذرة يا سهيلة، المنزل في حالة استعداد للتجديد؛ لذلك ترين حالته على هذا الوضع. لقد قرر أبي أن يقوم بتجديد المنزل وترميمه بالكامل بعد وفاة أمي، كل ما ترينه الآن ليس ما نعيش به عادة." اقتربت منه سهيلة قليلاً تهمس إليه بصوت منخفض: "حقًا يا آثر؟
لقد استغربت كثيرًا من حالة المنزل، هل هذا المنزل الذي تعيش به؟ لكن من الجيد أنك أخبرتني، أين هي غرفتك إذا أريد رؤيتها؟
وقفت سهيلة لتدخل إلى المطبخ، تجر منال حتى تريها الغرفة التي يرقد بها آثر. حاول منعها بحجة أن الغرفة ليست مرتبة، لكنها لم تستمع إليه ودخلت إلى المطبخ. عند اقترابها منه سمعت بضع كلمات بين منال وفاطمة وعلمت أن الحديث عليها. حيث كانوا يتنمرون عليها وعلى شكلها الخارجي. فاطمة هي ابنة خالة منال كانت تقيم معها لبعض الوقت بعد وفاة والدتها لمساعدتها في أعمال المنزل وتسليتها لبعض الوقت حتى تعتاد على غياب والدتها.
قالت منال يتهكم: "أرأيتِ شكلها؟ لا أعلم كيف يراها؟ أجابتها فاطمة باستغراب وسخرية: "أجل رأيت، ما هذا؟ إنها تشبه الغراب." دخلت سهيلة وقالت بكل رقي ولطف، حتى بعدما تيقنت من حديثهم أنه عنها: "هل هناك شيء تودين مساعدتي به؟ ابتسمت منال وقالت:
"شكرًا لكِ يا حبيبتي، لقد انتهيت. اعذريني لأنني لم أستطع الطبخ لأجلكِ، لقد مرضت عيناي بالأمس وذهبت للطبيب فمنعني من التعرض للأدخنة والحرارة؛ لذلك فاطمة هنا، إنها تعينني وتساعدني على أعمال المنزل." ابتسمت سهيلة بلطف، بكل رقي وذوق تحدثت، تنظر إلى آثر باستغراب. تذكرت أصواتهم وجمعت في ذاكرتها بعض الكلمات وقامت بربطها بما قالته منال: "لهذا كنت غاضبًا يا آثر؟ عاودت النظر إلى منال وقالت:
"عزيزتي منال، أنا لا أهتم بهذه التفاصيل البسيطة، لا أهتم بأمر الطعام مطلقًا أو الشراب، يكفيني رؤيتكم بخير. لقد كنت للاطمئنان عليكِ وعلى آثر وها أنا ذا فعلت. آخر ما يعنيني هو المأكل والمشرب، يكفي حسن استقبالكم لي وترحيبكم." تبادلت عينا فاطمة ومنال النظرات الخجلة، فقد أحرجتهما بذوقها وأدبها. ليس دائمًا من يملك جمال الشكل يملك جمال الروح والطباع، فهناك من يدعون بالملوك لجمالهم ولا تسوى طباعهم.
فرح آثر بحديثها، لبرهة شعر أنه ربما كان قاسيًا عليها بتعامله، وأنها لا تستحق تلك المعاملة السيئة. قالت سهيلة وهي تشد منال من ذراعها: "هيا تعالي وأريني غرفة آثر." حاول آثر منعها وقال: "لا لا، مرة أخرى، الغرفة ليست مرتبة يا سهيلة وليست منظمة." فقالت فاطمة وهي تقف خلف آثر بتلقائية: "هذه هي الغرفة التي أمامك." أردف ينظر إليها بضيق وقام بكملها في كتفها وقال: "لم أخبرتها أيتها الغبية، ألا ترين كيف هو حال الغرفة؟
سمعت سهيلة صوت اللكمة ونظرت خلفها فرأت الموقف. شعرت بالغيرة والضيق معًا، كيف له أن يمزح مع ابنة خالته بيده، ويلمس جسدها وإن كان مزاح، فهو لم يقبل بمزاحي مع أحد حتى بالكلام. علمت سهيلة في هذه اللحظة أن هناك الكثير يخفى عنها لبعدها عنه، وأن يفعل ما لا يقول ويقول ما لا يفعله. رمقته بتلك النظرات الغاضبة بعض الشيء. لاحظ تغير ملامحها ثم قالت: "ما هذا الذي فعلته؟ كيف لك أن تمد يدك عليها بهذه الطريقة؟ لا تفعل ذلك مرة أخرى."
ابتسم آثر بإحراج وخجل وقال: "لم أقصد، كنت أمزح معها، هي معتادة على مزاجي هذا." قالت سهيلة بضيق وثقة: "ليس بعد الآن." دخلت إلى الغرفة ونظرت إلى فراشه المتقطع، الذي تخرج من مراتبِه قطع القطن الممزقة. تذكرت ما قاله بخصوص تجديد المنزل، قالت في خاطرها ربما. ترمي بنظرها إلى الجانب الآخر من الغرفة فتجد جهاز عروسة كأنه جديد، مغطى بالأكياس البلاستيكية والقماش. تساءلت لمن هذا؟
فأخبرتها منال أنها جهازها، لقد انفصلت عن زوجها بعد شهر من زواجها. تناولت سهيلة الغداء البسيط برفقة منال وآثر وفاطمة. همت بالذهاب بعد حديث دار بينها وبين منال وآثر عن والدتها ويوم وفاتها وكيف اتصلت عن زوجها، وبعض الحواديت التي لا يصدقها عاقل، وإنما يسمعها من أذن ويخرجها من الأخرى حتى لا يحرج من أمامه.
كانت سهيلة فتاة ذكية للغاية ولديها حاسة سادسة وهي قراءة ملامح الوجوه، ومعرفة إن كان الشخص صادقًا أم كذابًا بحديثها، وأيضًا كانت لديها حدث قوي حيث كانت تشعر بالأشياء قبل حدوثها، ربما هذا من صدق نواياها وحسنها يكن الله جانبها دائمًا لقربها منه.
أحيانًا كانت تعلم بكذباتهم وعدم صدق مشاعرهم تجاهها، إلا أنها كانت تمرر ذلك بإرادتها. غادرت سهيلة منزل آثر، ودفعت جميع المصاريف في الخارج إلى أن عادت إلى المنزل. كان ذلك في وقت متأخر من الليل تخطت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. ولسوء حظها رأت خالها يجلس أمام منزله مع أحد أصدقائه. لم تكن تعلم كيف ستدخل إلى المنزل في وجوده، لكنها دخلت على اعتقاد منها بأنه سيكون منشغلًا مع صديقه في الحديث. عندما وضعت قدمها أمام المنزل وظهرها إليه،
نادى بصوت ارتجف له قلبها: "يا فتاة؟ أدارت ظهرها إليه مبتسمة بقلق وقالت: "أجل يا خالي، هذه أنا سهيلة." "أين كنتِ إلى هذا الوقت؟ "كنت في بيت عمي، قد أوصلني ابن عمي إلى هنا وغادر." "اممممم، حسنًا، اصعدي يا عزيزتي." بعد أن غادر صديقه تحرى عن الأمر من زوجته، أخبروه الفتيات أنها كانت بالفعل هناك.
بعدما دخلت وبدلت ملابسها حاولت التحدث إلى الفتيات ومصالحتهم، لكنهم كانوا منزعجين منها لتصرفها السيء. كررت الأمر عدة مرات وخرجت لرؤية آثر، حتى انتهى بها الأمر في إحدى المرات بالتخلي عنها من منة وأسيل. لقد قاموا بتحذيرها عدة مرات من أنه ربما ينكشف أمرها ويلاحظ الجميع غيابها، لكن سحر آثر كان أقوى من ذلك بكثير.
في إحدى المرات التي خرجت فيها وأخبرت أسيل في الصباح الباكر أنها ذاهبة لرؤية آثر، لكن أنكرت أسيل الأمر وقالت إنها لم تعلم أين ذهبت ولم تخبرهم بخروجها. أحيانًا يتخلى عنا الأصدقاء ربما لصالحنا وربما حقدًا علينا، لكن المواقف الصعبة تبين لنا من هم الأصدقاء الحق، ومن هم أصدقاء المصلحة؛ لذلك دائمًا ما يقال اختر الصديق قبل الطريق، لكن في حقيقة الأمر إن صلح الصديق سلك الطريق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!