الفصل 11 | من 29 فصل

رواية زواج بالاكراه الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ملك مصطفي

المشاهدات
22
كلمة
4,762
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

خيم الصمت فجأة، جميعهم يتبادلون الأنظار وقد علت وجوههم الدهشة من هذا الطلب المفاجئ. تعجب صقر بالفعل من الطلب، لكنه رسم الجمود على وجهه وحمْحَم لينظف حلقه بعد أن رأى جميع الأنظار تحولت إليه. كان سيقبل، لكن جاء بباله فكرة أنها ستسميه باسم اتفق عليه مع خطيبها السابق. فعقد حاجبيه بضيق شديد ورمقها بحدة غير مبررة. ولكنها لم تنتظر كثيراً، فالتفت مرة أخرى للطفل لتداعب وجهه بحب. مليكة بابتسامة: –هسميه فادي. ثم أكملت بمرح:

–عشان يبقى عندي فادي وفيروز. فيروز بتعجب: –بس هو اسمه كريم. مليكة بحماس: –عادي نغيره. ابتسمت فيروز ونظرت للطفل، وجدته ينظر لمليكة ويبتسم ببلاهة. هل سيحبها؟ هل سيظنها أمه؟ هل سينسى أمه الحقيقية التي وضعته وجلبته لتلك الحياة؟ ابتلعت غصتها وهي تجيب داخلها: على الأقل ليعيش حياة أفضل منها بين أحضان والديه والاثنين بقربه. ابتسمت وهي تعيده لمليكة لتغادر صاعدة لغرفتها. مليكة بابتسامة وهي تلعب معه: –أنت بتضحكلي يا ديدو، ها؟

بتضحكلي أنا؟ يا لهوي يا ناس على الجمال والطعامة، عايزة آكلك. كانت تنظر لها ريتال بإندهاش، فتلك البلهاء ليست أختها التي كانت تتذمر من الأطفال. وما فادي ذاك؟ ضحكت بداخلها ثم هزت رأسها بيأس لتقع أعينها على زوجها العزيز الذي ينظر لها. فأرسلت له قبلة مضحكة مليئة بالشماتة، ولكنها تفاجئت به يرسل لها قبلة هو الآخر. هي تعلم أنها قبلة بمعنى "ستري ما سيحدث لكِ"، لكن لماذا علت دقات ذلك الأبله قلبها؟

لماذا تورّدت وجنتاها وتعالت حرارتها؟ أشاحت بنظرها بعيداً ثم نظرت لأختها من جديد محاولة إلهاء نفسها. كانت سيليا تجلس بجانب آسر الذي كان يضع حاسوبه على قدمه ويعمل بشدة. كانت تراقب كل ما يفعله ولكنها لم تفهم حرف. فزفرت بملل ثم نظرت ليامن، وجدته يقلب هاتفه ويمسكه بكلتا يديه، فعلمت أنه يلعب لعبة ما. فبدون ذرة تفكير، نهضت وذهبت تجلس بجانب يامن.

رفع آسر نظره بسرعة وهو يشعر بها تنهض من جانبه. ظنها ستذهب للمرحاض، ولكن تفاجئ بها تجلس بجانب يامن. ما هذا التلامس الشديد بينهم؟ قطّب جبينه بضيق ونظر لفخذيها فوجدهم قريبين بشدة من قدم يامن، وأيضاً رأسها قريب للغاية من وجهه، بل واللعنة، شعراتها تتساقط على كتفي يامن بأريحية. سيليا ببراءة وهي تزم شفتيها بطفولة: –ممكن ألعب؟ يامن بتركيز شديد: –لا، أنتِ شكلك هبلة وهتخسريني الـ score بتاعي. سيليا بترجّي:

–لالا، أنا شاطرة أوي في اللعبة دي، هتشوف. طب رهان على أي حاجة تعوزها. يامن وهو ينظر لها وقد لمعت عيناه بلمعة خبيثة: –أي حاجة، أي حاجة! سيليا بتردد من تلك النظرات: –آه، أي حاجة. مال على أذنها، فوقف آسر فجأة وذهب لهم بخطى واسعة ثم أمسك معصمها برفق ظاهري ولكنه كان يضغط على لحمها، فأنكمشت ملامحها بتألم. آسر بابتسامة جافة: –تعالي يا سيليا عايز أقولك حاجة.

ثم سحبها لخارج ذلك المجلس. فتابعه يامن بابتسامة خبيثة، ثم عاد بنظره لتلك اللعبة. ولكن فجأة، اشتم عطر أنثوي يتسلل أنفه، فأغمض عينيه واستنشق أكبر قدر منه وكتم أنفاسه كي يحتفظ به بداخله. فرآها تجلس مكان سيليا بجانبه وابتسمت له ابتسامة صغيرة كتحية، ولكنه ابتسم لها ببلاهة. آسيا بتساؤل: –مش عايز تخرج؟ أنا اتخنقت من قعدة البيت. يامن بتهرّب: –بلاش نخرج الفترة دي، إحنا عرسان جداد، الناس ممكن تتكلم علينا.

أومأت بضيق وهي تشعر بعدم راحة من ذلك الجواب، فشعرت بالشك تجاهه، ولكنها فضلت الصمت. *** بالردهة. ثبتها آسر أمامه وهو ينظر لها بضيق شديد. فسحبت معصمها بغيظ وظلت تفركه وهي ترمقه بنظرات قاتلة. آسر بضيق: –أنتِ قومتي من جنبي ليه؟ سيليا بضيق هي الأخرى وهي تمسك معصمها: –كنت زهقانة وأنت قاعد بتشتغل وأنا مش واخدة على حد هنا. آسر بسخرية: –ويامن إيه؟ سيليا بلامبالاة: –يامن لذيذ، أنا حبيته!

أغمض عينيه لثوانٍ ثم ضغط على عظمة أنفه يحاول استنشاق أكبر قدر من الهواء. هو فقط يريد منها بعض الاحترام، لذلك متضايق، ليس أكثر! أليس كذلك؟ آسر بهدوء مصطنع: –مينفعش جوزك يبقى قاعد جنبك وتسيبيه وتروحي تقعدي جنب راجل تاني. اللي قاعدين يقولوا إيه؟ سيليا بإذبهلال: –على فكرة يامن ابن عمتي، زي ما أنت ابن عمتي! آسر بحدة وهو يمسك معصمها: –بس أنا جوزك. سيليا بتألم وهي تنظر له بغضب: –سيب إيدي، أنت بتوجعني. آسر ببرود وهو يتركها:

–أنا مش عايز اللي حصل ده يتكرر تاني. نظرت له باحتقار ثم دلفت إلى الداخل مرة أخرى. وعندما دلف، وجدها تجلس بجانب آسيا. فزفر بهدوء وعاد لمقعده ليباشر عمله على الحاسوب. *** في منتصف اليوم. بغرفة عبد التواب. كانت فاطمة تجلس بالتراث الملحق بالغرفة وتحتسي قهوتها، وأمامها عبد التواب يتابع أحفاده من الأعلى. فاطمة بهدوء وهي تنظر لما ينظر إليه: –ليه مخليهم يقعدوا مع بعض غصب عنهم؟ يعني حتى في دي هتتحكم؟ عبد التواب

بابتسامة وهو يراقبهم: –احبسي أي راجل وست في مكان واحد غصب عنهم، هيحبوا بعض. وأنا عايزهم قبل ما يحبوا بعض كزوج وزوجة، أخليهم يحبوا بعض لأنهم دم واحد. لازم نستغل الوضع قبل ما كل واحد يرجع شغله. فاطمة بضحك: –تقوم مقعدهم في الجنينة كلهم غصب؟ أديك شايف منظرهم. اللي ماسك موبايله، واللي مش طايق حياته، واللي قاعد بيدعي علينا في سره. عبد التواب بقهقهة: –خليهم يا ستي. بس شايفة الواد يامن قاعد كل شوية يبص لآسيا إزاي؟

دي اللي هتربيه أنا متأكد. بالأسفل. كانت آسيا تمسك هاتف يامن وتلعب به، وهو يشاهدها. فهي رأته وهو يلعب وأرادت تجربة اللعبة، ولكن قاطعها اتصال. فزفرت بحنق. آسيا بضيق: –مليش دعوة، الجيم ده مش هيتحسب، أنا خسرت بسبب اللي بيتصل. يامن بضحك وهو يسحب جواله من يدها: –وريني مين بيتصل. نظرت بجانب أعينها فرأت اسم "شيرين". ولكن ما جعلها تعقد حاجبيها هو انتفاضه من جانبها والابتعاد عنهم جميعاً كي يستطيع التحدث. بدور

بتساؤل وهي تميل عليها: –هو راح فين؟ آسيا وهي تراقبه وهو يقف بعيداً ويتحدث بالهاتف: –راح يرد على الموبايل. عند يامن. يامن بتوتر وهو ينظر حوله: –أنتِ مين قالك تتصلي يا زفتة أنتِ؟ تلك المدعوة شيرين بنبرة رقيقة للغاية: –مقدرتش أستحمل لما عرفت إنك نزلت القاهرة يا بيبي. يامن بضحك: –لا يا شيخة! واللي قالك إنّي نزلت القاهرة مقالكيش إنّي نزلت بمراتيش؟ شيرين بضحكة رنانة تسببت في إبعاده الهاتف عن أذنه: –مراتك!!

أنت هتعملهم عليا يا يويو؟ ده أنا أصدق أي حاجة في الدنيا إلا إني أصدق إنك اتجوزت. يامن بمرح وهو يحك أسفل رأسه: –ولا أنا مصدق والله، بس دي الحقيقة للأسف. شيرين بلامبالاة: –هنستناك النهاردة أنا والشلة في مكاننا المعتاد، متتأخرش يا... يا متجوز. ضحكت ضحكتها الرنانة ثم أغلقت معه. فأبتسم هو ثم وضع الهاتف بجيبه وعاد مرة أخرى. فرأى آسيا تنظر له وهي تضيق عينيها كمن ينظر لمتهم. فأسترد ريقه ثم جلس بجانبها ببطء. آسيا بحمحمة:

–مين شيرين؟ يامن بتعجب مصطنع: –شيرين مين؟ آسيا بسخرية: –اللي كنت بتكركر معاها بالضحك على التليفون من شوية. يامن: –بتكركر؟ أنتِ متأكدة إنك متربية برة؟ آسيا بهدوء: –على فكرة أنا معنديش مشكلة يبقى عندك صحاب بنات وتبقى بتخرج معاهم وتتكلموا. بس عندي مشكلة لو كذبت عليا. يامن بأريحية: –طب الحمدلله. شيرين دي آآ دي صاحبتي من زمان. أنا بس كدبت عشان خوفت تطلعي من الناس الخنيقة دي. آسيا بلامبالاة:

–لا يا عم عادي، هو أنا مراتك بجدي؟ يامن بوجه جرو بريء: –ممكن طلب؟ أكمل وهو يرى علامات الاستفهام مرتسمة فوق وجهها. –ممكن تطلبي من جدي إننا نخرج النهاردة بس آآ متجيش معايا؟ آسيا بعدم فهم: –يعني إيه؟ يامن: –يعني تقولي له إننا عايزين نخرج بما إننا عرسان جداد وكده، بس ده كده وكده كدب يعني عشان يسيبني أخرج. آسيا بتساؤل: –هو أنت بتعمل حاجة غلط؟ يامن بتوتر:

–لا طبعاً، بس آآ هو بيرفض لي كل طلباتي. لو أنتِ طلبتي منه هو هيوافق عادي. آسيا: –طب ما تخرج من وراه. يامن: –ما هو لازم يديني فلوس. آسيا بشمئزاز وهي تنظر له باحتقار: –مش مكسوف من نفسك وأنت شحط كده وتاخد مصروف شبه العيال؟ يامن: –مش مكسوف يا ستي. ها، هتساعديني ولا لأ؟ آسيا ببرود وهي تنظر أمامها: –لأ. يامن بتوسل: –مش هتأخر بجد، أنا بس خارج مع صحابي بليل وجدي هيقعد يتكلم ويقولي هتسيب عروستك والكلام اللي ملوش لازمة ده.

آسيا: –ولما أنا أقوله إني هاجي معاك ويبص يلاقيisني موجود وأنت مش موجود هيبقى منظرنا إيه؟ يامن بتفكير: –اقعدي في الأوضة واقفل على نفسك لحد ما أجي. آسيا بسخرية: –طب وأنت راجع إن شاء الله، لما يلاقوك داخل إيدك فاضية ويسألوك عني هتقولهم إيه؟ يامن: –هنتصرف ساعتها. آسيا بنفاذ صبر وهي تقف: –ماشي يا يامن، بس على الله تصغرني وتعمل حركات عبيطة ولا تطلع بتستغفلني ورايح تعمل مصيبة.

دلفت لتبحث عن عبد التواب، فأخبرها المساعد أنه في غرفته. فصعدت بسرعة لتنهي ذلك الأمر. طرقت الباب، ففتحت فاطمة التي ابتسمت لها ابتسامة عريضة. فاطمة بسعادة وهي تسحبها للداخل: –ادخلي ادخلي يا بنت الغالي، يا عبده دي آسيا. عبد التواب بابتسامة وهو يشير لها من الشرفة: –تعالي يا آسيا. اقتربت آسيا وهي ترسم ابتسامة سخيفة على وجهها. فرأته يرفع كفه لها كي يقبله، ولكنها ابتسمت بإصفرار وصافحته ثم جلست أمامه. آسيا بهدوء:

–أنا عايزة أخرج أنا ويامن. عبد التواب بذهول: –يامن! آسيا بتحدي وهي ترفع حاجبها: –آه، مش جوزي؟ عبد التواب وهو ينظر بغضب ليامن بالأسفل: –أكيد الحيوان ده هو اللي باعتك. آسيا بغضب خفيف: –هو أنا عيلة صغيرة حد يبعتني ويجيبني؟ كل اللي في الموضوع عايزة أخرج أنا وهو عشان آآ نقرب أكتر، الجو في البيت مكهرب. نظر لها عبد التواب بشك ثم نظر ليامن الذي كان ينظر إليهم بحماس من الأسفل. عبد التواب وهو يعود بنظره لآسيا:

–خلي بالك، يامن مش سهل ولا طيب. يعني هو لو رايح يعمل مصيبة يبقى أنتِ بتساعديه. آسيا بتساؤل وهي تسترد لعابها: –مصيبة من أي نوع؟ عبد التواب بغضب ليداري توتره: –اهو مصيبة وخلاص، ما أنتوا جيل مهبب. آسيا بإحراج: –طب آآ عايزين فلوس عشان نخرج. ابتسم عبد التواب وهو يرى تورد وجنتيها من الإحراج، ليست مثل ذلك الوقح الحقير الذي بالأسفل. أخرج من جيبه رزمة مالية ووضعها بين كفيها. عبد التواب:

–دول ليكي أنتِ وهو. أنا عايز أنتِ اللي تبقي مسؤولة عن مصاريف البيت. يامن متهور، ممكن يصرف قد كده مرتين تلاتة في خروجة، لكن انتي رزينة عشان الحياة علمتك قيمة الجنيه اللي بتتعبى فيها. أومأت بهدوء ثم وقفت لتغادر، ولكنه فوجئت به يجذبها من كفها ليحتضنها. عبد التواب وهو يحتضنها بقوة: –أنا حسيت إن محمد اللي قدامي، مقدرتش أمسك نفسي. لو عايزة أي حاجة كلميني، أي حاجة!

ابتسمت آسيا بفتور ثم ابتعدت عنه وخرجت من الغرفة. لتبدل ملامح ابتسامتها تلك بنظرة أكثر تعقيداً. كم تمقت تلك العائلة وتتمنى أن تأخذ ميراثها بأسرع وقت وترحل لتعود لصديقتها وحياتها. وعلى ذكر صديقتها، أمسكت تلك الرزمة وأخرجت بِضع ورقات مالية ثم وضعتها في جيبها تخبئهم كي ترسلهم لصديقتها مساءاً. عند يامن. رآها تقترب منه وبدون أن يدرك أحد، وضعت المال بيده. فوضعه بسرعة بجيبه وقبل يدها. فسحبت كفها بسرعة وهي تجحظ بعينيها.

آسيا بتوتر وإحراج وهي تجلس مرة أخرى: –أنا آآ خدت 1000 جنيه من الفلوس دي عشان هعمل بيهم حاجة. أخرج يامن المال من جيبه وقام بعدّه، فرآها أخذت القليل. فالجد قد أعطاها الكثير والكثير. قسم المال بينهم ثم وضع بين يديها باقي نصفها. لتعقد حاجبيها بعدم فهم. يامن بمرح وهمس: –عشان إحنا شركا في الجريمة دي، يبقى كل واحد فينا ياخد النص. ضحكت وهي تهز رأسها بيأس ثم وضعت المال بجيبها. ولكنها تأملته باستغراب. لماذا يعامل الجميع بلطف؟

لماذا هو لطيف للغاية وطاهر القلب؟ ابتسمت إن حظها وقع في ذلك الشاب، فهي كانت لن تتحمل أن يزوجها جدها من شخص جاد للغاية وغير مرح إطلاقاً. *** في الواحدة بعد منتصف الليل. كانت سيليا تجلس بالغرفة وتتحدث على الهاتف بمكالمة فيديو، ويبدو عليها الضيق الشديد. سيليا بضيق: –أنا مش فاهمة! صديقتها بدموع حاولت إخفائها لكن فشلت: –يعني "روي" بيموت يا سيليا. سيليا بصدمة وهي تضع يدها المرتعشة فوق شفتيها: –أنتِ بتقولي إيه؟

بطلي هزارك السخيف ده، أنتِ عارفة إني مبستحملش كلمة عليه. صديقتها ببكاء وهي تمرر يدها بخصلات شعرها: –مش بهزر، أنا والله مكنش قصدي. أنا كنت بمشيه في الشارع، وقفني شاب يسألني على حاجة، الكلام خدنا ببص لقيته بيعدي الشارع و آآ. سيليا بغضب ودموعها تنهمر: –دي الأمانة اللي سيباها عندك! أنا غلطانة إني وثقت فيكي وأمنتك على حتة من روحي. أنتوا في أنهي مستشفى؟

أغلقت معها بعد أن أخبرتها صديقتها بأنها سترسل إليها الموقع. ثم ظلت تدور حول نفسها وهي تحاول استنشاق أكبر قدر من الهواء. دلف آسر وهو يتحدث بالهاتف وكان يبحث عن شيء ما، لكنه رآها بتلك الحالة، فعقد حاجبيه بتعجب. وكاد أن يتجاهلها ويخرج، ولكنه رآها تجلس أرضاً وتحتضن ركبتيها وتبدأ بالبكاء الشديد. استرد ريقه بصعوبة، فهو لأول مرة يتعرض لذلك الموقف. هل يواسيها؟ أم يتركها ويغادر؟

استأذن من المتحدث بأن يغلق حالياً ثم ألقى بهاتفه فوق الفراش وجلس بجانبها أرضاً. لم يعرف ماذا يقول، ولكنه اكتفى بالتحديق بها. سيليا بتقطع من بين شهقاتها: –أنا عايزة أروح المستشفى. آسر بقلق وهو يمسك وجهها: –ليه؟ أنتِ تعبانة؟ بكت أكثر. فوقف وأوقفها معه ثم هبط بها الدرج سريعاً ولم ينظر لأي أحد من العائلة الذين كانوا منتشرين بالأسفل. محمود وهو يحاول اللحاق بهم: –سيليا! يا سيليا في إيه؟

أوقفه عبد التواب وأشار له بعينيه بأن يتركهم وحدهم. بالفعل توقف، ولكن كان قلبه متوجساً على ابنته فلذة كبده. فكان آسر يمسك كفها ويسحبها خلفه وهي تخرج بملابس البيت فقط، تضع الوشاح حول كتفيها. في سيارة آسر. سيليا ببكاء: –أنا عندي كلب اسمه "روي". كنت سيباه عند صاحبتي لما جينا نسافر، ودلوقتي بتقولي إنه عمل حادثة وبيموت. أنا بجد متعلقة بيه أوي وبحبه أوي. آسر بهدوء وهو يربت على فخذها:

–اهدّي يا سيليا، ادينا رايحين نشوف. متقلقيش، إن شاء الله كله هيبقى تمام. أومأت بسرعة متمسكة بالكلمة بأمل كبير. ولكنها أبعدت يده وهي تنظر له بحنق وخجل طفولي. فأبتسم ابتسامة جانبية ثم مسح أرنبة أنفه ونظر للطريق أمامه. وبالفعل، في أقل من عشر دقائق كانوا أمام الموقع المرسل إليهم. فنظروا حولهم لم يجدوا أي مشفى، فقط ذلك المقهى الكلاسيكي.

هبطت سيليا من السيارة وهي تلتف حول نفسها تنظر جيداً بجميع الأركان وتنظر لهاتفها لتتأكد من أنها وصلت بالفعل. آسر وهو يغلق السيارة جيداً بعد أن هبط منها: –أنتِ متأكدة إن اللوكيشن صح؟ سيليا بتعجب: –أيوه! بس آآ. استمعت لصوت نباح كلبها. فنظرت حولها بسرعة لترى الكلب يقف أمام باب المقهى. لتركض إليه وتحتضنه بقوة وهي تقبل كل أنحاء وجهه. سيليا بدموع وابتسامة: –أنت كويس يا حبيبي؟ ها، طمني كويس؟

وقع وشاحها من عليها، فأنحنى آسر وأخذه. وكان سوف يضعه عليها، ولكنه تفاجئ بخروج مجموعة كبيرة من عُمر سيليا تقريباً ويحملون كعكة كبيرة يوجد عليها صورتها. سيليا بصدمة وهي تقف: –إيه ده يا مجانين! قاطعها غناؤهم. فضحكت بقوة وظلت تصفق بمرح وتغني معهم. فسحبتها الفتيات للداخل وهن يغنين. فدلف آسر معهم وهو يراقب تلك الزينة الموضوعة وتلك الكعكة. ابتسم وهو يجلس في مقعد بعيد فقط يراقب تلك الأجواء بهدوء دون تعليق.

سيليا بدموع وابتسامة: –أنا مش مصدقة بجد اللي عملتوه ده، أنا بحبكم أوي يا بنات. –مش البنات بس على فكرة! نظرت سيليا لمصدر الصوت وتفاجئت بصديقها المقرب يقف أمامها ويحمل هدية كبيرة وخلفه بقية أصدقائها الشباب. صرخت سيليا بحماس وصافحته بحرارة كبيرة وهي تأخذ الهدية بحماس طفولي، ولكنها سقطت بها فهي كانت ضخمة للغاية. أمسك معصمها ليوقفها مرة أخرى، ولكنه تفاجئ بمن يدفع كفه بعيداً. آسر من بين أسنانه وهو يمسك معصمها ويوقفها:

–مين ده؟ سيليا بابتسامة وهي تشير إليه: –ده حمزة، البيست فريند بتاعي. وده آسر ابن عمتي يا حمزة. حمزة بابتسامة صغيرة وهو يمد كفه: –ازيك يا آسر؟ آسر وهو يتجاهله تماماً: –مش يلا، الوقت اتأخر؟ سيليا بعبوس طفولي: –لا، متأخرش، أنا لسة جاية. فتاة ما وهي تقترب وتضع معصمها حول رقبة سيليا: –عارفة مين اللي أخد باله من "روي"؟ سيليا بتساؤل: –هو أنا مش سيباه معاكي؟ الفتاة بغمزة: –لا، حمزة هو اللي أخده. سيليا بابتسامة تشع حباً:

–يا ميزو، مش عارفة أقولك إيه بجد، ربنا يخليك يا رب. حمزة بسعادة: –مش هتفتحي الهدية؟ الفتاة بمرح: –هي عارفة تشيلها الأول. ضحكوا جميعاً عدا آسر الذي كان يقف وعروق رقبته تنفر منه. انحنت سيليا لتحل تلك الربطة التي تتشكل على الصندوق على هيئة عقدة، فظهر جزء من جسدها. فأوقفها آسر بسرعة ووضع الوشاح حولها بضيق وغضب. فأبعدته وانحنت مرة أخرى، ولكن تلك المرة أحكمت يدها على الوشاح كي لا يظهر جسدها.

تفاجئت بماكينة الخياطة التي تحلم بها وحولها الكثير من الحلوى المحببة لها. فصرخت بحماس وهي تضع يدها حول على وجنتيها بصدمة. سيليا بصدمة كبيرة: –إيه ده يا حمزة، أنت بتهزر؟ دي غالية أوي، كلفت نفسك ليه بس؟ حمزة بابتسامة: –مفيش حاجة تغلى عليكي يا أجمل سيلو. سيليا بابتسامة ودموعها تتجمع بعينيها: –شكراً أوي بجد. زفر آسر متعمداً. فنظرت له سيليا بغضب ثم ابتعدت من جانبه وظلت واقفة مع أصدقائها الفتيات. حمزة بتساؤل: –مالك؟

أنت فيه حاجة مضايقاك؟ آسر ببرود: –ملكش دعوة. حمزة بلامبالاة من همجيته تلك: –هو انتوا اتصالحته؟ أصل سيلو كانت حكيالي على مشاكلكم العائلية دي. آسر بهمس غاضب وهو يمسك وجه ذلك الحمزة بعنف ضاغطاً على فكه: –أولاً اسمها سيليا. ثانياً متدخلش في اللي ملكش فيه. ثالثاً بقى وده أهم حاجة، تبعد عن مراتي. أنا مبحبش ألمح دكر جنبها. ثم أكمل بسخرية وهو يرمقه أعلى لأسفل. –ولو إني أشك إنك دكر.

دفعه حمزة بعنف ثم أخبر سيليا بصوت مرتفع أنه راحل. فكادت أن تلحق به، ولكن أمسكها آسر من معصمها ودفعها بخفة مرة أخرى بناحية الفتيات. لتزفر بغيظ، فينظرف لها ببراءة شديدة. إحدى الفتيات بهمس وهي تنظر لآسر الجالس بعيداً: –هو ده بقى ابن عمتك؟ وقعتي واقفة يا بنت المحظوظة. سيليا بسخرية: –ما أنتِ متعرفيش حاجة، هقولك إيه. الفتاة بمرح: –والله لو بيصبحني بعلقة ويمسيني بعلقة، كله يهون عشان أصحى على الوش الحلو ده.

ضحك الفتيات بقوة عدا سيليا التي التفت لتنظر لآسر الذي كان يتصفح بهاتفه. تأملته قليلاً بدايةً من شعره الغزير وحاجبيه الكثيفين وأعينه الواسعة بلونها البني الصافي وأنفه الحاد وشفتيه آآ.

أبعدت عينيها بسرعة بعد أن رأتته يرفع نظره إليها ليقاطع تأملها. حكت خلف رقبتها بتوتر ثم شعرت بخطواته تقترب. فظلت تلعب بأظافرها متجاهلة إياه تماماً حتى شعرت به ينحني من خلفها ويضع شفتيه فوق أذنها. فأغمضت عينيها بقوة وهي تستشعر أنفاسه الدافئة التي تضرب جانب وجهها بقوة. آسر بهمس: –يلا بينا عشان عندي شغل بكرة بدري. أومأت وهي مخدرة تماماً وما زالت تغلق عينيها بقوة. فأبتسم آسر بخبث وقبل وجنتها.

لتفتح عينيها بصدمة وقد تورّد كامل وجهها. آسر بهمس: –كل سنة وأنتِ طيبة. اعتدل بوقفته ثم أشار للجرو ليأتي مهرولاً. فتحمله سيليا وهي ما زالت تنظر بصدمة للشئ. الفتيات: –باي يا سيلو. سيليا بخفوت: –باي، الهدايا! آسر بضحك: –كل حاجة في العربية يا طماعة. ابتسمت ثم سارت بجانبه لتراه يفتح لها باب المقهى. فشكرته ثم صعدت بالسيارة ولحق بها لينطلق بسرعة. أسر ليكسر ذلك الصمت: –مقولتيش ليه إن عيد ميلادك النهاردة؟ سيليا وهي تداعب

الجرو النائم بين أحضانها: –عشان هو مش النهاردة، ده لسه بعد يومين. بس هما احتفلوا بيا عشان حمزة مسافر خلاص. آسر وهو يطرقع رقبته على ذكر ذلك الفتى: –آه، مين حمزة ده بقى؟ سيليا بابتسامة: –حمزة ده أحسن أخ جابتهولي الأيام. أنت عارف ده كان جارنا لحد إعدادي بس بعد كده مشى، بس إحنا فضلنا مع بعض في المدرسة وكمان الكلية. لكن هو مسافر بقى خلاص، رايح أمريكا هيعيش هناك مع أهله ويشتغل هناك.

آسر بابتسامة وراحة كبيرة لم يستطع إخفاءها رغم بكائها بجانبه تأثراً بمفارقة عشرة عمرها: –معلش معلش. إن كان يبقى عندك صاحب جديد أحسن منه. سيليا بتأثر وهي تمسح عينيها: –إن شاء الله. هو أنت هتوافق يبقى عندي صحاب؟ آسر بهدوء: –لو بنات آه، لو ولاد قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم. سيليا بابتسامة متسائلة: –هو أنت بتغير؟ آسر بتوتر وهي يعتدل بجلسته: –أغير إيه؟ أنتِ هبلة؟ ده مبدأ عندي إن مراتي ميبقاش عندها صحاب ولاد. سيليا بغضب:

–وده ليه إن شاء الله؟ آسر بغضب: –حد قالك إني مركبهم؟ سيليا بعدم فهم: –هما إيه دول؟ آسر بضحك: –خيبتي. لعلمك الكلب ده مش هينام عندنا، أنا عندي حساسية من شعر الحيوانات. ضحكت بقوة حتى كادت أن تختنق. فتوّقف جانباً بسرعة وظلت يربت على ظهرها وهي مسترسلة في ضحكاتها. سيليا بتنفس عالٍ: –أنت بطولك وعرضك ده عندك حساسية من الشعر؟ آسر بضيق وهو ينطلق بالسيارة مرة أخرى: –هو المرض بيفرق بين طويل وقصير. سيليا وقد خفت ضحكاتها قليلاً:

–عندك حق. خلاص، هو هينام برة في الصالة. آسر بحنق: –ما أنا بنام في الصالة. سيليا بضيق: –ما أنا أكيد مستحيل أنام في الصالة، أنا جسمي مش متعود على كده، هصحى جسمي مكسر. آسر بهدوء: سيليا بغضب: –أنت اتجننت؟ عايز تنام جمبي؟ آسر بسخرية: –إحنا متجوزين على فكرة لو ناسيه. وبعدين حد قالك إني هموت وأنام جنبك؟ ده لحد ما نعمله بيت بس تحت في الجنينة.

زفرت بضيق واحتضنت جروها بقوة وكأنها تحتمي به من تلك الأفكار التي هاجمت على عقلها فجأة بمجرد تخيله ينام بجانبها. فهزت رأسها بقوة لعل تلك الأفكار تسقط أرضاً. فابتسم آسر وضغط فوق البنزين بقوة أسرع كأنه تواق بشدة ليذهب لتلك الغرفة وينام بجانبها غير آبه بضيقها الملحوظ.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...