مهما كانت رغباتنا في الحياة غالية، فليس هناك ما هو أعلى قيمة في الدنيا من الأم، ومهما كانت قلوبنا قاسية، ويتملكها الكره والحقد، ينبت من بين تلك المشاعر السيئة حب الأم بكل قوة وجذور راسخة لا يستطيع شيء اقتلاعها مهما فعل، إنها الأم التي لا تقارن بغيرها ولا تقارن بأحد، ولا يأخذ أحد مكانتها ولا مكانها حتى وإن فارقت الحياة.
دخل آثر إلى غرفة والدته مع منال وأخيه التوأم أكرم وخطيبته نهلة، رأوا حالة والدتهم السيئة، والتي كانت تعاني من الغرغرينة في منطقة من جسدها أيضاً. امسكت والدته بيد منال ابنتها وقالت لها: "اعتني باخوتكِ يا منال، لقد تركت لك أختان بدلا من واحدة سهيلة ونهلة، لا تفقديهم واعتني بنفسك وكوني فتاة صالحة." بكت منال كثيرا وهي تستمع إلى حديث والدتها.
طلبت الممرضة من الجميع أن يخرجوا من الغرفة حتى يفحصها الطبيب. خرج الجميع وبعد عدة دقائق خرج الطبيب وخلفه الممرضة تقول: "البقاء لله، أعانكم الله على بلواكم." علت أصوات الصراخ وبكى الجميع. اخرج آثر الهاتف من جيبه، كانت سهيلة ارتعبت من تلك الأصوات، يخفق قلبها بشدة خوفا من أن يكون ما تفكر به قد حدث. وقال آثر بصوت باكٍ: "لقد ماتت أمي يا سهيلة، لقد ماتت، رجاءً تعالي إلى هنا، أريدك بجانبي، رجاءً أنا أحتاج إليك بشدة."
"آثر اهدأ، ما كل هذه الأصوات والضجة، يا إلهي، اهدأ أرجوك، سآتي إليك." يبكي قلب الشيطان للمرة الأولى، يصدق كالأطفال، تحول إلى ملاك حزين ومكسور. "ارجوك يا سهيلة، تعالي إلى هنا، ابق بجانبي." "حسناً حسناً، رجاءً اهدأ يا آثر، وحد الله، لا تفعل ذلك، أرجوك ادع لها."
أغلق الخط آثر من حالته التي يرثى لها. حقاً، مهما كانت قوة الشخص وقدرته على تخطي المصاعب، واستغلال الآخرين وإيذائهم، مهما كان الشخص قوياً على غيره، هناك ما يكسره، بل ويجعله أضعف من ريشة معلقة بين السماء والأرض تضربها الرياح، لا تعلم إلى أين ستأخذها مغلوبة على أمرها، فمصيرها ليس بيدها. في الصباح الباكر، أخبرت سهيلة والدتها بهذا الخبر، وأخبرت والدتها أباها.
قالت سهيلة لوالدتها إنها ستذهب إلى هناك مع والدها وطلبت منها إخباره، لكنها تفاجأت من رده: "امشي، رجاءً، أريد أن أذهب إلى العزاء لأجل آثر، إنه يريدني أن أكون معهم، وهناك خطيبة أكرم أيضاً." تعلم والدتها عاداتهم وتقاليدهم وتعلم أيضاً رد والدها: "كيف تذهبين إلى هناك؟ سيذهب الرجال فقط، أما أنتِ فلا يمكنك الذهاب وحدك معهم، هذا إن كنت أنا سأذهب، وتعلمين أني لن أستطيع الذهاب." "فقط أخبري والدي، ربما يوافق." "سأخبره."
دخلت والدتها تخبر والدها، وبدأت سهيلة في تحضير حقيبتها وهي على ثقة بأنها ستذهب إلى القاهرة. لكن فاجأتها والدتها بأنها لن تذهب ولن يذهب والدها أيضاً. "لم يقبل والدك بذهابك، ولن يذهب هو أيضاً." وقفت سهيلة متعجبة وتساءلت: "حسناً، أنا لن أذهب، ولكن أبي لم ولن يذهب؟ لقد أتى آثر في عزاء عمي لأجله."
"قال والدك إن والده لم يتصل به في عزاء أخيه ولم يأت إليه حتى أنه لم يرسل تلغراف أيضاً، أما آثر فهو شاب وسيرسل أحد أبناء خيلانك أو أعمامك لقضاء الواجب." غضبت سهيلة ودخلت إلى غرفتها دون كلام، فقط تبكي.
ثم اتصلت بصديقتها وابنة خالها المقربة أسيل، والتي تبعد عنها بمسافة بسيطة لا تتعدى الخمس دقائق. أخبرتها بما حدث وأتت إليها أسيل على الفور تواسيها، وأخبرتها أن أهلها لديهم حق وعليها أن تصبر حتى تمر هذه الفترة وتهدأ الأجواء.
ومن هنا انقلبت الموازين وتغيرت الأحوال، بعد وفاة والدة آثر أصبح شخصاً آخر، بل تحول إلى شخص أسوأ من ذي قبل. بدأ آثر ينتقم من أهل سهيلة وتصرفاتهم معه منها، وانقلبت معاملة أهلها السيئة له عليها بالكامل، كأنه يعاقبها كلما أساء أهلها التصرف معه.
وبدلاً من أن تتحول العلاقات إلى علاقات قريبة وودية، انقلب إلى كره وانتقام، وكان الضحية وسط الجبهتين هي سهيلة، أهلها من جبهة والجبهة الأخرى حب حياتها، الذي دائماً ما كانت تراه مظلوماً وعلى حق. في حقيقة الأمر، هذا ما جعلها تراه عليه دائماً.
لم تكن تلك الفتاة على طبيعتها، ربما كانت مغيبة عقلياً، أو ألقي عليها سحراً بالفعل، أو أنها فقدت عقلها بالمرة. فليس هناك أنثى في الكون أجمع تتقبل كل تلك الإهانات والسب والدعم لها ولعائلتها من شخص ما ولا تستطيع تركه، حتى وإن أقدمت على فعلها وتجرأت لمرات، كانت تعود كما لو أن شيئاً لم يحدث. إنه حقاً ساحر وربما حقاً ألقي عليها سحر ما، أو أنه كان يقيدها بالأعمال دون علمها.
بعد موت والدته بحوالي أسبوعين، كان قد اقترب موعد زفاف أسيل صديقتها الأخرى. وقررت أن تسافر إلى أعمامها وهم خلان سهيلة أيضاً؛ لتشتري بعض الأشياء الخاصة بها من ملابس ومفروشات وغيرها من لوازم الزفاف. أخبرت سهيلة أن تذهب معها لتغير من حالتها النفسية بعض الشيء، وربما تستطيع هناك رؤية آثر دون قيود.
إنها محافظة الإسماعيلية الجميلة، التي سافرت إليها سهيلة في رحلتها، تبعد عن القاهرة مسافة الساعتين تقريباً. هذا ما كانت تفكر به سهيلة، أنها تبعد عن آثر ساعتين من الزمن فقط.
بعد أن وصلت إلى منزل خالها، والذي كان مشهوراً هناك، لديه منزل كبير وبعض المحلات التجارية في المنزل. كان من لاعبي كرة القدم في جيل التسعينات، إنه الكابتن "علي". كان يتعامل مع الجميع بتعالي بسبب زوجته، فتاة الإسماعيلية، والتي كانت تسخر من عائلته؛ لأنهم من الفلاحين وهي بنت المدينة.
علم الجميع بخطبتها، وحاولت سهيلة في تلك الفترة التي قضتها هناك أن ترى آثر بشتى الطرق، لكن رفض خالها أن يستقبله في منزله، وأخبرها أن تأخذ إذن والدها أولاً. لكن والدها رفض أيضاً بشدة. وفي حقيقة الأمر، هذه المعاملة من أهلها بهذه الطريقة هي من أعطت الفرصة لشاب كهذا أن يتمكن منها ويسيطر عليها، بل ويبق دائماً في نظرها المظلوم وهم الظالمين.
اتفقت سهيلة وأسيل وابنة الكابتن علي "منة" أن يجعلوها ترى آثر دون علم أحد ولكن أمامهم. ولكن آثر في هذا الوقت لم يستطع القدوم عندما تحدث إلى سهيلة وقال: "مرحباً يا سهيلة، أين أنتِ الآن؟ بفرح وحماس تتحدث: "أنا هنا يا آثر، بالقرب منك، تفصلني عنك ساعتان فقط، متى ستأتي؟ "وكيف سآتي يا سهيلة بعد رفض أهلك؟ "لا تقلق يا آثر، لقد اتفقنا أنا ومنة وأسيل أن أخرج معهم يوماً وأراك فيه دون علم أحد، لن يعترض أحد على خروجنا."
تحدث بانفعال وغضب وقال: "أخبرتك ألا تأتي إلى هنا، لا يمكنني المجيء، أخبرتك بذلك ولم تستمعي إلي." بحزن تحدثت: "آثر، لم أستطع أن أكون معك وقت وفاة والدتك، دعني أراك لبعض الوقت لأطمئن عليك." زفر بضيق وبصوت مرتفع قال: "كيف آتي إليك يا سهيلة وأنا لا أملك بجيبى جنيهاً واحداً، وكيف ستأتين وأنا لا أستطيع أن أجلب لك ما تريدين؟ هل هذا سبب كافٍ يا سهيلة؟! تعجبت من حديثه وانتابها الصمت للحظات من الصدمة، ثم قالت باستغراب:
"لا أفهم ما معنى هذا، أخبرني ما حدث أرجوك." تنهد آثر بحزن ثم قال: "لقد كنت أدخر بعض المال حتى آتي لزيارتك بعد أن تهدأ الأجواء، تعلمين كيف هو عملي مع والدي، لكن أجبرنا والدي أن يدفع كل شخص ألف جنيه في مصاريف عزاء أمي، لست معارضاً على ذلك ولكن لم يتبق لي أي مصاريف، كيف ستأتين إلى هنا؟ لا لا تأتي أبداً." بحسن نية وعن طيب خاطر قالت: "لا عليك يا آثر، إنها أمك أيضاً، وأنا لدي بعض المال، أعطاني والدي مصاريف للسفر."
انفعل آثر غاضباً وقال: "ماذا تقولين؟! وهل أنا سآخذ منك المال؟ هل جننتِ؟! أنا هو المفترض من يعطيك المال وليس أنتِ." "آثر، وما الفرق بيني وبينك، ألم تقل إنني زوجتك؟! هل هناك فرق بين رجل وزوجته؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!